الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

هل نجهل معنى الهوية؟

 هل نجهل معنى الهوية؟

د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي



كنت في محاضرة جمعتني بمجموعة من الشباب وكان حديثنا يدور حول مفهوم الهوية الوطنية وأهمية المحافظة عليها حتى سألني أحدهم قائلًا: هل تعتبر حماية الهوية الوطنية واجبًا مقدسًا؟ 

فقلت له قبل أن نجيب عن هذا السؤال علينا أن نسأل سؤالًا أكثر أهمية وهو ما المقصود بالهوية أصلًا؟ هل نعني بها دين المجتمع أم أعرافه وتقاليده أم لباسه ولهجته أم مصالحه وقيمه المشتركة؟، وهل كل ما ورثناه عن الأجداد القدامى يدخل في مفهوم الهوية ويستحق الحماية ؟، وهنا بدأ النقاش يأخذ مسارًا مختلفًا وعرفنا أن الخلاف لم يكن حول ضرورة المحافظة على الهوية وإنما حول تحديد معناها وحدودها، فكثيرًا ما نردد كلمة الهوية في أحاديثنا الاجتماعية والسياسية ونتعامل معها باعتبارها مفهومًا واضحًا ومستقرًا في أذهاننا، بينما تتعدد دلالاتها وقد يختلف الناس في فهمها دون أن يدركوا سبب اختلافهم، ولعل الإشكالية الكبرى ليست في ضعف انتمائنا إلى هويتنا وإنما في أننا نطالب بحمايتها قبل أن نتفق على معناها.

ومن هذا السؤال الذي طرحه ذلك الشاب فحري بنا محاولة فهم الهوية من حيث معناها وأصولها، فالهوية في أصلها اللغوي مشتقة من الضمير «هو» للدلالة على حقيقة الشيء وما يجعله هو نفسه لا غيره، أما اصطلاحًا فهي مجموعة العلامات والخصائص والانتماءات التي يعرف بها الإنسان بين الآخرين، وقد تناولها البعض من علماء الاجتماع أنها التركيبة الشخصية واستمرار الوعي بينما ربطها آخرون بالانتماء إلى جماعة محددة وما يمنحه ذلك من شعور بالذات، فهي علامات تشير إلى انتماء الإنسان إلى جماعة معينة كاللغة واللباس والعادات والرموز، فعندما ننظر إلى المجتمع الخليجي مثلا نجد أن الثوب والغترة والعقال تمثل علامات ثقافية مميزة نحافظ عليها اعتزازًا بالماضي وارتباطًا بالمجتمع وبما نشأنا عليه، لكنها ليست مقدسات في ذاتها ولا تتحول المحافظة عليها إلى معيار للحكم على أخلاق الإنسان أو مقدار وطنيته، فاللباس قد يكون تعبيرًا عن الهوية لكنه لا يختصر حقيقة الإنسان ولا يستوعب وحده كل المعاني الدينية والأخلاقية والوطنية التي يحملها الانسان.

ومن هنا ينبغي أن نميز بين الاعتزاز بالهوية وبين الغلو في تقديس مظاهرها، وأيضاً بين الانفتاح على العالم والتفريط في مقومات المجتمع، فالغلو يبدأ حين تتحول العادات المتغيرة إلى ثوابت لا يجوز مناقشتها وحين يصبح الاختلاف في المظهر سببًا للتشكيك في الانتماء طالما خلا من دلالات تعارض ما يؤمن به الإنسان، أما التفريط فيبدأ عندما يفقد المجتمع صلته بلغته وتاريخه وذاكرته المشتركة ويتعامل مع موروثه باعتباره عبئًا ثقيلاً ومعيباً ينبغي التخلص منه، فالهوية ليست بناءً جامدًا توقف عند جيل معين بقدر ما هي امتداد تاريخي تتداخل فيه عناصر ثابتة نسبيًا وأخرى قابلة للتطور، والمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى من الجديد الذي علمنا إيجابيته، كما أنها لا تتخلى عن ماضيها وثقافتها لمجرد مواكبة العصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق