‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة مفارقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة مفارقات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 22 أغسطس 2025

من لذات المقربين

من لذات المقربين 

أ.د. صلاح سلطان -فك الله أسره-

ومن لذّات العلماء الربانيين أن يرزق ” الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ .. ﴿٣٩﴾”(الأحزاب)، لأنه آنئذ من النادرين المصطفين من رب العالمين 

كما قال الشاعر أحمد شوقي:
إن الذي خلق الحقيقة علقما 
                 لم يُخل من أهل الحقيقة جيلا
إن الشجاعة في القلوب كثيرة 
              ورأيت شجعان العقول قليلا
وكم يشفق العلماء الربانيون أصحاب القلوب 
” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴿٢٨﴾”(فاطر) 
عندما يرون مواكب المنافقين من أصحاب الاجتهاد التسويغي للعوام أو الحكام، ينشدون لديهم الحظوة والمال، والسلامة من سجن وسجان والخشية من أذى أو قتل غافلين عن منازل المقربين: 
سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله .
وكأننا أمام فيض من اللذات العلوية مع الحسرة الأرضية لدى العز بن عبد السلام عندما صدع بالحق في الشام في مواجهة الظالم حاكم المكان الذي استعان بالصليبيين الذين هزمهم صلاح الدين الأيوبي وطردهم من ديار الإسلام، فاستدعاهم أوغاد الحكام يستظهرون بهم على إخوانهم لتوسيع نفوذ وسلطان، فلما بيّن العز حرمة ذلك سجنه وأمعن في الإيذاء، وذهب المشفقون على العالم الحبر سلطان العلماء، هلاَّ قبِلت على حاكم البلاد فقبّلت يده ليعفو ويصفح وتخرج من السجن فتدعو وتعلّم ويهتدي بك خلق كثير، 
فقال وقد امتلأ قلبه بلذّات قول الحق لا يخشى فيه طاغية ولا باغيا، بل يشفق على هؤلاء الوسطاء المغفلين، 
قال العز بن عبد السلام: يا قوم: أنتم في واد وأنا في واد، والله ما أرضى لهذا الحاكم الظالم أن يقبل قدمي، فكيف أقبّل يده، الموت أهون من ذلك كله، وكأنه قد تشبع بقول الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذلة 
               بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
أو قول غيره:
أهوى الحياة كريمة لا قيد 
                لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان
         
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي، 
                   يغلي دم الأحرار في شرياني
أو قول آخر:
ونفس الشريف لها غايتان بلوغ المنايا، ونيل المنى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

وها هو التاريخ يطوي – في أسفل سافلين- صفحات الطغاة الظالمين والوسطاء المغفلين، وبقى العز بن عبد السلام” وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾”(النحل) 
بلذات الصبر، لا لذات الظفر، 
بلذات مواجهة الطغيان بكلمة الحق الأبلج، لا لذّات تسويغ الباطل اللجلج، 
بلذات المجاهرة بالأدلة الشرعية تأسيسا وترسيخا ، وليس بلذات ” ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ .. ﴿٩﴾”(الحج)، تلبيسا وتدليسا، 
حقا: يا لبعد ما بين الفريقين أصحاب الشمال والمقربين.

(المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)


 18-4-2019م

الخميس، 15 فبراير 2024

مفارقات بين علماء الانقلاب وعلماء ضد الانقلاب

مفارقات
بين علماء الانقلاب وعلماء ضد الانقلاب


أ.د.صلاح الدين سلطان
 الاثنين, 31 مارس 2014 
علماء الانقلاب هم من سوَّغوا للانقلابيين من العسكريين جريمتهم وألبسوا الانقلاب ثوبا قال فيه الشاعرأبو ذؤيب:


ثوب الرياء يشفُّ عما تحته      فإذا التحفت به فإنك عار
فهم ليسوا في العير ولا في النفير في تحديد المصير، بل يستدعون في الحلقة الأخيرة من التمثيلية ليقوموا بدوراستغفال البسطاء عقلا وفكرا أن هناك عمائم تجيز الانقلاب على إرادة الشعب، وصندوق الانتخاب، وهؤلاء لاتعرف لهم مواقف حاسمة في السخرية من الله علنًا في الفضائيات والمطبوعات، ولا من هتك الأعراض أمام الكاميرات في ميدان التحرير لما احتلوه بلطجة، ولم تتحرك الدماء في عروقهم حمية على جرائم سفاح سوريا من هتك الأعراض علانية وبالجملة، وسلخ الأطفال وتقطيع أوصال الشباب، وهدم المساجد وآخره قبر سيف الله المسلول خالد بن الوليد، ولم تشغلهم قضية فلسطين، أسرى ولاجئين، وقتلى وجرحى على مر السنين، ومسجدنا الأقصى الأسير الذي حُفرت تحته ?? مترا من الأنفاق، ويُدنس بقطعان اليهود، ولا معاناة أهلنا في بورما والصومال، وزيادة القروش لدى أصحاب العروش والكروش مع وفاة طفل كل خمس ثوان بسبب الفقر والمرض، ولم يثوروا يوما لانهيار الأخلاق والقيم والعفة والمروءة في الفضائيات، بل الأهم عند علماء الانقلاب هو الوصول إلى المناصب،والاستماتة أن يأتي ملك الموت وهم يفترشون الكرسي، وجمع مالا وعدده من المكافآت المادية التي تتوازى مع حجم التدليس والتلبيس والتسويغ والتحريف في دين الله تعالى، وقد وُجد عبر التاريخ من أمثال هؤلاء الكثير، ويُذكرون في هوامش كتب التاريخ كنخالة للأمة، ونفاية للحق، وزراية بالرجال، ولكن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن حزم وابن تيمية والعز بن عبد السلام و.....قد سجنوا وعذبوا لكي يسوغوا باطلا لايساوي مثقال ذرة من جرائم الانقلابيين في تاريخنا المعاصر، فهذا أبو حنيفة يُعذب كي يكون قاضي القضاة فيرفض لأن هناك تدخلا في عدالة القضاء فيعذب ويسجن، وهذا مالك قد وشى به الواشون أنه ما أفتى ببطلان طلاق المكره إلا إشارة وقصدا لبطلان بيعة المكره فجيئ به وعُذب حتى فقد تحريك ذراعيه، وكذا الشافعي وابن حنبل وشهرة ابتلائه في قول الحق يعرفها القاصي والداني في فتنة خلق القرآن، ولايخفى على أنصاف المثقفين ما نال ابن حزم الأندلسي وابن رشد القرطبي والعز بن عبد السلام الدمشقي وابن تيمية وانتهاء بالشهداء عمر المختار وحسن البنا وسيد قطب والسباعي و....مكانا في قلوب الأمة إلا بقول الحق ومواجهة الباطل وحزبه، وأصر هؤلاء الأعلام على بيان الأحكام، ولو أغضبت الحكام، طالما يرضون الرحمن،كما قال الله تعالى "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَايَخْشَوْنَأَحَدًا إِلَّا اللَّهَ" (الأحزاب: من الآية39)، وهؤلاء جميعا تعرضوا لفتنة الإغواء فلما رفضوا تعرضوا لفتنة الإيذاء فما وهنوا في سبيل الله وما ضعفوا ومااستكانوا، بل ظلوا قامات عالية لاتنحني رؤوسهم إلا تعبدا ورقا وذلا واستكانة لله وحده، فإذا رفعوا رؤوسهم مع الخلق فهم العزة والعفة، والصبر والجلد، والشهامة والكرامة، وهاهم اليوم يخرج أمثال هؤلاء كما قال السموأل:


 إذا سيد منا خلا قام سيد   قؤول لما قال الكرام فعول
هؤلاء في مصر والأمة العربية والإسلامية علماء ضد الانقلاب العسكري في مصر الذي يخدم المصالح الصهيوأمريكية وأذيالهم في دولنا العربية كي تركع مصر ركوعا لا قيامة ولاكرامة بعده لكن العلماء تقدموا المشهد في الميادين والمدونات والمنابر والمخاطر، وقدموا الجرحى والشهداء، والمعتقلين في مصر والخليج، ولم يبخلوا على مصر بفلذات أكبادهم واحتسبوا عند الله أخواتهم وبناتهم، علماء ضد الانقلاب تجدهم في المنابر والساحات لأنه لا رهبانية في الإسلام كما يفعل بعض علماء الانقلاب، وأيقنوا أن النصر قادم من الله يقوده علماء ضد الانقلاب وليس علماء الانقلاب.

السبت، 26 أكتوبر 2019

" إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ"


"إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ"

أ.د. صلاح_سلطان
فهؤلاء المصطفون الأخيار لا تنفذ زينة الدنيا إلى قلوبهم، بل تبقى في أيديهم لأن قلوبهم مصطفاة منتقاة مخلَصة للدار الآخرة،هم أصحاب عمارة للدنيا لأنهم أخيار، لكنها بالنسبة لهم بلاغ إلى الآخرة، إن هؤلاء مشغولون ليل نهار في الاستعداد ليوم المعاد،مهمومون هل إذا مت الآن كيف ألقى الله الواحد القهار، هم مشغولون حقا بلحظة البعث حتى يكونوا تحت ظل الله يوم لا ظل إلا ظله؟ أم يطردون إلى حر الشمس حتى يغرقوا في عرقهم ! 
هم مشغولون: هل أحشر في لواء العابدين أم العابثين؟ لواء العادلين المقسطين أم لواء البغاة الظالمين ! 
هم مشغولون هل يحشرون في لواء المجاهدين المرابطين، أم لواء القاعدين المخلفين، هل يحشرون تحت لواء الكرماء الباذلين أم لواء البخلاء الممسكين؟ هل يحشرون تحت لواء الأوفياء الصالحين أم لواء الخونة الغادرين؟، هم مشغولون هل يتمكنون من الشرب من الكوثر بيد النبي صلى الله عليه وسلم أم يزادون ويمعنون، ويقال لهم: سحقاً، فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم قيل: لا تدري كم أحدثوا بعدك، هم مشغولون إذا نصب الميزان هل تثقل الموازين بالحسنات أو ترجحها السيئات؟، هم وجلون هل يجتازون المرور على الصراط كالريح المرسلة أو جرياً أو مشياً، أو يكبون على وجوههم في جهنم تخطفهم كلابيبها فوق الصراط؟، هم مشفقون هل يكون مستقرهم جنات 
" عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾"(آل عمران)، أم يحشرون على وجوههم عمياً وبكماً وصماً يسوقهم زبانية العذاب إلى نار جهنم؟، هم مشغولون كلما شربوا ماء هل سينقلبون في الآخرة إلى أن يشربوا فيها كأساً " كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ﴿١٧﴾"(الإنسان)، أم يرتدون إلى الغسلين يشوي الوجوه، ويقطع أعماءهم؟،
هم مشغولون كلما وضع لهم الطعام هل سسينقلبون إلى طعام الجنة " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٤٤﴾"(المرسلات) أم ينقلبون إلى شجرة الزقوم، " طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴿٤٤﴾ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ﴿٤٦﴾"(الدخان)؟، هم مشغولون كلما ارتدوا ملابس جديدة أو قديمة هل يكون مآلهم أن يلبسوا " ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ..﴿٣١﴾"(الكهف)، أو ينقلبون إلى" قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿١٩﴾"(الحج)؟، هم مشغولون مهمومون مشفقون هل يكونون ممن يدعوهم رب العالمين كي يكشف لهم عن وجهه سبحانه فينعمون بالنظر إلى وجهه الكريم كما نرى القمر ليلة تمامه، أم يكونون لا قدر الله ممن قال الله فيهم:" كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾"(المطففين)؟.
هذه المعاني لا تبرح أبداً أصفياء الأصفياء، فتعدّل مسارهم، وتحسن سلوكهم، وتسرّع فرارهم، وتسخي أيديهم، وتوقظ ليلهم، وتستنهض هممهم، وتضاعف عطاءهم، وتعمق إخلاصهم، وترسخ يقينهم، وتجعلهم حقا ينطبق عليهم " إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ"
حتى إن كل من يقترب منهم يذكروهم بالآخرة، لأنهم يرون نماذج متوازنة ممن أفاض الله عليهم بقبول دعائهم:" رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٢٠١﴾"(البقرة)

الاثنين، 29 أكتوبر 2018

برنامج مفارقات

برنامج مفارقات 
تقديم
 أ.د.صلاح الدين سلطان

1/3

2/3



3/3

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

مفارقات بين ربيع الأول والربيع العربي

مفارقات 

بين ربيع الأول والربيع العربي



أ.د. صلاح الدين سلطان



ربيع الأول لما ولد فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم انطفأت نار الدولة المجوسية الفارسية، وتزلزت عروش قيصر الروم، وانهدمت صور الاستبداد من السادة للعبيد، والرجال للنساء، والأغنياء للفقراء، والأقوياء للضعفاء،

وانهدمت فى الربيع العربى عروش و”كروش” مارست الظلم والقهر والاستبداد والفساد والبقية تأتى بإذن الله تعالى، حتى نعود إلى صبغة الربيع الأول:
حيث صار الناس سواسية كأسنان المشط وناداهم الحبيب صلى الله عليه وسلم على جبل الرحمة فى حجة الوداع مخاطبا الناس أجمعين وليس فقط المسلمين، فقال: “يا أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى والعمل الصالح….”،

وصار غير المسلم فى ديار الإسلام آمنا أكثر مما كان قبل بعثة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءت الوصية لغير المسلمين فصارت ديانة لا سياسة، وقناعة لا قمعا، وإحسانا وبرا، لا ظلما وقهرا،

واتسعت أمة الإسلام لكل الأطياف من الكافرين والمنافقين والمؤمنين، حتى جاء الرجل يطلب الإذن من سيد المرسلين أن يمارس الزنا فيُقنع عقله، ويمسح بيده الحنون على قلبه، ويدعو الله أن يشرح صدره للعفة، ويذهب الله ما به من شهوة.

يا قوم صِلوا الربيع العربى بالربيع الأول فلن يُصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وكفى ما جنته الحلول المستوردة على أمتنا، أو إن شئتم فاقرؤوا كتاب العالم المسلم الهندى الأصيل أبى الحسن الندوى “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”.


نشر في 6 ديسمبر 2016





الخميس، 25 سبتمبر 2014

مفارقات بين حج الأمس واليوم


مفارقات
 بين حج الأمس واليوم
أ.د. صلاح الدين سلطان

حجُّ الأمس كان نقلة نوعية نحو التمكين، وحج اليوم خطوة على طريق التوهين، في حج الأمس وقف النبي صلى الله عليه وسلم يهتف على جبل الرحمة: "أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد.."
 وحج اليوم ربنا واحد لكن الواقع كأننا لسنا لأب واحد، فالحج الفاخر التطوعي قد يطعم آلاف الفقراء، وحمامات بعض الفنادق الفاخرة تكفي لإقامة عمارات لهؤلاء الغلابة الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ونجد الفوارق الطبقية بين أبناء الأمة كأن كل فئة تنتمي إلى عصر دون آخر، كالفرق بين العصر الحجري والذري
 في حج الأمس على جبل الرحمة أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرا
 وبعد حج اليوم تنقسم الأمة إلى تيار متحلل يدفع المرأة إلى عصر "الجندر" و"البوي فرند" والخلاعة والمجون، وتيار العودة إلى الجاهلية الأولى في التحجر بمنع المرأة من أبسط حقوقها
في حج الأمس وعلى جبل الرحمة قال صلى الله عليه وسلم : "ألا إن ربا الجاهلية كله موضوع، وأول ربا أضعه تحت قدمي هاتين ربا العباس بن عبد المطلب"
 أما حج اليوم فلا شئ يذكر في إنهاء هذا الربا حتى في أرض الرسالة.
حج الأمس كانت أمة الإسلام دائما تحت قيادة واحدة مهما قويت أو ضعفت أمة الإسلام، لكن حج اليوم لا تجمع الدول الإسلامية رؤية واحدة، ولا مصالح متقاربة، ولا سوق إسلامية مشتركة، ولا ميثاق شرف للدفاع عن العرض والأرض والمقدسات.
حج الأمس كان الأقصى حرا طليقا، وكان كثير من الحجاج يشدُّون الرحال في ذهابهم أو إيابهم إلى المسجد الأقصى، أما اليوم فثالث الحرمين وأولى القبلتين أسير يشكو إلى الله أمة تركته للصهاينة يحفرون الأنفاق تحته إلى ثمانين مترا تمهيدا لهدمه.
حج الأمس كان يرتبط بالجهاد كما تنطق آيات سورة الحج والبقرة وآل عمران والأنفال والتوبة ومحمد،
أما حج اليوم فشكل بلا مضمون وحج مع ذل وهوان، وفقر واستسلام، الحج كان فيه الإعلان على لسان بطل الإسلام علي بن أبي طالب: "لا يطوف بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" 
أما حج اليوم فأنجاس المشركين يحكمون النقير والقطمير، الكبير والصغير "بالريموت كنترول" فلا يدخلون بأجسادهم المسجد الحرام لكن يحركون بمنهجهم وسلطتهم وإعلامهم واقتصادهم أمة الإسلام، ولطخوا بيوتنا وفنادقنا حتى في مكة والمدينة بأفلام وفنون تنشر العري والفجور في كل مكان
حج الأمس كان يُعلن: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (التوبة:9) وأثناء حج اليوم يُقتَّل ويُشرَّد إخواننا في غزة هاشم، وفلسطين الأقصى، وعراق الحضارة، ويمن العراقة، وأفغانستان الأصالة، وسوريا البسالة، ويؤسر ويسجن خيرة أبنائنا في سجون الكيان الصهيوني، والقهر المصري، و....
 وقد قعد الأعداء منا كل مرصد، يتجسسون من خلال الأقمار الصناعية، والهواتف الخلوية، والحسابات البنكية، حتى على المحادثات الزوجية، ولو شاؤوا لعدوا الأنفاس القلبية، وأمة الإسلام ما زلت تُغَنِّي: " يا امه القمر على الباب، يا امه أناديله ولاَّ أسك الباب"!!
أما متى يكون حج اليوم كالأمس؟!
حينما يتحقق شكلا ومضمونا ما جاء في آخر سورة الحج تعبيرا عن مقاصده العليا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" (الحج: 77-78)، فمتى نحجُّ حقيقة لا شكلا؟!.
لا أدري لماذا تخيلت يوما يأبى فيه الحجاج أن يرجعوا إلى ديارهم وأوطانهم ويقولون: "لقد آن لنا أن نجمع إلى الحج الجهاد كما أمر رب العباد؛ فيقطعون كل واد ليحرروا ثالث الحرمين وأولى القبلتين من شذاذ البلاد وقتلة الأنبياء صهاينة هذا الزمان، يومئذ فقط يكون قد التحم اليوم مع الأمس العريق

الجمعة، 1 أغسطس 2014

مفارقات بين التأثم والتنصل في العدوان على غزة


مفارقات 

بين التأثم والتنصل في العدوان على غزة


د.صلاح الدين سلطان

التأثم لأحداث ومذابح غزة صفة أصحاب الرجولة والمروءات، والتنصل الذي يخيِّم على أنظمة وعلماء وعامة من صفات أصحاب الخسة والنذالات،التأثم هو الشعور الأول لكل حرٍّ يرى هذا الإجرام الصهيوني في حصد أرواح أهلنا في غزة كأنهم دجاج يذبح بالجملة، ويتحول الشعور بالإثم إلى قرار بالمناصرة، فيتحول لدى العلماء إلى فتوى بوجوب المناصرة والمؤازرة ضد الأنظمة الفاشية التي تجاوزت جرائم "هتلر" و"لينين" و"ستالين" و"شاوشسكو" وغيرهم، ويتحول لدى العلماء وعموم الأمة إلى تيار هادر جارف معتصما سلميا مطالبا الدولة أن تتدخل لنصرة المظلوم أمام ظالمه للحديث الذي رواه البخاري: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وهنا يجب أن تتحرك الدبابات والطائرات العربية والإسلامية والجيوش النظامية والتطوعية كما حدث في مملكة البحرين لنصرتها على الطائفية، فمجازر بني صهيون أشد وأنكى، وإلا صار الإثم ملاحقا الحاكم والمحكوم ، العالم والعامي، الرجل والمرأة إذا تنصلوا من المناصرة القولية والعملية، ولعلنا نستحضر من التاريخ الإسلامي الكبيرما يُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختار الصحابي الجليل سعيد بن عامر ليكون واليا على حمص، ولما سأل عنه الحجيج متابعا تصرفات الولاة شكوا واليهم أربع شكاوى منها: أن سعيد بن عامر يغشى عليه كثيرا ولا يكاد يفيق، فسأل سعيد بن عامر ما شأنك؟ فقال: يا أمير المؤمنين كلما ذكرت أني في الجاهلية رأيت خبيب بن عدي يعذبه المشركون حتى قتلوه وهو ينشد:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلوٍّ ممزع
يقول سعيد بن عامر: كلما ذكرت ذلك اليوم وأني لم أنصر خبيبا، وتذكرت سؤال الله لي يوم القيامة يغشي عليَّ.
هذا الشعور بالتأثم الذي يدل على نبل صاحبه ومروءته رغم أن هذه واقعة كانت قبل أن يسلم، "والإسلام يجبُّ ما قبله" لكنه ظل متأثما حتى بعد إسلامه، فلماذا هذا التنصل من العلماء والأنظمة والشعوب عن نصرة غزة أمام قتل وجرح المئات؟!، ولا أدري متى تعود للعرب وللمسلمين مروءتهم التي كان تدفعهم فطرتهم النقية إلى التأثم الذي تتبعه نصرة لكل مستغيث ويتحرَّجون عن سؤاله عن سبب استغاثته إلا بعد نصرته حتى قال شاعرهم:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
والنائبات ثقُلت واشتدت واستقوَت على أهلنا في غزة ولا ناصر لهم إلا الله، وسينتصرون إن شاء الله على جبابرتهم أجمعين، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: من الآية227)، لكن أيقنوا أن الذين ظلموا نوعان هم المجرمون والمتنصلون، وأن الناجين هم الأحرار المتأثمون المناصرون للمظلومين حتى لو كانوا غير مسلمين.
تأثموا وتحرَّكوا وناصروا تفلحوا في الدنيا والآخرة، ولا تتنصلوا فتُحرجوا وتُحرقوا في الدارين.
www.salahsoltan.com

المصدر: الجزيرة مباشر مصر

الثلاثاء، 15 يوليو 2014

مفارقات بين حماقة بني صهيون وبراعة أهل غزة



مفارقات 
بين حماقة بني صهيون وبراعة أهل غزة


أ. د .صلاح الدين سلطان
حماقة بني صهيون قديمة متجددة، وسيجري عليهم قانون الله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ) (القمر:45-46)، وسيمضي عليهم قدر الله تعالى: وقوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران:112)، فهل يوجد أحمق في تاريخ العالم من قوم رأووا بأعينهم العصا تتحول إلى ثعبان، كما قال سبحانه: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ) (طه: 69)، وشق الله البحر أمام أعينهم فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وخلع الله الجبل وجعله فوق رؤوسهم كأنه مظلة، وأحيا الله الميت بضربة من عظام البقرة وأنزل الله عليهم المن والسلوى، ومع هذا ظلوا على حماقتهم وكفرهم وعنادهم حتى قال سبحانه: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) (البقرة: من الآية87)، وقال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75)،
أليست هذه حماقات بالجملة لدى بني إسرائيل وأبنائهم وأحفادهم من بني صهيون!
أليس يهود بني قينقاع قد رأوا انتصار القلة المؤمنة في غزوة بدر فراحوا يسخرون من النبي وصحبه، ويقللون من شأن هذا الانتصار ويهددون وقالوا: لإن لقيتنا لتعلَمن أنَّا الناس، وقاموا كعادتهم بأفعال الخسة بأن كشفوا عورة امرأة مسلمة في سوق ذهبهم؛ فقامت حرب من دولة الإسلام الوليدة التي لم تتهيأ بعد للنزال والقتال كما تهيأ بنو قينقاع زمنا طويلا لكنهم لما حوصروا تقوقعوا واستغاثوا وأُخرجوا من ديارهم، ولم يتعلم يهود بني النضير ممن سبقهم في الغدر والمكر والخسة والنذالة، بل هموا احتيالا بمحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة خسيسة أيضا، فأنجاه الله وحوصروا ونزلت الآيات في سورة بأكملها سميت بسورة بني النضير، حيث قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر:2)، والقرآن يقص هنا أن هؤلاء بلغوا في الحماقة أوُجَّها وأعلاها حتى يصح أن يقال: أحمق الناس من تحدى رب الناس، فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب وخرجوا أذلاء مقهورين، ومع هذا لم يتعلم الدرس بنو قريظة، وقد صار النبي صلى الله عليه وسلم أقوى استعدادا للأعداء وأوسع انتشارا، وقد تراجع اليهود عددا، وصاروا قبيلة واحدة بدل من قبائل ثلاث، ومع هذا أغواهم الشيطان، وأنساهم العمى، ودفعتهم الحماقة أن ينقضوا العهود وأن يفتحوا الحدود في منطقة الجنوب للمشركين من الأحزاب حتى وصل المسلمون إلى ما وصفه القرآن: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب:10-11)،
 لكن الله جل في علاه أجرى سننه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، فكانت النتيجة قتل يهود بنو قريظة، بعد أن اشتد الغضب في السماء، ونزل جبريل إلى الأرض في لغة حربية قاطعة: يا محمد أوقد وضعت سلاحك؟! إن الملائكة لم تضع أسلحتها، فقال: فإني سائر أمامك إلى بني قريظة أزلزل عليهم عروشهم، وهنا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة وقال في حزم وعزم: من كان منكم سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فانطلقوا سراعا وحاكموهم، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ بعد أن بكوا وتعلقوا برجله وهو ينزف على دابته، وحكم أن يقتل كل من أنبت من الرجال، وأن تسبى النساء والأطفال، وأن تقسم الأموال، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكمت بحكم الله يا سعد من فوق سبع سماوات، وهنا يأتي الشاهد الكبير على حماقة بني يهود عندما جُمعوا ليقتل شرارهم، وسأل أحد اليهود قائدهم كعب بن أسد القرظي: إلى أين يذهبون بنا؟، فقال كعب: يا قوم أفي كل مرة لا تعقلون؟!، أولا ترون أن الآخذ لا ينزع، وأن الذاهب لا يرجع!، إنه والله القتل، فأودت بهم حماقتهم فلم يعتبروا في الأولى من بني قينقاع ولا في الثانية من بني النضير فلقوا حتفهم جميعا، وأقول اليوم لنتنياهو وباراك وحكومة بني صهيون وشعب المحتلين: يا بني صهيون أفي كل مرة لا تعقلون! ألم تهزموا في لبنان في 2006م، وهزمتم من أهل غزة المحاصرين في موقعة الرصاص المصبوب من جانبكم، والفرقان من جانبنا، ألم تعتبروا أن مخابراتكم وسلاحكم ومخابرات الأمريكان والألمان والهند واليابان والصين وروسيا واستراليا وجواسيس رام الله ومبارك وعمر سليمان لم يستطيعوا خمس سنوات أن يعرفوا مكانا لشاليط؛ ورضختم أذلاء لشروط حماس فحُررِّت عشرون أختا من سجون الاحتلال من أجل دقيقتين فيديو يؤكدان حياة شاليط واستكبروا ورفضوا شروط حماس وفي الأخير رضخوا وذلوا واضطروا أن يخرجوا فوق الألف من أسرى فلسطين من أجل الإفراج عن شاليط! هل نسيتم يا بني صهيون أن في فلسطين قوما جبارين؟! هل نسيتم يا بني صهيون عماد عقل وهو يرعب جحافلكم وقادة الدبابات والطائرات وصار رعبا لجنود الصهاينة حتى في الأحلام، وألقى بنفسه من فوق السطح بينكم وقتل جنودكم قبل أن يستشهد، أنسيتم براعة أهل غزة الذين ملؤوا المساجد عمارة، وملؤوا قلوبهم حفظا للقرآن؟! هل نسيتم أن في غزة أكثر من سبعين ألف حافظ للقرآن تحوطهم عناية الرحمن وتسدد رميتهم كلمات الله حيث قال سبحانه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال: من الآية 17)! هل نسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة عندما حاصرتموهم سنين عديدة فرفعوا شعار: "الجوع لا الركوع"! وعلَّموا العالم كيف تكون غزة رمزا للعزة والقوة والصبر والجلد فكأني بهم كما قال الشاعر:
وتجلدي للشامتين أرُيهم أني لريب الدهر لا أتضعضع
أنسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة الذين جعلوا "من الفسيخ شربات" فصار عندهم فائض - رغم الحصار الظالم من العدو والصديق - من الخضراوات والفواكه واللحوم البيضاء والأسماك والتمر، وعندهم استعداد للتصدير!
هل نسيتم يا بني صهيون براعة أهل غزة عندما قدمت أم نضال وأخواتها ثلاثة من أبنائها شهداء وهم في قمة الشباب والفتوة فأعادت للأمة خنساء المدينة بخنساء فلسطين، هل نسيتم أمية جحا الفنانة الرسامة وهي تودع زوجها الأول شهيدا، وزوجها الثاني شهيدا، وتتزوج قائدا جديدا يرجو أن يكون شهيدا!
هل نسيتم براعة أهل غزة وهم يصنعون من روث البهائم متفجرات في وجوهكم النجسة؟!
هل نسيتم براعة أهل غزة حيث طوروا من الصفيح وقطع الحديد صواريخ تضربكم في الأعماق حتى وصلت إلى الكنيست وإلى 85 كيلو في عمق أرض الاحتلال وصرتم تختبئون بالملايين ليس فقط في الملاجئ وإنما في المراحيض كما عبَّرت على "تويتر" شقيقة أحد الجنود الصهاينة أن أخاها الجندي المدجج بالسلاح يختبئ داخل المراحيض، وأنهم يخشون من فرسان حماس أن يصطادوهم كالبط، ولعلها من مدرسة عكاشة!
 هل نسيتم يا بني صهيون أن جنودكم الذين دخلوا إلى غزة كانوا يلبسون الحفاضات من كثرة تبولهم على أنفسهم خشية براعة الإقدام من أبطال غزة في حماس والجهاد والأحرار و...
إنني أهتف في أمتي أولا لا تخشوا من حماقات بني صهيون فسنة الله جارية، وسُيقتلون على أرضنا، ونحرر قدسنا، فقفوا بالقول والعمل، والسيف والقلم مع براعة أهلنا وجيراننا وإخواننا أبطال غزة.
غدا نلقى الله تعالى ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الجمعة، 9 مايو 2014

مفارقات بين الخبر والإثارة


مفارقات 
بين الخبر والإثارة
أ.د. صلاح الدين سلطان


في الخبر تُذكر الحقائق كما هي، كما قال الله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" (العلق:1)، وفي الإثارة تقلب الحقائق على رأسها كما يقال في الصحف والجرائد "لا تقرأ هذا الخبر" وهم يقصدون أن يكون أول خبر يُقرأ، في الخبر يذكر أن "الكلب قد عض الإنسان"، وفي الإثارة يذكر "الإنسان قد عض الكلب"
 ونحن في حاجة ماسة إلى ثورة في عالم الأخبار بتغيير رؤساء التحرير للأخبار في عالمنا العربي وأذنابهم الذين لا يعرفون إلا شيئين: التسبيح بحمد الطغاة، والتسبيح بحمد الشهوات، فالأخبار كلها معكوسة، والأنباء مقلوبة، لأنهم تربَّوا في مدرسة الكذب والإثارة والثرثرة، وتعلموا على أيدي سدنة صناعة الأخبار من الصهاينة الذين يدرِّسون لطلاب الصحافة أن من أبجديات صناعة الأخبار كما يذكر الدكتور سليمان صالح في كتابه "صناعة الأخبار" على لسان أحد الأساتذة اليهود المتخصصين في الصحافة حيث يقول: "إذا عض الكلب إنسانا فلا يمكن أن يُنشر الخبر كما هو، بل يجب أن يُنشر على أن الإنسان هو الذي قد عض الكلب، ليكون صحفيا صاحب إثارة وليس مجرد كاتب"، وها هو الكيان الصهيوني يقتل كل يوم أبناءنا في غزة، ويعيش هوس الاستيطان الظالم، ويطرد أبناء الوطن، ثم يذهب إلى الخارج يبكي من إرهاب الفلسطينيين ورعب المقاومين، وقد صار أكثر رؤساء التحرير في الصحف والتلفزيونات على هذا المنهاج المضلل الذي يعتمد الإثارة لا الحقيقة، مخالفا أبسط درجات الصدق والأمانة، ولم يستطيعوا أن يقتدوا بالهدهد الأمين الذي جاء إلى سيدنا سليمان وقال: "وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" (النمل من الآية:22)، وقد قام جهاز أمن الدولة بأعلى درجات الإثارة وقلب الحقائق، ليجعلوا السُلطة ترتعش من "الإرهابيين" الذين يختبئون في المساجد، فكان يُكتب في جريدة الأخبار المصرية في الخبر الأول في الصفحة الرئيسية: (وراء كل مسجد إرهابي) ثم صارت (إرهابيين) ثم اقتحموا المساجد على العاكفين والدارسين والمصلين، واعتبروا أن وراء كل مصلي الفجر جماعة إرهابية تزعزع الأمن والاستقرار في البلاد، وأذكر أنني ألقيت محاضرة في مسجد المدينة الجامعية بجامعة القاهرة وكنت أتحدث عن منهجية التغيير من خلال القاعدة الشعبية وليس الانقضاض على السلطة، وفنَّدتُ يومها أدلة بعض الجماعات التي تتبنى قتل الوزراء وضباط الشرطة
 وقلت يومها: "إن المعارك داخل الوطن الواحد ليس فيها منتصر ومنهزم، بل الكل منهزم، وأننا يجب أن نسعى إلى التغيير السلمي الشعبي والتعايش الوطني مع غير المسلمين، وتخزين كل طاقات الغضب لتتفجر في العدو الخارجي من الصهاينة المعتدين، والصليبيين الظالمين، والصرب الملاعين"، وفي اليوم التالي كان د.علي السلمي نائب رئيس الجامعة يدعوني للمساءلة: "كيف تدعو لاغتيال وزراء وقيادات الشرطة؟"
 قلت له: "أولا: اطلب الشريط واسمعه، ثانيا: إذا جُنَّ الإنسان يكون ذلك على مراحل ولم أصب بالجنون الكلي فجأة، وثالثا: إن من نقل الخبر لو كان عنده حَوَل في مخِّه ما قلب الحقائق إلى هذا الحد"، ثم تبيَّن لي أن كاتب التقرير من هؤلاء الأذناب في أمن الدولة الذين تعودوا وترَبَّوا على الإثارة وقلب الحقائق لا الخبر اليقين.
 يا قوم استمروا في الثورة على كتاب الإثارة حتى يأتينا قوم مثل الهدهد منهاجهم: "وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" (النمل من الآية:22).

الأحد، 4 مايو 2014

مفارقات بين "السيسي" السفاح والحجاج بن يوسف


مفارقات
 بين "السيسي" السفاح والحجاج بن يوسف
أ.د. صلاح الدين سلطان
لقد فاق السيسي "السفاح" الحجاج بن يوسف حتى كاد أن يقول الناس لو قارنوا بين كل جنايات الحجاج وجرائم "السفاح" لقالوا كما قال الشاعر:

رب يوم بكيت منه     فلما مضى بكيت عليه

ولقد كان الحجاج بن يوسف حافظا للقرآن فصيحًا بليغًا سفاكًا للدماء، أما السيسي "السفاح" فلا يكاد يُبين، ويقتل في كل وقت وحين، كان الحجاج على فظاعته يُصغي إلى القرآن أحيانا حيث ورد أنه دخل على السجون فسأل رجلا عن جنايته فقال: ما جنيت شيئا لكن جاء رجالك "البلطجية" ليقبضوا على ابن عمي فلم يجدوه فأخذوني، فقال الحجاج: بل جنى عليك ابن عمك، كما قال الشاعر:

جانيك من يجني عليك وقد         تُعدي الصحاح فتجرب الجرب

فقال الرجل السجين: لكن الله يقول غير ذلك، فقال الحجاج: وماذا يقول الله، فقال الرجل: إن إخوة يوسف قالوا: "قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ" (يوسف:78-79)، فقال الحجاج على الفور: إذن أخرجوه، وأُفرج عن المسكين المظلوم، لكن السفاح قد تجاوز ظلمه بأعوانه الانقلابيين وقوات أمنه والبلطجية كل ما فعله الحجاج طوال عمره، ورغم بشاعات وفظاعات بن علي ومبارك والقذافي وعلي "فاسد" و المخلوع "مبارك" لكن دناءة الانقلابيين وخستهم وجبروتهم وقهرهم قد فاق الحدود، وجاوز كل خيال، ووصل لأعلى درجات الخبال، وقد هددوا العلماء فمنهم من رضخ ومنهم من نافق، لكن المسئولية ليست في رقاب العلماء وحدهم بل لابد للأمة أن يسعى بذمتهم أدناهم، وأن يتحركوا من أدناهم لأقصاهم، فهل يبقى العالم متفرجا على مجازر بالجملة، وهتك أعراض جماعية، وإذلال للشباب العُزَّل ونتف شواربهم وصعقهم بالكهرباء، وتجريدهم من ثيابهم وأمرهم بما يخجل القلم أن يخطه!!.

هل بقي في الأمة كما قال الله تعالى: "أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ" (هود: من الآية116)؟!! أم أننا رضينا النحت في رجولتنا ومروءتنا بل وإنسانيتنا بسماع كل خبر مع التخلى عن نصرة أهلنا وإخواننا الذين يعانون أضعاف ما عاناه المسلمون على يد الحجاج بن يوسف!.
أدعو إلى موقف واضح للعلماء وأن يُتناول في خُطب الجمعة جرائم السفاح والأضرار التي تهدد مصر بحكم العسكر، والوقوف أمام السفارات المصرية في العالم كله، فإذا لم نفعل فالساكت عن الحق شيطان أخرس "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" (الشعراء: من الآية227)، وهما فريقان: الظالمون ومن سكتوا عليهم!.

الأربعاء، 12 مارس 2014

مفارقات بين الإنسان والشيطان


مفارقات
بين الإنسان والشيطان
أ.د. صلاح الدين سلطان
www.salahsoltan.com

الإنسان خليفة الله في الأرض لقوله تعالى: "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً" (البقرة: من الآية30)، والشيطان عدو الله في الأرض حيث قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" (البقرة:34)، الإنسان مكرَّم من الله لقوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء: 70)، والشيطان مجرَّم ملعون من الله لقوله تعالى للشيطان: "وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ" (ص:78)، الإنسان هو صانع العمران مجدد الحضارات لقوله تعالى: "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود: من الآية 61)،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" (مجمع الزوائد للهيثمي: رجاله أثبات ثقات)، والشيطان مدمر العمران صانع الفساد لقوله تعالى على لسان الشيطان: "قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" (ص:82)، وقوله تعالى: "وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ" (النساء: من الآية 119)، الإنسان صاحب فطرة تدلُّه على الخير وتحثه عليه؛ قال تعالى: "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم: من الآية30)، لكن الشيطان منتكس الفطرة، مظلم الطبع كما قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" (الكهف: من الآية50)، الإنسان يتحرك في الأرض فهي ميدانه كما قال تعالى: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ" (طه:55)، لكن الشيطان يتحرك بين أجرام عدة ويحاول أن يسترق السمع من السماء فيتبعه شهاب ثاقب، ويحمل خصائص الجن في الخفة والتلون والتغير والتشكل، والعجيب المثير للذهن أن يكون هذا مقام الإنسان، وهو مدعو إلى الاقتراب من الله لقوله تعالى: "وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ" (العلق: من الآية 19) فإذا بالإنسان ينحو نحو الشيطان، إذ رفض أمر الله بالسجود، فيغترب الإنسان عن الله، ويبتعد عن إنسانيته، وينخر في كرامته، وينتقص من عزته؛ فيسلب الكثير من إنسانيته ويتشيطن حتى يصير أستاذا للشيطان كما قال تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " (الأعراف:175 ومن الآية 176)
فهل يليق بالإنسان المكرَّم الذي سخر الله له الكون كله كما قال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ" (الجاثية من الآية 13)، وقال تعالى: "وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً" (لقمان: من الآية20)، وقال تعالى: "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" (إبراهيم: من الآية 34)، عجيب حقا أمر هذا الإنسان الذي أسجد الله له ملائكته، وأرسل له رسله، وأرسل له كتبه، وهداه النجدين، ووعده الحسنيين، ونادى من زلت به القدم بعد ثبوتها فقال سبحانه: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (الزمر:53)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: "قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" (صحيح الترمذي)،
وحذرنا ربنا سبحانه من الشيطان فقال: "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" (يس: 60-61)، لكن الإنسان يأبي إلا أن يعرض وينأى عن الله بجانبه، ويتبع الهوى والشيطان، ويتحالف معه كما قال تعالى: "شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" (الأنعام: من الآية112)، والنتيجة لهذا الإعراض والتشيطن أنه يلقى مصيره: "هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" (يس:63-65)، وبهذا يكون الإنسان كما قال تعالى: "خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ" (الحج: من الآية11)، والأكثر ألما لأتباع الشيطان أو المتشيطنين هو يوم القيامة عندما يتبرأ الشيطان من أتباعه، ويتجرد عن مسئوليته عن غواية الإنسان، فيخطب في جهنم مواجها جمهور اللائمين له من بني الإنسان فيقول كما قال تعالى: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ" (إبراهيم: من الآية22) أي ما أنا بمنقذكم وما أنتم بمنقذي، فهل من حسرة أشد من هذا؟!!! ولم هذا الجفاء من الإنسان لربه وهو سبحانه القائل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" (فاطر: 15)، 
فهل من توبة وأوبة إلى رب كريم يعفو عن الكثير من السيئات، ويضاعف القليل والكثير من الحسنات، حتى تصير كأوزان الجبال؟
هل يليق بالإنسان أن يدع الرحمن ويتبع الشيطان، ويرد الإنسان إلى أسفل سافلين ؟!!!
ليس أمامنا إلا مخرج واحد وهو توبة نصوح تمسح السيئات، وتحولها إلى رصيد ضخم من الحسنات، ونلتمس الهدى والبينات من رب الأرض والسماوات، ونجمع بين النور والفرقان، الرؤية والقرار، العلم والعمل ونهتف من الأعماق هتاف الإنسان المحب للرحمن: "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ" (طه: من الآية84)،
فاقبل توبتي وأحسن عاقبتي لألقاك إنسانا مكرَّمًا لا شيطانا مجرَّمًا، فليس أمامنا إلا أمران: أن يظل كل منا الإنسان التابع لآيات الرحمن، أو نعرض متبعين نزغات الشيطان، وكل ميسر لما خلق له، وإذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك، والله وحده المستعان على إغواء الشيطان.

الأحد، 26 يناير 2014

مفارقات بين تحرير وتهميش الشباب

مفارقات 

بين تحرير وتهميش الشباب

أ.د. صلاح الدين سلطان

لم أحب في حياتي جيلا حبي للشباب، فلو دعيت لمائة من الشباب وألف من الكبار لما ترددت في تلبية المائة من الشباب، لأنهم هم سر قوة الأمة أو ضعفها، ولهذا جاءت سورة الكهف في عنوانها ومضمونها تستدعي صورة الشباب في أحسن هيئته وصورته في المبنى والمعنى والشكل والمضمون، قال تعالى: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) (الكهف: من الآية 13و14)
 ولقد ورد ذكر الفتيان والفتيات في القرآن عشر مرات، فسيدنا إبراهيم أبو الشباب بدأ دعوته وهو شاب صغير مواجها الشرك في تخصصاته الثلاث:
عبادة الحكام والأصنام والكواكب، فواجه الحكام بالحجاج كما حاجج النمرود، وواجه عبدة الأصنام بالتجربة العملية، وعبدة الكواكب بمشهد تمثيلي رائع، وسيدنا يوسف يتعرض في صغره لفتنة الإيذاء من إخوانه فلا يرد الإيذاء وهو شاب، وتعرض لفتنة الإغواء من امرأة العزيز فتمسك بالمكارم الأخلاقية خوفا من الله، وتعفف لأمرين: إيماني وأخلاقي، خشية من الله ووفاء لمن قال: "أكرمي مثواه"، واصطحب سيدنا موسى فتاه في رحلة التعلم من الخضر، وتلحظ لغة الشباب بينهما في الإصرار على بلوغ الأهداف النبيلة فتبدأ قصته بهذه الإرادة القوية: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) (الكهف:60)، وتبِعَ الإرادة القوية بالإدارة السوية ثم بالانطلاقة الفتية، فليس من الديباجة أن تبدأ قصصه الثلاث مع الخضر بقوله تعالى: (فانطلقا) وإنما هي حركة الشباب في الانطلاق إلى فعل الخير ونفع الغير، وصورة الشباب في سيرتنا النبوية تستحق وقفة علمية تربوية تعيد برمجة كل الاهتمامات لتكون أعظمها للشباب، حيث كان الكبار أسرع الناس كفرا ومعارضة، وكان الشباب أسرع الناس إيمانا ومؤازرة، فكان أول من أسلم الشاب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فناصر وضحى وآزر، وصار الخليفة الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أسلم عمر بعد أن شج أخته وزوجها كان إسلامه فتحا مبينا؛ حيث خرجت الدعوة من السرية في دار الأرقم إلى العلانية في مكة كلها، وسار في صفين يتقدم الشاب عمر صفا ويتقدم الشاب أسد الله الحمزة بن عبد المطلب صفا آخر، وطافوا حول الكعبة، أما الشاب عثمان بن عفان الحييّ السخيّ النديّ فقد خصه النبيّ صلى الله عليه وسلم أن زوّجه ابنتيه واحدة بعد الآخرى، والشاب علي بن أبي طالب الفارس المغوار والعالم المدرار الذي كان أول من أسلم صغيرا وهو ابن ثمان، ونام ليلة الهجرة في أخطر مكان، وهو ابن العشرين، وبارز صناديد قريش مرارا وهو تحت الخامسة والعشرين، وصار من الخلفاء الراشدين وهو ابن الأربعين، وأنجب الحسن والحسين وهما شباب أهل الجنة من فاطمة الزهراء وهي أحب بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه وأم أبيها، وروى الألباني في صحيح الجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابناي هذان الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما".

والشباب هم الذين هاجروا إلى الحبشة وكان قائدهم جعفر بن أبي طالب أحسن سفير تمسك بالثوابت العقدية مع إخوانه الشباب من الصحابة والصحابيات، كما روى البخاري بسنده عن أم سلمة (فأجمعنا على الصدق لما سئلوا عن قولهم في عيسى بن مريم)، فلم يجاملوا وقالوا الحق في أدب رفيع هدى الله به النجاشي ومن معه إلى الإسلام، والشباب الستة هم أول من أسلموا من أهل يثرب، وعادوا في العام التالي 12 شابا فأرسل معهم شابا نشأ في النعيم الدنيوي وضحى بكل شيء من أجل النعيم الأخروي وهو مصعب بن عمير الذي تعاون مع الشاب أسعد بن زرارة، وزاروا رؤساء وقادة القبائل والعشائر، وكانوا سببا في إسلامهم وهم شباب أيضا منهم أسيد بن خضير وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، وانطلق كل شاب إلى قبيلته، حتى لم يبق بيت بيثرب إلا دخل في الإسلام، وهم الذين سعوا إلى مبادرة حررت الدعوة في مكة من سلطة وبطش وظلم واستبداد أكابر كفار قريش، فذهب الشباب للقاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعَوه إلى المدينة لينتقل من الدعوة إلى الدولة، ومن العبادة إلى القيادة، ومن الحق المستضعف إلى الحق المستخلف، تصحبه قوة سواعد الشباب وسلاحهم، وما أعظم كلماتهم قبل غزوة بدر حمية ورجولة وتجردا لله تعالى.

وإذا قفزنا من السلف إلى الخلف ومن الماضي إلى الحاضر، فإن الشباب هم الذين قادوا الحركة الإسلامية في الجامعات والمصانع، وانتشروا في العالم كله يؤسسون في كل دولة مراكز ومدارس ومؤسسات إسلامية، ولا شك أن حكمة الشيوخ جعلتهم يترددون في إنهاء عصور الاستبداد والفساد، فصار التحرير بالشباب في الماضي والحاضر مثل الكواكب والنجوم في أفلاكها، وقد قال تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (النحل:16)، وصار الشيوخ بحكمتهم كالشمس والقمر، والشباب في همتهم كالنجوم والكواكب، ولا تستغني الدنيا عنهم جميعا، ومن ثم فنحن ننادي بأعلى صوت نريد بحق أن نثق في الشباب، وأن نحسن احتضانهم، وأن نفجر كوامن الخير فيهم، مذاكرة وتفوقا، وإبداعا واختراعا، وثورة على الباطل وتحريرًا للأسرى والأقصى والقدس وفلسطين، وليس اتهاما أو تهميشا لهؤلاء الشباب الذين ظلموا مرتين قبل الثورة إهمالا، لا علما ولا عملا، وبعد الثورة استغلالا وتحريضا وتحريشا.

الخميس، 16 يناير 2014

مفارقات بين الطيبات والخبيثات في الأقوال والأفعال

مفارقات

بين الطيبات والخبيثات في الأقوال والأفعال


أ.د. صلاح الدين سلطان
الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية


جوهر الإسلام هو صناعة الطيبات في الأٌقوال والأفعال، وقد وردت في القرآن مادة "طيب" ومشتقاتها 46 مرة، ومنهج الباطل هو تبني الخبيثات في الأقوال والأفعال وقد ورد ذم الخبيث بمشتقاته في القرآن 15 مرة، ونجد هذه الطيبات تتخلل كل مناهج الحياة في الإسلام سواء كان قولا أو فعلا، في الرضا والغضب، والعسر واليسر، والفقر والغنى، والصحة والمرض، والسفر والحضر، والصغر والكبر، فإذا تكلم المسلم فمنهاجه: (وهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) (الحج: من الآية24)، ويُتبع الكلمات الطيبات بالأفعال الصالحات كما قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: من الآية10)، وإذا تيمم المسلم عمد إلى الصعيد الطيب لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (النساء: من الآية43)، وإذا أكل فلا يجوز أن يذهب إلى الخبيثات من المطعومات، بل يبحث عن أحسن الطيبات لقوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (الأعراف: من الآية 157)، حتى لو كان الإنسان في ظرف صعب مثل أصحاب الكهف حيث طلبوا أطيب الطعام كما قال تعالى على لسانه: (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) (الكهف: من الآية19)، فإذا أراد أن يتزوج بحث الرجل عن زوجة بين النساء الطيبات، وبحثت البنت عن الطيبين من الرجال، مبتعدين عن الخبيثين والخبيثات، لقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) (النور: من الآية26)، فإذا بحث عن مسكن لزوجته ثم لأولاده سيبحث عن مساكن طيبة، في بلدة طيبة، كما قال تعالى: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ: من الآية15)، فإذا رفع يديه إلى السماء سائلا الله البنين والبنات فالأصل أن يكون ذلك مشفوعا بطلب الطيبين والطيبات، لقوله تعالى: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) (آل عمران: من الآية38)، ولا ينشد المسلم شيئا في حياته ويقلب وجهه في السماء داعيا ربه مثل أن يعيش حياة طيبة، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)، وإذا ألقى الإنسان السلام فإنما لنشر الطيب والخير والسلم في كل مكان لقوله تعالى: (فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) (النور: من الآية 61)، وإذا أنفق عمد إلى الطيب من المال، وتنحى عن الخبيث لقوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ )(البقرة: من الآية 267)، أما المناهج الأرضية فتعمد إلى الخبيث ويتجمع ويتزاوج كما أخبرنا الله تعالى عنهم: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) (النور: من الآية26)، ثم يتكاثر فإذا أخذت الكثرة بقلوب الطيبين انتشلهم الله تبارك وتعالى من هذه الدهشة، كما قال سبحانه: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة: من الآية 100)، وأن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يهلك الخبيثين والخبيثات جمعهم رغم شتات الأهواء والأفكار والأيديوليجيات ليكون مآلهم جميعا الهلاك والبوار، بل إنهم يبالغون في جمع المال بينهم ورصده في مواجهة الطيبين والطيبات، من الرجال والنساء، والأقوال والأفعال، كما قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الأنفال: 36-37)، ويستمر وعد الله للطيبين بالنجاة والنصر والتمكين من كيد الخبيثات والخبيثين، كما قال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) (الأنبياء: من الآية 74).

وإنني هنا أرفع صوتي صارخا في قومي من المصريين والعرب والمسلمين والمسيحيين الذين يشاهدون إعلاما فاسدا لا يعمد إلا إلى الخبيث من الأقوال والأفعال فينثره وينشره، ويعيده ويزيده، ويجمع له كل حاذق من المذيعين والمذيعات، والصحفيين والصحفيات الذين جعلوا شعارهم إشاعة الخبث والسخرية والاستهزاء، وكلما زاد سخرية في برامج "التوك شو" أو "اليوتيوبز" أو على "التويتر" أو "الفيس بوك" واستعمل الغمز والهمز واللمز تضاعف المشاهدون وزاد المعلقون، وارتفعت تسعيرته في القنوات والصفحات، وكأنما يريدون أن يصنعوا مجتمعا تفوح فيه الخبيثات لا الطيبات، وتعلوا صورهم في الطرقات، وتتوسع برامجهم في الشاشات، وتتضاعف "الكومنتات واللايكات"، ولله در عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: (لولا ثلاث ما أحببت المقام في هذه الدنيا: مكابدة الساعات – القيام والتهجد لله تعالى- ، وصوم الهواجر – في الحر- ، ومخالطة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقي الآكل أطايب الثمر)
 نريد أن نقول ونستمع فقط إلى الطيبات، وأن تصدر عنا الأعمال والأفعال الطيبات، وأن نقاوم بالحكمة الخبيثين والخبيثات من الأقوال والأفعال وذلك حتى نضمن أن نحتفظ بصفة الطيبين والطيبات في الحياة وحتى الممات، كما قال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل: 32)، ونصيحتي هذه لأمتي عامة وللشباب والفتيات خاصة.

الأحد، 15 ديسمبر 2013

مفارقات بين مكر الناس ومكر إله الناس

مفارقات
بين مكر الناس ومكر إله الناس
أ.د. صلاح الدين سلطان
www.salahsoltan.com

مكر الناس إلى سراب وبوار لقوله تعالى: (وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر: من الآية10)، ومكر إله الناس إلى سداد واستقرار لقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:54) مكر الناس كما قال الله عز وجل: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (إبراهيم:46)، ومكر إله الناس: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) (مريم:90)
 فالكون كله يؤول إلى هلاك بكلمة منه سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)، مكر الناس محدود زمانا ومكانا، ومكر إله الناس ممدود زمانا ومكانا، مكر الناس مقصور على إمكانات وطاقات الماكرين، ومكر إله الناس لا حدود له حيث يتوازى مع قوة الملك التي لا تقهر قال سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:18)، مكر الناس يكون في الفروع لا الجذور، ومكر إله الناس يكون في الجذور والقواعد، قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) (النحل: 26)
 مكر الناس يعلمه إله الناس، ومكر إله الناس من الغيب المكنون، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا) (الجن:26)، مكر الناس لا يغيِّر من قدر الله شيئا، ومكر رب الناس هو من القدر الرباني الذي قال عنه: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد: من الآية8و9)، ولا يجري في ملكه سبحانه شيء لا يريده، بل هو كما قال عن نفسه سبحانه: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (البروج:15-16)، وإذا ضاق بالإنسان صدره من كثرة مكر الناس، فلنذكر قوله تعالى: وقال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِين) (النمل:50-51).
وأذكِّر أمتي أولا، وإخواننا المنكوبين في مصر وسوريا و..
بأن مكر إله الناس سوف يسحق ويمحق مكر الناس، كما أخبرنا الله تعالى عن مكر قوم نوح وقوم إبراهيم وإخوة يوسف ونساء القصر وفرعون موسى، واليهود الذين أرادوا قتل سيدنا عيسى، وأبرهة مع أصحاب الفيل الذين جعل الله كيدهم ومكرهم في تضليل، وكفار قريش الذين قال الله فيهم: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، وزاد المكر من كفار قريش مع يهود بني قريظة وبني النضير وقينقاع وخيبر وكفار العرب، لكن الله تعالى قال: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب: 25-27)، ورد الله مكر الصليبيين بقيادة أوربان الثاني فارتدوا خائبين على يد صلاح الدين، كما رد الله تعالى القوة الهائلة لهولاكو قائد المغول فبعد أن قتل بالسيف والحجر 2 مليون في العراق والشام، لكن الله تبارك وتعالى أهلكه وقتل في موقعة عين جالوت، واليوم لم يغنِ مكر شاوشيسكو وحزبه شيئا فقُتل على أيدي الثوار، وانهار الاتحاد السوفيتي بشكل مفاجئ في 26/12/1996م وعادت روسيا وبلاد القوقاز بعد قتل 20 مليونا من الناس وهدم 150 ألف مسجد وكنيسة، ورفعوا شعار: (إله والحياة مادة)، و(الدين أفيون الشعوب)، وقتل كل من يحفظ أو يحفِّظ القرآن، وها هي اليوم تعود روسيا إلى الإسلام ويعود لقرآن في مسابقات للقرآن الكريم دولية دعيت لها مرات، وها هي أمريكا تزداد فيها المراكز الإسلامية من ثمانية مراكز سنة 1950م والآن فيها أكثر من 3 آلاف مركز إسلامي رغم الحملة الإعلامية الرهيبة التي تتحدث عن "إسلاموفوبيا"، والمكر الرهيب على الإسلام والمسلمين.
ها هو الخوف يدب في مفاصل الانقلابيين رغم كل المكر والدهاء الرهيب في القتل والترويع والأسر، لكن الله تعالى لهم بالمرصاد، ولولا مكر الله تعالى ما هرب بن علي، وما سُجن مبارك، وما قُتل القذافي، وما أُزيح علي عبد الله فاسد عن منصبه، والبقية تأتي وأولهم بإذن الله بشار والسيسي وأعوانهم، قال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: من الآية 227).
أقول لكل ذي قلب لا تخشوا مكر الناس وثقوا في مكر إله الناس بشرط واحد أن نكون أهلا أن يمكر الله لنا لا أن يمكر بنا.



شاهد 

ماذا قال صلاح سلطان لقاضي محاكمته


السبت، 30 نوفمبر 2013

مفارقات بين محمد مرسي سجينا ورئيساً


مفارقات
 بين محمد مرسي سجينا ورئيساً

أ.د. صلاح الدين سلطان

مرسي سجينا يؤخذ من بين أحضان أهله وأحبابه ظلما وعدوانا ليودع في السجن ليالي وأياما طوالا لا يدري متى يخرج وتهمته الكبرى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8)

ومحمد مرسي رئيسا يقف على الأشهاد يُسمع العالم كله كلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "وليِّت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"

محمد مرسي سجينا يؤمر "بمهانة" من صغار الضباط والجنود وكل من هبَّ ودبَّ فيطيع في غير معصية

ومحمد مرسي رئيسا يأمر "بتواضع" فيطاع من الوزير إلى الغفير، ومن الكبير إلى الصغير، محمد مرسي سجينا يبيت أهله وأولاده وأحبابه يدعون على الظالمين ويتضرعون إلى الله أن ينتقم من المفسدين وأن يفرِّج كرب المكروبين وأن يرد محمد مرسي وإخوانه المظلومين إلى أهلهم وأولادهم وإخوانهم ودعوتهم سالمين غانمين غير خزايا ولا مبدلين

ومحمد مرسي رئيسا يرتعش قلبه مثل جنَاحيْ طائر أن يكون سببا في ظلم إنسان أو طير أو حيوان أو نبات أو جماد متأسيا بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي اشتد نحيبه وعلا بكاؤه بصراخ طفل بكَّرت أمه بالفطام حتى تحظى بعطايا بيت المال، فبكى وقال: ويحك يا عمر كم قتلت من أطفال المسلمين، وذهب ليحمل لهم من بيت المال الدقيق والزيت وغيره من الطعام ولما سأله غلامه أن يحمل عنه قال: وهل تحمل أوزاري يوم القيامة؟!، بل إن عمر بن الخطاب كان يشفق على نفسه يوم القيامة أن يسأله تعالى عن الدواب فقال: إذا زلت دابة في العراق فإني أخشى أن يسألني الله عنها لما لم تسوِّ لها الطريق يا عمر؟!

محمد مرسي سجينا عبادته تدبر القرآن والقيام، والذكر والدعاء، والشكر والثناء على رب العباد سبحانه، والصبر الجميل على فتنة الإيذاء.
ومحمد مرسي رئيسا عبادته مع الصيام والقيام والذكر والدعاء وقراءة القرآن أن يتدبر أمر رعيته، وأن يتفكر في نهضة أمته، وأن يقرر - بالشورى - مسارات التنمية ومجالات البناء، وأساليب وقف الفساد، ومحاصرة الاستبداد، وعلاج التخلف، ومقاومة التحلل، والارتقاء بمصر محليا بمشروع النهضة، ودوليا بأن تتولى مصر مكانها القيادي في الأمة العربية والإسلامية بعد سنين طويلة من التأزيم الداخلي والتقزيم الخارجي.

محمد مرسي سجينا يعدِّه الله في السجن كما أعد يوسف عليه السلام عندما أُدخل السجن لأنه استعصم بالله، واستمسك بالفضيلة، وأبى أن يُلبي فتنة الإغواء من امرأة العزيز ونساء القصر كما قال سبحانه: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف:33).

ومحمد مرسي رئيسا من أكثر الناس إحساسا بآلام المظلومين، وصرخات المنكوبين، ودعوات المقهورين، وأنَّات الموتورين، فدعوات المظلوم ترفع إلى سبع سماوات ولو كانت من غير مسلم، وقد قال تعالى: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (طه: من الآية 111)، وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث لا ترد دعوتهم: الإمام العادل ، والصائم حين يفطر،
ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام وتُفتح لها أبواب السماء ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي لأنصرنَّك ولو بعد حين".

 محمد مرسي سجينا مسؤول أمام الله عن أهله وشعبه وأمته، لكن سلبت منه الصلاحية أن يقوم بواجبه لإصلاح بلده وأمته.

ومحمد مرسي رئيسا كان يسعى أمام الله مع الصلاحيات الموكلة له لحمل مسؤوليته عن الأرملة والمطلقة، والمتزوجة والعانس، والمتعلم والجاهل، والوزير والغفير، والكبير والصغير، محمد مرسي سجينا لم يكن مسؤولا عن حماية زنزانته حيث يوجد زبانية يحرسونها أن يتسرب منها أحد،لكن محمد مرسي رئيسا مسؤول عن ثغور مصر المترامية الأطراف في مساحة شاسعة من البحار والأنهار والسهول والوديان، والجبال والتلال، والمزارع والشوارع، والصحارى والقفار، خاصة أن جوارنا عدوا مغتصبا قال الله فيه: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران: من الآية 118)، محمد مرسي سجينا أقرب إلى الله بصبره وجلده، لقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: من الآية 10)،
 وقال الشاعر أبو ذؤيب الهذلي:

وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع

ومحمد مرسي رئيسا نحسبه أقرب إلى الله إذ وفى مع شعبه وأمته وعالمه، وينتظره ظل الله إن وفَّى بالعدل والفضل كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم بسندهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل....).
لك الله يا محمد مرسي سجينا مختطفا وأعادك لنا رئيسا منتخبا..