‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د.صلاح الدين سلطان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أ.د.صلاح الدين سلطان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 مارس 2026

د. صلاح الدين سلطان… حين يُسجَن العالِم ويُطلَق السؤال

 د. صلاح الدين سلطان… حين يُسجَن العالِم ويُطلَق السؤال

وصفي عاشور أبو زيد

 د. صلاح الدين سلطان
ليس كلُّ غيابٍ انقطاعًا، ولا كلُّ احتجابٍ أفولًا؛ فإن رجالًا إذا غابوا بأبدانهم، حضروا بآثارهم، وإذا حُبسوا خلف الجدران، انطلقت معانيهم في الآفاق، تُربّي العقول، وتوقظ القلوب، وتُذكّر بأن النور لا يُحبس وإن أُغلقت عليه الأبواب، ولا يُطفأ وإن تكاثفت عليه الظلمات، وهكذا يكون غياب العلماء الربانيين؛ غيابًا يثقل القلب ولا يُضعف الأثر، ويُحزن العين ولا يُميت الرجاء.


وفي طليعة هؤلاء، يقف اسمٌ كبيرٌ في ميادين العلم والدعوة والتربية الجهاد، هو أستاذي الجليل الدكتور صلاح الدين سلطان، الذي امتد به البلاء سنين طويلة، حتى صار الغياب زمنًا رابضًا، والزمان شاهدًا ماثلاً، والذاكرة وفاءً لا يخبو، كأن حضوره في القلوب أقوى من حضوره في المجالس، وكأن أثره في الأمة أرسخ من كل قيدٍ يُحاول أن يُطوّقه.

العالِم الرسالي: سيرة تُكتب بالعمل لا بالادعاء
لم يكن الدكتور صلاح الدين سلطان اسمًا عاديًّا في سجل الدعاة، ولا رقمًا يُضاف إلى قائمة العلماء، بل كان مشروعًا علميًّا حيًّا، تشهد له مؤلفاته، وتُزكّيه مؤسساته، وتُصدّقه أجيالٌ من التلاميذ حملوا عنه العلم، وتأدّبوا بهديه، وساروا على خطاه في خدمة الدين وإصلاح المجتمع.

فقد جمع بين الفقه والتربية، وبين التأصيل والتفعيل، وبين الشريعة والقانون، وبين العلم والعمل والتعليم، وبين النصوص ومقاصدها، وبين الكلمة المكتوبة والحركة المؤثرة، حتى صار نموذجًا للعالم الذي لا يكتفي بالتنظير، بل ينزل إلى واقع الناس، يُداوي جراحهم، ويُقوّم اعوجاجهم، ويُحيي فيهم معاني الإيمان والعمل، حتى صار - فيما أحسب – "عظيمًا في ملكوت السموات"!

وإذا كانت قيمة العلماء تُقاس بآثارهم، فإن أثره الممتد في ميادين الدعوة، وفي بناء المؤسسات، وفي صناعة الوعي، شاهدٌ لا يُكذَّب، ودليلٌ لا يُردّ؛ إذ ليس من يُنشئ العقول، كمن يُنشئ الأبنية، ولا من يُربّي الأجيال، كمن يُراكم الأموال، بل أولئك هم بناة الأمم حقًّا، وإن قُوبِلُوا بغير ما يستحقون.
وفاء التلميذ: حين يمتد أثر الشيخ في صوت طلابه

ليس أعظم من أن يبقى العالِم حاضرًا في كلمات تلاميذه، حيًّا في دروسهم، ممتدًّا في أفكارهم، كأن صوته لم ينقطع، وكأن مجلسه لم يُطوَ، وإنني – في كل درسٍ ألقيه، وكل محاضرةٍ أعقدها، وكل دورةٍ أشارك فيها – أجدني أستحضر ذلك النور الذي بثّه أستاذي د. صلاح الدين سلطان في العقول والقلوب، فأستشهد بكلامه، وأُحْيي عباراته، وأُعيد بثّ معانيه، لا على سبيل النقل المجرد، بل على جهة الامتداد الحيّ، كأنما العلم الذي غرسه فينا قد صار لسانًا ينطق به في غيابه.

فإذا ذكرتُ آراءه لم أذكرها على أنها مجرد اجتهاداتٍ علمية، بل على أنها نماذج لفكرٍ ناضجٍ يجمع بين رسوخ التأصيل ووعي الواقع، وإذا أوردتُ اجتهاداته، فإنما أقدّمها لطلابي بوصفها شواهد على عقلٍ يُوازن، وقلبٍ يُبصر، ومنهجٍ لا يكتفي بالتنظير، بل يسعى إلى تنزيل المعاني في حياة الناس، حتى يشعر الطالب أن العلم ليس كلماتٍ تُحفظ، بل حياةٌ تُعاش ومنهج يُقتفَى!

سيرة تُدرَّس: من العلم إلى المروءة
ولستُ أقتصر في حديثي عنه على فكره وعلمه، بل أستدعي سيرته في مواقفها، وأستعرض أمام طلابي مشاهد من رجولته التي لا تعرف التلوّن، وشهامته التي لا تقبل الانكسار، وعاطفته الجياشة التي كانت تحتضن طلابه قبل أن تُعلّمهم، وخلقه النبيل الذي كان درسًا قائمًا بذاته، قبل أن يكون موضوعًا يُدرَّس.

أحدثهم عنه لا بوصفه أستاذًا يُلقي العلم فحسب، بل بوصفه إنسانًا يُربّي قبل أن يُعلّم، ويغرس القيم قبل أن يُقرّر المسائل، حتى يدركوا أن العالِم الحقّ ليس من جمع المعلومات، بل من جمع بين العلم والعمل، وبين الفهم والخُلق، وبين الصلابة في الحقّ والرقة في التعامل، وأن هذه المعاني هي التي تصنع الرجال، وتُقيم الأمم، وتُخلّد الأثر.

الذكر الحيّ: حضورٌ لا تُطفئه الغيبة
وهكذا، يتحوّل ذكره في دروسي إلى حضورٍ حيّ، لا تُطفئه الغيبة، ولا تُغلق دونه الأبواب، فكأن الأجيال التي لم تره قد عرفته، والتي لم تجالسه قد جالسته، والتي لم تسمع صوته قد سمعته في كلمات تلاميذه، وفي صدى أفكاره التي لا تزال تتردّد في المجالس، وتُثمر في العقول.

وما ذلك إلا لأن العلم الصادق لا يموت، ولأن الأثر إذا خرج من قلبٍ صادق سكن قلوبًا كثيرة، فإذا حُجب صاحبه، بقي أثره شاهدًا عليه، ناطقًا بفضله، ممتدًا في الزمان، حتى يكون غيابه حضورًا من نوعٍ آخر، أشدّ رسوخًا، وأبقى أثرًا، وأعمق تأثيرًا.

سجنُ الجسد وحرية الفكرة: 
مفارقةٌ تُؤرِّخ للظلم
كيف يُحبس من كانت كلمته حياةً للقلوب؟ وكيف يُضيَّق على من وسَّع الله به على العقول؟ 
إن في هذا المشهد مفارقةً صارخة، تُؤلم الضمير، وتستفزّ السؤال؛ إذ يُقابَل البناءُ بالهدم، والإصلاح بالتضييق، والدعوة بالحبس، وكأنما يُراد للخير أن يُقصى، وللنور أن يُحجَب، وللكلمة الصادقة أن تُسجَن.

غير أن سنة الله جاريةٌ لا تتبدل؛ فالسجون لم تكن يومًا نهاية الدعاة، بل كانت في كثير من الأحيان بداية الامتداد، ومنطلق التأثير الأوسع؛ إذ يُخرج الله من رحم المحن منحًا، ومن ضيق البلاء سعةً في الأثر، ويجعل من القيود جسورًا تعبر عليها الأفكار إلى آفاقٍ أبعد مما كانت تبلغه في حال السعة.

مصر بين تاريخ الرسالة وواقع المحنة
يا مصر، يا أرض الرسالات والأنبياء، ويا مهد الحضارات والعلماء، كيف يضيق صدرُكِ بمن حملوا همّكِ، وسعوا في نهضتكِ، وربّوا أبناءكِ؟ كيف تُضيّقين على من أراد لك الخير، ودعا إلى إصلاحك، وبذل من عمره في سبيلك ملا تلحقُه الإشارةُ، ولا تدركه العبارة؟

لقد مرّت بكِ أزمنةٌ خرج منها المصلحون، وابتُلي فيها الصالحون، كما خرج منها موسى عليه السلام خائفًا يترقب، وسُجن فيها يوسف عليه السلام ظلمًا وعدوانًا، فكان ذلك جزءًا من سنن الابتلاء التي لا تحابي أحدًا، غير أن الأمم العاقلة هي التي تتعلم من تاريخها، فلا تُكرر مآسيه، ولا تُعيد إنتاج أوجاعه ﴿وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَ ٰ⁠رِثِینَ ۝٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِیَ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُوا۟ یَحۡذَرُونَ ۝٦ 
[القصص ٥-٦].

سؤال العدالة: لمن يكون الإنصاف؟
إن العدل أساس العمران، وركيزة الاستقرار، وميزان القيم الذي تقوم به الأمم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. 
فإذا اختل هذا الميزان، اضطربت الموازين، وضاعت الحقوق، وتحوّل الظلم من حالةٍ مؤقتة إلى ظاهرةٍ مُقلقة.

وفي ضوء هذا الميزان، يبرز السؤال الذي لا يسكت: 
بأي ذنبٍ يُغيَّب العلماء؟ وبأي ميزانٍ يُقاس أهل الفضل؟ ولمن يكون الإنصاف إذا غاب صوت العدالة؟ 
إنها أسئلةٌ لا يملك الضمير الحيّ أن يتجاوزها، ولا يستطيع العقل المنصف أن يُغضّ الطرف عنها.

العلماء ثروةٌ لا تُهدَر
إن الأمم التي تُضيّع علماءها، إنما تُضيّع بوصلتها، وتُفرّط في أثمن ما تملك، فإن الثروات المادية قد تُعوَّض، أما العقول الراسخة، والنفوس المربية، فلا تُعوَّض بسهولة، ولا تُستعاد إذا فُقدت.
ولذلك كان من تمام الحكمة، ومن مقتضى الرشد: أن يُحفظ للعلماء قدرهم، وأن تُصان مكانتهم، وأن يُستفاد من علمهم، فإنهم صمام الأمان في أوقات الفتن، ومصابيح الهداية في أزمنة الحيرة، وغيابهم ليس خسارةً لهم فحسب، بل خسارةٌ للأمة كلها.

خاتمة الرجاء:
بين دعاءٍ صادق وأملٍ راسخ
يبقى في القلب دعاءٌ لا ينقطع، بأن يُفرّج الله كرب عبده صلاح سلطان وإخوانه أجمعين، وأن يرفع البلاء، وأن يُعيد لأهل العلم مواقعهم، وللكلمة الصادقة مكانتها، وأن يجعل بعد العسر يُسرًا، وبعد الضيق سعةً، وبعد الغياب لقاءً قريبًا.

فإن الليل – مهما طال – إلى انقضاء، وإن الظلم – مهما اشتد – إلى زوال، وإن وعد الله حقٌّ لا يُخلف، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: 21]، وما بين دمعةٍ تُسكب، ودعوةٍ تُرفع، يُكتب في الغيب فجرٌ جديد، تُشرق فيه شمس العدل، ويعود فيه النور إلى مواضعه، ﴿وَسَیَعۡلَمُ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ أَیَّ مُنقَلَبࣲ یَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٧].


الجمعة، 22 أغسطس 2025

من لذات المقربين

من لذات المقربين 

أ.د. صلاح سلطان -فك الله أسره-

ومن لذّات العلماء الربانيين أن يرزق ” الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ .. ﴿٣٩﴾”(الأحزاب)، لأنه آنئذ من النادرين المصطفين من رب العالمين 

كما قال الشاعر أحمد شوقي:
إن الذي خلق الحقيقة علقما 
                 لم يُخل من أهل الحقيقة جيلا
إن الشجاعة في القلوب كثيرة 
              ورأيت شجعان العقول قليلا
وكم يشفق العلماء الربانيون أصحاب القلوب 
” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴿٢٨﴾”(فاطر) 
عندما يرون مواكب المنافقين من أصحاب الاجتهاد التسويغي للعوام أو الحكام، ينشدون لديهم الحظوة والمال، والسلامة من سجن وسجان والخشية من أذى أو قتل غافلين عن منازل المقربين: 
سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله .
وكأننا أمام فيض من اللذات العلوية مع الحسرة الأرضية لدى العز بن عبد السلام عندما صدع بالحق في الشام في مواجهة الظالم حاكم المكان الذي استعان بالصليبيين الذين هزمهم صلاح الدين الأيوبي وطردهم من ديار الإسلام، فاستدعاهم أوغاد الحكام يستظهرون بهم على إخوانهم لتوسيع نفوذ وسلطان، فلما بيّن العز حرمة ذلك سجنه وأمعن في الإيذاء، وذهب المشفقون على العالم الحبر سلطان العلماء، هلاَّ قبِلت على حاكم البلاد فقبّلت يده ليعفو ويصفح وتخرج من السجن فتدعو وتعلّم ويهتدي بك خلق كثير، 
فقال وقد امتلأ قلبه بلذّات قول الحق لا يخشى فيه طاغية ولا باغيا، بل يشفق على هؤلاء الوسطاء المغفلين، 
قال العز بن عبد السلام: يا قوم: أنتم في واد وأنا في واد، والله ما أرضى لهذا الحاكم الظالم أن يقبل قدمي، فكيف أقبّل يده، الموت أهون من ذلك كله، وكأنه قد تشبع بقول الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذلة 
               بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
أو قول غيره:
أهوى الحياة كريمة لا قيد 
                لا إرهاب لا استخفاف بالإنسان
         
فإذا سقطتُ سقطتُ أحمل عزتي، 
                   يغلي دم الأحرار في شرياني
أو قول آخر:
ونفس الشريف لها غايتان بلوغ المنايا، ونيل المنى
فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا

وها هو التاريخ يطوي – في أسفل سافلين- صفحات الطغاة الظالمين والوسطاء المغفلين، وبقى العز بن عبد السلام” وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦﴾”(النحل) 
بلذات الصبر، لا لذات الظفر، 
بلذات مواجهة الطغيان بكلمة الحق الأبلج، لا لذّات تسويغ الباطل اللجلج، 
بلذات المجاهرة بالأدلة الشرعية تأسيسا وترسيخا ، وليس بلذات ” ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ .. ﴿٩﴾”(الحج)، تلبيسا وتدليسا، 
حقا: يا لبعد ما بين الفريقين أصحاب الشمال والمقربين.

(المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)


 18-4-2019م

الثلاثاء، 18 مارس 2025

رمضان ولجام الشهوات

 رمضان ولجام الشهوات

أ.د. صلاح الدين سلطان

في هذا المقال نورد بعض البرامج المهمة التي أوردها د. صلاح سلطان فك الله أسره والتي تعين على الاستفادة القصوى من شهر رمضان المبارك:
يقول فرج الله عنه:
"البرنامج الأول: الإخلاص:
الإخلاص أن تحول العادة إلى عبادة خالصة لله تعالى؛ فعادة الطعام والشراب، تكون عبادة لله عز وجل، نأكل لله عند الغروب ونمتنع عن الطعام لله عند الفجر ، بعض المسلمين يصومون لأن رمضان أتى، وهيئة الإفتاء أعلنت أن رمضان غدًا، ونحن نصوم مع الناس، لكن الأصل أن نصوم لرب الناس، لما ذكره النبي فيما يرويه عن ربه: "الصوم لي وأنا أجزي به".
لا تجعلها عادة أن تصوم لأن كل الأحاديث في البخاري ومسلم "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". كل مرة توجد عبارة "إيمانًا واحتسابُا"، إذن الإخلاص يجعلك لا تصوم عادة وإنما زلفى وقربى وتوسل لله تبارك وتعالى الذي يحبنا، ويعلم أننا نخطئ فيقول لنا أعطيت لكم فرصة الصيام لتعودوا إلى أتقياء أنقياء أصفياء، وليس فقط صفاء من الذنوب وإنما ارتقاء في الحسنات، جبال من الحسنات تنتظرنا إن كان الإخلاص سرًا مدفونًا في قلوبنا يدفعنا إلى العمل لله عز وجل.
الإخلاص هذا سر يقذفه الله في قلب من يشاء ممن أحب من عبادة فيجعل العمل القليل جدًا كبيرًا جدًا، أما العمل الكبير بلا إخلاص فلا فائدة منه؛ تخيل أن أول من تسعر بهم النار ليسوا الظلمة، ليسوا الفسقة، ليسوا الزناة، ليسوا أصحاب المخدرات، ليسوا الذين يقتلون الناس بغير الحق، وإنما ثلاثة: رجل أنفق ليقال: جواد، و رجل قاتل ليقال: شجاع ، وعالم عّلم العلم ليقال: عالِم ، هؤلاء المراؤون أول من تسعر بهم النار، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
ومن هنا لابد من الإخلاص عنوانا لكل عمل.
البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب:
هذا مِفتاح مهم جدًا لأن من الممكن أن يكون عندك إخلاص ولا تأخذ قراراً بالاقتصاد في السحور والفطور، ومن رحمات الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السحور أكُله بركة، فلا تدَعوه و لو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".
كي نطعم قلوبنا وجبة من الرحمة، من السعادة، من الانشراح، عندما نقوم في السحر نطعم أجسادنا، لكن الله يطعمنا في قلوبنا وفي عقولنا نورًا ورحمة فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والأصل أن يستحضر كلٌّ منا هذا المعنى ولا يملأ بطنه عند السحور اعتقادًا بأن اليوم طويل، والعمل كثير، والإجهاد شديد.
استعن بالله ولا تعجز، هي مسألة تحتاج إلى عزم وإرادة، وفيك هذه الإرادة أن تقوم عن الطعام قبل أن تشبع، جِرب مرة واستطعم هذه الخفة في جسدك، وستجد أنك صرت نشيطًا إلى صلاة الفجر في المسجد، صرت نشيطًا إذا أفطرت، عجلت الفطر، صليت المغرب ثم أكلت بعد ذلك دون أن تمتلئ، تذهب لصلاة التراويح بخشوع وخضوع لله سبحانه وتعالى، تستلذ معاني القرآن، تستشعر كل آية تقرأ من كتاب الله عز وجل. لكن البطنة تذهب الفطنة، الدم الذي يجب أن يصعد إلى العقل ينزل إلى البطن ليهضم فلا يقوى على قيام ولا على قرآن ولا على شيء، فهذا مفتاح ضروري جدًا تعاهد الله عليه.
هناك مسلمون كثر يقولون نحن نصوم ولا نجوع، وهذا من الشره الذي أصابوه قبل الفجر وبعد المغرب؛ المحلات ممتلئة بأنواع جديدة وعديدة ومكسرات وأنواع لا تظهر إلا في رمضان! أقول يا إخواني إن الصيام يجعل الإنسان يحس بآلام الفقراء، آلام الجوعى، آلام المحتاجين، نجوع يومًا فنذكر ربنا، ونشبع يومًا فنشكر ربنا، الذكر والشكر مطلوبان لكن الإنسان يمتلئ ويفخر أنه لا يجوع طوال اليوم.
"فمن أكثر من الإفطار بعد صيام طويل كمن بنى قصرًا وهدم مصرًا"، بنى قصراً وهدم بلداً بالكامل، بنيت قصرًا طوال اليوم وتأتي المغرب وترى المائدة مليئة فتهجم، ابدأ بتمرة ، أو شربة ماء أو لبن ، لأن النبي يقول: "من وجد تمراً، فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء، فإنه طهور". وهذه مادة سكرية تصل بسرعة إلى العين، وتعطى المخ إشارة بأن السكريات الموجودة في التمر كافية وخالية من الدهون وتذهب إلى العقل، وتعطي إشارة أن الإنسان أخذ قسطاً كبيراً لم يعد جوعاناً كما كان، ثم تصلي المغرب و تعود ، تكون المعدة قد هضمت التمرة مع جرعة الماء ، ويرجى أن يتحقق ما جاء في الحديث "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".
وليس كهذا الذي يرى أن الحياة شراب وطعام ولهو ومنام فإذا لم تنلها فعلى الدنيا السلام! لا! الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد:12] ولسنا كذلك، نحن آدميون ونحن مسلمون لنا صبغة خاصة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (البقرة: ١٣٨).
البرنامج الثالث: قراءة القرآن:
ما كُرم شهر رمضان إلا من أجل القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: من الآية ١٨٥)، وروى البيهقي وأحمد والحاكم بسندهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أَيْ رَبِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيُشفعان".
لو اقتصدنا في الطعام، نسمع القرآن غضًا طريًا كما أنزل، نذهب إلى البيت ونمسك بالمصحف، أريد من كل أخ وكل أخت أن يمسك القرآن ويعزم أن يختم القرآن مرة في رمضان إذا كنت تقود السيارة إلى عمل في مكان بعيد ضع شريطًا في السيارة واستمع بإنصات: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: ٢٠٤)
مهم جدًا أن تختم القرآن في رمضان كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان جبريل يراجعه القرآن في كل عام، لا بد أن نسعى لهذا لأقصى ما نستطيع لأن القرآن حقيقة هذا النور الذي بغيره لا نستطيع إلا أن نكون أشقياء لقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام: ٢٦ ).
وقد كان أحد الصحابة يقول: لي ختمة كل أسبوع، وختمة كل شهر، وختمة كل سنة، وختمة بدأتها منذ عشرين عامًا لم أنتهِ منها إلى الآن. اليوم أريد من كل أخ وهو يقرأ ورده القرآني بالليل أو بعد الفجر أن يلتقط آية انفعلت بها مشاعره، ونبض لها قلبه، والتفت إليها عقله، يرددها طوال اليوم، يعيش معها، ستصنعه من جديد، ستغير كثيرًا جدًا من العادات المركوزة في النفس. ستنقل الإنسان من الانشغال بأشياء تافهة حقيرة، إلى معالي الأمور، "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها".
أريد أن نرتاد مقارئ القرآن بالمساجد، ونتعلم الترتيل {ورتِّلِ الُْقرآن َترتِيًلا} [المزمل:4]، {...وأُمِرت أَن أَكون مِن الْمسلِمِين* وأَن أَتُْلوَ القُرآن...}[النمل:91-92]، والتلاوة قراءة بنغم حتى تمتع العينين والقلب والعقل والوجدان فيتحول القرآن إلى جزء من كيانك، من حياتك، لا تستطيع أن تأكل يوماً ثم تهجر القرآن، لا تستطيع أن تمتد بك الأيام دون أن تختم القرآن من أوله إلى آخره، حالاً على أوله مرتحلًا إلى آخره، قراءة أواستماعاً أو هما معًا، ثم تدبر بالعقل، وتأثر بالقلب وتغير بالنفس في رمضان شهر القرآن.
البرنامج الرابع: القيام:
لا تعط موعدًا وقت صلاة التراويح، حرره لله تعالى، واجعل موعدك مع الله في القيام في رمضان موعدًا ثابتًا، هل هناك أحد عنده امتحان يعطي موعدًا في وقت الامتحان؟ لم يحدث أن أحدًا عنده مقابلة مع شخص مسئول وأعطى موعداً آخر في نفس الوقت.
نحن في موعد مع الله كل صلاة، وبخاصة صلاة القيام؛ لأن هناك أحاديث خاصة في الصحيحين: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
تخيل لو صلينا ٣٠ ركعة كل يوم، ١٧ فريضة، و١٣ ركعة نافلة في شهر من الشهور العادية تأخذ ثواب ٣٠٠ ركعة، إلا في شهر رمضان تضاعف سبعين ضعفًا، هذا كم هائل من الحسنات يفوتنا لو تركنا التراويح!
قل لي يا أخي: هل جلوسك أمام التلفاز أو جلوسك مع الأصحاب أو في المقاهي أو في السيارات أو في غيرها يمكنك أن تنال مثل هذا الأجر الوفير الكثير؟ يا أخي الكريم أوقف حياتك في هذه الأوقات لله تعالى، وإذا كنت مشغولاً وقت صلاة التراويح صلِها في البيت مع الأهل، أو صلها وحدك لكن لا تتركها تفوتك أبدًا، فهي غنيمة باردة غنيمة كبيرة تصنع في الفؤاد قوة هائلة جدًا" .

الجمعة، 16 فبراير 2024

الأزهر" بين الجدار والعار


الأزهر" بين الجدار والعار
أ.د. صلاح الدين سلطان


الخميس، 15 فبراير 2024

مفارقات بين علماء الانقلاب وعلماء ضد الانقلاب

مفارقات
بين علماء الانقلاب وعلماء ضد الانقلاب


أ.د.صلاح الدين سلطان
 الاثنين, 31 مارس 2014 
علماء الانقلاب هم من سوَّغوا للانقلابيين من العسكريين جريمتهم وألبسوا الانقلاب ثوبا قال فيه الشاعرأبو ذؤيب:


ثوب الرياء يشفُّ عما تحته      فإذا التحفت به فإنك عار
فهم ليسوا في العير ولا في النفير في تحديد المصير، بل يستدعون في الحلقة الأخيرة من التمثيلية ليقوموا بدوراستغفال البسطاء عقلا وفكرا أن هناك عمائم تجيز الانقلاب على إرادة الشعب، وصندوق الانتخاب، وهؤلاء لاتعرف لهم مواقف حاسمة في السخرية من الله علنًا في الفضائيات والمطبوعات، ولا من هتك الأعراض أمام الكاميرات في ميدان التحرير لما احتلوه بلطجة، ولم تتحرك الدماء في عروقهم حمية على جرائم سفاح سوريا من هتك الأعراض علانية وبالجملة، وسلخ الأطفال وتقطيع أوصال الشباب، وهدم المساجد وآخره قبر سيف الله المسلول خالد بن الوليد، ولم تشغلهم قضية فلسطين، أسرى ولاجئين، وقتلى وجرحى على مر السنين، ومسجدنا الأقصى الأسير الذي حُفرت تحته ?? مترا من الأنفاق، ويُدنس بقطعان اليهود، ولا معاناة أهلنا في بورما والصومال، وزيادة القروش لدى أصحاب العروش والكروش مع وفاة طفل كل خمس ثوان بسبب الفقر والمرض، ولم يثوروا يوما لانهيار الأخلاق والقيم والعفة والمروءة في الفضائيات، بل الأهم عند علماء الانقلاب هو الوصول إلى المناصب،والاستماتة أن يأتي ملك الموت وهم يفترشون الكرسي، وجمع مالا وعدده من المكافآت المادية التي تتوازى مع حجم التدليس والتلبيس والتسويغ والتحريف في دين الله تعالى، وقد وُجد عبر التاريخ من أمثال هؤلاء الكثير، ويُذكرون في هوامش كتب التاريخ كنخالة للأمة، ونفاية للحق، وزراية بالرجال، ولكن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن حزم وابن تيمية والعز بن عبد السلام و.....قد سجنوا وعذبوا لكي يسوغوا باطلا لايساوي مثقال ذرة من جرائم الانقلابيين في تاريخنا المعاصر، فهذا أبو حنيفة يُعذب كي يكون قاضي القضاة فيرفض لأن هناك تدخلا في عدالة القضاء فيعذب ويسجن، وهذا مالك قد وشى به الواشون أنه ما أفتى ببطلان طلاق المكره إلا إشارة وقصدا لبطلان بيعة المكره فجيئ به وعُذب حتى فقد تحريك ذراعيه، وكذا الشافعي وابن حنبل وشهرة ابتلائه في قول الحق يعرفها القاصي والداني في فتنة خلق القرآن، ولايخفى على أنصاف المثقفين ما نال ابن حزم الأندلسي وابن رشد القرطبي والعز بن عبد السلام الدمشقي وابن تيمية وانتهاء بالشهداء عمر المختار وحسن البنا وسيد قطب والسباعي و....مكانا في قلوب الأمة إلا بقول الحق ومواجهة الباطل وحزبه، وأصر هؤلاء الأعلام على بيان الأحكام، ولو أغضبت الحكام، طالما يرضون الرحمن،كما قال الله تعالى "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَايَخْشَوْنَأَحَدًا إِلَّا اللَّهَ" (الأحزاب: من الآية39)، وهؤلاء جميعا تعرضوا لفتنة الإغواء فلما رفضوا تعرضوا لفتنة الإيذاء فما وهنوا في سبيل الله وما ضعفوا ومااستكانوا، بل ظلوا قامات عالية لاتنحني رؤوسهم إلا تعبدا ورقا وذلا واستكانة لله وحده، فإذا رفعوا رؤوسهم مع الخلق فهم العزة والعفة، والصبر والجلد، والشهامة والكرامة، وهاهم اليوم يخرج أمثال هؤلاء كما قال السموأل:


 إذا سيد منا خلا قام سيد   قؤول لما قال الكرام فعول
هؤلاء في مصر والأمة العربية والإسلامية علماء ضد الانقلاب العسكري في مصر الذي يخدم المصالح الصهيوأمريكية وأذيالهم في دولنا العربية كي تركع مصر ركوعا لا قيامة ولاكرامة بعده لكن العلماء تقدموا المشهد في الميادين والمدونات والمنابر والمخاطر، وقدموا الجرحى والشهداء، والمعتقلين في مصر والخليج، ولم يبخلوا على مصر بفلذات أكبادهم واحتسبوا عند الله أخواتهم وبناتهم، علماء ضد الانقلاب تجدهم في المنابر والساحات لأنه لا رهبانية في الإسلام كما يفعل بعض علماء الانقلاب، وأيقنوا أن النصر قادم من الله يقوده علماء ضد الانقلاب وليس علماء الانقلاب.

الأحد، 11 فبراير 2024

دروس في ظلال الإسراء والمعراج

 دروس في ظلال الإسراء والمعراج

الدكتور صلاح سلطان
8‏/3‏/2022 

هناك الكثير من النتائج التي تستخلص من مقدمات وأحداث رحلتي الإسراء والمعراج وأهمها ما يلي:

الدرس الأول: الفرج آت لكل مسلم مع الصبر الجميل والدعاء الذليل:

لقد رأينا كيف كان الإغواء والإيذاء شديدًا؛ كي يتراجع النبي عن شيء من ثوابت دعوته، فأبى النبي إلا التمسك بالحق والإصرار على مواصلة الطريق، وتركهم إلى أرض أخرى؛ لعلها أن تكون أكثر خصبًا وقبولاً للدعوة الإسلامية، فذهب إلى الطائف، فكان قومها أشد بأسًا في مواجهة النبي، فلم يعاملوه لا كإنسان في الضيافة عند العرب، ولا كرسول له الحق أن يبلغ كلمة الله ولهم الحق في قبولها أم لا!! رفضوا السماع، ورفضوا عرض الفكرة بأسلوب سلميّ محض، وسلطوا عليه الصغار والكبار من اللئام الذين أخرجوه طريدًا…!

لا يملك شيئًا إلا إيمانه بربه وعزمه على مواصلة دعوته، لا يتنازل عن جزئية منها، ولم يستطع أن يدخل مكة بلده الأصلي وموطن أهله وعشيرته ومقام زوجته وأولاده فاضطر إلى الدخول في جوار المطعم بن عدي، ثم رفع رأسه إلى السماء ودعا ربه بخير دعاء فقال مبتهلاً متبتلاً خاشعًا متذللاً: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يمكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل عليَّ غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.

فكافأه الله تعالى بما يلي:

1- استجابة عبدٍ يسمى عداس إلى الإسلام بعد رفض الكثير له، وهداية واحد خير من الدنيا وما عليها.

2- ساق الله إليه نفرًا من الجن يستمعون القرآن وأحسنوا الاستماع والإنصات، ثم فهموا واجبهم فولّوا إلى قومه منذرين.

3- استجابة ستة من أهل يثرب هم طلائع الدعوة في المدينة المنورة والتمكين للإسلام في الأرض، ومنهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، هذا بعد أن رفضت كل القبائل الأخرى منهم بنو كلب وبنو حنيفة، وبنو عامر بن صعصعة وفزارة وغسان دمرة وسليم وعيس وبنو نضر وكندة وعذرة والحضارمة.

وهؤلاء كانوا نواة الدعوة التي نشرت الإسلام في يثرب، وتحولت بهم الجماعة الإسلامية المطاردة في مكة إلى دولةٍ ذات عز وتمكين في المدينة المنورة.

4- عدد من أشراف قبائلهم وقومهم منهم سويد بن الصامت الشاعر، وإياس بن معاذ، وأبو ذر الغفاري، والطفيل بن عمرو الدوسي سيِّد قبيلة دوس.

5- الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج إلى الملأ الأعلى، فدنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى.

لم يكن الفرج فقط في رحلة الإسراء والمعراج، بل كانت بعض الفرج الرباني بعد هذا الصبر الجميل، والدعاء الذليل، مكافأة الله تعالى على هذا الخير الجزيل.

وهذا ما يجب أن يوقن به كل مسلم ومسلمة أن مع العسر يسرًا، والفرج مع الصبر، والاستجابة مع الدعاء، والظفر مع الثبات على الحق، وأن تعالى وعد ولا مخلف لوعده، حيث قال سبحانه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143].

الدرس الثاني: الرفق بالمدعوين نهج المرسلين وأدب الدعاة الربانيين:

نحن في مسيس الحاجة إلى أن نغترف من معين النبوة الصافي في الرفق بالناس، وعدم الرغبة في الانتقام منهم، وقد صار نهجًا مستمرًّا في هدي النبي؛ حيث روى الطبراني في معجمه الأوسط عن عائشة أن النبي قال: “ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه”.

ولعل ما سبق الإسراء والمعراج من غاية الرفق بالمدعوين، رغم صلفهم وعنادهم وبغيهم يظهره الحديث الذي رواه البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن عائشة حدثته أنها قالت للنبي : هل أتى عليكَ يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: “لقد لَقِيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبةِ إِذ عرَضتُ نفسي على ابنِ عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجِبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مَهمومٌ على وَجهِي، فلم أستَفق إلا وأنا بقرنِ الثَّعالب، فَرَفَعتُ رأسي، فإذا أنا بَسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جِبريل، فناداني فقال: إِن الله قد سمعَ قولَ قومكَ لك وما رَدوا عليك، وقد بعث اللهُ إِليكَ مَلَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شِئتَ فيهم. فناداني ملكُ الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد. فقال: ذلكَ فيما شئتَ، إن شِئتَ أن أطبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ”. فقال النبيُّ: “بل أرجو أن يُخرجَ الله من أصلابهم من يَعبُدُ اللهَ وحدَهُ لا يُشركُ بهِ شيئًا”.

هكذا كان الحبيب! بكلمة واحدة إلى ملك الجبال يستطيع أن يدمر كل شيء في مكة، ولا يُبقي فيها واحدًا من المشركين، دون أن يكلفه شيئًا إلا كلمة واحدة. لكنه أبى؛ لأنه رحمة للعالمين، لأنه ذا قلب ينبض بالحب لكل الناس أن يهتدوا، أو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله من الأطفال.

وهكذا الدعاة يحبون للناس الخير، لا يدفعون السيئة بالسيئة بل يدفعونها بالحسنة وبالتي هي أحسن، يقابلون الشر بالخير، والقطيعة بالوصل، والقتل والاضطهاد بالحب والإرشاد.

ولذا كافأه الله بأعظم رحلة في الوجود إلى المسجد الأقصى الشريف وإلى السموات العُلا، وقربه إليه ربه وهدى الله به خلقًا كثيرًا، وحقق أمله، فكان من أولاد المشركين خيرة الدعاة والمصلحين منهم:

1- خالد بن الوليد ابن الوليد بن المغيرة الذي نزلت فيه آيات سورة المدثر.

2- عكرمة بن أبي جهل ابن عمرو بن هشام كبير المشركين.

3- أم حبيبة بنت أبي سفيان زوجة النبي، وكان أبوها آنئذٍ كافرًا.

4- عبد الله بن عباس وقد أسلم مع أمِّه أم الفضل قبل العباس بن عبد المطلب حين كان كافرًا.

وهكذا يكون الصبر مع الرفق والرحمة مع الشفقة بالمدعوين سببًا في هدايتهم، أو هداية أولادهم، ويفوز الدعاة بالقربى إلى الله، ورفع الدرجات والفوز بالجنات إن شاء الله تعالى.

الدرس الثالث: أمة الإسلام هي صاحبة الميراث لرسالة الرسل والأقصى الشريف:

لقد كانت محطة الإسراء النهائية إلى بيت المقدس، وأول المعراج من بيت المقدس، وصلى النبي بالأنبياء جميعًا إمامًا؛ كي يؤسس على هذا التوافق بين الأديان السماوية، وتبعية الرسالات السماوية لرسالة واحدة هي رسالة الإسلام، وبخاصة ما جاء به سيدنا عيسى وموسى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام. وصار المسجد الأقصى بهذا أولى القبلتين، وميراث المسلمين، وظل سيدنا عمر حافظًا لدرس الإسراء والمعراج، وللعهد بالصلاة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، كما جاء في حديث البخاري بسنده عن البراء بن عازب، حتى أرسل خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح وفتحت فلسطين والشام، وذهب بنفسه لاستلام مفاتيح القدس، ولم يذهب إلى بلد خارج الجزيرة غيرها، وأعطى من صور السماحة مع الأديان الأخرى ما بقي موضع ذكر من كل منصف..

وعاش غير المسلمين في ظل حكم الإسلام يمارسون شعائرهم، وتحترم دور عبادتهم، ويشاركون المسلمين في إدارة البلاد، دون أية حساسية حتى جاء الصليبيون يحملون حقدًا وغلاًّ، وتحركهم أهواء سياسية وشائعات كاذبة أن المسلمين هدموا قبر المسيح، وهي أكذوبة روَّجها البابا أوربان الثاني والساسة والقساوسة؛ لتحريك الجموع العمياء عن الحقيقة، وقتلوا وسفكوا وهتكوا وخاضوا في الدماء، وأمعنوا في الخراب بحقدٍ لا مثيل له، لكن صلاح الدين لما واجههم لظلمهم، وقاومهم لفسادهم، وقاتلهم لبغيهم قابلهم بسماحة الإسلام في التعامل مع الأسرى.

وندع الأستاذة زيجريد هونكه المؤرخة الألمانية تروي في كتابها (الله ليس كذلك) ص25 على لسان أحد الألمان الذين شاركوا في الحروب الصليبية وهو “أوليفروس” حيث كتب عن معاملة صلاح الدين لهم فقال: “منذ تقادم العهود، لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود، ولما شاء الله أن نكون أسراك، لم نعرفك مستبدًّا طاغية، ولا سيدًا داهية، وإنما عرفناك أبًا رحيمًا شملنا بالإحسان والطيبات، وعونًا منقذًا في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله.. إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم من العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعًا، راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة، وأسدوا إلينا ما استطاعوا من إحسان، بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان”!!

واليوم دنَّس الصهاينة الأقصى أرض القدس وفلسطين، وشردوا خمسة ملايين فلسطيني، وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ، واقتلعوا أشجار الزيتون، وهدموا البيوت وعاثوا في القدس فسادًا. ولا بد لكل مسلم أن يستشعر مسئوليته أمام الله -تعالى- عن رد البغاة، وطرد المعتدين، ولا سبيل لهذا إلا الجهاد المقدس لتحرير الأقصى الذي نتلو ذكره في آيات القرآن، ونعيش هموم الشعب الفلسطيني الذي يضحي كل عام بما يزيد عن ألف شهيد وأربعين ألف جريح، وهم عزل ماديًّا الأقوى روحيًّا، أمام طغمة من بني صهيون بدباباتهم ورشاشاتهم وطائراتهم وجرافاتهم لكنهم الأضعف قلبًا، والأبعد عن الله تعالى وعن أي دين.

تلك مسئوليتنا أمام رب الأرض والسماء، وأمام التاريخ والأجيال، أمام القيم الإنسانية. والحق أن النصوص تؤكد أنه لا يمكن أن يتم ذلك إلا على أيدي المسلمين الصادقين، الذين يبذلون كل غالٍ ورخيص لحماية العرض، وتحرير الأرض من الغزاة المحتلين.

 

الدرس الرابع: الإسراء والمعراج مثال لأحدث وأرقى صور السرعة في الاتصالات والمواصلات والفضائيات:

في عصر الجمل سفينة الصحراء كانت رحلة الإسراء والمعراج في سرعة فائقة في الزمان والمكان، حتى عاد الحبيب منها دون أن يبرد فراشه، كما روى البخاري بسنده عن أم هانئ رضي الله عنها. في هذا العصر قطعت المسافة من المدينة إلى المسجد الأقصى في ثوانٍ، ومن الأقصى إلى السماوات العُلا في ثوان، وكانت العودة الحميدة، وإذاعة أنباء الرحلة في الصباح، ولم يكن أحدٌ يصدق إلا من آمن بالمعجزة الإلهية، والوحي الرباني، والقدرة التي لا يحدها شيء.

لكن أراد الله -تعالى- في هذا الزمن البدائي أن تكون معجزة النبي أبد الدهر أسبق من كل تكنولوجيا الاتصالات والفضائيات، فسألوه عن صفات المسجد الأقصى، وهم يعلمون أنه ما ذهب إليه في تاريخه قبل البعثة، فتجلى الأقصى مكانًا وشمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا في شاشة لا يراها إلا النبي، وبُهِت الجميع لهذا الوصف الدقيق.

أليس هذا درسًا للذين ارتموا على أرجل الرجل الأبيض الذي أنشأ الفضائيات وطور الاتصالات؟ نحن -يا قومي- أصحاب سبق، لا تبهرنا الصور والأشكال، نحن ذوو عمق في النظر إلى الجوهر إلى الروح، إلى القيم والأخلاق، سواء كان الإنسان يركب حمارًا أو جملاً أو صاروخًا فضائيًّا، سواء كان فقيرًا أو غنيًّا.

هكذا المؤمن لا يبهر إلا بالحقائق، وهي وحدها في مكنون القرآن وصحيح السنن، وصريح العقول الراشدة، والحضارة المقترنة بالقيم الإنسانية، والأخلاق الإسلامية. ومن الضروري أن نراجع أنفسنا في تخلفنا عن السبق العلمي في المواصلات والاتصالات والفضائيات؛ فحيث كان يجب أن نكون الأسبق في العالم لهذه الاختراعات العلمية من فيض الآيات والأحاديث النبوية والوقائع التاريخية مثل الإسراء والمعراج، بل ومساهمات الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار.. لكنا تأخرنا، فإذا توفرت إرادة إسلامية، وعزيمة إيمانية تستطيع أن نستوعب آخر الاكتشافات العلمية، وأن نضيف عليها إضافات جادَّة وفعليًّة، ونعطي للعالم مثالاً جديدًا على توافق الإسلام مع الحقائق العلمية التي تفيد كل الإنسانية.

الدرس الخامس: هدية الإسراء والمعراج إلى الأمة الصلاة كمنهاج حياة:

لقد دنا النبي من ربه واقترب، ورأى من آيات ربه الكبرى، وقد علم الله حب نبيه لأمته، فأراد ألا يحرم كل مؤمن ومؤمنة من إسراء ومعراج، ففرضت الصلاة قبلتها الأولى إلى بيت المقدس حيث صلى بالأنبياء والرسل أجمعين، ثم معراج الروح لكل مصلٍّ إلى رب الأرض والسماء في كل سجدة، كما قال سبحانه: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]. ولما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ”.

وصارت الصلاة منهاج حياة تصنع المسلمين في أحسن صياغة، فيبادرون الطفل في أول لحظة من حياته بالأذان والإقامة ريثما يميز فيُعلَّم الصلاة ثم يؤمر بها، ثم يكلف بأدائها عند البلوغ، وتبقى عبادة يومية خمس مرات، وعشرات المرات لمن تطوع، فهي أول ما يبدأ به يومه في صلاة الفجر المشهودة، وآخر ما يختم به يومه في صلاة الوتر المحبوبة، وبينهما صلوات بين الفرض والنافلة، فإذا حزبه أمر صلى، وإذا تحيَّر في أمرٍ صلى صلاة الاستخارة، وإذا أذنب صلى ركعتين تغسلان ذنبه وترفعان وزره، وإذا خسفت الشمس أو كسف القمر صلى، وإذا أجدبت السماء صلى، وإذا بُشِّر بالخير سجد شكرًا وذكرًا لله تعالى، وإذا وافته المنية وقدم على ربه كان آخر عهده بالدنيا صلاة الجنازة.

فهي منهج حياة من الميلاد إلى ما بعد الممات، وهي النور في القبر والحشر، وأول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة، وأول مفاتيح الجنة بعد رحمة الله.

هكذا رحلة الإسراء والمعراج لم تكن نزهة بل معجزة، ولم تكن خاصة بالنبي بل ترسم منهاج حياة لمن أراد النجاة، ووهب حياته كلها لدعوة الله.