الخميس، 15 أكتوبر 2026

معارض تركي يعترف بمسؤولية حزبه عن حظر الحجاب في تركيا ويدعو أذربيجان لعدم تكرار التجربة

 معارض تركي يعترف بمسؤولية حزبه عن حظر الحجاب في تركيا ويدعو أذربيجان لعدم تكرار التجربة

 رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليتشدار أوغلو

أقرّ رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي، كمال كليتشدار أوغلو، بمسؤولية حزبه التاريخية عن السياسات التي قيّدت ارتداء الحجاب في تركيا، داعيًا السلطات الأذربيجانية إلى عدم تكرار تلك التجربة، على خلفية الجدل المتصاعد بشأن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس في أذربيجان.

وجاءت تصريحات كليتشدار أوغلو، خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، في موقف لافت أعاد إلى الواجهة تاريخ القيود المفروضة على الحجاب في المؤسسات التعليمية التركية، ولا سيما خلال مرحلة 28 فبراير/شباط 1997.

اعتراف بالمسؤولية التاريخية

ووجّه كليتشدار أوغلو رسالة مباشرة إلى الشعب الأذربيجاني، مؤكدًا عمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع البلدين، ومشددًا على أن التجربة التركية مع حظر الحجاب خلفت معاناة لا ينبغي تكرارها.

وقال مخاطبًا الأذربيجانيين: «لقد عشنا هذا الألم، ويجب أن ينتهي. ليس صحيحًا تقسيم النساء بين محجبات وغير محجبات».

وأضاف أن تركيا مرت باختبار صعب للغاية في هذا الملف، معترفًا بأن حزب الشعب الجمهوري كان يتحمل جزءًا من المسؤولية عن تلك المرحلة.

وتابع: «بصفتي شخصًا يتحمل هذه المسؤولية، أناشد أذربيجان: اتركوا النساء أحرارًا، ودعوهن يخترن الملابس التي يرغبن في ارتدائها».

وشدد على ضرورة عدم تحويل لباس النساء إلى أداة للصراع السياسي، معتبرًا أن احترام الحريات الشخصية وحق التعليم ينبغي أن يشملا جميع النساء بصرف النظر عن معتقداتهن أو مظهرهن.

كما قدم كليتشدار أوغلو تفسيرًا لمفهوم العلمانية، مؤكدًا أن ضمانتها الحقيقية لا تكمن في منع الحجاب، وإنما في الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام المعتقدات وأنماط الحياة المختلفة.

ماذا حدث في تركيا خلال 28 فبراير؟

تكتسب تصريحات كليتشدار أوغلو أهمية خاصة بالنظر إلى التاريخ السياسي لحزب الشعب الجمهوري، أحد أبرز الأحزاب المدافعة عن العلمانية في تركيا.

ففي أعقاب تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية يوم 28 فبراير/شباط 1997، الذي عُرف لاحقًا باسم «انقلاب ما بعد الحداثة»، شهدت البلاد تشديدًا واسعًا للقيود المتعلقة بالحجاب في الجامعات والمؤسسات العامة.

ومُنعت طالبات محجبات من دخول الجامعات وقاعات الامتحانات، كما واجهت موظفات في القطاع العام إجراءات إدارية بسبب ارتداء الحجاب.

وشهدت تلك الفترة ممارسات أثارت انتقادات حقوقية واسعة، أبرزها ما عُرف بـ«غرف الإقناع» في بعض الجامعات، حيث تعرضت طالبات محجبات لضغوط لخلع الحجاب أو التخلي عن مواصلة الدراسة.

ولم يكن حزب الشعب الجمهوري الجهة الوحيدة المرتبطة بتلك السياسات، التي شاركت في فرضها أو تنفيذها مؤسسات عسكرية وقضائية وإدارية وسياسية متعددة، لكن الحزب ارتبط تاريخيًا بالدفاع عن التفسير الصارم للعلمانية.

وشهدت تركيا لاحقًا إصلاحات تدريجية خففت القيود، وصولًا إلى إلغاء معظمها في المؤسسات التعليمية والعامة خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية.

لماذا أعادت أذربيجان هذا الملف إلى الواجهة؟

جاءت تصريحات كليتشدار أوغلو عقب إصدار الحكومة الأذربيجانية قواعد جديدة للزي المدرسي في 21 سبتمبر/أيلول 2026، تقضي بمنع ارتداء ملابس إضافية تتعارض مع وحدة الزي المعتمد ومبدأ علمانية التعليم.

ورغم عدم ورود كلمة «الحجاب» صراحة في القرار، فإن تطبيقه أدى، وفق تقارير إعلامية وشهادات منشورة، إلى منع طالبات محجبات من دخول مدارسهن.

واتسعت الأزمة في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، مع إقرار قواعد جديدة لملابس المعلمين، أعقبتها شكاوى من معلمات قلن إنهن تعرضن لضغوط لخلع الحجاب أو الامتناع عن التدريس.

وأثارت الإجراءات احتجاجات وانتقادات داخل أذربيجان وخارجها، لا سيما في تركيا، حيث استحضرت قطاعات سياسية وإعلامية تجربة حظر الحجاب خلال تسعينيات القرن الماضي.

جدل سياسي يتجاوز الحدود

ولم تقتصر ردود الفعل التركية على كليتشدار أوغلو، إذ انتقد سياسيون من تيارات مختلفة القيود المفروضة على المحجبات، فيما ركز حزب العدالة والتنمية الحاكم على احتواء التوتر والحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة وباكو.

وفي المقابل، رفض الحزب الحاكم في أذربيجان الانتقادات التركية، معتبرًا أنها تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، ومؤكدًا أن القواعد التعليمية تستند إلى النظام الدستوري العلماني للدولة.

وتعكس هذه المواقف اختلافًا بشأن حدود العلمانية وعلاقتها بالحريات الدينية، إذ يرى مؤيدو القيود أنها تهدف إلى الحفاظ على حياد المؤسسات التعليمية، بينما يعتبر معارضوها أن هذا الحياد لا ينبغي أن يؤدي إلى حرمان الطالبات من التعليم بسبب لباسهن.

تحول في خطاب الشعب الجمهوري

يحمل اعتراف كليتشدار أوغلو بمسؤولية حزبه دلالة سياسية تتجاوز الأزمة الأذربيجانية، إذ يأتي في سياق مراجعة الخطاب التاريخي لحزب الشعب الجمهوري تجاه الحجاب والحريات الدينية.

فقد سعى كليتشدار أوغلو خلال سنوات سابقة إلى تبني خطاب أكثر انفتاحًا تجاه الناخبين المحافظين، وطرح مبادرات لمعالجة آثار الاستقطاب المرتبط بالمعتقدات والمظاهر الدينية.

وتندرج تصريحاته الأخيرة ضمن هذا التوجه، لكنها تتميز بتوجيه رسالة إلى دولة حليفة لتركيا، انطلاقًا من تجربة سياسية تركية يعترف حزبه بالمشاركة في مسؤوليتها.

وبين الجدل الدائر في أذربيجان واستحضار التجربة التركية، أعادت تصريحات كليتشدار أوغلو طرح سؤال قديم بشأن العلاقة بين العلمانية وحرية المعتقد، وما إذا كان ضمان حياد الدولة يقتضي تنظيم المظاهر الدينية أو حماية حرية الأفراد في التعبير عنها.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه أزمة الحجاب تتفاعل داخل أذربيجان، حملت رسالة كليتشدار أوغلو دعوة واضحة إلى الاستفادة من التجربة التركية، وتجنب سياسات يعتبر أنها تسببت في معاناة اجتماعية وتعليمية امتدت لسنوات.


 المصدر : ترك برس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق