قطعة ليغو تربك حسابات الكبار
يضيق البيت فنشتري خزانة، ويزدحم اليوم فنضيف تطبيقاً لتنظيم الوقت، ويتأخر إنجاز المعاملة فنجهز قاعة أوسع للانتظار.
تبدو الحلول معقولة، وقد ينفع بعضها فعلاً، لكن شيئاً يجمعها: افترضنا أن ما ينقصنا شيء جديد.
لم نسأل بعد عما يملأ الخزانة، وما يستنزف الوقت، وما يؤخر المعاملة.
كأن الموجود بريء حتى تثبت إدانته، وكأن الإصلاح لا يبدأ إلا بوصول قطعة أخرى.
في تجربة تناولتها دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» عام 2021، وُضع المشاركون أمام بناء صغير من قطع «الليغو»، وطُلب منهم تحسين استقراره.
كان بإمكانهم إزالة قطعة واحدة، لكن 59 في المائة منهم اختاروا شراء قطع إضافية وتركيبها، مع أن الإزالة كانت مجانية.
اعتدنا أن نضع ألعاب البناء أمام الأطفال لاختبار مهاراتهم، فإذا بقطعة منها تختبر طريقة تفكيرنا نحن. كان الحل أمام المشاركين، لكن كثيرين بحثوا عما يحتاج البناء إلى اكتسابه، وغاب عنهم ما يحتاج إلى فقدانه.
فهل نحسن الأشياء فعلاً، أم نجيد فقط زيادة ما فيها؟
الدراسة التي أجرتها غابرييل آدامز وزملاؤها، ومنهم باحثون في جامعة فرجينيا، تناولت هذا الميل عبر ثماني تجارب. وأظهرت أن الناس قد يغفلون حلولاً مفيدة تقوم على الحذف، ويزداد هذا الإغفال تحت العبء الذهني أو حين لا يُلفت انتباههم إلى إمكان الإزالة. والفرق مهم بين أن ترفض حلاً، وألا يخطر لك أصلاً.
قد تقارن بين خمسة أجهزة، وتقرأ مواصفاتها وتحسب أسعارها، ثم تختار بعناية، بينما تغفل أنك لا تحتاج إلى جهاز.
كثرة الخيارات لا تضمن اتساع التفكير؛ فقد تكون جميعها نسخاً من الإجابة نفسها: اشتر المزيد.
وحتى انشغالنا قد يدفعنا إلى إضافة وسيلة لمتابعة التزاماتنا، ثم نحتاج إلى وقت لمتابعة الوسيلة نفسها. تصبح حياتنا أكثر تنظيماً، دون أن تصبح أقل ازدحاماً.
وتفتح التجربة سؤالاً يتجاوز حدودها: هل ننجذب إلى الإضافة لأنها تنفع، أم لأنها تجعل نفعنا مرئياً؟ الإضافة سهلة العرض، ولها ما يشهد عليها: برنامج جديد، جهاز جديد، موعد جديد. تستطيع أن تشير إليها وتقول: هذا ما فعلته. أما الإزالة فتترك وراءها مساحة خالية، وقد تحتاج إلى الدفاع عنها.
تخيل شخصاً اختصر إجراءً مرهقاً، فخفض انتظار الناس من ساعتين إلى عشر دقائق. أعاد إليهم وقتهم، لكن إنجازه لا يأخذ شكل مبنى يمكن تصويره. وفي المقابل، يسهل تصوير قاعة انتظار جديدة والاحتفاء بها، حتى لو ظل الناس ينتظرون فيها ساعتين.
وقد تحظى القاعة بالانتباه أكثر مما يحظى به اختصار الانتظار نفسه.
نحن نرى ما أُضيف، أما العبء الذي اختفى فلا صورة تذكارية له.
وما نضيفه اليوم قد يصبح غداً أمراً لا نفكر في مراجعته. كان لهذا الموعد سبب، ولهذا الاشتراك غرض، ولهذا الشرط في العلاقة حادثة استدعته. تزول الأسباب أحياناً، وتبقى الترتيبات، حتى يصبح بقاؤها حجة مستقلة عن فائدتها.
نسأل عما ستقدمه الإضافة الجديدة، لكننا نادراً ما نوجه السؤال نفسه إلى القديم. لقد حصل على حق الإقامة لمجرد أنه وصل قبل غيره. وقد نحتفظ بما يضيق علينا لأننا دفعنا ثمنه، ثم ندفع مجدداً لمعالجة آثار بقائه؛ نشتري خزانة أخرى، كي نحفظ أشياء لا نستخدمها.
هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: ماذا لو كانت القطعة الزائدة من صنع أيدينا؟ يسهل أن نطالب بإزالة ما وضعه الآخرون، لكن الأمر يختلف حين نراجع شيئاً اقترحناه ودافعنا عنه. قد نشعر أن التراجع ينتقص من حكمتنا، فنحاول تحسينه بإضافات تمنحه عمراً أطول، وتجعل الاعتراف بعدم جدواه أصعب. فهل نحافظ عليه لأنه ينفعنا، أم لأن إزالته ستجبرنا على تغيير رأينا في قرار اتخذناه؟
ولا يعني ذلك أن الحذف فضيلة بذاته. ثمة ما يبدو عبئاً وهو ضرورة، وما تبدو إزالته توفيراً ثم ندفع ثمن غيابه. ولم تقل الدراسة إن الحل الأقل قطعاً هو الأفضل دائماً؛ إنما كشفت أننا قد لا نبحث عنه أصلاً. المطلوب أن يخضع الموجود للسؤال مثلما يخضع له الجديد، وأن نميز بين ما يحتاج إلى تطوير وما انتهت الحاجة إليه. فالإنجاز قد يكون خدمة أُضيفت، وقد يكون مشقة أُزيلت.
نعود إلى البناء الصغير. من أضاف القطع يستطيع أن يشير إلى عمله قطعة قطعة، ومن أزال القطعة الزائدة يستطيع أن يشير إلى بناء استقر. النتيجة أمام الاثنين، لكن أحدهما يملك إضافات يعرضها، والآخر يملك سبباً لغيابها. وربما كان هذا ما أربك الكبار:
تعودنا أن نسأل عما ينقص البناء، حتى نسينا أن بعض ما يثقله وضعناه نحن. وقد تكون القطعة الأصعب إزالة هي التي تحمل بصماتنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق