‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. محمد كامل شبير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. محمد كامل شبير. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 18 أبريل 2022

كيف تغلب أعداءك في رمضان؟

 كيف تغلب أعداءك في رمضان؟
 د. عبد العزيز كامل 

لكل إنسان منا أعداء ثلاثة.. يسكنون بين جنبيه:(النفس والهوى والشيطان)؛ ومن رحمة الله في شهر الغفران أن الثلاثة لا يجتمعون، فمردة الشياطين يسلسلون ويقيدون، حتى يتمكن العابدون من مواجهة العدوين الآخرين، ويتفرغوا لأعمال الطاعات لرب العالمين ..

ويعان الإنسان على هذه الثلاثة بثلاثة أمور من هدي النبوة

وهي:

كثرة الذكر المانع من الغفلة.

والاقتصاد المنافي للإسراف.

والانشغال بإصلاح النفس، عن الاشتغال بعيوب الناس..

ويتقوى المرء بالله على النفس الأمارة بالسوء ؛ بأن ينازعها بالتقوى في منازعها، مستعينا بربه ومستعيذا به،فقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم، بأن نستعيذ به من شرور أنفسنا، قبل استعاذتنا من الشيطان، وذلك في كل صباح ومساء، فكان يقول:

(اللهمَّ فاطرَ السمواتِ والأرضِ عالمَ الغيبِ والشهادةِ لا إلهَ إلا أنتَ ربَّ كلِّ شيءٍ ومليكَهُ أعوذُ بكَ من شرِّ نفسي ومنْ شرِّ الشيطانِ وشِركهِ وأنْ أقترفَ على نفسي سوءًا أوْ أجرَّهُ إلى مسلمٍ)

[رواه الترمذي وحسنه/٣٥٢٩]

وكان يقول في مبدأ كل خطبة..(ونعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا)..

صحيح الكلم الطيب،للألباني رقم : ٢٠٦

ويعان الواحد منا على هواه بإعمال العقل والاستماع إلى نصح العقلاء، لأن العقل عقال الهوى، والله تعالى يقول:

(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)

[الفرقان/٤٤]..

أما الأعداء الآخرون الظاهرون من الكفار والمنافقين؛

فلا انتصار عليهم ولا تمكين؛ إلا بعد الانتصار على الأعداء الثلاثة السابقين المخفيين.. ولذلك فنحن في صراع دائم حاسم مع أعداء إن تركناهم لا يتركوننا، وإن غفلنا عنهم سيهلكوننا..

والمؤمن ينتصر على أعدائه ويعان بمعية الرحمن، وبخاصة في رمضان لما بعد رمضان،، كما قال الإمام ابن رجب الحنبلي :

 «أبشروا يامعشر المسلمين، فهذه أبواب الجنة الثمانية في هذا الشهر الكريم لأجلكم قد فتحت، ونسماتها على قلوب المؤمنين قد نفحت، وأبواب الجحيم كلها لأجلكم مغلقة،

وأقدام إبليس وذريته من أجلكم موثقة، اقصموا ظهره بكلمة التوحيد، فهو يشكو ألم الانكسار في كل موسم من مواسم الفضل،

ففي هذا الشهر يدعو بالويل لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزب الرحمن وهرب حزب الشيطان»

[وظائف رمضان/٥٣]

فاللهم حصنا واحفظنا بالصيام لبقية العام، وقنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأعنا على جميع أعدائنا، فأنت حسبنا ونعم الوكيل ..

الجمعة، 3 مايو 2019

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة – الجزء الثاني

 الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة 
 الجزء الثاني

3 مايو، 2019

نكمل ما قد بدأناه في الجزء الأول من التحليل للمواجهة والمكاشفة، وكنا قد توقفنا عند العهد الجديد للحركات الإسلامية بعد التصادمات بين الإسلاميين والحكومات والصراعات على الحكم، والتي شهدتها الأمة خلال القرن الماضي وأن الحركات الإسلامية مع ذلك لم تسعى لتوجيه معركة التحرر للعدو المركزي بكل المكونات، والتي تشمل الأمة في جهاد كبير.

العمل داخل الصندوق

فالإسلام السياسي لم يحدد العدو المركزي في سياسته، وبدا في سياسته واضحًا و متفاعلًا مع ما يطرحه العدو المركزي متماهيًا مع سياسة العدو لما يطرح من أفكار؛ لعل ذلك يحقق له ما يصبو إليه، وبما أنه تنظيم هرمي وتقليدي، فقدرة الجهات الأمنية جاهزة وقوية لاختراق التنظيم، وحرف مسارات استراتيجياته بالتدرج الزمني وتغير القيادات، ومن ثم تحريف الفكر باستدعاء الدين في الخطاب والسياسة؛ ليشكل مظهر من مظاهر الحماية للقواعد التي لا تحسن إلا السمع والطاعة، أو دعوات خافته من بعض الصادقين النخبويين الذين لا يكون لهم كبير أثر في القرار التنظيمي.

ما زلنا نؤكد أن الإسلام السياسي بحركاته وتنظيمه جزء من الأمة، فهم أكثر قدرة عن التراجع والقيام بمراجعة حقيقية من التقييم والتقويم؛ وهم أكثر قوة ليأخذوا غيرهم في كنفهم، ويحددوا عدوهم المركزي وخصومهم المحليين، ويتحدوا مع كل مخلص وصادق لله، والعمل لتجسيد المنهج الطلائعي بدلًا من العمل التنظيمي؛ لتشكيل إسلام شعبي جماهيري، يقود لإسلام أمة كاملة بمكوناتها تكون هي الممثلة بطلائعها وقدراتها وطاقاتها.

فنحن أمام العدو المركزي يجب أن نتجاوز الطائفية والمذهبية، والحركية والتنظيمية، والأهواء الشخصية؛ وكل ما طرحه ويسوقه العدو المركزي -وهو رأس الإرهاب- لتفريق الأمة وتمزيقها، ونعيد معركة التحرر بقيادتها الطليعية الواعية لمشروعها، والتي تقود ثورة الجماهير وهي ملامسة لقواعد المجتمع.

فالأمة هي التي تمتلك وصاية نفسها على نفسها، ما دامت متحللة من إمامها الجامع المانع، لنبدأ من جديد في دحر العدو الإرهابي المركزي؛ ألا وهو الصهيوأمريكي، لتجمع الأمة بميثاق شرف على دَحره، والنيل من رأس الإرهاب في العالم. العدو المركزي يعيش عقدة الإسقاط النفسي؛ لأنه يعي أنه غازٍ وقاتل وإرهابي، بدأ يسقط نظرية الإسقاط النفسي الذي يعاني منها وهي الإرهاب على الأمة الإسلامية ويسوّق لها.

وللأسف هناك من بعض المثقفين تساوق مع العدو الإرهابي بقيادة الصهيوأمريكية في المنطقة، متجاهل القيم الأصيلة في مجتمعاتنا بأن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره، وهي أساسيات القيم في الإسلام للمجتمع وهي كثر، نعم لا بد من جلد الذات؛ وخاصة نحن في مفترق طرق، وإعلان الهيمنة الصهيونية الأمريكية في مشروع صفقة القرن لكل العالم الإسلامي.

ضرورة الحشد الجماهيري



فلا بد على الإسلام السياسي أن يبتعد عن الاستعلاء بنفسه، والإقصاء لحشود الطاقات الهائلة المجتمعية، وأن يكونوا صادقين في خطابهم الديني وخاصة مع جماهيرهم، مللنا الكذب على الله وعلى عباد الله وعلى الأمة، نحن بحاجة ماسة لِأن يتغير الأداء، وأن تكون الممارسة بإنتاج أدبياتها وفق الاحتكاك المستمر بعموم المسلمين، ليس وقت الضيق تحتاج لعموم المسلمين، ويوم أن يثقوا بك لتنصرهم وتأتي بحقوقهم، تركب على ظهورهم وتدير ظهرك لهم، ولا تقوم بما وعدتهم، والذي استدعيت كل آيات الله وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بأن تحافظ على مصلحتهم العامة وتدبير أمورهم وتسهيل حياتهم والعدل بينهم.

إن التنصل من الأمانة ورعاية الرعية هي خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين، هل هذا جزاءً وفاقًا لمن يقف بجانبك يوم أن كنت حسيرًا كسيرًا بائسًا، ويوم أن تكبر وتتولى أمرهم تتكبر عليهم وتتركهم يعانون من فقرهم ومطالب الحياة؛ هذا والله ليس بخلق الأولين، وليس بنهج رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-، هذا والله قمة العقوق لمن ائتمنوك على حياتهم، وعقم سياسي؛ لأنك فرطت بحاضنة ترسي دعائم حكمك أو تكون أداة في استئصالك.

المؤامرة

وهناك من يقول إنما توجد أصابع شريرة وخبيثة تعمل لخدمة أعداء الأمة وقضاياها المركزية، وهؤلاء عبء على الأمة وجسر للكفار، فأقول لأمثال هؤلاء من المخلصين: أولًا: ما تقدمت به من توضيح في الجزء السابق هو رد على ما يتسألون، ثانيًا: إن قضية المؤامرة هي شماعة ليضعوا عليها كل أخطاءهم، والمؤامرة موجودة لأنها أداة من أدوات ووسائل العدو، وقد نكون جزء كبير منها ومتحققة؛ وذلك بسبب عدم إدراكنا للواقع ومعطياته السياسية، وعدم التحامنا بإسلامنا مع الشعوب الأمية.

وسيبقى التنظيم أسير المراوحة بين تطلعاته الفكرية التنظيمية؛ وقيادته النخبوية المنحسرة على ذاتها مما يجعل انفصاله عن حاضنته مؤكدًا، فالمؤامرة موجودة لكن القضية ليست جلها في المؤامرة؛ فإدراك طبيعة الواقع واستثناء الجماهير من القيادة -كما ذكرت آنفًا- تجعل المؤامرة من صغرى لكبرى، فلماذا لا نسأل سؤالًا قبل المؤامرة: لماذا يعملوا على وصول الإسلام السياسي وقيادته للحكم ومن ثم ينقضّوا عليه؟ لأنهم يعرفون عن طريق عملائهم الداخليين كل شي!

بمعنى أن الإسلام السياسي يعمل وفق أجندة أفكاره التي يعرفها القاصي والداني، فما بالكم بأجهزة الدول التي تراقب على مدار الوقت، فالممارسة للتنظيم وما نتج من أدبيات تكون منعزلة عن واقع الإسلام المعاش لعموم المسلمين، ومن هنا يقدم أعمال التنظيم وأفكاره للوصول لأهدافه التنظيمية؛ بدلًا من أهداف إسلام الأمة وعلى رأسها المصلحة العامة للمسلمين، لأنه يعتقد أن وصوله للحكم هو الذي يجعله يحكم بالإسلام، ولا يدرك بعد التجارب أن وصوله للإسلام كتنظيم سيكون عائق في تطبيق الإسلام؛ لأنه سيلجأ مباشرة للتحالف مع أمريكا بدخوله في اللعبة الديمقراطية.

الديمقراطية لا تناسبنا

وهل يعلم أو لا يعلم أن الديمقراطية خصصت لتمزيق الأمة، فالديمقراطية تعني في مجتمعنا هو تكفير الآخر وسحقه وتهميشه، ولكن تكفير سياسي مما يؤدي للتفرد بحكم الفائز واستنفار الخاسر على الدوام، لهذا فإن فشل الديمقراطية سياسيًا في مجتمعنا الإسلامي واضح؛ لأنها زادت من تقسيمات المجتمع، وزادت مشاحناته لدرجة الكل يريد أن يكشف عورة الثاني.

فالديمقراطية لن تناسب واقع الأمة الأمية التي تعرف حقوقها من خلال الإسلام الذي لا يترك شاردة ولا وارده إلا جاء بها، وجاء ليحقق فطرتها في معرفة حقوقها ومعاملاتها؛ لأنها أمة قيم وأخلاق، كما أن إسلام الأمة الأمي يهدي نحو سياسة وإدارة قائمة على ثابت العدل والإحسان، وكذلك يحفزها للنهوض من كبوتها ونفض غبار الذل والعدوان عليها؛ لأنها أمة جهاد وثورة، فالإسلام السياسي يعتقد أنه يمتلك أدوات الحاوي التي ستنقذه من تبعيته للنظام الدولي.

وهذه مفارقة ومغالطة؛ مفارقة لأن العدو سيسعى التفريق بينه وبين جموع عموم المسلمين، ومن ثم تدجينه وتسويقه بدلًا عن الحكام وأنظمتهم، لكنهم عندما يصلوا للحكم يصطدموا ببعض شرائح المثقفين والأحزاب المجتمعية؛ لأنهم فضلوا طاقاتهم وقدراتهم عن الشعوب، وبهذا يتيح لخصومة التمترس حول عموم المسلمين، ويقودوا التصادمات ضد ما يطرحه من برنامج خاص به من بعض الجماهير. كما أن عقدة الأحزاب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية تعرف أن وصول الإسلام السياسي للحكم هو إقصاء وإنهاء الكل.

ومغالطة لأنه يسير بنفس المسار والطريق والأدوات الأيدولوجية؛ التي ستقوده للتحالفات والاتفاقيات التي سبقته من الجهات الرسمية متمثلة بالأنظمة العربية الحاكمة السابقة، لهذا لن يسمحوا له بذلك؛ مما يجعل الأعداء يحاصروه بأسماء أخونة الدولة أو حمسنة الحكم أو أسلمة الدولة، ومن ثم يصبح في حيرة ليتماهى أو يُجبر للتساوق مع الواقع فلا يستطيع، فقيادة التنظيم كانت معزولة عن فئات الجماهير؛ لأنها كانت معتكفة على توصيل برنامجها لعناصرها في دعوة مغلقة، فيكونوا قد أرسوا قواعد المؤامرة بأيديهم لبعدههم عن الدعوة العامة والمفتوحة، فالارتباط بالجماهير والشعب هو المعيار الأساسي لنجاح أي فكرة.

القيادة

فهناك من يقول: أننا نجد أن الأمم في حركتها الحضارية صعودًا ونزولًا وانهيارًا، لا تحركها الجماهير والعامة، بل تقودها النخبة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وعلمية؛ إما نحو النهضة والتقدم وتحقيق أهدافها، وإما نحو الانهيار والسقوط في التخلف. فنجيب بأن إسلام الأمة الأمية هو الذي ندعو له وهو يحقق القيادة بامتياز من تزكية مجتمعها لها وليست تنظيمها أو نخبها، لماذا؟ لأن مشروعنا اليوم مشروع مواجهة وتحدي وإنعتاق من الهيمنة للعدو المركزي الإرهابي على الأمة، وليس مشروع حضاري نريد فيه استرجاع حضارتنا فحضارتنا موجودة ولن يستطيع أحد دثرها، ولا مشروع نهضوي لأن النهضة ستتحقق في ظل التحرر ووجود الدولة لأنها تحتاج مقومات دولة.

ولا خلاف أن كانت النخب والمثقفين المنتمين لحركة الجماهير والشعوب أن تمارس دورها النهضوي دون حرف الأمة عن الخط الذي يرقى بنهضتها وازدهارها وتقدمها، ولا عن تحررها من العدو الإرهابي الغازي، فالبرغماتية في واقع براغماتي إقليمي ودولي لن تنجح، فالوضوح في السياسة بإدارتها وأهدافها لكل الجماهير هي جزء من حماية أي مشروع تحرري.

حرب المصطلحات

وهناك من يخرج من بعض المثقفين المنظم في حركة اسلامية سياسية، فيقول إنها حرب المصطلحات؛ ويتابع قوله بأن الإسلام السياسي مصطلح شوهته مخابرات عالمية وإقليمية، لتحريف صورة الإسلام الشامل الذي يعتبر السياسة من صميم الدين، وعزل الإسلاميين الذين يتبنون هذه الفكرة، لأن أعداء الدين يريدون حصر تأثير الإسلام في نطاق الشعائر التعبدية، ويتهم فئات كبيرة من المسلمين بالتساوق مع هذا المصطلح وأنهم أداة يستغلها العدو المركزي.

فمن هنا نوضح الأمر وهو لا بد أن يعلم الجميع أن إسلام الأمة لا بديل عنه؛ لا بحركات سياسية إصلاحية أو جهادية أو فكرية سياسية منفردة بتوجهاتها، وإنما هو إسلام يؤمن بكل مكونات الأمة؛ ويعي أن الصراع يجب أن يكون بكل طاقاتها وقدراتها دون اجتزاء، ونعتقد أن الصلاح والجهاد يجب أن يكون بعقيدة الأمة الإسلامية دون العمل لتجزئتها وأدلجة دينها وتقسيمه، وليس بمعزل عن الشعوب والجماهير، والحفاظ على السير نحو معركة الوعي لتقود الأمة لنهضة حقيقية تقودها معركة التحرير من العدو المركزي بكل تحالفاته.

فعليه، أقول: الإسلام الشامل الكامل الذي ذكرناه آنفًا أين هو من حركات الإسلام السياسي؟، ومن هي التي تتبنى مشروع كامل على صعيد الأمة دعوة وسياسة وجهاد؟، أرى أن حصر وانحسار الإسلام في حركة إسلامية تدعي أنها المخلص هو ما يريده الغرب الكافر، والعدو المركزي الإرهابي وأجهزة مخابراته، فعلينا الاطلاع بكل التفاصيل على تقارير مؤسسة RAND الأمريكية؛ وما سبق من تشخيص في هذا المقال.

وهناك حركات إسلامية كبرى تسعى لإيجاد علاقات دولية مع العدو المركزي بغية الوصول للحكم؛ ولن يرضى عنها العدو، وهو يتطلع لأن تصل للحكم بطريقته الديمقراطية، وهو يريد من وصولها أن تؤدي دورًا وظيفيًا لقتل مشروع التحرر والانعتاق من العدو المركزي؛ والذي تطلع له الأمة بكل الوسائل الذي أتاحها إسلامنا، وتتعاطى معها شعوبنا وجماهيرنا الثائرة.

ومن بين الأخطاء من ينظر لهذا أي الدخول في لعبة الديمقراطية والتي تقول لهم كش ملك بعد وصول حركات الإسلام السياسي للحكم، فصُنعت لعبة الديمقراطية وأدواتها لتكون جزء من إدارة المعركة للتساوق مع سياسة العدو المركزي الذي يريدها، ويعتبرها ممارسة فعلية وأداة مهمة من فك الارتباط بين الإسلام السياسي مع مكونات الأمة ومتصادمة مع شعوبها على الدوام، وأداة تنفيس للقدرات والطاقات التنظيمية مع فتح الدراسات الأمنية لسلوكيات تلك القيادات، وأداة مهمة للانقسامات والاختلافات الشخصية من القيادات نحو سلطة الحكم، كما حدث في كثير من التجارب الإقليمية والدول العربية.

ما البديل؟

فالبديل عما سبق هو إسلام الأمة، والذي يحقق الإسلام الشامل الكامل العادل وهو لا يخفى على أحد، والذي يلتزم بعقيدة المسلمين، ومتجرد ومخلص وصادق مع رب العالمين، وليس من أجل التنظيم، وذلك بهدف واحد؛ هو إجلاء العدو المركزي عن بلاد المسلمين، وأدعو كل أصحاب الفهم الرصين أن يعيدوا قراءة المشهد بكل تفاصيله ويدعوا الجميع لدعوة وسياسة وجهاد أمة.

فهناك من حركات تساوقت مع الرؤية الأمريكية ودخلوا الديمقراطية ولم يجنوا منها سوى الموت والقتل؛ لأن هذا المسار فرضته قوة الغرب بأدواتها الأمنية، وتحت ظل حكم عسكري ونظام عميق، وهم يعرفون السلوك النفسي الداخلي للتكوينات التنظيمية والأحزاب السياسية الإسلامية المتطلعة للحكم، فيعمدوا لإفشالهم في خطة تعد وتحاك من قبل العدو وشركائه.

فالوعي بالمعركة أنها معركة تحرر من العدو المركزي وتحالفاته، وليس حكم وسلطة، فمشاريع الحكم والسلطة والنهضة والحضارة ستكون بعد القضاء على العدو المركزي الإرهابي المتمثل في الصهيوأمريكي، فلهذا أدعو نفسي وكل صادق أن نستنتج أن الحركات الإسلامية تحتاج للخروج من قواعد فقهية حركية نخبوية إلى عمل أمة يحمل التجرد والصدق والبيعة لله، ولا تنحسر ببيعة مجتزئة ومشوهه للتنظيم عن أصل دييننا الحنيف والذي تتمثل بيعته مع رب العباد، وتكون البيعة حائل للتواصل مع الأمة وشرائح المجتمع.

أعلم أن كلامي لا يروق لكثير من التنظيمات والحركات الإسلامية، فلا بد أن نقف مع الحقيقة، فأنا لست ليبراليًا ولا مؤمنًا بمدنيّة الدولة، ولا بالديمقراطية السياسية التي أنشأها من ندعي أنه ومخابراته هم الذين روجوا للإسلام السياسي، فالإسلام السياسي هو الذي تساوق مع مدنية الدولة وديمقراطية الحكم وليبرالية الفكر، وهذا ما جعلها تتناقض مع شعوبها، وجعلت أفكارها منحسرة في فئة متجنبة بقية فئات الجماهير.

فالعدو يعي تكوين ومكونات الحركات الإسلامية، وعليه يجب أن نقف ولا نستدعي الدين لإنقاذ مواقفنا الباهتة مع الأمة، فهناك فرق كبير بين المسلمين وبين المتحزبين لأفكار تنظيمية، وهناك فرق بين الإسلام السياسي وبين عقيدة الإسلام التي تؤمن بها الأمة جمعاء، وهناك فرق بين الكهنوتية للتعصب للتنظيم وبين إجماع الفقهاء للمسلمين، وهناك فرق بين المعابد الكهنوتية وبين مساجد الله، فالمساجد للأمة لم تختص بتنظيم محدد، فالإسلام دولة ودين، ودين ودولة، فالإسلام ليس مبتغاه الوصول للحكم بل مبتغاة تطبيق العدل والمساواة بين عموم المسلمين، لهذا أدعو كل المخلصين أن يعيدوا قراءة الآية:
إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)
أي أن دينكم دين واحد فلا تفرقوه بحزبيتكم وتنظيماتكم، لتصبح الأمة شيء واحد، فكونوا جماعة واحدة لتحقيق القوة، ورص الصفوف في بنيان واحد ليتحقق النصر على العدو، فمشكلة الحركات وأتباعها ستبقى تحرف المسار بأهوائها ومصالحها الشخصية؛ بتشويه كل من يتكلم بصدق ويحمل منهج الأمة بطريقته الأمية أي عموم المسلمين في فهم الدين، لماذا لم يكن بطريقته الحضارية؟ لأنها تحتاج لصنف من نخبة الناس تقيم الحضارة، ولكن الطريقة الأمية تعني كل الناس مسؤولة عن إقامة الإسلام وعودته، والطريقة الأمية تقود الأمة لحقيقة الصراع وتفجر طاقاتها وقدراتها في مسار واحد تقودها للتحرر من التبعية.

فعلى الإسلام السياسي أن يعيد تقييمه لنفسه، ويتأمل في ما أدعو إليه من إسلام أمة، وعليه لا يعتبر من يدعو لهذا المنهج هو مارق ومن الخوالف عن صف التنظيم، لكنني عرفت ربي وديني وسأبقى على عهدي مع ربي نحو إسلام أمة بعقيدة شعوبها وجماهيرها في معركة الوعي تجاه وحدة الأمة بروابط الدين، وليس التنظيم؛ حتى يتحقق وعد ربي؛ خلافة على منهج النبوة.

الخلاصة
فلا يجوز للإسلام السياسي أن يعمل لأجل تعاظم التنظيم على حساب الشعب الغلبان المسكين، ومن هنا نؤكد أن الإسلام السياسي المنحسر في العمل النخبوي وبطريقته الفكرية جعلته يقدم فكرة التنظيم عن منهج محمد-صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي اجتزأ الحكم في تنظيمه، ولم يدرك أن الطاقات والقدرات الشعبية أكثر مما لديه كثير، كما حسر نفسه بالاستعلاء والإقصاء.

وهذا دليل انه لا يستطيع أن يتفق مع شعبه بإسلام عموم الجماهير، ولن يحقق الطريقة الأمية، فيجب أن تكون طريقة العمل ألّا تعتمد على النخب وألّا يكون العمل نوعي محض، وأن يكون منذ اللحظة الأولى مع قواعده الشعبية ويتجنب الانزلاق نحو تضخيم اقتصاده عن شعبه، أو تضخيم موارده دون إشراك بقية فئات الشعب، أو ممارسة السياسة من أجل عملية الإحلال والاستبدال.

وأن تتربى النفسية العقلية على ذهنية تعي حقوق شعبها، حينها لن يخذلها شعبها ويكون بمثابة الحاضنة تتلقى كل الضربات التي تستهدفه، فالذهاب للسلطة بقيادة التنظيم، والعمل على الإحكام التنظيمي للعمل السياسي من خلال إدارة الحكم، هو الذي فتح عليها النار من قبل خصومها، فلا سلطة أصابت، ولا استقرار حازت.

كما على كل الحركات الإسلامية أن تدرك حقيقة الصراع ولا تفقد بوصلتها في إدارته، ولا تنحسر في ميدان على حساب كثير من ميادين الأمة التي تكون بحاجة ماسة لها، وخاصة في حالة المواجهة والتحرر؛ فالإصلاح، والحكم، والإدارة السياسية، وإقامة مشروع نهضوي حضاري لن يكون إلا إذا حققنا الإنعتاق من الهيمنة الصهيونية الأمريكية في المنطقة.

ومن هنا وجب على الأمة أن نلتف حولها وأن نكون ركائز لها، وألّا نستدعي نظرية التنظيم، بل يكون نهجها نهج الإسلام في إقامة الأمة الأمية التي بها سندحر العدو المركزي الإرهابي، وسنعيد الحكم على قاعدة العدل والإحسان وتلبية مصالح عموم المسلمين، وتكون النخب المجتمعية لها ميراثها في إقامة مشروع نهضوي بعد تحرر الأوطان.

يعلم الله أننا صادقون بكل كلمة نصحنا بها، وأن حرصنا على ديننا وإسلامنا هو الذي جعلني آخذ على نفسي عهد التصويب؛ وليس من أجل القدح والذم، هناك من يجيد ذلك، لكن يعلم الله أننا نريد خير إسلام لخير أمة، ما أطرحه نهج أعي كل تفاصيله، وهو الإسلام، هو الإسلام!.

المصادر

الخميس، 2 مايو 2019

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة

الواقع بين سقوط الإسلام السياسي ونهوض إسلام أمة 
 الجزء الأول

29 أبريل، 2019

بداية مقدمتي سأبدؤها بشعار للسلطان عبد الحميد الذي خاض أصعب مرحلة زمنية في تاريخ الأمة، واجتهد بكل ما يملك للحفاظ على إسلام الأمة لكي يكون حاضرًا؛ وأطلق شعار “يا مسلمي العالم، اتحدوا”، وكان عهده من أكثر أوقات الخلافة العثمانية نجاحًا وصعوبة في الوقت ذاته.

في عام 1922م تم خلع آخر سلاطين الخلافة العثمانية، وألغى مصطفى كمال أتاتورك الخلافة نهائيًّا في العام 1924م، بعد أن ألغى السلطنة في العام 1922م، كما تكالب المشروع الغربي بقيادة بريطانيا وفرنسا، وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية آنذاك، ونتج عن هذا التكالب ما يُعرف بمعاهدة سايكس بيكو عام 1916م؛ والتي نتج عنها تقاسم منطقة الوطن الإسلامي بين فرنسا وبريطانيا في الوقت الذي كانت تفقد الخلافة الإسلامية -بقيادة السلطان عبد الحميد الثاني- نفوذها وقوتها لأسباب شتى.

وتم إزاحة الإسلام كحاكم في الأمة ونتج بعد ذلك الثورات القومية العربية بعد فشل الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين؛ والذي كان أداة للثورة ضد آخر الملك الإسلامي العضوضي بقيادة الدولة العثمانية، مما أنتج فصل الدول العربية عن كيانهم الجامع؛ ألا وهي الخلافة الإسلامية، والتي تدين بحكم الإسلام كاملًا، وأصبحت الأمة الإسلامية مفتتة في أقطار وأمصار، خاضعة لمناطق وحدود جغرافية، كل قطر يحرص على مصلحته الشخصية ولا يهتم بحقوق الأمصار الأخرى، وخاصة المجاورة له، مما حدا به لاتفاقيات مع أعداء الأمة؛ ليحقق واقعية حكمه، وتمتين الأسرة الحاكمة أو الحزب الحاكم لدولته.

فمن هنا برزت الحركات الإسلامية مصطحبة مصطلح “الإسلام السياسي”، وذلك التوصيف لحركات تغييرية سياسية والتي تؤمن بالإسلام باعتباره “نظامًا سياسيًا للحكم”، وأن الإسلام ليس عبارة عن دين عبادات أو شعائر فقط، وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يَصلح لبناء وإدارة مؤسسات دولة.

ويُستخدم المصطلح غالبًا في سياق الربط مع الحركات التي تمثل القوى السياسية الحالية باسم الإسلام، والتي نشأت في نهاية القرن العشرين. إلا أن العدو يراقب ويتابع واقع الأمة المسلمة، ويعي حقيقة الصراع، ويتوعد الأمة بشرذمتها وتفريقها، ويتعهد مع أحلافه ألّا يعود الإسلام بشموليته ورحمته وعدله وقدرته للمحافظة على مقدرات الأمة.

ما زالت الحملات التترية والصليبية تتوالى على الأمة الإسلامية، بقيادة صهيونية عالمية وبأداة أمريكية صليبة، وبشرائع إنجيلية توراتية مُزوّرة ومُحرّفة تدعم اليهود لاحتلال الأمة، وتدعم العدو الصهيوني لاحتلال مقدسات الأمة. والأمة في غياب تام، بل تتجاهل عدوها لترتمي بأحضانه ليكون حاميًا لها؛ لعروشها وممتلكاتها، حتى لو أخذ أعز ما تملك، ألا وهو: دينها.
المفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي


محطات للمفهوم الأمريكي للاعتدال الإسلامي 
(قراءة في تقرير راند 2007م):
المحطة الأولى

صدور كتاب عام 1999م، أي: قبل أحداث سبتمبر بعامين بعنوان (مواجهة الإرهاب الجديد)، حاول الكتاب أن يجيب عن سؤال عمّا إذا كان “الإرهاب الجديد” يشكل خطرًا استراتيجيًا على الولايات المتحدة تحديدًا أم لا، وأشار الكتاب إلى أن خطر الإرهاب الجديد سيتركز في منطقة الوطن العربي، وسيهدد مصالح كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.
المحطة الثانية

أصدر في عام 2004م تقرير بعنوان (العالم المسلم بعد 11/9) يبحث التفاعلات والديناميات المؤدية إلى حدوث التغيرات (الدينية -السياسية) التي يشهدها المسرح الإسلامي الراهن، بهدف إمداد صانعي السياسة الأمريكية برؤية شاملة عن الأحداث والتوجهات الواقعة حاليًا في العالم الإسلامي.

قدم البحث في محوره الأول خريطة شاملة للتوجهات الفكرية في المناطق المختلفة في العالم الإسلامي، مشيرًا إلى أن المسلمين لا يختلفون فقط في الرؤى الدينية، بل يختلفون أيضًا في الرؤى السياسية والاجتماعية، مثل: الحكومة، والقانون، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والتعليم. وحاول التقرير أن يصنع مساواة مفتعلة بين الإسلام (المعتدل) وبين (العَلْمانية)، ويقسم العالم الإسلامي تقسيمًا قسريًا؛ حيث يتم -مثلًا- تعريف منطقة معينة في العالم المسلم في كونها (سلفية)، وأخرى (راديكالية) -أي: تتبني الجهاد-، وثالثة (معتدلة).

وتناول الجزء الثاني من البحث الخلافات القائمة بين المسلمين بعضهم مع بعض، مع تركيزه على خلافين أساسيين هما (الخلاف السني- الشيعي)، و(الخلاف العربي- غير العربي)؛ حيث يخلص إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تثبت ولاءها للشيعة العراقية لصدِّ المد الشيعي الإيراني -رغم صعوبة ذلك-.
المحطة الثالثة

صدر في عام 2005 تقرير بعنوان (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات)، ويخلص التقرير إلى أنه لا يمكن إحداث الإصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الإسلام في المنطقة؛ الذي يقف سدًا منيعًا أمام محاولات الهيمنة والسيطرة على الأمة، وأنّ الحل يكمن في النظر إلى المسلمين عبر أربع فئات، هي: مسلمين أصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين.

أما فيما يتعلّق بالأصوليين، يقول التقرير:” يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وأفضلهم هو ميّتهم؛ لأنّهم يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقرآن، وأنهم يريدون أن يعيدوا الخلافة الإسلامية، ويجب الحذر منهم؛ لأنّهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق أهدافهم، وهم ذوو تمكُّن في الحجّة والمجادلة. ويدخل في هذا الباب: السلفيون السنة، وأتباع تنظيم القاعدة، والموالون لهم، والمتعاطفون معهم، و”الوهّابيون””، كما يقول التقرير.

وفيما يتعلق بالتقليديين، يقول:” يجب عدم إتاحة أي فرصة لهم للتحالف مع الأصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ الأصوليين وليصلوا إلى مستواهم في الحجّة والمجادلة، وفي هذا الإطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية (يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وأفكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين”.

وأوصى التقرير بأهمية أن:” ندعم التقليديين ضدّ الأصوليين؛ لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الأصوليين: دحض نظريتهم عن الإسلام وعن تفوقه وقدرته، إظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لأعمال العنف التي يتخذونها، إظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلّفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء أدبهم وقلّة إيمانهم، وتجنب إظهار أي بادرة احترام لهم ولأعمالهم أو إظهارهم كأبطال، وإنما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا أحدًا للتعاطف معهم”.
المحطة الرابعة

دراسة بعنوان (ما بعد القاعدة)، وهي تقع في مجلدين: الأول حول حركة الجهاد العالمية، والثاني عن الحلقات الخارجية لعالم الإرهاب. تبحث الدراسة في أربعة مباحث رئيسة: المبحث الأول عن القاعدة: العقيدة، والإستراتيجية، والتكتيك، والتمويل، والعمليات، وتغير الأشخاص، والمستقبل المحتمل.

أما المبحث الثاني: فهو عن الجماعات الجهادية التي تبنت نظرة القاعدة العالمية، والتي ليست مرتبطة رسميًا بتنظيم القاعدة. والمبحث الثالث: حول الجماعات الإرهابية الإسلامية وغير الإسلامية والتي ليس لها أي صلات معروفة بالقاعدة، ولكنها تهدد المصالح الأمريكية والأصدقاء والحلفاء؛ كحماس وحزب الله، وغيرهما.

أما المبحث الأخير فهو عن الرابطة بين الإرهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن ذلك طرق استعمال الإرهابيين للمنظمات الإجرامية في تمويل نشاطاتهم. تدعو الدراسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى توسيع الجهود بشكل كبير لتقويض الدعم للقاعدة وخاصة من داخل الدول الإسلامية، وتقول:” إن نجاح مكافحة القاعدة (الجهاد العالمي) يتم من خلال مهاجمة العقيدة الجهادية العالمية، وقطع الصلات بين الجماعات الجهادية، وتعزيز قدرات دول المواجهة إلى مواجهة تهديدات الحركات الجهادية”.

كما يقول التقرير:” إن العقيدة الجهادية تواصل الانتشار وتلقى مزيدًا من القبول في العالم الإسلامي، وهذا سينتج إرهابيين أكثر يجددون صفوف القاعدة، وإذا تم الطعن في هذه العقيدة ومصداقيتها فإن القاعدة ستنزوي وتموت”. يؤكد التقرير أن طرق مكافحة الإرهاب التقليدية لا تكفي لهزيمة القاعدة، ويجب فهم أن الصراع مع القاعدة صراع سياسي وعقدي.

ويقول التقرير:” الحركة الجهادية العالمية حركة أيديولوجية متطرفة، والحرب عليها في أبسط مستوى يكون بحرب الأفكار”، والهدف من ذلك -كما يقول التقرير-: هو منع القاعدة من استغلال الخطاب الإسلامي والخطاب السياسي، والذي استخدمته بكل براعة. يرى التقرير أن تقويض العقيدة الجهادية العالمية من الخارج أمر صعب؛ فالقاعدة قد عبأت المسلمين ضد الغرب، لكن ليس كل الجماعات الجهادية تتفق مع القاعدة في النظرة العالمية.

ولهذا السبب تدعو الدراسة الولايات المتحدة إلى قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، وذلك بنشر وتأكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية (القاعدة)، وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب، ومن المهم تأكيد وإبراز أن الدولة الإسلامية التي تسعى القاعدة إلى إقامتها ستستبعد التيارات الإسلامية الأخرى، -وبالإضافة إلى ذلك- فإن الولايات المتحدة ستسعى إلى القضاء على الجماعات الإرهابية، وتعزيز قدرات الحكومات الحليفة والصديقة للتعامل مع التهديدات الإرهابية، لكن بصفة استشارية بتوفير مجال جمع البيانات والتحليل والتقرير.
المحطة الخامسة

صدر في عام 2007 تقرير بعنوان:(بناء شبكات مسلمة معتدلة)، يوصي التقرير أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الإسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات الإسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها “تيارات متطرفة”.

كما يؤكد التقرير على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الأمريكي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الإدارة الأمريكية وتدعمهم، في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم، والعمل على احتواء نهضة الأمة الإسلامية.

كما يرى التقرير أهمية استعادة تفسيرات الإسلام من أيدي التيار الإسلامي وتصحيحها! حتى تتماشى وتتناسب تلك التفسيرات مع واقع العالم اليوم، وتتماشى مع القوانين والتشريعات الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا المرأة. يؤكد التقرير أن هذا التعريف للاعتدال هو من أهم ما يمكن أن يساهم به التقرير في خدمة السياسة الأمريكية، وأن على أمريكا أن تدعم فقط الأفراد والمؤسسات التي تندرج تحت مفهوم الاعتدال بالتفسير الأمريكي له، والمقدم في هذا التقرير.
كيف يتحقق الاعتدال الأمريكي؟


تشير الدراسة إلى أن نقطة البدء الرئيسة التي يجب على الولايات المتحدة العناية بها في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء المسلمين، وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أنه يمكن التغلب على صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء إلى التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد (راند)، ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الإسلاميين المعتدلين، أهمها ما يلي:
القبول بالديمقراطية

يعتبر قبول قِيَم الديمقراطية الغربية مؤشرًا مهمًا على التعرف على المعتدلين؛ فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين أن بعضهم الآخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الإسلامية؛ خصوصًا مبدأ (الشورى)، ويرونه مرادفًا للديمقراطية. كما أن الإيمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الإسلامية.
القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين

وهنا تشير الدراسة إلى أن أحد الفروق الرئيسة بين الإسلاميين المتطرفين والمعتدلين: هو الموقف من مسألة تطبيق الشريعة. تؤكد الدراسة أن التفسيرات التقليدية للشريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الإنسان، وتدلل الدراسة على ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني (عبد الله بن نعيم) قال فيه بأن الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقًا متساوية في الشريعة الإسلامية.
احترام حقوق النساء والأقليات الدينية

وفي هذا الصدد تشير الدراسة إلى أن المعتدلين أكثر قبولًا بالنساء والأقليات المختلفة دينيًا، ويرون بأن الأوضاع التمييزية للنساء والأقليات في القرآن يجب إعادة النظر فيها؛ نظرًا لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة إبَّان عصر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.
نبذ الإرهاب والعنف غير المشروع

تؤكد الدراسة هنا على أن الإسلاميين المعتدلين يؤمنون -كما هو الحال في معظم الأديان- بفكرة (الحرب العادلة)، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف، ومتى يكون مشروعًا أو غير مشروع؟ ولاختبار الاعتدال يضع التقرير 11 سؤالًا تشكِّل في مجملها المحددات الرئيسة لوصف الاعتدال المقترح الذي تتبناه الإدارة الأمريكية، وهي مقياسًا للاعتدال، وأن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا.
التحليل للمواجهة والمكاشفة


إن ما يقوم به العدو المركزي من شن هجماته العسكرية والأمنية والسياسية والفكرية هي هجمات إرهابية منظمة، ويعي ما يريده العدو؛ إن كان في حرب عسكرية تقتل الإنسان المسلم وتمزقه وتحرقه، أم حرب الأفكار الباردة التي يتعاطى ويتماهى المسلم مع أفكار العدو المركزي أو تضمن أنه متساوق معها لدرجة التبعية.

وعليه يسعى لأمرين هامين: تقسيم الأمة فكريًا، وجغرافيًا؛ لكي يستطيع أن يوجه إدارته السياسية للنيل من جميع المتخاصمين والمتقاتلين، وتحت التحالفات الإقليمية والدولية والأمنية، وممارسة الضغط والتخويف والإرهاب المنظم من طرف العدو المركزي على الشعوب وفئاته، والتي أصبحت تطالب بأدنى حقوقها؛ وهي توفير المأكل والمشرب، وقد نسيت في الوقت نفسه الانعتاق والتحرر من هيمنة الإرهاب المنظم بقيادة العدو المركزي للأمة الإسلامية، والذي يمثله الصهيوصليبية والمتمثل باليهود وحلفائها، وهي التي تحرمها من تحررها ونهضتها من جديد، وتحرمها من خبزها ومشربها.

ومن هنا بعد انهيار الحكم العضوضي للإسلام متمثلًا بالدولة العثمانية، ونشوء القوميات وظهور العدو المركزي للأمة؛ الذي لا يختلف عليه إلا متساوق معه أو منتفع منه أو عميل له، بدا تشكيل الجماعات الإسلامية مطالبة باستئناف الشريعة الإسلامية كمنهج حياة، ومن خلال إصلاح الإنسان بواسطة التعاليم والقيم الإسلامية، ومن ثم الانتقال لإصلاح المجتمع للانطلاق به لإصلاح مؤسسات الدولة.
عهد جديد


وبعد التصادمات بين الإسلاميين والحكومات والصراعات على الحكم، والتي شهدتها الأمة خلال القرن الماضي؛ تمت المراجعات من قبل الحركات الإسلامية مما حذا بها لتشكيل فهم الإسلام السياسي، والذي يعيش مع فكرته، والتي لها مقاييس ومعاير التنظيم الفكري من خلال الفكر النخبوي، والذي أقصى ما يتمناه أن يكون بالسلطة هو ونخبته من عناصر التنظيم؛ لتحقيق بعض المكاسب التنظيمية.

بعيدًا عن استكمال الدائرة في الولوج الكامل مع الجماهير؛ ليعيش قضية الشعب من فقر وجوع واستبداد وظلم له، فعاش بين فكرته وطموحاته التي لا ترتقي بأن تكون له الولاية التامة على شعبه، ولم يخض معركة التحرير الكاملة الشاملة بكل مكوناتها التحررية، فلذا أخطأ بانعزاله عن الأمة؛ ولم يستطع أن يصنع ممارسة تكون الأمة حاضنة له، كما أنه ما زال الإسلام السياسي يعاني كيفية الخروج من فكرته، والتي أدمن الانحسار عليها ولا يقدم دعوة مفتوحة وعامة تجسد روح الإسلام التي تتعانق مع الشعوب والجماهير.

والذي لا يعرفه الإسلام السياسي أنه ما زال يعيش حقبة الملك الجبري، ولم يتحرر منها إلا بالرجوع للإسلام على طريقة رسولنا محمد -صلى الله عليهم وسلم- كما سيأتي ذكره، مما تقدم طرح الإسلام السياسي أدى لعقم فكري مقيد بفكرته التي دعا إليها التنظيم قبل الإسلام، ولم يجعل تحقيق الإسلام في الأمة دينًا وسياسةً وجهادًا، ولم يسعى لتوجيه معركة التحرر للعدو المركزي بكل المكونات، والتي تشمل الأمة في جهاد كبير؛ للانعتاق من حقبة تترية صليبية حاقدة على الإسلام والأمة المسلمة.

المصادر