‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدهم أبو سلمية باحث فلسطيني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدهم أبو سلمية باحث فلسطيني. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 13 مارس 2026

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟

دروس بخارى والأندلس: هل تبتلع "إسرائيل الكبرى" ما تبقى من وعي الأمة؟
باحث في العلاقات الدولية

ليس التاريخ مجرد حكايات تروى لحرق الوقت، بل هو مختبر للسنن الإلهية والاجتماعية التي لا تحابي أحدا. وما نعيشه اليوم من تشرذم أمام غطرسة المشروع الصهيوني-الأمريكي ليس إلا استنساخا مشوها لمآس كبرى ظنت الأمة أنها دفنتها في طيات الكتب، لكنها تنبعث اليوم في أبشع صورها.

ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم

"بخارى".. المثال الشاهد

من "بخارى"، تلك الحاضرة التي كانت منارة للعلم حين حاصرها الطاغية المغولي "جنكيز خان" في عام 617 هـ، يوثق لنا الإمام ابن الأثير في سفره الخالد "الكامل في التاريخ" (أحداث سنة 617 هـ) مشهدا تنخلع له القلوب.

حين أدرك أهل بخارى أن لا قبل لهم بجيوش التتار، انقسموا إلى فئتين: فئة آثرت المقاومة والاعتصام بالقلعة، وفئة استسلمت وطلبت "الأمان". وهنا تجلى دهاء المحتل وخسة الانهزام؛ إذ لم يكتف جنكيز خان باستسلامهم، بل جعلهم "أدوات" لمحو إخوانهم.

يروي ابن الأثير بمرارة كيف سخر المغول المستسلمين لهم لردم الخندق المحيط بالقلعة التي يتحصن فيها المسلمون الرافضون للذل. ولكي يكتمل المشهد المأساوي، أمر المغول هؤلاء المستسلمين بهدم المساجد، وحمل منابرها، بل وإلقاء المصاحف في الخندق لتمهيد الطريق لخيول التتار.

لقد ظن أولئك "المتعاونون" أنهم يحمون دماءهم بتقديم خدماتهم للمحتل، لكن النهاية كانت "درس التاريخ الأبدي". فبمجرد أن سقطت القلعة وقتل جميع من فيها، التفت جنكيز خان إلى هؤلاء المستسلمين، فاستباح أموالهم، وسبى نساءهم، وأحرق المدينة حتى سويت بالتراب، محققا في ذلك قول من قال: "لو كان فيكم خير ما خنتم إخوانكم". لقد كانوا بالنسبة له مجرد "قناطر" عبر فوقها، ثم حطمها تحت سنابك خيله.

الأندلس.. فرقة واختلاف وفناء جماعي

وإذا ما انتقلنا من الشرق إلى الغرب، نجد جرحا أندلسيا لا يزال ينزف دروسا. ففي عصر "ملوك الطوائف"، تفتتت الأمة إلى دويلات هزيلة، ووصل الهوان ببعض الحكام المسلمين إلى أن يستعينوا بـ"ألفونسو السادس" و"فرديناند" ضد جيرانهم من بني جلدتهم ومذهبهم.

وكانوا يدفعون "الجزية" لملك قشتالة ليمدهم بالسلاح لضرب "الأخ" المنافس. كان "ألفونسو" يبتسم وهو يقبض الذهب، مدركا أن قوة المسلمين تتبدد في صراعاتهم البينية.

وبنفس الاستراتيجية المغولية استعملهم لإضعاف بعضهم ببعض، حتى تساقطت حواضر الإسلام واحدة تلو الأخرى. وكانت القاعدة السياسية حينها: "من استقوى بالعدو على أخيه فقد حجز لنفسه مقعدا في طابور الذبح القادم".

يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه

المخطط الصهيوني: "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات

اليوم، وفي عام 2026، لم يعد العدو يختبئ خلف الكلمات الدبلوماسية. إن تصريحات السفير الأمريكي ونتنياهو تتحدث بوضوح فج عن "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات، وعن "مهمة روحية" وتوراتية لإعادة صياغة المنطقة.

إنهم لا يريدون أرضا فحسب، بل يريدون إخضاع الإنسان العربي والمسلم وتفتيت كيانه. فالمخطط المعلن يستهدف الجميع: السني في القاهرة، والشيعي في بيروت، والمقاوم في غزة، والخليجي في الرياض.

وبينما يتحدث قادة الكيان عن "معركة دينية وجودية"، نجد من بين أبناء الأمة من لا يزال يغرق في أوحال الخلاف المذهبي، ظانا أن هلاك الطرف الآخر (الشيعي مثلا) هو نصر له، متناسيا أن النار التي تحرق دار جاره هي ذاتها النار التي أوقدها الصهاينة لتحرق المنطقة بأكملها.

فقه "دفع الصائل" وتأجيل الخصومات

أمام هذا "العدو الصائل"، والحرب الضروس التي تطحن المنطقة طحنا لإخضاعها، يقدم الفقه الإسلامي حكما قاطعا لا لبس فيه. إذ يقول الإمام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى": "العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا، لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه".

وهذه الأولوية لا تتغير بوجود خلاف مذهبي أو مظالم سياسية سابقة، كما أنها لا تعني زوال الخلاف، لكنها تبرز أهمية الوقت في ترتيب الأولويات.

القاعدة الفقهية التي تقول بـ"درء المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى" تفرض على الأمة اليوم تجميد كل الصراعات الداخلية فورا، وتجاوز الخلافات بين مكونات الجسد الواحد؛ لأن المفسدة الكبرى هي تمكين الصهاينة من احتلال بلاد المسلمين وإبادة شعوبهم، والمفسدة الصغرى هي تأجيل تصفية الحسابات مع "المخالف في المذهب أو المخالف السياسي".

من الناحية الشرعية، الوقوف مع أي فصيل مسلم (سنيا كان أم شيعيا) يواجه الإبادة الصهيونية هو "فرض عين" على الأمة بقدر الاستطاعة. فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. فكيف إذا كان الخذلان يعني تسليمه لعدو لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة؟

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم

هل من استفاقة قبل المقصلة؟!

التاريخ يصرخ في وجوهنا: "إن المحتل لن يترك السني لأنه كره الشيعي، ولن يرحم المطبع لأنه سكت عن ذبح المقاوم".

إننا نعيش لحظة "ردم الخندق" في بخارى؛ فإما أن نكون يدا واحدة تمنع خيول المحتل من العبور لذبحنا جميعا، وإما أن نكون تلك الأدوات الذليلة التي ردمت خندقها بيديها، ثم قتلت على أعتابه.

إن "إسرائيل الكبرى" لا تبنى فقط بقوة السلاح الصهيوني، بل تبنى بالفرقة السياسية فيما بيننا، وبالفرقة المذهبية التي نمارسها.

إن لم توحدنا عقيدة التوحيد ووحدة القبلة، فلتوحدنا وحدة الألم ووحدة المصير، ووحدة أننا أصحاب هذه الأرض والمكون الأصيل للشرق.

التاريخ لا يرحم الضعفاء، والعدو الذي يتحدث بلغة النبوءات لا يفرق بين مآذن السنة وحسينيات الشيعة؛ فبالنسبة له الجميع "أغيار" يجب استعبادهم أو إبادتهم.

أفيقوا قبل أن نصبح مجرد سطر في كتاب مؤرخ قادم، يقول فيه: "كان لهم أعداء يعلنون بكل وقاحة عن نيتهم لذبحهم، فانشغلوا بذبح بعضهم لبعض حتى أتتهم المقصلة جميعا".

الاثنين، 23 فبراير 2026

البناء الفلسطيني

 البناء الفلسطيني 

أ. أدهم أبو سلمية 



الأحد، 25 يناير 2026

قراءة جيوسياسية لما يجري في منطقة الشرق الأوسط

 قراءة جيوسياسية لما يجري في منطقة الشرق الأوسط

في كتابه الشهير «انتقام الجغرافيا»، يؤكد المفكر الأمريكي روبرت كابلان أن السياسة لا يمكن فهمها بمعزل عن الخرائط، وأن الدول التي تتجاهل الجغرافيا في صياغة رؤاها الإستراتيجية إنما تحكم على نفسها بسوء التقدير، فالخريطة، وفق هذا المنظور، لا تقدم مجرد تمثيل مكاني محايد، بل تكشف عن القيود والفرص، وعن منطق القوة والصراع بعيداً عن الانفعالات الأيديولوجية أو الاصطفافات الآنية.

انطلاقاً من هذا المدخل، يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في الإقليم -بما في ذلك إيران، وفلسطين، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط- من زاوية جيوسياسية تتجاوز التفسيرات الطائفية أو المذهبية، بل وحتى المواقف الأخلاقية من الأنظمة السياسية، فالسؤال المركزي هنا ليس: مع من نتعاطف؟ وإنما من يسيطر على الخريطة، وعلى مفاصلها الحيوية؟

من جبل طارق إلى باب المندب

تُظهر التجربة الحديثة أن الممرات البحرية لا تزال تحتل موقع القلب في الصراعات الدولية، فخلال الحرب «الإسرائيلية» على غزة، برزت أهمية مضيق جبل طارق بوصفه منفذ العبور بين الأطلسي والبحر المتوسط.

وقد كشفت التطورات، بما فيها القيود التي فرضتها إسبانيا على رسو سفن يُشتبه في حملها أسلحة، عن حساسية هذا المضيق في حسابات القوى الكبرى، كما أعادت تسليط الضوء على أهمية علاقات الاحتلال «الإسرائيلي» مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، وفي مقدمتها المغرب.

وفي السياق ذاته، شكّلت سيطرة جماعة «أنصار الله» في اليمن على مضيق باب المندب مثالاً على كيف يمكن لقوة غير دولية أن تؤثر في حركة التجارة العالمية.

فقد أدى تعطيل الملاحة المرتبطة بالاحتلال «الإسرائيلي» إلى شلل شبه كامل في ميناء إيلات، وتكبيد الاقتصاد «الإسرائيلي» خسائر ملموسة.

هذه الواقعة أعادت التأكيد على حقيقة جيوسياسية ثابتة: التحكم في المضائق يعادل امتلاك أوراق ضغط إستراتيجية تتجاوز بكثير حجم القوة العسكرية التقليدية.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام «الإسرائيلي» بعلاقاتها مع «أرض الصومال» وذهابها نحو اعتراف أحادي بها كدولة، ذات الموقع القريب من باب المندب، وهو اهتمام لا ينفصل عن سعي أوسع لبناء شبكة نفوذ تطل على أهم ممرات التجارة والطاقة في المنطقة.

موقع إيران الجغرافي ومضيق هرمز
ينطبق المنطق نفسه على الحالة الإيرانية، فالنقاش الدائر حول «تغيير النظام» في إيران غالباً ما يُقدَّم بخطاب أخلاقي أو إنساني، يتحدث عن معاناة الشعب الإيراني أو عن طبيعة النظام السياسي، غير أن القراءة الجيوسياسية تفرض سؤالاً مختلفاً: ما الذي يعنيه موقع إيران على مضيق هرمز؟

يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أخطر عنق الزجاجات في النظام الاقتصادي الدولي؛ وبالتالي، فإن أي تغيير في طبيعة السلطة في طهران، أو في تموضعها الإستراتيجي، ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الطاقة والأمن البحري العالمي.

من هذا المنظور، يصبح واضحاً أن الصراع حول إيران لا ينفصل عن الصراع على التحكم في إحدى أهم بوابات العالم البحرية، كما يكشف بشكل واضح أن الاهتمام الأمريكي في ملف الاحتجاجات الإيرانية لا ينطلق من الحرص على الشعب الإيراني بقدر ما هو اهتمام لخلق بديل سياسي يمنح «إسرائيل» مجالاً حيوياً على المضيق الأخطر.

الأمر لا يتوقف هنا؛ بل يتسع هذا النمط من التفكير ليشمل ملفات أخرى في الإقليم، فالسيطرة «الإسرائيلية» على مرتفعات الجولان وجبل الشيخ في سورية لا تكتسب أهميتها من البعد العسكري فقط، بل من كونها تشكّل «مفاتيح المياه» في المنطقة، عبر التحكم بمصادر وأنهار حيوية مثل الأردن واليرموك والحاصباني والليطاني.

وفي هذا السياق، لا تُفهم التحركات «الإسرائيلية» في شرق أفريقيا، بما في ذلك العلاقات مع إثيوبيا، بمعزل عن ملف المياه وأمن دول المصب، وعلى رأسها مصر.

هذا النموذج من الهيمنة لا يقوم بالضرورة على الاحتلال المباشر أو الاستيطان، بل على التحكم في مفاصل الحركة؛ طرق التجارة، وخطوط الطاقة، ومصادر المياه، والمضائق البحرية، وهي مقاربة تذكّر بما قامت به قوى كبرى أخرى، مثل الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، حيث شكّل التحكم في القنوات والممرات البحرية -من قناة بنما إلى الكاريبي- ركناً أساسياً من أركان النفوذ، ومنع اقتراب الخصوم الدوليين من المجال الحيوي الأمريكي.

نحو قراءة عربية أكثر واقعية
تكشف هذه القراءة، القائمة على الجغرافيا السياسية، أن ما يُعاد تشكيله اليوم ليس فقط خرائط النفوذ نحو شرق أوسط جديد، بل قواعد اللعبة ذاتها في الشرق الأوسط، فالسيطرة على الممرات والموارد تعني عملياً إخضاع الدول المحيطة لمنظومة هيمنة اقتصادية وأمنية «إسرائيلية» طويلة الأمد، حتى وإن احتفظت هذه الدول بأشكال السيادة الرسمية.

من هنا، تبرز الحاجة العربية الملحّة إلى إعادة التفكير في آليات التعامل مع هذا الواقع، سواء فيما يتعلق بالتطبيع، أو بإدارة الموارد، أو ببناء تحالفات إقليمية قادرة على كسر منطق العزل والتحكم بالمفاتيح، فالتاريخ، كما تُخبرنا الخرائط، لا يرحم من يتجاهل الجغرافيا.

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

رد «حماس» على خطة ترمب.. قراءة تحليلية

 رد «حماس» على خطة ترمب.. قراءة تحليلية



في ضوء إعلان حركة المقاومة الإسلامية (حماس)
 موقفها من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة، يمكن قراءة البيان الصادر عنها بوصفه تعبيرًا عن موقف وطني مسؤول، جاء ثمرة تشاور داخلي واسع على مستوى القيادة، وبالتنسيق مع فصائل المقاومة الفلسطينية، ومع الوسطاء والأصدقاء الدوليين.

هذه الصياغة تعكس حرص الحركة على أن يظهر موقفها في صورة إجماع وطني جامع، لا في صيغة قرار منفرد.

أولًا: التعاطي مع الخطة بمنهجية سياسية مسؤولة:
لم تتعامل الحركة مع خطة ترمب ككتلة واحدة على قاعدة الرفض أو القبول، بل نظرت إليها باعتبارها ورقة تفاوضية تحمل بعض البنود التي تحتاج لنقاش وتوضيح.

هذه المقاربة تمثل سلوكًا سياسيًا عقلانيًا يوازن بين حماية حقوق الشعب الفلسطيني واغتنام أي فرصة لوقف الإبادة الجارية، وهو ما أظهره البيان من خلال الترحيب بالقضايا الإيجابية التي تخدم الشعب مباشرة (وقف الحرب، وانسحاب جيش الاحتلال، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير)، وفي المقابل، إحالة القضايا الكبرى المرتبطة بالحقوق والثوابت إلى الموقف الوطني الجامع.

ثانيًا: الانسجام مع المزاج الوطني العام:
رد الحركة لم يأتِ منفصلًا عن المزاج الوطني، بل انسجم مع مواقف مفكرين وكتّاب ومحللين ونشطاء فلسطينيين، دعوا إلى التعامل الذكي مع الخطة وعدم الانجرار إلى رفض مطلق أو قبول مطلق.

واختيار لغة دبلوماسية مرنة، بعيدة عن الانفعال، يعكس وعيًا بضرورة إدارة المعركة السياسية والإعلامية بعقلانية تحافظ على صمود الشعب وتكسب الرأي العام.

ثالثًا: البنود المرفوضة والخطوط الحمراء:
في المقابل، أكد البيان رفض أي بنود تمس جوهر الحقوق الفلسطينية:
1- نزع سلاح المقاومة: سلاح مشروع مكفول دوليًا، لا يمكن نزعه إلا بزوال الاحتلال.

2- وجود قوة دولية أو وصاية أجنبية على غزة: مرفوضة، لأن إدارة القطاع يجب أن تكون فلسطينية خالصة.

3- الحكم الأجنبي بأي صيغة، أو فرض وصاية مباشرة أو غير مباشرة، يتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

4- وصم المقاومة بالإرهاب: مرفوض جملة وتفصيلًا، فالمقاومة حق مشروع للشعوب المحتلة وفق القانون الدولي.

رابعًا: تمايز المواقف الدولية والإقليمية:
البيان استند إلى مواقف عدد من الدول المشاركة في لقاء واشنطن، بما يعزز الموقف الفلسطيني، فوزير الخارجية الباكستاني أشار إلى أن ما طرحه ترمب لا يتوافق مع مسودة الاجتماع، كما عبّر رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، ووزير الخارجية المصري عن تحفظات على بعض البنود، هذه الاستشهادات تؤكد أن «حماس» أرادت وضع موقفها في سياق إجماع إقليمي ودولي نسبي، يفضح تناقضات الخطة الأمريكية ويُظهر أنها غير محل قبول حتى من بعض الحلفاء المفترضين.

خامسًا: جوهر البيان.. وقف العدوان وحماية الحقوق:
الخيط الناظم لكل ما ورد في البيان هو أن وقف العدوان وإنهاء المأساة الإنسانية هو الهدف المركزي، على قاعدة الحفاظ على الحقوق الوطنية المشروعة؛ بمعنى أن الحركة تعاملت مع الخطة من زاوية: ما الذي يخدم حياة الفلسطينيين وصمودهم، وما الذي يمس حقوقهم وثوابتهم.

سادسًا: تأكيد الثوابت الوطنية:
البيان شدّد على أن:

1- قطاع غزة جزء أصيل من أرض فلسطين ودولة فلسطين المنشودة.

2- إدارته يجب أن تكون فلسطينية بالكامل.

3- صمود الشعب وتضحياته لا يجوز أن تُستثمر لتصفية قضيته، بل لتتويج نضاله بالحرية والاستقلال.

بيان «حماس» الذكي جداً لم يكن مجرد رد عابر على خطة ترمب، بل جاء محمولًا على منطق وطني جامع.

1- ترحيب بما يوقف الحرب وينقذ الأرواح.

2- رفض صارم لما يمس الثوابت.

3- خطاب دبلوماسي محسوب، يضع الحركة في صورة الفاعل السياسي المسؤول أمام شعبه والعالم.


بهذا الرد، بعثت الحركة رسالة واضحة: لسنا معنيين بالمساومة على الحقوق، ولسنا معنيين بترك شعبنا يباد بلا أفق سياسي، إنما نحن طرف مقاوم مسؤول، يوازن بين حماية الثوابت وتحقيق المكاسب الإنسانية العاجلة لشعبه.

الخميس، 21 أغسطس 2025

التصعيد بعد قبول الوسطاء.. اختبار لنية الحرب في غزة أم هندسة لشروط ما بعد النار؟

التصعيد بعد قبول الوسطاء.. اختبار لنية الحرب في غزة أم هندسة لشروط ما بعد النار؟

أدهم أبو سلمية

في هذا المقال التحليلي نحاول تسليط الضوء على إعلان الفصائل الفلسطينية، في 18–19 أغسطس 2025م، قبولها مسودة وُضِعت عبر الوساطة المصرية – القطرية لوقف مؤقت للقتال وتبادل أسرى وتوسيع الممرات الإنسانية في غزة، عقب ذلك مباشرة تصعيد «إسرائيلي» مكثّف؛ ما أسقط رواية سائدة بأن المقاومة تُعطّل المسار، وفتح سؤالًا أوضح: 
هل المشكلة في تفاصيل الصفقة، أم في قرارٍ سياسي بعدم إنهاء الحرب الآن؟

الوقائع والأحدث

- جوهر المقترح (وفق روايات متقاطعة): هدنة لمدة نحو 60 يومًا، وانسحابات «إسرائيلية» جزئية، وإطلاق دفعات من الأسرى الصهاينة مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، وزيادة كبيرة في تدفق المساعدات، مع استئناف التفاوض على ترتيبات دائمة.

«إسرائيل» لم تُعلن قبولًا مماثلًا، وأشارت إلى شروط أعلى (إطلاق الجميع وتفكيك قدرات «حماس» قبل إنهاء الحرب)، وبالتوازي استمرّ القصف والعمليات البرية في غزة.

السياق الميداني والإنساني في غزة يبرز من خلال أرقام سجلها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، حيث استشهد حتى الآن نحو 62 ألف فلسطيني، وأصيب أكثر من 152 ألفاً آخرين منذ أكتوبر 2023م، مع انهيار متسارع لمؤشرات الأمن الغذائي وسجلات موثقة لسوء التغذية الحاد.

وتبقى تقديرات الضحايا متصاعدة؛ قتلاً وتجويعاً، حيث يستخدم الجيش «الإسرائيلي» سلاح التجويع كأحد أهم الأسلحة لحسم المعركة في الميدان، وقد وثقت منظمات الأمم المتحدة تصاعداً غير مسبوق وصل للمرحلة الخامسة من سوء التغذية يعاني منه عموم السكان في قطاع غزة مع مناطق إنسانية غير آمنة تضيق على الغزيين يوماً بعد يوم، وتهديدات باجتياح كامل لمدينة غزة حيث يتواجد أكثر من مليون فلسطيني.

- في الداخل «الإسرائيلي»: يتزايد الضغط الاجتماعي من عائلات الرهائن وصولاً للإضراب الذي أعلن عنه الأحد الماضي، وشارك فيه أكثر من مليون «إسرائيلي» للمطالبة بإنجاز صفقة تبادل للأسرى ووقف الحرب، مع أزمة سياسية حول قانون تجنيد الحريديم تُضعف تماسك الائتلاف وتشدد كُلفة القرار لدى نتنياهو.
تفكيك المأزق «الإسرائيلي».. التصعيد أداة تفاوض

قبول الفصائل حوّل نقطة الاتهام: بدل تحميل غزة مسؤولية تعطيل المسار، باتت الكرة سياسيًا في الملعب «الإسرائيلي»؛ لتضع نتنياهو أمام قيد مزدوج:

- على الصعيد الداخلي، فإن أي وقف للقتال الآن يُقرأ في «إسرائيل» على أنه هزيمة للمعسكر اليميني المتطرف، ويهدد تماسك ائتلافه الحاكم المأزوم أصلاً.

- خارجيًا، استمرار الرفض يفاقم الكلفة الدبلوماسية، خصوصًا مع تزايد الصور القادمة من غزة وجدار القانون الدولي الآخذ في التشكّل.

في هذا الإطار، يصبح التصعيد العسكري المتزامن مع قبول الفصائل لمقترح الوسطاء آلية لرفع الكلفة وتعديل الشروط تحت النار قبل أي تهدئة، عبر توزيع نطاق السيطرة الميدانية، وهو أمر عبر عنه نتنياهو ووزير حربه بالقول: إن قبول «حماس» للمقترح جاء نتيجة ما أسماه «الضغط العسكري الهائل»، وهي رسالة للقاعدة اليمينية الداخلية، لكن هذا التصعيد يحمل أخطاراً كبيرة على المستوى الدولي، ويزيد من عُزلة «إسرائيل»، ويعاظم من مستوى الضغط الدولي والحقوقي، مُضافاً له تنامي الشرخ الداخلي بفعل الحركات الاحتجاجية الرافضة لهذا السلوك.

أين تقف واشنطن وأوروبا اليوم؟

في واشنطن، تُبقي الإدارة الأميركية الباب مفتوحًا لهدنةٍ جزئية/مرحلية مقابل رهائن، لكنها لا تُقيّد عسكريًا شريكها «الإسرائيلي»، بل تُحيل قرار التوسّع أو احتلال غزة بالكامل إلى «تل أبيب»؛ ما يقلّل قدرة الوساطة على فرض نهاية حربٍ واضحة.

واشنطن تعمل منذ البداية على دعم كل الخطوات «الإسرائيلية» وتوفر لها الغطاء السياسي والإعلامي، لكنها تقف اليوم في نقطة حرجة بين إعلاناتها المتكررة عن رغبتها في وقف الحرب، والتعنت «الإسرائيلي» حتى الآن في قبول مقترح تقول المصادر: إنه يتطابق مع مقترح ويتكوف الأخير.

في أوروبا، يتسع الفارق بين دول تضغط لوقف التوريد/التطبيع مع مواقف حقوقية متقدمة، ودول تُوازن التزامات التحالفات والسوق الدفاعية، فتخرج بسياسات مرقّعة تعزّز صورة الازدواجية الأخلاقية؛ وهو ما يضع الموقف الأوروبي في مكان حرج للغاية، ويفقدها القدرة على التأثير مع استمرار بقائها تحت سقف الموقف الأمريكي، كما أنها متهمة اليوم بتحويل الحرب في غزة لأداة ابتزاز للإدارة الأمريكية في خطواتها نحو حسم الصراع بين أوكرانيا وروسيا.

حسابات الفصائل الفلسطينية

من منظور تفاوضي، القبول السريع بمقترح الوسطاء ليس تنازلًا مجانيًا رغم أنه كان مفاجئاً للكثيرين، حيث قدمت الفصائل تنازلات جوهرية في محاولة لوقف نزيف الدم والتجويع داخل غزة، كما أن هذا القبول السريع من الفصائل جاء لفضح نوايا «إسرائيل» عبر تعزيز السردية الفلسطينية التي تقوم على عدم رغبة الاحتلال في وقف الحرب بل إدارتها، مع تحويل المفاوضات لتكون أداة لكسب الوقت لصالح تعزيز الضغط العسكري والتخفف من العبء الأخلاقي بالادعاء أن المعطل للمفاوضات هو الطرف الفلسطيني وليس «الإسرائيلي»، 
وبذلك يمكن القول: إن الفصائل بهذه الخطوة حققت التالي:

- نقلت عبء التعطيل إلى الطرف «الإسرائيلي».

- وحدة الموقف الفلسطيني الداخلي، حيث ساهمت كل الفصائل في الاجتماع الأخير في القاهرة.

- زادت الضغط على الوسطاء العرب على وجه التحديد للتحرك بشكل أكثر فعالية نحو الإدارة الأمريكية و«إسرائيل»، بدل الضغط على الفصائل الفلسطينية التي قدمت المرونة الكافية لتحقيق الاتفاق.

- إبقاء الورقة الأثقل «التفاهم على ترتيبات دائمة والانسحاب الكامل» للتفاوض لاحقاً، بعد كسر معادلة التجويع، لكن هذه المقاربة تتطلب انضباطاً ميدانياً وإعلامياً يمنع «إسرائيل» من إعادة تدوير سردية خرق التهدئة كذريعة لتفجير المسار.

السيناريوهات المتوقعة

في تقديرنا، نحن أمام 3 سناريوهات متوقعة بعد هذا الإعلان:

1- هدنة قصيرة مشروطة: قبول «إسرائيلي» متأخر بوقف مرحلي يطلق نصف الأسرى ويختبر الامتثال، يُتيح استراحة إنسانية ويُعيد تموضع القوات؛ لكنه يُبقي مفاتيح الحرب/السلم بيد قرار سياسي لاحق، وفي المقابل تكسب الفصائل الفلسطينية الوقت لكسر حالة التجويع وإراحة السكان المُنهكين بفعل الحرب، ومعالجة بعض القضايا الإنسانية والأمنية الداخلية في غزة.

2- تعظيم التصعيد لتحسين الشروط: موافقة «إسرائيل» على المقترح سيفتح المجال للتفاوض وليس الدخول الفوري في التهدئة، وبالتالي قد يذهب الجيش «الإسرائيلي» كما هو حاصل الآن نحو استمرار القصف والدفع البري في غزة المدينة وخان يونس؛ بهدف رفع كلفة الرفض على الطرف الفلسطيني قبل أي جولة لاحقة؛ كلفته ارتفاع الخسائر المدنية وتعاظم التآكل السياسي الخارجي.

3- انفجار سياسي داخلي في «إسرائيل»: خاصة إذا قرأ الجمهور المعارض لنتنياهو رغبة أمريكية في التوصل لاتفاق؛ ما يزيد من ضغط عائلات الرهائن، يترافق معه مأزق تجنيد الحريديم ومعها تآكل الثقة الأمنية؛ ما قد يفرض تقاطعات تُجبر الحكومة على صفقة لاحقة أوسع من دون إعلان «نهاية حرب» رسمية.

هذه السناريوهات تستوجب، في تقديرنا، من الفاعلين السياسيين الفلسطينيين والعرب مواصلة الضغط على الإدارة الأمريكية، مع تعزيز السردية الفلسطينية، وتكثيف الجهد الإعلامي العالمي الذي يكشف أزمة التجويع والقتل اليومي لتحسين الحالة التفاوضية للطرف الفلسطيني، وعدم ترك المجال للإرادة «الإسرائيلية» لتحدد هي أياً من هذه السناريوهات تختار.

ختاماً، إن القبول الفلسطيني السريع اختبارٌ للنيات لا للنصوص؛ فقد عرّى أن المعضلة ليست في تفصيلة بند، بل في قرار الحرب ذاته.



وأيًّا يكن المسار، سيظلّ ميزان الشرعية على الطاولة؛ أرقام الضحايا، ومؤشرات المجاعة، وأوامر المحاكم الدولية تُعيد تعريف كلفة الإصرار على الحرب.


الحرب في غزة
الوساطة المصرية القطرية
الأسرى الفلسطينيين
الفصائل الفلسطينية
وقف إطلاق النار بغزة
صفقة تبادل الأسرى
سلاح التجويع

الاثنين، 18 أغسطس 2025

نتنياهو وأحلام «إسرائيل الكبرى».. من خرائط الأمم المتحدة إلى خرائط العقل التوسعي!

نتنياهو وأحلام «إسرائيل الكبرى».. من خرائط الأمم المتحدة إلى خرائط العقل التوسعي!
أدهم أبو سلمية




لم يعد بنيامين نتنياهو بحاجة إلى لغة المناورة أو أقنعة الدبلوماسية، فالرجل الذي يقود أعتى الحكومات اليمينية في تاريخ الاحتلال يتحدث اليوم بلغة مكشوفة واضحة، معلناً أن ما يحرّكه ليس فقط مهمة حكومية، بل أيضاً «مهمة تاريخية وروحانية»، ومُقراً بأنه مرتبط عاطفياً وفكرياً برؤية «إسرائيل الكبرى».

هذه ليست جملة عابرة في مقابلة لشبكة «i24» العبرية، خاصة إذا ما علمنا أن المُحاور هو الإعلامي المعروف شارون غال، وهو عضو كنيست سابق عن حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني الذي يرأسه أفيغدور ليبرمان، وبالتالي فنحن أمام إعلان سياسي–أيديولوجي يعيد صياغة المشهد من نزاع على حدود إلى مشروع توسعي شامل، تتغذى عليه خرائط الأمم المتحدة ومنصات السياسة الدولية، وتتقاطع معه مشاريع الممرات الاقتصادية العابرة للقارات.

هذا التحول، الذي يزاوج بين الرمزية السياسية والعمل الميداني، يفرض قراءة جديدة لموقع القضية الفلسطينية، ويفتح الباب أمام أسئلة مصيرية حول مستقبل الإقليم وأمنه القومي، وحول الأدوات التي يمكن أن تواجه هذا المسار التوسعي قبل أن يتحول إلى واقع دائم.

من التطبيع إلى الخرائط.. الرمزية تتحول إلى سياسة

في الجمعية العامة للأمم المتحدة صيف العام 2023م، رفع نتنياهو خريطة «شرق أوسط جديد» خالية من فلسطين، موحداً اللون على كامل الأرض المحتلة، في مشهد مثّل عملية محو رمزي لهذه القضية على منصة دولية كبرى.

وفي العام التالي، عاد ليعرض خرائط «البركة واللعنة»، رابطاً رؤيته بمشروع «الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي» (IMEC)؛ وهو ممر يربط الهند بالخليج و«إسرائيل» وأوروبا عبر شبكات شحن وطاقة واتصال، ويعيد تشكيل معادلات التجارة والممرات الدولية على حساب أطراف إقليمية مثل قناة السويس.

لم يكن هذا الخطاب معزولاً، فقد سبق أن ظهر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في باريس عام 2023م خلف منبر يحمل خريطة «إسرائيل» كما يراها التي تضم الأردن والضفة؛ ما أثار إدانات عربية وغربية في حينه.. هذه الرسائل البصرية والخطابية تؤكد أن فكرة «إسرائيل الكبرى» لم تعد في الهامش الفكري لليمين الصهيوني، بل في صلب برنامجه السياسي.

«المهمة التاريخية»..بين العقيدة والميدان

في مقابلته الأخيرة، حين سُئل نتنياهو إن كان يشعر أنه يؤدي «مهمة تاريخية وروحانية»، أجاب بالإيجاب، وأضاف أنه مرتبط جداً برؤية «إسرائيل الكبرى»، هذا الربط العلني بين العقيدة الدينية- القومية والممارسة السياسية، وفي ذروة حرب إبادة مفتوحة على غزة، يعكس لحظة ذوبان ما كان يُسمى الخطوط الحمراء في الخطاب «الإسرائيلي»، إنه إعلان بأن المشروع التوسعي لم يعد بحاجة إلى تبريرات أمنية أو اقتصادية، بل هو امتداد مباشر لفكرة استعمارية قديمة، تجد اليوم غطاءً من التحالفات الإقليمية، ومسارات التطبيع، وصمت كثير من العواصم.

ما بعد فلسطين..الخريطة التي تكشف النوايا

خريطة «إسرائيل الكبرى» التي يروّج لها اليمين «الإسرائيلي» لا تتوقف عند فلسطين التاريخية، إنها تمتد لتشمل لبنان وسورية والأردن، وأجزاء واسعة من مصر (سيناء)، والسعودية (شمال غربها)، والعراق (الأنبار ونينوى)، والكويت، هذا التمدد ليس مجرد وهم جغرافي، وإنما انعكاس لعقيدة ترى في المنطقة مجالاً حيوياً مفتوحاً، وفي الممرات المائية والبرية أوردة حياة يجب السيطرة عليها.

هنا يصبح مشروع الممرات الاقتصادية، من «IMEC» إلى مشاريع البحر الأحمر والبحر المتوسط، أدوات سياسية بقدر ما هي مشاريع بنية تحتية.

فلسطين في قلب المعادلة

تتآكل رواية «الديمقراطية الوحيدة» أمام سيل الأدلة على الإبادة الجماعية، فيما تتقدم مسارات المساءلة الدولية، كما في مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ومسؤولين آخرين (نوفمبر 2024م)، لكن هذه المعارك القانونية، رغم أهميتها، لن توقف مشروع «إسرائيل الكبرى» ما لم يترافق ذلك مع فعل ميداني مقاوم.

فلسطينياً، المطلوب ليس فقط الصمود، بل زيادة الفعل المقاوم وتوسيعه، وإدراك أن كل فلسطيني داخل فلسطين وخارجها مستهدف في هذا المشروع، وأن تصعيد الاشتباك مع الاحتلال هو أقصر الطرق لوقف أحلام نتنياهو عند حدودها، مع ضرورة توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني، ووقف النزيف الداخلي للقضية الفلسطينية بسبب تعدد البرامج السياسية.

عربياً وإسلامياً، يفرض الواقع معادلة واضحة: دعم المقاومة وإسنادها، وفرض كسر الحصار عن غزة، وعدم السماح بانكسارها، هي صمام الأمان الأول، إلى جانب ذلك، فإن قطع العلاقات، وإلغاء اتفاقيات التطبيع، ووقف ممرات التجارة، وإغلاق المجال الجوي أمام الطيران «الإسرائيلي»؛ يمكن أن يعيد كل المنظومة السياسية في «تل أبيب» إلى حقيقة أن وجودها في هذه المنطقة مكلف إلى حد الاستحالة.

على المستوى الدولي، الزخم الشعبي الهائل ضد الإبادة يجب أن يتحول إلى فعل ميداني منظم: ملاحقة جنود الاحتلال والمسؤولين الصهاينة في كل العالم، وتوسيع دوائر المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية، والضغط على الحكومات لقطع العلاقات مع «إسرائيل»، تحت عنوان الإبادة والأحلام التوسعية التي تهدد الأمن العالمي.

بين الخرائط والوقائع


إن خرائط نتنياهو، وتصريحاته الأخيرة، وخطط الممرات الاقتصادية، كلها تؤكد أن المشروع لم يعد في خانة التخمين، بل في خانة التنفيذ المرحلي، لكن ما يُحسم على الخرائط يمكن أن يُكسر على الأرض، بشرط أن يتشكل وعي فلسطيني عربي دولي موحد بأن مواجهة «إسرائيل الكبرى» ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية للأمن والاستقرار الدوليين.

المعركة إذن ليست فقط على فلسطين، بل على صياغة مستقبل الإقليم، وعلى منع تحوله إلى مجال حيوي لمشروع استعماري جديد، يرفع رايات قديمة بأدوات حديثة، والدرس التاريخي الأوضح أن المشاريع التوسعية، مهما بلغت قوتها، تصطدم عند لحظة الحقيقة بجدار الإرادة حين يتحول الغضب إلى فعل، والمقاومة إلى مشروع إستراتيجي متكامل.

الثلاثاء، 15 أبريل 2025

قراءة في توازنات «النار والمال» بعد مفاوضات مسقط

قراءة في توازنات «النار والمال» بعد مفاوضات مسقط

إيران وأمريكا.. بين منطق الصفقة وشهوة الحرب



أدهم أبو سلمية
باحث فلسطيني

شهدت سلطنة عُمان، في 12 أبريل 2025م، أول جولة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، مثّلت الجولة، التي جرت بوساطة وزير خارجية عُمان بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، محطة اختبار لقدرة الدبلوماسية على كبح التصعيد العسكري الذي بلغ ذروته مع نشر قاذفات «B‑2» في قاعدة دييغو غارسيا وتلويح ترمب بـ«قصف لم تشهده إيران من قبل».

السؤال الذي يفرض نفسه: ما إذا كان الضغط العسكري مجرد وسيلة لانتزاع «صفقة أفضل» من طهران، أم مقدّمة لصدام واسع يعصف بأمن الخليج وأسواق الطاقة؟

أولًا: منطق الصفقات:

في واشنطن، يواصل ترمب، بوصفه رجل أعمال قبل أن يكون سياسيًا، الرهان على صفقة نووية - اقتصادية تُعيد الأرصدة الإيرانية المجمَّدة وتقيّد التخصيب عند 3%، غير أنّ البيت الأبيض يواجه مقصلة داخلية مزدوجة؛ معارضة ديمقراطية تشترط عدم تمرير أي اتفاق إلا من خلال الكونغرس، وتشدد جمهوري عبّر عنه 49 سيناتورًا محافظًا يطالبون بآلية تصديق مُلزِمة لأي اتفاق جديد، يضاف إلى ذلك ضغط اللوبي «الإسرائيلي»، الذي كوفئ في يناير 2025م بالإفراج عن قنابل خارقة للتحصينات لصالح «تل أبيب» كإشارة طمأنة.

ثانيًا: الاقتصاد يكره الحرب:

أعلنت الإمارات، عقب لقاء وفدها بترمب، في 21 مارس الماضي، التزامًا استثماريًا قياسيًا قدره 1.4 تريليون دولار على مدى 10 أعوام داخل الاقتصاد الأمريكي، وفي يناير الماضي، طلب ترمب من الرياض ضخ ما يصل إلى تريليون دولار خلال 4 سنوات، وهو طلب يجري التفاوض حوله حاليًا في إطار حزمة أولية قيمتها 600 مليار دولار.

هذه التدفقات تجعل كلفة الحرب على الولايات المتحدة والخليج باهظة، خصوصًا بعد هبوط خام برنت إلى 64.7 دولارًا للبرميل، في 12 أبريل الجاري، عقب إعلان مفاوضات مسقط، ولا تُخفي دول الخليج تحديداً خشيتها من التصعيد العسكري في المنطقة؛ لما لذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد، وممرات التجارة الدولية؛ وهو ما دفعها لرفع «الفيتو» عبر بيان رسمي إماراتي سعودي أعلنت خلاله أنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الأمريكية في أراضيها في أي تصعيد مع إيران.

ثالثًا: البراغماتية الإيرانية تحت وطأة الإنهاك:

تُقدَّر خسائر الاقتصاد الإيراني منذ إعادة فرض العقوبات في عام 2018م بأكثر من 200 مليار دولار، بينما ارتفع معدل التضخم إلى 47%، وفي ظل انكماش التمويل الموجّه لحلفاء طهران في لبنان واليمن والعراق، تبحث القيادة الإيرانية عن رفع مرحلي للعقوبات النفطية مقابل قيود فنية على التخصيب، مع تأكيد غير قابل للتفاوض على برنامج الصواريخ.

هذا الموقف يحظى بدعم تكتيكي من بكين وموسكو اللتين تشددان على ضرورة «رفع العقوبات الأحادية» قبل أي اتفاق شامل، هذا الواقع الاقتصادي المنهك في إيران يجعل خياراتها أكثر مرونة، خاصة أنها تتوافق ضمنياً مع الولايات المتحدة في كون «الفيتو» يكمن حصراً على امتلاك طهران القنبلة النووية وهو ما تنفي الأخيرة سعيها إليه.

رابعًا: حسابات الخليج بين الحياد والحذر:

بحسب تسريبات دبلوماسية نُشرت في أكتوبر 2024م، حذّرت السعودية والإمارات واشنطن من استخدام قواعدهما أو مجالهما الجوي لضرب إيران، خشية ردّ صاروخي يهدد منشآتهما النفطية والمدن الاقتصادية الجديدة، كما يدرك صناع القرار الخليجي أنّ أي إغلاق لمضيق هرمز سيشلّ صادراتهم البالغة 17 مليون برميل/يوم، ويعرقل خطط التنويع المرتبطة باستثماراتهم الضخمة في الولايات المتحدة.

خامسًا: الصين ورهانات «الحزام والطريق»:

لا تبدو بكين بعيدة عن المشهد الملتهب في الشرق الأوسط رغم محدودية دورها، فالخليج يوفر نحو 40% من واردات الصين النفطية؛ وحدها السعودية صدّرت إلى بكين 78.6 مليون طن في عام 2024م (1.57 مليون برميل/يوم)، ولذلك ترى بكين أنّ انفجار الخليج يهدد أمن الطاقة وممرات مشروع «الحزام والطريق» عبر بحر العرب والمحيط الهندي، وفي ضوء تصاعد حرب الجمارك بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه من غير المستبعد أن تجد نفسها مضطرة لا مختارة للانخراط بشكل أوسع لحماية مصالحها الاقتصادية في حال دخلت المنطقة في حالة صراع تدعو باستمرار إلى تهدئته وتطرح مبادرات وساطة.

سادسًا: روسيا وإستراتيجية «الربح من التصعيد»:

أظهرت بيانات وزارة المالية الروسية أنّ إيرادات النفط والغاز ارتفعت 41% في النصف الأول من عام 2024م لتبلغ 5.7 تريليونات روبل، وهو ما يتيح للكرملين تمويل حربه في أوكرانيا بلا ضغوط داخلية كبيرة، لذلك يستفيد الاقتصاد الروسي من كل توتر يرفع الأسعار فوق 80 دولارًا.

كما يرى الكرملين أن حرباً في المنطقة من شأنه إشغال واستنزاف الإدارة الأمريكية ومنحها حرية أوسع في أوكرانيا، كما أن من شأنها إفشال دعوات ترمب لدول الخليج لزيادة الإنتاج من أجل خفض الأسعار بما يسمح له ممارسة ضغوط أكبر على روسيا لتليين مواقفها؛ ما يفسر دعوات موسكو الضمنية إلى «حل تفاوضي طويل» يُبقي السوق على حافة الخطر.

سابعًا: الكيان الصهيوني بين محفز الحرب ومأزق الرد:

منذ السابع من أكتوبر ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو يتحدث عن أهمية وضرورة تغيير شكل الشرق الأوسط، هذه الدعوات يرى نتنياهو أنها باتت ممكنة في ضوء الضربات التي تلقاها حلفاء إيران في المنطقة وخاصة «حزب الله» اللبناني، وخروج الحرس الثوري من سورية؛ لذلك ترى «تل أبيب» أن ما تبقى من مهام أمامها نحو هذا التغيير هو تدمير برنامج إيران النووي الذي تراه تهديدًا وجوديًا، لكنها تفضّل مواجهة أمريكية - إيرانية تُبقيها في الظل، غير أنّ أي ضربة قد تستجلب وابلًا من 150 ألف صاروخ، وفق تقديرات «IISS» لعام 2024م؛ ما يجعل «إسرائيل» تضغط من أجل اتفاق يُبقي التخصيب الإيراني تحت سقف منخفض ويعالج ملف الصواريخ الباليستية كمرحلة حالية.

بناء على ما تقدم، يبدو بأن المنطقة قد تشهد 4 سيناريوهات محتملة في ظل التصعيد المتزايد:

الأول: يتمثل في صفقة مرحلية تُتيح لإيران تخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3% مقابل الإفراج عن 15 - 20 مليار دولار من أصولها المجمدة، مع توسيع صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أما السيناريو الثاني: فيقوم على تجميد غير معلن، تُبقي فيه العقوبات قائمة مع تفاهمات ميدانية محدودة لتجنب الاحتكاك البحري.

وفي حال فشل المسارين، قد تتجه الأمور إلى مواجهة بحرية محدودة في مضيق هرمز، تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط فوق 90 دولارًا للبرميل، قبل العودة مجددًا إلى المسار الدبلوماسي.

السيناريو الأخطر، فيتمثل في اندلاع حرب شاملة، قد تفتح المنطقة على تحولات جذرية تتجاوز قدرة الفواعل الإقليمية والدولية على التنبؤ بمآلاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.

في النهاية، تكشف معادلة «النار والمال» أنّ الحرب الشاملة خيار خاسر لجميع الأطراف باستثناء موسكو التي تجني أرباحًا من ارتفاع الأسعار، فيما تبدو الصفقة النووية - الاقتصادية الخيار المفضّل لواشنطن وطهران والخليج، وإنْ اصطدمت بتعقيدات الكونغرس واللوبيات الداخلية، يبقى مسار مسقط اختبارًا حاسمًا لقدرة الدبلوماسية على كبح شهوة الحرب وتثبيت منطق الصفقة.



الأحد، 23 فبراير 2025

قراءة في التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم..

قراءة في التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم..

هل نحن على أعتاب نظام عالمي جديد؟


منذ أن طرح فرانسيس فوكوياما، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، رؤيته لـ«نهاية التاريخ» وهيمنة القيم الليبرالية مع سقوط آخر معاقل الشيوعية (الاتحاد السوفييتي)، ساد اعتقاد واسع بأنّ العالم قد بلغ عهداً من التعاون الدولي والإصلاحات الديمقراطية، وأنّ الولايات المتحدة ستتولّى دور الضامن لأمن عالمي مستقرّ.

لكن خلال العقود الثلاثة الأخيرة، انكشفت جوانب قصور منهجية في هذا التصوّر؛ فمن الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة، إلى الحرب على أفغانستان والعراق، وانتهاء بحرب الإبادة الجماعية في غزة، ومن العجز عن منع المجازر وحماية المدنيين إلى الإخفاق في بناء دول تحترم الحريات وحقوق الإنسان، تزعزعت الثقة في فعالية مؤسسات ما بعد الحرب الباردة كالأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

اليوم، في عام 2025م، ومع صعود أقصى اليمين المتطرف في أمريكا متمثّلاً بترمب وفريقه، تزداد التساؤلات عمّا إذا كان النظام العالمي في طريقه إلى التغيير، لا شكّ أنّ تراجع الولايات المتحدة نسبياً وصعود الصين السريع قد قوّضا النظام السابق القائم على الأحادية القطبية، وخلقا معطيات جديدة، لكنّ هذا التحوّل ليس مجرّد منافسة تقليدية بين دولتين عظميين، بل يواكبه إعادة توزيع شامل لأدوات القوة عالمياً.

تراجع الأحادية القطبية وصعود التعدّدية:

خلال حقبة الأحادية الأمريكية التي بدأت في أوائل التسعينيات، بدا أنّ قيم الديمقراطية وحرية السوق ستنتشر بلا حدود، مدعومة بفورة العولمة التكنولوجية والإعلامية، لكنّ الأحداث على مدار العقدين الأخيرين هدّمت هذه الأحلام؛ منها الحروب في الشرق الأوسط، مروراً بالأزمات المالية العالمية المتتالية وأزمات المناخ، وتنامي التوتّر التجاري والتقني بين واشنطن وبكين.

سؤال: هل نحن على أعتاب نظام عالمي جديد؟ مرهون بقدرة الجميع على إدراك التهديدات الوجودية المشتركة

اليوم، أخذت دول كالصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا تبحث عن مسارات جديدة للتعاون الإقليمي، نرى في مجموعة «بريكس» ملامح تعاون مالي وتجاري موازٍ للمؤسسات التقليدية، وعلى الرغم من أنّ هذه التجمّعات لم تبلور بديلاً متكاملاً للنظام المالي القائم، فإنها باتت تعبّر عن إحباط الدول النامية من نموذج رأته غير عادل، خدم مصالح القوى الغنية وكبل اقتصادات البلدان الفقيرة بشروط قاسية للديون والإصلاحات.

الأزمات الاقتصادية وانهيار فرط العولمة:

شهدت العقود الأخيرة أزمات مالية متتالية، منها: الأزمة الآسيوية (1997م)، والأزمة العالمية (2008م)، وجائحة كورونا (2020م) وما تبعها من تذبذبات اقتصادية، هذه الأزمات دفعت عدداً متزايداً من الدول إلى إعادة التفكير في مدى تحرير أسواقها المالية والتجارية وفي جدوى اعتمادها المبالغ فيه على سلاسل التوريد المعولمة.

وفي الوقت ذاته، أدّت التوترات التجارية مع الصين إلى تعزيز النزعات الحمائية داخل الولايات المتحدة وأوروبا؛ فارتفعت الرسوم الجمركية، وتعالت الدعوات لإعادة التصنيع في الداخل، ومع أنّ هذا التوجّه لا يمحو العولمة كلياً، فقد يقود نحو تشكّل مجموعات إقليمية اقتصادية أكثر تجانساً.

التكنولوجيا.. فرص هائلة وأخطار تشريعية:

التطورات في تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقمية تعِد بإحداث طفرة في قطاعات الصحة والتعليم والصناعة وغيرها، لكنها في الوقت ذاته تثير قلقاً هائلاً بشأن الخصوصية والأمن السيبراني، وتزايد الهوّة الرقمية بين الدول والمجتمعات، فالتدخلات الرقمية العابرة للحدود قد تهدد البنى التحتية للدول، وتزعزع الاستقرار الدولي.

تغيّر المناخ.. والاختبار القاسي للحوكمة العالمية:

لا شكّ أنّ أكبر اختبار يواجه النظام الدولي اليوم هو قدرة الحكومات والمؤسسات على احتواء التهديدات الوجودية الناجمة عن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية الحادة، فحتى بعد الاتفاقيات المناخية (اتفاق باريس)، فإنّ الإجراءات الحكومية ما زالت دون مستوى الطموح، والأحداث المناخية المتطرّفة تكشف هشاشة البنى التحتية في دول عديدة، وتُبرز عجز التمويل المتاح عن مواكبة احتياجات الدول الفقيرة أو الجزر المهددة بالزوال.

البديل سيتحدد وفق ما تختاره البشرية اليوم من سياسات وقرارات في الاقتصاد والتقنية والمناخ والسلام

إنّ تعطّل سلاسل التوريد الزراعية وانهيارات المحاصيل في بعض مناطق أفريقيا وجنوب آسيا يفاقمان من أزمة الهجرة والمجاعات، ويزيدان الضغط على الاقتصادات الأوروبية والأمريكية، هذه الأزمات تشير بوضوح إلى أنّ قواعد النظام الدولي الحالية ونمط العمل التطوّعي في ملفات المناخ قد لا يكفيان لتجنيب العالم أسوأ السيناريوهات.

حرب روسيا وأوكرانيا.. وإبادة جماعية في غزة:

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب «الإسرائيلية» على غزة، عن الفجوة الكبيرة في تطبيق العدالة الدولية، وفشل مؤسسات الأمم المتحدة في منع الحروب، وعجزها الواضح عن ملاحقة مجرمي الحرب، وأكثر من ذلك، تحولت الأمم المتحدة إلى أداة لتمرير مثل هذه الجرائم عبر احتكار الدول الخمس الكبرى لحق النقض؛ ما رافقه طرح أسئلة معقدة حول قدرة هذه المنظمة العالمية على تحقيق الأمن والسلم الدوليين. 

وقد شكلت مواقف الولايات المتحدة تحدياً غير مسبوق للإرادة الدولية، حيث تحوّل الموقف الأمريكي من مساند لأوكرانيا إلى ضاغط عليها مع وصول ترمب للحكم، كما أن دعوات الإدارة الأمريكية الجديدة لتهجير الفلسطينيين من غزة وممارسة التطهير العرقي بحق شعبها مثلت واحدة من أخطر المحطات في عجز النظام الدولي بشكله الحالي عن مواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية.

نحو أي مستقبل نسير؟

في ظل هذه التحديات المتعددة، يبدو العالم على مفترق طرقٍ قد يفضي إلى نظام عالمي أكثر تشظياً أو أكثر تعاوناً، من جهة، هناك مؤشرات على أنّ الدول الكبرى لن تختار المواجهة العسكرية المباشرة، بل قد تسلك مسار التنافس السلبي من خلال العقوبات الاقتصادية أو التحالفات الإقليمية والصفقات التجارية، ومن جهة أخرى، أدرك الجميع أنّ الأخطار العابرة للحدود لا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة.

لا تزال الأمم المتحدة، رغم ضعفها، قادرة على ممارسة دور المنسّق الدولي حينما تتوفر إرادة سياسية مشتركة، لكنّ هذا العالم بات اليوم أكبر من 5 دول؛ الأمر الذي يدعو لضرورة الإصلاح الشامل لهذه المنظمة، والإقرار بوجود قوى دولية وإقليمية فاعلة لا يمكن تجاهلها، كذلك قد نرى مبادرات جانبية بين كتلٍ إقليمية قادرة على بناء شبكات أمان اقتصادية أو سياسية عندما تفشل المنظومة العالمية في الاستجابة.

لكن السؤال المركزي اليوم هو: هل تتحول هذه المبادرات إلى بنى مؤسسية عالمية قوية تعيد صوغ مفهوم التعاون الدولي بما يتجاوز إرث القرن العشرين، أم يبقى النظام الدولي في حالة ترنّح بين محاور متنافرة لا تملك رؤية جامعة في الاقتصاد أو الأمن الجماعي أو المناخ؟

ما يجدر بنا إدراكه أنّ التحولات الحالية لا تشبه انهياراً شاملاً ولا ولادة نظام جديد دفعة واحدة، بل هي أشبه بحركة بطيئة لمراكز الثقل، أو كما وصفها البعض بـ«التغيير دون ثورة»، في ظل هذا المشهد، تبقى القوى الناشئة حريصة على التمسك بنسبية السيادة وعدم السماح بإخضاعها لمؤسسات دولية تقليدية، في حين تحاول الدول الغربية الحفاظ على ركائز النظام القديم مع إجراء تعديلات تحفظ لها نفوذها.

إن سؤال: هل نحن على أعتاب نظام عالمي جديد؟ مرهون بقدرة الجميع على إدراك التهديدات الوجودية المشتركة، وبما إذا كانت القوى الكبرى ستختار الانخراط في هندسة نظام منفتح وشامل، أم أنها ستستمر في الانسياق خلف مصالحها الآنية الضيقة، ولئن فشلت الليبرالية المنتصرة في تحقيق وعودها السابقة، فإنّ البديل سيتحدد وفق ما تختاره البشرية اليوم من سياسات وقرارات في الاقتصاد والتقنية والمناخ والسلام.


الاثنين، 17 فبراير 2025

من يحدد اليوم التالي في غزة؟

 من يحدد اليوم التالي في غزة؟

 

باحث في العلاقات الدولية

الدمار الهائل في غزة ليس دليلًا على انتصار إسرائيل، بل هو شهادة دامغة على إرهابها ووحشيتها، ووثيقة حيّة تثبت الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الأبرياء في القطاع.

إن هذا الدمار ليس انتصارًا عسكريًا، بل وصمة عار أخلاقية وإنسانية تلاحق إسرائيل في ضمير العالم.

ورغم حجم المعاناة، فإن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، وفشل الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة، يؤكد انتصار إرادة الفلسطينيين في معركة البقاء. إن تشبثهم بأرضهم، وعودتهم من الجنوب إلى الشمال، رغم الجراح والآلام، ذلك ليس مجرد حركة فيزيائية، بل هو إعلان رمزي عن انتصار الروح المقاومة التي تأبى الانكسار.

أما العنجهية الأميركية في محاولاتها فرض التهجير القسري، وتنفيذ مخططات التطهير العرقي، فلا تعدو كونها محاولات لطمأنة الصهاينة، ومنحهم نصرًا وهميًّا بعد فشلهم الذريع في الميدان.

إنها سياسة تتوسل بالهيمنة لإنقاذ إسرائيل من مأزقها، وتعمل على إقناع مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين الذين غادروا بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بالعودة، أو على الأقل الحد من حالة الذعر والقلق الصهيوني المتفاقم.

أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة تاريخية للانعتاق من العنجهية الصهيوأميركية، واستعادة الثقة بأنفسهم وبشعوبهم، وبقدرتهم على مقاومة الهيمنة؛ فالتاريخ يُصنع بالصمود وليس بالخضوع

لذلك، فإن "اليوم التالي" لغزة ليس محل قلق لشعبنا ومقاومتنا، بل هو موضع حذر أمام محاولات الإدارة الأميركية هندسة نصر مصطنع لإسرائيل، وسعيها المحموم لإقناع بعض الدول العربية بالدخول في بيت الطاعة الصهيوني بعد فشل مشاريع التطبيع.

في المقابل، يسعى ترامب ومعسكره السياسي لإقناع العرب بأنهم قد هُزموا في غزة، في محاولة لصياغة واقع جديد يُرضي نتنياهو ويقدم له مخرجًا سياسيًّا. لكن إن لم يكن التهجير، فما هو البديل الذي يمكن أن يُقنع الصهاينة بأنهم لم يُهزموا؟

الحقيقة الراسخة أن اليوم التالي في غزة سيكون فلسطينيًّا خالصًا، ولن يحدده إلا شعبنا ومقاومته، ومعهم كل أحرار الأمة. لا حاجة للذعر أو تضخيم القوة الأميركية والصهيونية، فتلك القوة تنكسر أمام صخرة الثبات والصمود.

إن المهزوم في الميدان لا يستطيع فرض شروطه في السياسة، وما لم ينجح نتنياهو في تحقيقه بالحرب، يجب ألا يُمنح له على طاولة المفاوضات.

أمام العرب والمسلمين اليوم فرصة تاريخية للانعتاق من العنجهية الصهيوأميركية، واستعادة الثقة بأنفسهم وبشعوبهم، وبقدرتهم على مقاومة الهيمنة؛ فالتاريخ يُصنع بالصمود وليس بالخضوع.

الاثنين، 21 أكتوبر 2024

صرخة وعي

صرخة وعي

بقلم: أدهم أبو سلمية


في زمنٍ كاد فيه الضجيج أن يطغى على صوت الحق، باتت الكلمة أمانةً يُثقِل حملها صدور الأوفياء..


يروق للعقول المسترخية خطاب الشعوبية، فتغرق في بحر ما تود أن تسمع، ولكن الحق ليس هيناً، والحق ثقيلٌ على كاهل من اختار أن يكون أميناً على الكلمة، خاصةً في اللحظات التي تَجعل السكوت خيانةً. وبين إغراء الجماهير وثقل المسؤولية، يقف العقل حائراً، لكن الأمانة تستدعي منا كثيراً من الحكمة والجرأة على قول الحقيقة، مهما كان الثمن.


كم هو يسيرٌ أن نكتب ما يعجب الناس، وكم هو صعبٌ أن نكتب ما يُمتحن به ضميرنا أمام الله وأمام التاريخ.. الكلمةُ أمانة، وأمانة الكلمة قد دفعت بكثيرين إلى طرقٍ وعرةٍ لا يسلكها إلا من يؤمن بأن الصدق هو الجسر إلى الخلاص. لقد دفع كثيرون الثمن غالياً، وما زال الطريق مليئاً بالأشواك لمن اختار أن يكون من حَمَلة هذه الرسالة.


أمتنا اليوم تقف على مفترق طرق، حيث تتشابك الخيوط وتتعقد الأمور، وقد مضت عقود من العبث والتخريب في بيئتها الاستراتيجية، فأصبحنا فرقاً متناثرة، نجادل بعضنا على الهوية، نرفع سيف المذهبية والطائفية على رقاب بعضنا. لقد نجح خصومنا- بل وأتقنوا- في زرع بذور الفتنة بيننا، حتى باتت كل جماعة تفرح بما لديها، وكأننا لا ندرك أننا جميعاً على مرمى سلاح عدو واحد.


لقد انهارت مجتمعاتنا بفعل هذا الغزو الثقافي والفكري، غزو لم يكن يهدف إلا إلى تمزيقنا من الداخل. أصبح الظالم معززاً والمظلوم مُداناً، والتطبيع مع العدو تقدمٌ، بينما الدعوة إلى الوحدة وصوت العدل جريمة تُدين صاحبها.


بات التحريض على الفرقة وتوسيع الشقاق هو ما يُمَجَّد، بينما تُهمَّش الدعوات إلى التسامي والتكاتف، والعمل من أجل المصلحة الكبرى للأمة. كم هو مؤلم أن ترى الإنسانية تُجرَّم، والعمل الخيري يُدان، في حين أن حفلات اللهو والإسراف والترف تصبح رمزاً للتقدم والتحضر.


العلماء الذين كان من المفترض أن يقودوا الأمة أصبحوا إما غرباء في المنافي، أو شهداء تحت التراب، أو أسرى في الزنازين. في المقابل، تصدّر المشهدَ من لا يملكون إلا بريق الشاشات وزيف الكلمات، حتى أصبح من يسمون أنفسهم “المؤثرون” قدوةً في الجهل والتفاهة، إلا قليلاً منهم.


أمتنا اليوم كجسد مريض أرهقته العلل، ولا علاج لهذا الألم إلا بالصدق مع النفس.. لقد وصلنا إلى مرحلة نبرر فيها لقاتلنا، بينما نلوم الضحية، ونصمت أمام الظلم، ولا نرى في دعاة الحرية إلا تخلفاً وإرهاباً!. قُلب الواقع رأساً على عقب، وتفطّر القلب ألماً على ما آل إليه حالنا.


في وسط هذا الوجع، نحتاج إلى الوقوف بثبات، إلى أن نكون أوفياء لكلماتنا، صادقين مع أنفسنا ومع الناس. علينا أن ندفع بالأوفياء وأصحاب الرأي الصادق إلى مقدمة الصفوف، فليس كل من علا صوته علَماً، ولا كل من جمع الإعجابات مؤثراً.


إن خلاص أمتنا يبدأ بعودتنا إلى ذواتنا، وتصحيح علاقتنا مع خالقنا.. حين نؤمن بقوتنا الكامنة، ونستعيد ثقتنا بأنفسنا، سنكون قادرين على مواجهة السرطان الذي تسلل إلى جسد هذه الأمة. حين نتحرر من قبضة الاحتلال، سنبني جسور الحضارة من جديد، سنعود أمةً واحدة، تَحكم بالعدل وتفخر بعزة الإسلام.


إنها زفرات من قلبٍ مفجوع بحال الأمة، كلمات تخرج من الروح علّها تصل إلى القلوب الواعية، وتوقظ العقول التي ما زالت تبحث عن النور.