لماذا يخسر أصحاب الطرح المثالي ثقة الناس فيهم؟
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com
السعي إلى المثالية نزعة بشرية نبيلة، فالإنسان لا يرضى دائمًا بما حققه، ويتطلع إلى صورة أفضل لنفسه ولمجتمعه، ومن هنا ينجذب الناس إلى أصحاب الطرح المثالي، لأنهم يرون فيهم حراسًا للقيم والفضائل، وقدوات تذكّرهم بما ينبغي أن يكون عليه السلوك الأمثل، فالمثالي يتحدث عن النزاهة في وقت إغراء المصلحة، وعن العدل حين تميل النفوس إلى المحاباة والترضيات، وعن المسؤولية حين يسهل إلقاء اللوم على الآخرين والتهرب منها، لهذا تمنحه الناس ثقتها، وتنتظر منه أن يكون مثالًا لما يدعو إليه، وتستريح أحيانًا إلى خطابه لأنه يسمو بهم، ويمنحهم شعورًا بأن في الحياة ما يستحق أن نتمسك به، لكن المثالية تظل مستوى نسعى إليه، ولا يبلغها إنسان على نحو كامل، فالإنسان مهما ارتقى يبقى بشرًا يخطئ ويضعف ويتأثر بظروفه، وتظل المسافة قائمة بين الصورة التي يرسمها لنفسه والواقع الذي يعيشه.
وهنا تبدأ المعضلة، فقد يطلب بعض المثاليين من الآخرين بما يعجزون هم أنفسهم عن فعله، أو يضعون لهم معايير صارمة لا يستطيعون الالتزام بها في حياتهم اليومية، فأحيانًا ينسى الإنسان أن معرفة الصواب شيء والقدرة على تطبيقه في كل ظرف شيء آخر، وأن الحكم على الآخرين أسهل من اختبار النفس على الاختبار، فوجود الفجوة بين القول والفعل يضعف الثقة بين الناس والقدوة، ويحوّل القدوة من مصدر إلهام إلى صورة يصعب الاقتراب منها، وقد يخشى صاحب الطرح المثالي الاعتراف بخطئه لأنه يظن أن الاعتراف يهدم صورته، فيبالغ في الدفاع عنها، مع أن الاعتراف بالقصور أقرب إلى النزاهة من التظاهر بالكمال، كما أن الناس لا ينتظرون من القدوات ألا تخطئ، بقدر ما ينتظرون منها أن تراجع نفسها وتتعلم من تجربتها.
وتزداد خطورة المثالية حين يتجاهل مُدَّعو المثالية الواقع ويقدمون حلولًا لا تلامس حاجات الناس ولا تراعي إمكاناتهم، فالمجتمع لا يتغير بمجرد أن نطالبه بالتغيير، والموظف لا يصبح أكثر إنتاجًا إذا اكتفى بالخطابات الرنانة، والأسرة لا تحل خلافاتها بشعارات جميلة لا تقترب من أسباب المشكلة وتحلها مباشرة، وقد يكون الحل مثاليًا في عباراته، لكنه يظل بعيدًا عن التطبيق إذا تجاهل الموارد المتاحة والعادات الراسخة والضغوط التي يعيشها الناس، وعندما لا يجد الناس في الطرح ما يشبه حياتهم أو يساعدهم على تجاوز مشكلاتهم، فإنهم يتجاهلونه مهما بدت مقاصده نبيلة، فتتبدد الفكرة ويضيع معها أثر صاحبها "المثالي"، وربما تحولت إلى مادة للسخرية من القدوات أو سبب لشعور الناس بالعجز، خصوصًا حين يُحمّلون مسؤولية الفشل وحدهم، مع أن الحل المقترح لم يلتفت إلى واقعهم أصلًا.
أما الخروج مما سبق فيبدأ بفهم حدود القدرة البشرية، وبإدراك أن الخطأ جزء من تجربة الإنسان، مهما بلغ من علمٍ أو مكانة، ولذلك لا ينبغي للقدوات أن تقدّس صورتها في أعين الناس، أو ترسم لنفسها هالةً توحي بالعصمة، بل أن تراجع مواقفها وتعترف بأخطائها حين تقع، فالاعتراف لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يعكس شجاعته وصدقه، ويفتح أمامه طريقًا للتعلم والتطور، وأما الخطأ الأشد أثرًا فهو الإصرار على الإنكار، وتكرار التجربة من دون مراجعة أو استفادة. فالقدوة الحقيقية لا تدّعي الكمال، وإنما تمنح الناس مثالًا في التواضع، وتحمل المسؤولية، وتحويل الخطأ إلى درسٍ يجنّبهم تكراره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق