طرقات_على_باب_التدبر
هناك لحظات تتجاوز قدرة الكلمات على الوصف وتستمد ثقلها من كثافة الحضور نفسه.
يوسف يقف الآن أمام إخوته.
هم أنفسهم الذين ألقوه في غيابة الجب وكانوا فيه من الزاهدين.
نفس الوجوه التي تسببت في كل سنوات الفراق والألم تقف أمامه الآن في وضعية انكسار وضعف واحتياج.
المعادلة انقلبت تماما.
هو الآن العزيز مقاما وقوة وسلطانا.
غريزة البشر المعتادة تصرخ في هذه اللحظة طلبا للانتقام واستيفاء الديون القديمة.
لقد حانت لحظة التشفي التي تنتظرها النفوس المجروحة لتعديل كفة الميزان.
لكننا نتحدث عن نبي الله يوسف.
الكريم ابن الكريم.
هم يجهلون هويته الآن لكنه يحفظ ملامحهم جيدا ولا ينسى الأيدي التي دفعته يوما لقاع البئر.
يمتلك الصلاحية المطلقة لفتح دفاتر الحساب بأثر رجعي.
لكنه يرفض استخدامها.
يغيب صوت المنتصر ليحضر صوت العارف المنكسر لله الصادق في نسبة الفضل لصاحبه.
"أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين"
تعريف واضح يخلو تماما من نشوة الانتقام وبيان يفيض بالخضوع.
هو لا يكشف هويته ليطالب بتعويضات وإنما يلقنهم درسا عمليا في أن الصدق لا يتبخر وأن فرج المحسن قد يتأجل لكنه حتما لا يلغى.
ثم نصل إلى المشهد الختامي الذي يخلع القلوب.
يقف أمامهم متجردا من دور القاضي أو الجلاد ليتقمص دور العافي الغافر.
"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين"
لم ينتقم ولم يعير ولم ينكأ جراح الجريمة القديمة.
ارتفع ببساطة فوق آلامه الشخصية ليصيغ الدستور الخالد للعفو.
لا لوم عليكم اليوم.
ثم تجاوز العفو إلى الدعاء لهم بالمغفرة.
هذا الرد المذهل هو انعكاس مباشر للطف الله الذي ربي في قلب يوسف مساحات العفو قبل أن يمنحه صولجان السلطة.
هو لا يتحدث بعقلية الحاكم إنما بعقلية من استوعب الحبكة جيدا وأدرك أن المكيدة مهما بلغت دناءتها تعجز عن إسقاط من قدر الله أن يزرع فيه الرحمة قبل التمكين.
ويكمل نبي الله يوسف وفاءه بالوعد باستمرارية مدهشة.
حتى في لحظة الذروة حين يجتمع بأبيه وأهله ينسب الجريمة كلها لفاعل خارجي.
"من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي"
يبرئ ساحة إخوته تماما كما وعد "لا تثريب"
وليغلق باب العتاب ويحافظ على صفاء القلوب المتبقية.
هذا هو المعنى الحرفي للثبات على مكارم الأخلاق حين تكون في ذروة القوة
ولا يملك أحد أن يحاسبك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق