عناقٌ على صفحات كتاب.. ابن القيم والهروي وحكاية السّلفيّة والتّصوّف
محمد خير موسى
أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما منازل السائرين ومدارج السالكين"
كان في هراة -في القرن الخامس الهجري- شيخٌ يعرفه أهل المدينة ويعرفون شدته في الحق وجرأته على مخالفيه ومكانته التي جعلت مجالسه مقصداً للناس؛ رجل إذا خرج إلى مجلس التذكير لبس الثياب الفاخرة وركب الدواب الحسنة يريد أن يرى أهل السلطان والدنيا عزة العلم وأهله، فإذا انفض المجلس وعاد إلى بيته خلع تلك الثياب وارتدى مرقعته وجلس مع الصوفية في خانقاههم يأكل معهم ويؤنسهم ويعيش عيشتهم، وقد ترك خارج ذلك المكان مظاهر الوجاهة التي كان الناس يعرفونه بها.
وكان هذا الشيخ أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي المولود سنة 396هـ والمتوفى سنة 481هـ أحد كبار أئمة الحنابلة في خراسان ومن أشد العلماء انتصاراً لطريقة أهل الحديث في الاعتقاد، وله في منازعة المتكلمين مواقف جرّت عليه محناً وابتلاءات، ثم تجده في خانقاه الصوفية وبين المريدين وأصحاب السلوك شيخاً يتحدث عن أحوال القلوب ومنازل التوبة والإنابة والمحبة والإخلاص.
وقد حفظ لنا الذهبي هذه الصورة العجيبة في "سير أعلام النبلاء 18/514" نقلاً عن عبد الغافر الفارسي؛ فذكر ما كان يظهر به الهروي في مجالسه من الزينة والهيبة: "وَكَانَ إِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ وَرَكِبَ الدَّوَابَّ الثَّمِينَةَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا إِعْزَازاً لِلدِّينِ وَرَغْماً لِأَعْدَائِهِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّي وَتَجَمُّلِي فَيَرْغَبُوا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى الْمُرَقَّعَةِ وَالْقُعُودِ مَعَ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخَانَقَاهْ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِحَالٍ".
وفي هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف؛ فقد كان الرجل الذي يلبس المرقعة ويجلس مع الصوفية في خانقاههم (زواياهم) هو نفسه الذي وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء 18/506" بقوله: "وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَثَرِيّاً قُحّاً".
وكان من أشد الناس في الرد على مخالفيه في مسائل الصفات والاعتقاد حتى امتُحن بسبب ذلك، ثم كانت له تلك العناية بأحوال النفس ومقامات السلوك وجمع إلى الاشتغال بالرواية والاعتقاد حياةً طويلةً في الوعظ وتربية المريدين.
ولقد اجتمعت في حياة الهروي أحوال قد يُستغرب اجتماعها بعض أبنائنا اليوم؛ لأنهم عرفوا تاريخ المدارس من معارك المنتسبين إليها، وغاب عن كثير منهم تاريخ الرجال الذين اشتملت حياتهم على علوم شتى ونشأت بينهم وبين أهل المناهج الأخرى صلات علمية وروحية عميقة بقي أثرها ممتداً بعد أن غاب أصحابها عن الدنيا.
الشيخ الذي ورّثَ القلوب والأرواح كتاباً نفيساً
كان للهروي اشتغال طويل بعلوم الحديث والتفسير واللغة وكان له إلى جانب ذلك اهتمام خاص بما يسميه أهل التصوف مقامات السائرين إلى الله تعالى، وقد طلب إليه جماعة من أهل هراة أن يرتب لهم هذه المقامات ويبين درجاتها فخرج من هذه الرغبة كتاب صغير الحجم عظيم الأثر سماه "منازل السائرين إلى الحق المبين".
وجعل الشيخ كتابه مئة منزلة موزعة على عشرة أقسام تبدأ باليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة ثم تمضي بالقارئ في أبواب الخوف والرجاء والخشوع والزهد والورع، وتتناول أحوال المحبة والمعرفة والمراقبة وسائر ما اشتغل به علماء السلوك في تهذيب النفس وتقويم علاقتها بربها.
وكان الهروي يعرف ما للعبارات في هذا العلم من دقة وما قد يطرأ على وصف أحوال القلوب من التباس؛ لذلك افتتح كتابه بالعناية بأصول الطريق، فقال في "منازل السائرين" (ص6): "وَاعْلَم أَن الْعَامَّة من عُلَمَاء هَذِه الطَّائِفَة والمشيرين إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة اتَّفقُوا على أَن النهايات لَا تصح إِلَّا بتصحيح البدايات كَمَا أَن الْأَبْنِيَة لَا تقوم إِلَّا على الأساس". ثم جعل من تصحيح هذه البدايات إخلاص العمل لله تعالى ومتابعة السنة وتعظيم النهي ورعاية الحرمات وبذل النصيحة للخلق.
تأمل هذه الكلمات واقرأها في كتاب رجل درجنا على وصفه بالصوفي، ثم انظر إلى ما فيها من اجتماع التعبد والإخلاص ومتابعة السنة وحفظ حقوق الخلق؛ فقد كان صاحبها يريد أن يأخذ بالعبد في طريق طويل من تهذيب النفس وأن يعالج في قلبه ما يعرض له من غفلة ورياء وكبر وشهوة وفتور حتى تستقيم حياته على عبودية الله تعالى.
وبقي الكتاب بعد وفاة صاحبه تتناقله أيدي العلماء والقراء ويشتغل به أهل السلوك ويشرحه من جاء بعده، وقد اجتمع على قراءته من المدارس والمذاهب من رأى فيه علماً نافعاً ومن توقف عند بعض عباراته ومن ناقش ما اشتمل عليه من أحوال ومقامات، وكان لهذا الكتاب موعد آخر في دمشق بعد وفاة صاحبه بأكثر من قرنين.
لقاء دمشق بشيخ هراة
ولد ابن قيم الجوزية سنة 691هـ وقد مضى على وفاة الهروي مئتان وعشر سنوات، ونشأ في دمشق عالماً بالفقه والحديث والتفسير ثم لازم ابن تيمية ملازمة أثرت في تكوينه العلمي وعُرف بقوة الحجة وسعة الاطلاع وشدة العناية بأصول الاعتقاد.
وكان في هذا العالم جانب يستحق أن يعرفه الشباب الذين حصروا صورته في مناظراته وردوده على مخالفيه؛ فقد كان صاحب عبادة طويلة ومجاهدة للنفس وشغف بالمحبة والإنابة والذكر، حتى قال تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" في ترجمته إنه كان ذا تهجد وطول صلاة وتألّه ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والاستغفار والانكسار إلى الله تعالى.
وهذا القلب الذي جمع إلى قوة العلم شدة الاشتغال بالعبودية كان مهيأً لأن يجد في تراث أهل السلوك مادة غنية للنّظر والتأمل؛ وكان من الكتب التي استوقفته كتاب "منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي.
قرأ ابن القيم الكتاب وتأمل ترتيبه ووقف عند منازله واحدة بعد أخرى، ثم أخذ يشرح عباراته ويستخرج معانيها ويستدرك على ما يراه محتاجاً إلى استدراك ويفتح من الكلام الموجز أبواباً طويلة من البحث في القرآن والحديث والعقيدة وأعمال القلوب. وكانت ثمرة هذه الصحبة العلمية كتابه العظيم "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".
ومن الطريف أن كتاب الهروي -الذي جمع منازل السلوك في صفحات قليلة- اتسع على يدي ابن القيم حتى أصبح مؤلفاً ضخماً يجلس فيه القارئ إلى حديث طويل عن المحبة والتوبة والخوف والرجاء والصبر والرضا والتوكل واليقين، وتتعاقب فيه أقوال المفسرين والمحدثين والفقهاء وأهل السلوك، فيرى كيف يستطيع عالم واسع الثقافة أن يأخذ عبارة قصيرة ثم يمضي بها لينثرها ويبذرها في آفاق العلم والتأمل.
ولقد اختار ابن القيم أن يجعل قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أصلاً تنتظم حوله مباحث كتابه؛ فكل منزلة من منازل السلوك تتصل عنده بحقيقة العبودية والاستعانة بالله تعالى وكل مقام يعرضه على ما فهمه من نصوص الوحي وأقوال السلف.
وكان الهروي حاضراً معه طوال هذا الطريق؛ تارةً يشرح عبارته ويزيدها بياناً، وتارةً يوردها ثم يستدرك عليها، وتارةً يعتذر له ويجتهد في حمل كلامه على وجه حسن وقد يشتد الاعتراض إذا رأى في القول خطأ يتصل بأصل من أصول الاعتقاد. وتبقى في هذا كله مودة صريحة تشعر بها كلما رأيته يذكر شيخه ويعظّم مكانته ثم يمضي في مناقشته بثقة العالم الذي يحمل أمانة القول بالحق.
شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا
وقف ابن القيم عند كلام للهروي في منزلة الرجاء، وكان الشيخ قد جعل الرجاء من أضعف منازل المريدين ورأى فيه تعلقاً بحظ النفس قد يعارض كمال الاستسلام لله تعالى؛ فوجد ابن القيم في العبارة ما يستوجب البحث والاعتراض وأراد أن يبين منزلة الرجاء في القرآن والسنة وصلتها بمحبة الله تعالى والخوف منه، وكانت العبارة التي افتتح بها نقده من أنفس ما تركه العلماء في أدب الاختلاف. قال في "مدارج السالكين 2/38": "شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا. وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ. وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ".
وأحسب أن في هذه الكلمة من جمال النفس ما يعسر أن تجده في كثير من منازعاتنا المعاصرة؛ فقد أثبت ابن القيم لشيخه مكانته في قلبه ثم مضى إلى نقد قوله وقد بقي للحبّ موضعه في القلب وللدليل سلطانه على الفكرة، وأحسن الظن بالرجل الذي انتفع به واجتهد في معرفة ما أراده من عبارته ثم بين وجه اعتراضه.
وكان لهذا الإنصاف أثره في بقية الكتاب؛ ففي مناقشته لبعض كلام الهروي في منزلة التوبة اشتد نقده للعبارة ثم عاد يخشى أن يستقر في نفس القارئ بسبب ذلك شيء من إساءة الظن بالشيخ، فقال في "مدارج السالكين 1/216": "وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْب، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا ـ إِلَّا أَقَلَّهُمْ ـ عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ".
ويا لها من كلمة يحتاج بعض الشباب إلى أن يقرأها ويتأملها، وقد ألف أن يسمع اسم العالم مقروناً بما يؤخذ عليه حتى تكاد عثراته تحجب سائر عمره وعلمه وآثاره!
لقد عرف ابن القيم مواضع اختلافه مع الهروي معرفة دقيقة وكتب فيها صفحات طويلة، وبقيت له القدرة على أن يراه عالماً عظيماً أفاد منه، وأن يجد في كلامه ما يستحق العناية وأن يدعو له بالمغفرة والرحمة. والعالم الذي أحبّ شيخه كل هذا الحبّ كان شديداً في نقد بعض أقواله؛ ففي هذا الاجتماع من قوة الاعتقاد بالفكرة ورقّة الوفاء للشخص ما يجعل الحكاية جديرة بأن تُروى في مجالس السلفيين والصوفية جميعاً.
صحبة لم يجمعها مجلس
ولعل أجمل ما كتبه ابن القيم عن الهروي جاء في ختام بحث طويل تناول فيه بعض معاني الرجاء وبعد أن أبدى ما عنده من استدراكات عاد إلى ذكر الشيخ الذي أخذ عنه هذا الباب، فكتب في "مدارج السالكين 2/39" داعياً للهروي: "وَاللَّهُ يَشْكُرُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَعْيَهُ وَيُعْلِي دَرَجَتَهُ وَيَجْزِيهِ أَفْضَلَ جَزَائِهِ وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي مَحَلِّ كَرَامَتِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مُرِيدُهُ سِعَةً وَفُسْحَةً فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَاضِ كَلَامِهِ لَمَا فَعَلَ، كَيْفَ وَقَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ؟ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَجْلِسَ التِّلْمِيذِ مِنْ أُسْتَاذِهِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحُهُ يَقَظَةً وَمَنَاماً؟".
لقد قام الكتاب مقام المجلس واستقرت الألفة بين عالمين جمعتهما مسائل العلم وأعمال القلوب، وكان أحدهما قد رحل عن الدنيا قبل أن يرى الآخر نور الحياة؛ فقرأ المتأخر كلام المتقدم وعرف طريقته وانتفع بتجاربه حتى صار يذكره بلسان التلميذ الذي جلس إلى أستاذه وسمع منه وحفظ له فضل التعليم.
وكانت هذه الصحبة من العمق حتى دعا ابن القيم لشيخه بذلك الدعاء الرقيق وأقرّ بما انتفع به من كلامه، وأبدى من الألم في الاعتراض عليه ما يكشف مكانته في نفسه.
ومن أحبّ ما في تاريخ العلماء تلك الصّلات التي قامت على الكتب، فوجد عالم في كلام عالم سبقه ما يغنيه ويرشده ثم أحبّ صاحبه محبةَ من عرفه وعاشره وحفظ له مكانته بعد أن ظهر له موضع خطئه.
ولقد بقي ابن القيم إلى آخر الطريق صاحب نظر مستقل؛ يحاكم ما يقرأ ويعترض حيث يرى الاعتراض واجباً، وقد اتسعت نفسه وسمَا قلبه للاعتراف بفضل الرجل الذي يناقشه والإقرار بأن له عليه حقاً من العلم والمعرفة.
وهكذا اجتمع في "مدارج السالكين" تراث شيخ صوفيّ أثريّ من هراة، وعلم رجل من كبار أئمة المدرسة الأثريّة في دمشق، واجتمع معهما من تراث السّلوك الإسلامي ما غدا مادة لتربية أجيال من المسلمين.
إلى شباب السلفية والتصوف
وأحسب أن في هذه الحكاية ما يستحق أن نعيد قراءته اليوم وقد اتسعت في بعض مجالسنا المسافة النفسية بين السلفيين والصوفية، حتى أصبح المرء يسمع عن علماء المدرسة الأخرى ما يحمله على النفور منهم ثم تمضي به الأيام وقد ظن أن تاريخ الإسلام كله كان على هذه الصورة من التباعد.
وتشهد سيرة الهروي نفسه بأن التاريخ عرف اجتماع الاعتقاد الأثري والتصوف السلوكي في شخصية واحدة، وتشهد علاقة ابن القيم بكتابه بأن العالم يستطيع أن يجد عند من يخالفه علماً عظيماً وأن ينتفع به ويشرحه ويناقشه وتبقى للمودة منزلتها في نفسه.
وقد كان الهروي شديداً في بعض منازعاته مع المتكلمين وكان ابن القيم شديداً في نقد بعض عبارات الصوفية؛ والإنصاف في قراءة تجربتهما يقتضي المحافظة على هذه الحقائق ومعرفة ما اختلفا فيه كما نعرف ما جمعهما، فإن المحبة التي تنشأ على معرفة صحيحة بتاريخ الرجال أبقى أثراً وأعظم نفعاً.
وأرجو أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما "منازل السائرين" و"مدارج السالكين" ويقرآ كيف بدأ الهروي حديثه عن تصحيح البدايات بالإخلاص ومتابعة السنة، وكيف شرح ابن القيم أحوال القلب ثم يستمع كل واحد منهما إلى صاحبه ويعرف ما عنده من علم وما يشغله من أمر نفسه وعبادته.
وربما خرج الشابّ السّلفي من تلك الصّحبة وقد وجد في تراث أهل السّلوك علماً يعينه على تزكية قلبه، وخرج الشاب الصوفي وقد عرف في ابن القيم عالماً أحب شيوخ السلوك وانتفع بهم وأنصفهم في مواضع الاختلاف ثم مضيا إلى شأنهما وقد صار لكل واحد منهما في قلب الآخر موضع صانته المعرفة والمودة.
ولعل هذه هي الهدية التي تركها لنا الشيخان عبر القرون؛ كتاب صغير خرج من هراة ثم اتسع في دمشق حتى أصبح مدرسة في العلم والسلوك، وظلّت بين صفحاته شهادة على أن الاختلاف العلمي قد يجتمع مع محبة صادقة وأن نقد العالم يستطيع أن يصدر عن قلب يعرف فضله ويشتاق إلى لقائه.
لقد رحل الهروي ثم رحل ابن القيم وأصبح ما بينهما تراثاً محفوظاً في الكتب؛ وفي كل مرة يفتح فيها قارئ "مدارج السالكين" تعود تلك الصحبة القديمة إلى الحياة ويستأنف الشيخ الدمشقي حديثه مع شيخ هراة، وقد بقيت عبارته الحبيبة تحمل إلى الأجيال شيئاً من أدب العلماء وصفاء قلوبهم: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"
وما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده.
ولعل أعذب ما في هذه الحكاية أن الشيخين اللّذين فرقت بين مولديهما القرون قد اجتمعا على صفحات كتاب، وأن أبناءنا الذين يعيشون في بلد واحد وزمن واحد يستطيعون أن يجدوا في صحبتهما القديمة طريقاً إلى صحبة جديدة تتآلف فيها القلوب ويزدهر فيها العلم، ويجد كل واحد في أخيه من الخير ما يدعوه إلى محبته والدعاء له.
x.com/muhammadkhm
وكان هذا الشيخ أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري الهروي المولود سنة 396هـ والمتوفى سنة 481هـ أحد كبار أئمة الحنابلة في خراسان ومن أشد العلماء انتصاراً لطريقة أهل الحديث في الاعتقاد، وله في منازعة المتكلمين مواقف جرّت عليه محناً وابتلاءات، ثم تجده في خانقاه الصوفية وبين المريدين وأصحاب السلوك شيخاً يتحدث عن أحوال القلوب ومنازل التوبة والإنابة والمحبة والإخلاص.
وقد حفظ لنا الذهبي هذه الصورة العجيبة في "سير أعلام النبلاء 18/514" نقلاً عن عبد الغافر الفارسي؛ فذكر ما كان يظهر به الهروي في مجالسه من الزينة والهيبة: "وَكَانَ إِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ وَرَكِبَ الدَّوَابَّ الثَّمِينَةَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا إِعْزَازاً لِلدِّينِ وَرَغْماً لِأَعْدَائِهِ حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّي وَتَجَمُّلِي فَيَرْغَبُوا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى الْمُرَقَّعَةِ وَالْقُعُودِ مَعَ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخَانَقَاهْ يَأْكُلُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَيَّزُ بِحَالٍ".
وفي هذه الصورة من تاريخ الإسلام ما يستحق أن نقف عنده طويلاً وأن نعيد النظر في كثير مما استقر في الأذهان من أحكام عامة توارثناها عن السلفية والتصوف؛ فقد كان الرجل الذي يلبس المرقعة ويجلس مع الصوفية في خانقاههم (زواياهم) هو نفسه الذي وصفه الذهبي في "سير أعلام النبلاء 18/506" بقوله: "وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَثَرِيّاً قُحّاً".
وكان من أشد الناس في الرد على مخالفيه في مسائل الصفات والاعتقاد حتى امتُحن بسبب ذلك، ثم كانت له تلك العناية بأحوال النفس ومقامات السلوك وجمع إلى الاشتغال بالرواية والاعتقاد حياةً طويلةً في الوعظ وتربية المريدين.
ولقد اجتمعت في حياة الهروي أحوال قد يُستغرب اجتماعها بعض أبنائنا اليوم؛ لأنهم عرفوا تاريخ المدارس من معارك المنتسبين إليها، وغاب عن كثير منهم تاريخ الرجال الذين اشتملت حياتهم على علوم شتى ونشأت بينهم وبين أهل المناهج الأخرى صلات علمية وروحية عميقة بقي أثرها ممتداً بعد أن غاب أصحابها عن الدنيا.
الشيخ الذي ورّثَ القلوب والأرواح كتاباً نفيساً
كان للهروي اشتغال طويل بعلوم الحديث والتفسير واللغة وكان له إلى جانب ذلك اهتمام خاص بما يسميه أهل التصوف مقامات السائرين إلى الله تعالى، وقد طلب إليه جماعة من أهل هراة أن يرتب لهم هذه المقامات ويبين درجاتها فخرج من هذه الرغبة كتاب صغير الحجم عظيم الأثر سماه "منازل السائرين إلى الحق المبين".
وجعل الشيخ كتابه مئة منزلة موزعة على عشرة أقسام تبدأ باليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة ثم تمضي بالقارئ في أبواب الخوف والرجاء والخشوع والزهد والورع، وتتناول أحوال المحبة والمعرفة والمراقبة وسائر ما اشتغل به علماء السلوك في تهذيب النفس وتقويم علاقتها بربها.
وكان الهروي يعرف ما للعبارات في هذا العلم من دقة وما قد يطرأ على وصف أحوال القلوب من التباس؛ لذلك افتتح كتابه بالعناية بأصول الطريق، فقال في "منازل السائرين" (ص6): "وَاعْلَم أَن الْعَامَّة من عُلَمَاء هَذِه الطَّائِفَة والمشيرين إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة اتَّفقُوا على أَن النهايات لَا تصح إِلَّا بتصحيح البدايات كَمَا أَن الْأَبْنِيَة لَا تقوم إِلَّا على الأساس". ثم جعل من تصحيح هذه البدايات إخلاص العمل لله تعالى ومتابعة السنة وتعظيم النهي ورعاية الحرمات وبذل النصيحة للخلق.
تأمل هذه الكلمات واقرأها في كتاب رجل درجنا على وصفه بالصوفي، ثم انظر إلى ما فيها من اجتماع التعبد والإخلاص ومتابعة السنة وحفظ حقوق الخلق؛ فقد كان صاحبها يريد أن يأخذ بالعبد في طريق طويل من تهذيب النفس وأن يعالج في قلبه ما يعرض له من غفلة ورياء وكبر وشهوة وفتور حتى تستقيم حياته على عبودية الله تعالى.
وبقي الكتاب بعد وفاة صاحبه تتناقله أيدي العلماء والقراء ويشتغل به أهل السلوك ويشرحه من جاء بعده، وقد اجتمع على قراءته من المدارس والمذاهب من رأى فيه علماً نافعاً ومن توقف عند بعض عباراته ومن ناقش ما اشتمل عليه من أحوال ومقامات، وكان لهذا الكتاب موعد آخر في دمشق بعد وفاة صاحبه بأكثر من قرنين.
لقاء دمشق بشيخ هراة
ولد ابن قيم الجوزية سنة 691هـ وقد مضى على وفاة الهروي مئتان وعشر سنوات، ونشأ في دمشق عالماً بالفقه والحديث والتفسير ثم لازم ابن تيمية ملازمة أثرت في تكوينه العلمي وعُرف بقوة الحجة وسعة الاطلاع وشدة العناية بأصول الاعتقاد.
وكان في هذا العالم جانب يستحق أن يعرفه الشباب الذين حصروا صورته في مناظراته وردوده على مخالفيه؛ فقد كان صاحب عبادة طويلة ومجاهدة للنفس وشغف بالمحبة والإنابة والذكر، حتى قال تلميذه ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" في ترجمته إنه كان ذا تهجد وطول صلاة وتألّه ولهج بالذكر وشغف بالمحبة والاستغفار والانكسار إلى الله تعالى.
وهذا القلب الذي جمع إلى قوة العلم شدة الاشتغال بالعبودية كان مهيأً لأن يجد في تراث أهل السلوك مادة غنية للنّظر والتأمل؛ وكان من الكتب التي استوقفته كتاب "منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي.
قرأ ابن القيم الكتاب وتأمل ترتيبه ووقف عند منازله واحدة بعد أخرى، ثم أخذ يشرح عباراته ويستخرج معانيها ويستدرك على ما يراه محتاجاً إلى استدراك ويفتح من الكلام الموجز أبواباً طويلة من البحث في القرآن والحديث والعقيدة وأعمال القلوب. وكانت ثمرة هذه الصحبة العلمية كتابه العظيم "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".
ومن الطريف أن كتاب الهروي -الذي جمع منازل السلوك في صفحات قليلة- اتسع على يدي ابن القيم حتى أصبح مؤلفاً ضخماً يجلس فيه القارئ إلى حديث طويل عن المحبة والتوبة والخوف والرجاء والصبر والرضا والتوكل واليقين، وتتعاقب فيه أقوال المفسرين والمحدثين والفقهاء وأهل السلوك، فيرى كيف يستطيع عالم واسع الثقافة أن يأخذ عبارة قصيرة ثم يمضي بها لينثرها ويبذرها في آفاق العلم والتأمل.
ولقد اختار ابن القيم أن يجعل قوله تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" أصلاً تنتظم حوله مباحث كتابه؛ فكل منزلة من منازل السلوك تتصل عنده بحقيقة العبودية والاستعانة بالله تعالى وكل مقام يعرضه على ما فهمه من نصوص الوحي وأقوال السلف.
وكان الهروي حاضراً معه طوال هذا الطريق؛ تارةً يشرح عبارته ويزيدها بياناً، وتارةً يوردها ثم يستدرك عليها، وتارةً يعتذر له ويجتهد في حمل كلامه على وجه حسن وقد يشتد الاعتراض إذا رأى في القول خطأ يتصل بأصل من أصول الاعتقاد. وتبقى في هذا كله مودة صريحة تشعر بها كلما رأيته يذكر شيخه ويعظّم مكانته ثم يمضي في مناقشته بثقة العالم الذي يحمل أمانة القول بالحق.
شيخ الإسلام حبيبٌ إلينا
وقف ابن القيم عند كلام للهروي في منزلة الرجاء، وكان الشيخ قد جعل الرجاء من أضعف منازل المريدين ورأى فيه تعلقاً بحظ النفس قد يعارض كمال الاستسلام لله تعالى؛ فوجد ابن القيم في العبارة ما يستوجب البحث والاعتراض وأراد أن يبين منزلة الرجاء في القرآن والسنة وصلتها بمحبة الله تعالى والخوف منه، وكانت العبارة التي افتتح بها نقده من أنفس ما تركه العلماء في أدب الاختلاف. قال في "مدارج السالكين 2/38": "شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَبِيبٌ إِلَيْنَا. وَالْحَقُّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ. وَكُلُّ مَنْ عَدَا الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى أَحْسَنِ مَحَامِلِهِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ مَا فِيهِ".
وأحسب أن في هذه الكلمة من جمال النفس ما يعسر أن تجده في كثير من منازعاتنا المعاصرة؛ فقد أثبت ابن القيم لشيخه مكانته في قلبه ثم مضى إلى نقد قوله وقد بقي للحبّ موضعه في القلب وللدليل سلطانه على الفكرة، وأحسن الظن بالرجل الذي انتفع به واجتهد في معرفة ما أراده من عبارته ثم بين وجه اعتراضه.
وكان لهذا الإنصاف أثره في بقية الكتاب؛ ففي مناقشته لبعض كلام الهروي في منزلة التوبة اشتد نقده للعبارة ثم عاد يخشى أن يستقر في نفس القارئ بسبب ذلك شيء من إساءة الظن بالشيخ، فقال في "مدارج السالكين 1/216": "وَلَا تُوجِبُ هَذِهِ الزِّلَّةُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إِهْدَارَ مَحَاسِنِهِ، وَإِسَاءَةَ الظَّنِّ بِهِ، فَمَحَلُّهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ الْمَحَلُّ الَّذِي لَا يُجْهَلُ، وَكُلُّ أَحَدٍ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ إِلَّا الْمَعْصُومَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَالْكَامِلُ مَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَالِ الضَّنْكِ، وَالْمُعْتَرَكِ الصَّعْب، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَافْتَرَقَتْ بِالسَّالِكِينَ فِيهِ الطُّرُقَاتُ، وَأَشْرَفُوا ـ إِلَّا أَقَلَّهُمْ ـ عَلَى أَوْدِيَةِ الْهَلَكَاتِ".
ويا لها من كلمة يحتاج بعض الشباب إلى أن يقرأها ويتأملها، وقد ألف أن يسمع اسم العالم مقروناً بما يؤخذ عليه حتى تكاد عثراته تحجب سائر عمره وعلمه وآثاره!
لقد عرف ابن القيم مواضع اختلافه مع الهروي معرفة دقيقة وكتب فيها صفحات طويلة، وبقيت له القدرة على أن يراه عالماً عظيماً أفاد منه، وأن يجد في كلامه ما يستحق العناية وأن يدعو له بالمغفرة والرحمة. والعالم الذي أحبّ شيخه كل هذا الحبّ كان شديداً في نقد بعض أقواله؛ ففي هذا الاجتماع من قوة الاعتقاد بالفكرة ورقّة الوفاء للشخص ما يجعل الحكاية جديرة بأن تُروى في مجالس السلفيين والصوفية جميعاً.
صحبة لم يجمعها مجلس
ولعل أجمل ما كتبه ابن القيم عن الهروي جاء في ختام بحث طويل تناول فيه بعض معاني الرجاء وبعد أن أبدى ما عنده من استدراكات عاد إلى ذكر الشيخ الذي أخذ عنه هذا الباب، فكتب في "مدارج السالكين 2/39" داعياً للهروي: "وَاللَّهُ يَشْكُرُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ سَعْيَهُ وَيُعْلِي دَرَجَتَهُ وَيَجْزِيهِ أَفْضَلَ جَزَائِهِ وَيَجْمَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي مَحَلِّ كَرَامَتِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مُرِيدُهُ سِعَةً وَفُسْحَةً فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَاعْتِرَاضِ كَلَامِهِ لَمَا فَعَلَ، كَيْفَ وَقَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ؟ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَجْلِسَ التِّلْمِيذِ مِنْ أُسْتَاذِهِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ فَتْحُهُ يَقَظَةً وَمَنَاماً؟".
لقد قام الكتاب مقام المجلس واستقرت الألفة بين عالمين جمعتهما مسائل العلم وأعمال القلوب، وكان أحدهما قد رحل عن الدنيا قبل أن يرى الآخر نور الحياة؛ فقرأ المتأخر كلام المتقدم وعرف طريقته وانتفع بتجاربه حتى صار يذكره بلسان التلميذ الذي جلس إلى أستاذه وسمع منه وحفظ له فضل التعليم.
وكانت هذه الصحبة من العمق حتى دعا ابن القيم لشيخه بذلك الدعاء الرقيق وأقرّ بما انتفع به من كلامه، وأبدى من الألم في الاعتراض عليه ما يكشف مكانته في نفسه.
ومن أحبّ ما في تاريخ العلماء تلك الصّلات التي قامت على الكتب، فوجد عالم في كلام عالم سبقه ما يغنيه ويرشده ثم أحبّ صاحبه محبةَ من عرفه وعاشره وحفظ له مكانته بعد أن ظهر له موضع خطئه.
ولقد بقي ابن القيم إلى آخر الطريق صاحب نظر مستقل؛ يحاكم ما يقرأ ويعترض حيث يرى الاعتراض واجباً، وقد اتسعت نفسه وسمَا قلبه للاعتراف بفضل الرجل الذي يناقشه والإقرار بأن له عليه حقاً من العلم والمعرفة.
وهكذا اجتمع في "مدارج السالكين" تراث شيخ صوفيّ أثريّ من هراة، وعلم رجل من كبار أئمة المدرسة الأثريّة في دمشق، واجتمع معهما من تراث السّلوك الإسلامي ما غدا مادة لتربية أجيال من المسلمين.
إلى شباب السلفية والتصوف
وأحسب أن في هذه الحكاية ما يستحق أن نعيد قراءته اليوم وقد اتسعت في بعض مجالسنا المسافة النفسية بين السلفيين والصوفية، حتى أصبح المرء يسمع عن علماء المدرسة الأخرى ما يحمله على النفور منهم ثم تمضي به الأيام وقد ظن أن تاريخ الإسلام كله كان على هذه الصورة من التباعد.
وتشهد سيرة الهروي نفسه بأن التاريخ عرف اجتماع الاعتقاد الأثري والتصوف السلوكي في شخصية واحدة، وتشهد علاقة ابن القيم بكتابه بأن العالم يستطيع أن يجد عند من يخالفه علماً عظيماً وأن ينتفع به ويشرحه ويناقشه وتبقى للمودة منزلتها في نفسه.
وقد كان الهروي شديداً في بعض منازعاته مع المتكلمين وكان ابن القيم شديداً في نقد بعض عبارات الصوفية؛ والإنصاف في قراءة تجربتهما يقتضي المحافظة على هذه الحقائق ومعرفة ما اختلفا فيه كما نعرف ما جمعهما، فإن المحبة التي تنشأ على معرفة صحيحة بتاريخ الرجال أبقى أثراً وأعظم نفعاً.
وأرجو أن يجلس شاب سلفي اليوم إلى شاب صوفي ويفتحا بينهما "منازل السائرين" و"مدارج السالكين" ويقرآ كيف بدأ الهروي حديثه عن تصحيح البدايات بالإخلاص ومتابعة السنة، وكيف شرح ابن القيم أحوال القلب ثم يستمع كل واحد منهما إلى صاحبه ويعرف ما عنده من علم وما يشغله من أمر نفسه وعبادته.
وربما خرج الشابّ السّلفي من تلك الصّحبة وقد وجد في تراث أهل السّلوك علماً يعينه على تزكية قلبه، وخرج الشاب الصوفي وقد عرف في ابن القيم عالماً أحب شيوخ السلوك وانتفع بهم وأنصفهم في مواضع الاختلاف ثم مضيا إلى شأنهما وقد صار لكل واحد منهما في قلب الآخر موضع صانته المعرفة والمودة.
ولعل هذه هي الهدية التي تركها لنا الشيخان عبر القرون؛ كتاب صغير خرج من هراة ثم اتسع في دمشق حتى أصبح مدرسة في العلم والسلوك، وظلّت بين صفحاته شهادة على أن الاختلاف العلمي قد يجتمع مع محبة صادقة وأن نقد العالم يستطيع أن يصدر عن قلب يعرف فضله ويشتاق إلى لقائه.
لقد رحل الهروي ثم رحل ابن القيم وأصبح ما بينهما تراثاً محفوظاً في الكتب؛ وفي كل مرة يفتح فيها قارئ "مدارج السالكين" تعود تلك الصحبة القديمة إلى الحياة ويستأنف الشيخ الدمشقي حديثه مع شيخ هراة، وقد بقيت عبارته الحبيبة تحمل إلى الأجيال شيئاً من أدب العلماء وصفاء قلوبهم: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه"
وما أجمل أن يتعلم شبابنا من هذين الشيخين كيف تكون محبة العلماء وكيف يحفظ كل صاحب علم لأخيه حرمته وكيف يتسع القلب للوفاء بالفضل مع الأمانة في البحث حتى يصير اختلافهم سبيلاً إلى معرفة أعمق، وتبقى بينهم من المودة أسباب تحفظها الأيام وتزداد رسوخاً بما يجتمعون عليه من عبادة الله تعالى وخدمة دينه والرحمة بعباده.
ولعل أعذب ما في هذه الحكاية أن الشيخين اللّذين فرقت بين مولديهما القرون قد اجتمعا على صفحات كتاب، وأن أبناءنا الذين يعيشون في بلد واحد وزمن واحد يستطيعون أن يجدوا في صحبتهما القديمة طريقاً إلى صحبة جديدة تتآلف فيها القلوب ويزدهر فيها العلم، ويجد كل واحد في أخيه من الخير ما يدعوه إلى محبته والدعاء له.
x.com/muhammadkhm

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق