‏إظهار الرسائل ذات التسميات صيد الفوائد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صيد الفوائد. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 مارس 2025

ثلاثة عقود في المكر للإسلام

 

ثلاثة عقود في المكر للإسلام


عَبدَالله آل معَدِّي


بسم الله الرحمن الرحيم


على الرغم من كثرة الحروب الإسلامية الصليبية إلا أن المواجهة رجلاً لرجل أو ربما رجلاً لعشرة رجال غالباً ما تكون في صالح المسلمين: " لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر " .

 ولذلك طالما اتخذ الأعداء مؤخراً وسائل أقل تكلفة وأرخص ثمناً وأخفى مكراً. 
مثلما فعل ( ليون روش) الذي تسمى بـ ( عمر بن عبدالله ) أثناء استعمار فرنسا للجزائر – كما ستقرأ أدناه-.

واعلم – وهذا بيت القصيد – أنه كما كانوا يمكرون في حروبهم المادية بالأمس فكذلك هم أشد مكراً في حروبهم المعنوية اليوم، وما استغلالهم لمنصات التواصل، وشرائهم ذمم بعض المشاهير، ودعمهم لهم، إلا دليل على ذلك، فإن كان ( ليون روش) قد كان يبذل لخبثه مثل هذا الدهاء قبل قرابة مئتي سنة فما الظن بـ (روش اليوم ) الذي يلبس لبوسه عدة أشخاص تابعين لأكثر من ديانة يسعون لهدف واحد هو تجفيف منابع الإسلام!

نشأة ( ليون (روش) ) وتعلمه العربية:
ولد ليون (روش) في فرنسا عام 1224هـ، ولما شب دعاه والده الملتحق بالجيش الفرنسي المحتل للجزائر للعمل معه في مزرعته، فقدم (روش) للجزائر، وساعد والده، ومع مرور الوقت رأى أن يتعلم العربية وهذا ما حصل فعلاً على يد معلم جزائري وذلك ليتمكن من التحدث مع الأجراء الجزائريين الذين كانوا يعملون في مزرعة والده، ولأهداف أخرى شخصية.

ارتباطه بالجيش الفرنسي:
وكان (روش) يخرج مع بعض الضباط الفرنسيين الذين تعرف عليهم للصيد، وشيئاً فشيئاً حتى قدمه والده للالتحاق بالجيش الفرنسي وهذا ما حصل، ثم أصبح مترجماً في الإدارة الفرنسية.

وأصبح سكرتير الأمير عبدالقادر:
ومع مرور الزمن ونتيجة لدهائه أظهر (روش) إسلامه الكاذب وبدأ تعلم الصلاة وأصول الإسلام، وهل كان ذلك بإيعاز من المستعمر الفرنسي أم رغبة شخصية منه هناك خلاف في ذلك، المهم أنه تظاهر بالإسلام وبدأ مغامرته وأبدى كذباً وخداعاً رغبته بالالتحاق بجيش الأمير عبدالقادر الجزائري -المناوئ للاستعمار آنذاك- ففرح الناس بإسلامه، وبالغوا ووثقوا فيه حتى إنه تمكن من الزواج بإحدى المسلمات، وبعد التحاقه بالجيش ولما رأى ثقتهم هذه استغلها بالمكر الكبار وبدأ بجمع المعلومات اللازمة عن الأمير عبدالقادر تهيئة للتجسس عليه، وسعى (روش) لمقابلة الأمير عبدالقادر عن طريق أحد المقربين منه وفعلاً حصل ما أراد، ولما قابله أبلغه بإسلامه واسمه الجديد: (عمر بن عبدالله) فسُرّ به كثيراً.

وقد شك فيه بعض الجزائريين، واعتبره أحد قادة عبدالقادر جاسوساً وكاد أن يعدمه لولا أن (روش) رد عليه  بأنه لا يجوز له ذلك في الإسلام إلا بإذن الأمير -وهذا يدل على اطلاعه على بعض أحكام الإسلام وتمكنه من ذلك- ، ثم مضى (روش) للأمير وأبلغه بما حصل وهو يتظاهر بالبكاء، وبالغ في ذلك فرقّ له الأمير ووعده بأن يدنيه منه، وهكذا ترقّى (روش) حتى أصبح سكرتيره الخاص!! وأمِن المسلمون جانبه بعد ذلك نتيجة تأمين الأمير له، وصفا الجو لـ(روش) حتى إنه كان يحضر مجالس الأمير السرية! التي لا يحضرها إلا كبار القادة والمقربين جداً من الأمير، حتى اطلع أكثر وأكثر ثم شرع في كتابة التقارير وإرسالها للفرنسيين سراً، يعرّفهم بأحوال الأمير عبدالقادر السياسية والعسكرية والمالية وغيرها.

أعماله التخريبية:
واستغل ثقة الأمير به وتولية الأمير له بعض الشأن، فكان يخطط ليوقِع بين القوى الجزائرية وبين عبدالقادر ليصرف الجميع عن قتال الفرنسيين إلى قتالهم بينهم، وبذكائه ساهم في تغيير بعض آراء الأمير العسكرية، وتبذير ذخيرته، وتخريب مصانعه الحربية البدائية، واطّلع على مصادر قوة المسلمين وأسرارهم، كل ذلك وهو بثوب الناصح الأمين!

هروبه من عبدالقادر:
ولما أعلن الأمير الجهاد مرة ضد المستعمر الفرنسي رفض (روش) هذه الفكرة، وانفجر غاضباً معلناً أنه نصراني، فظن الأمير أن (روش) كان منفعلاً لأمر ما فلم يؤاخذه على قوله، ثم نصحه وتركه حتى يهدأ ولم يخبر بذلك أحداً، وسافر الأمير إلى مدينة (تلمسان) لإعداد جيوشه للجهاد، وترك (روش) دون أن يأمره بشيء!
فانتهز (روش) الفرصة فقام بسرقة بعض الوثائق كخريطة الجزائر وجهازَ البوصلة وخاتَمه، وأخذ عدداً من الرسائل لخداع من يعترض طريقه بأنه في مهمة للأمير، ثم زعم لخاصة الأمير أن الأمير أوفده إلى مدينة أخرى وذلك ليجتنب متابعتهم! ثم هرب!
كان ذلك (1837م-1839م)

عودته للجيش الفرنسي:
وعاد (روش) للجيش الفرنسي (1839م-1844م ) فكُلِّف بكتابة كل ما يعرفه عن الأمير والقبائل والرجال، وكذا أسماء الموالين لفرنسا، ثم كرمته فرنسا وقلدته منصباً عسكرياً مهماً.
وقام (روش) كذلك بالشروع في جمع فتوى من علماء المسلمين تحرم قتال الفرنسيين، وذلك لأن (روش) رأى حين كان متظاهراً بالإسلام أن مصدر قوة المسلمين هو تمسكهم بدينهم فأراد أن يأتيهم منه!
فبدأ بمراسلة رؤساء الصوفية لأنه يعلم أنهم ينقمون على الأمير عبدالقادر جهاده للفرنسيين[1]، ففرح الصوفية بذلك، ثم اصطحبهم معه للسفر إلى تونس لإصدار الفتوى من علماء القيروان.

ولما وصلوا هناك كان (روش) يرتدي لباسا إسلامياً زيادةً في التمويه على الناس، وفعلاً نال الفتوى من العلماء هناك بمساعدة الصوفية، ثم رأى تعزيز الفتوى فاتجه للأزهر وفعلاً صادقها علماؤه، ثم سافر للحجاز فصادقها أيضاً شريفُ مكة وعلماؤها، ثم بعث بنصّها لحاكم فرنسا على الجزائر الجنرال (بيجو) فرأى الأخير أن يختم تحتها لخداع العامة قوله تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) وقيل إن الذي أشار له بذلك هو (روش نفسه)! وقاموا بتوزيعها على بعض القبائل الذين فرحوا بها طلباً للراحة، ونظراً لضعف المقاومة..

وجدير بالذكر أن (روش) كاد أن يُقبض عليه في رحلته للحجاز، وذلك لما عرفه بعض الحجاج الجزائريين في عرفة، لكن رجال شريف مكة الذين كانوا يتابعونه من بعيد بأمر منه تداركوه واحتملوه، ونقلوه سريعاً على دابة بعيداً عن المشاعر إلى جدة؛ فنجى...

بقي أن تعلم أن (روش) هذا عاش 32 سنة من عمره متظاهراً بالإسلام لأجل نصرانيته وبلاده[2]. [3]

وبعد هذه السيرة العجيبة لهذا الماكر الخبيث:

أنا وأنت حيال أمرين لا ثالث لهما: إما العمل للحق كما عمل (روش) لباطله، وذلك بفكرة أو مشروع أو برنامج شخصي أو جماعي؛ فأولئك سيرى الله عملهم ورسوله والمؤمنون وسيرون خيراً لا من أعمالهم فقط بل من مثاقيل الذر من أعمالهم.
أو الرضى بالقعود مع القاعدين الذين قد يكونوا كره الله انبعاثهم فثبطهم، والذين لاتجد منهم إلا التعجب منها فقط وقضاء باقي النهار في روايتها وأولئك ليتذكروا قوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)!

-------------------------------------
[1]  مع التحفظ على عقيدة الأمير عبدالقادر حيث دار حولها لغط كبير لما نسب له بعض الكتب التي فيها حيدة عن العقيدة السليمة، وأنكر بعضهم نسبته له، والله أعلم.
[2]  يدور حول مذكرات (روش) تساؤلات كثيرة وشكوك منها ما يدور حول حقيقة هذه المذكرات وتشابهها مع مذكرات رحالة آخرين خاصة فيما يتعلق بوصفه للحجاز! ومنها غرابة تأخر تدوينها، حيث لم ينشر هذه المذكرات إلا بعد سنوات طوال!
[3] انظر المصادر: [اثنتان وثلاثون سنة في رحاب الإسلام، ليون (روش)، نقلها للعربية محمود خير البقاعي] و [مهمة ليون (روش) في الجزائر والمغرب، يوسف مناصرية].

الجمعة، 7 فبراير 2025

موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية


موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية
"عوائق الانطلاقة الكبرى"

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد

جمع وإعداد محمد عبد الهادي المصري

 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

إهداء

إلى تجمعات أهل السنة والجماعة التي تسعى لإعلاء كلمة الله في كل مكان.
إلى المجاهدين الصادقين من أهل السنة والجماعة الذين يقاتلون أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.
إلى كل مسلم يريد أن يعرف الوجه الحقيقي القبيح للعلمانية، ولا يريد أن ينخدع بشعاراتها الزائفة.
إلى كل إنسان ضل الطريق أو انخدع بأباطيل العلمانية ويريد أن يهتدي إلى الحق.
{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}، {وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين}.
المؤلف

مقدمة

غفلة - أي غفلة- أن يظن أصحاب الحق والخير والاستقامة والالتزام بشرع الله أنهم متروكون من الباطل وأهله!
غفلة - أي غفلة- أن يظن المسلمون اليوم أنهم يملكون تجنب المعركة! أو تأجيل المواجهة!
غفلة - أي غفلة- أن تظن الفئة المؤمنة أنه يمكن أن تقوم هناك مصالحة أو مهادنة مع العلمانية الديمقراطية الكافرة!
خير لأهل السنة والجماعة اليوم أن يستعدوا للمعركة المحتومة بالوعي والعدة، من أن يستسلموا للوهم والخديعة... {وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}[الأنعام، الآية: 55].
إن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق، ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل وأنه يسلك سبيل المجرمين.
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح، واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات. ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف الكفار والمجرمين وفي أساليبهم المتعددة والمتنوعة ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين. فهما صفحتان متقابلتان.. وطريقان مفترقان.. ولابد من وضوح الألوان والخطوط.
من هنا يجب أن تبدأ كل تجمعات أهل السنة والجماعة اليوم بتحديد وتعريف سبيل المؤمنين والعنوان المميز للمؤمنين والعنوان المميز للمجرمين، في عالم الواقع لا في عالم النظريات. فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم. ومن هم المجرمون. بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم. بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان، ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والعلمانيين الكافرين المجرمين.
وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدلتها وأفسدتها التحريفات البشرية... حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة، وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك... لا يجدي معها التلبيس!
ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم التي تنتمي إلى أهل السنة والجماعة ليست في شيء من هذا... إنها تتمثل في وجود أقوام وتجمعات من الناس من سلالات المسلمين في أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام، يسيطر عليها دين الله، وتحكم بشريعته.. ثم إذا هذه الأقوام وإذا هذه التجمعات تهجر الإسلام حقيقة، وتعلنه اسماً. وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام وأحكامه. وإن ظنت أنها تدين بالإسلام!
وفي الأرض اليوم أقوام وأحزاب.. علمانية وغيرها.. أسماؤهم أسماء المسلمين، وهم من سلالات المسلمين، من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، إذا اتبعهم أحد قذفوه في النار، يعيشون في أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام.
وهذا أشق ما تواجهه تجمعات أهل السنة والجماعة اليوم في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام!
أشق ما تعانيه الدعوة الإسلامية الحقيقية اليوم هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله ومدلول الإسلام في جانب، ولمدلول الشرك، وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر.
أشق ما تعانيه تجمعات أهل السنة والجماعة اليوم هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين، وطريق العلمانيين المشركين المجرمين، واختلاط الشارات والعناوين والتباس الأسماء واللافتات والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق!
ويعرف أعداء أهل السنة والجماعة هذه الثغرةن سواء كانوا من الرافضة الباطنية أو كانوا من العلمانيين، فيعكفون عليها توسيعاً وتمييعاً وتلبيساً وتخليطاً، حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!.. تهمة تكفير "المسلمين"!!!
ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم وأذواقهم!! لا إلى قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويوصف من يجهر بالحق بالتطرف والتزمت والتعصب والإرهاب!!
هذه هي المشقة الكبرى.. وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لابد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل! يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المجرمين.. ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة. وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف، وألا تقعدهم عنها لومة لائمن ولا صيحة صائح: انظروا! إنهم يكفرون المسلمين! إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون!
إن الإسلام بيّن والكفر بيّن... فمن ينتسب إلى العلمانية الكافرة والتي ترفع راية فصل الدين عن الحياة وعن الدولة فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين المجرمين.
أجل يجب أن يجتاز أهل السنة والجماعة اليوم، خاصة أصحاب الدعوة إلى الله بهذه العقبة، وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله، لا تصدها شبهة، ولا يعوقها غبش، ولا يميعها لبس. فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم على الحق... وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله على الباطل. كذلك لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية إيمان وكفر... إسلام أو علمانية تشرك بالله وإن شيدت المساجد وتشدقت بالعقيدة الإسلامية وأقامت في أحزابها لجاناً للشؤون الدينية لتضليل العوام!!
هذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً، فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة والمخدوعة التي تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لأهل السنة والجماعة الحقد وتبيت لهم الكيد، الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات -ومنها العلمانية- جهدها، وهي بصدد الضربة الأخيرة الموجهة إلى جذور العقيدة الإسلامية.
إن العلمانية الكافرة.. والمعسكرات التي ورائها، لا تخشى شيئاً أكثر مما تخشى الوعي في قلوب أهل السنة والجماعة، مهما ل عددهم أو عدتهم، فالذين يخدرون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة، وهم أكفر أعداء الإسلام.
لذلك، فهي غفلة - أي غفلة- أن يظن أصحاب الحق أنهم يملكون تجنب المعركة أو تأجيل المواجهة!
وغفلة - أي غفلة- أن يظن أصحاب الدعوة إلى الله أنهم متروكون من العلمانية ومن وراءها من معسكرات الباطل والكفر
... إنها معركة لا خيار لأهل السنة والجماعة فيها.
... إنها مواجهة لا يملك أصحاب الحق ألا يخوضوها في وجه الباطل.
... إنها منازلة لا تستطيع الحركة الإسلامية الحقيقية أن تتجنبها لأن العلمانية الكافرة لابد ستحاول البطش بهم.
لقد آن لتجمعات أهل السنة والجماعة أن تعد العدة وتجمع الشمل وتنفض غبار الخلافات الجانبية لتتفرغ للمعركة الحقيقية والمواجهة المصيرية مع العلمانية الكافرة ومن وراءها من معسكرات الكفر والضلال.
ولقد آن لتجمعات أهل السنة والجماعة أن تتكتل في مواجهة الرافضة الباطنية ومن يناصرونهم من أعداء الأمة الإسلامية من العلمانيين وغيرهم.
لقد آن لتجمعات أهل السنة والجماعة أن تحسم موقفها من أعدائها وتتوكل على ربها حق التوكل. إنه نعم المولى ونعم النصير.

حسم موقف أهل السنة والجماعة من العلمانية

هناك كلمة لا نحسب أنها تغيب عن ذهن القارئ الواعي بأمر هذا الدين، وإن كنا نخشى أن تكون قد تاهت - أو توارت- أثناء الصراع الدائر بين أهل السنة والجماعة والفرق المختلفة الضالة التي تنتسب لهذا الدين.
إن أحد التحديات الخطيرة - إن لم تكن أخطرها على الإطلاق - والتي تواجه أهل السنة والجماعة في هذا العصر، لهي إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبسة التي تتخفى وراءها العلمانية [1] الكافرة التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة.
ولفضح العلمانية ومواجهتها، لابد أولاً أن يصل أمر المواجهة إلى المستوى المطلوب من الحسم والحزم والوضوح في نفوس أهل السنة... فإنه بدون هذا الحسم والحزم، وبدون هذا الوضوح، تعجز تجمعات أهل السنة عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة، ويعجز علماؤها ومفكروها عن التصدي للهجمة العلمانية. وتتأرجح المواقف وتتميع المواجهة.
وبالتالي تفقد تجمعات أهل السنة أهدافها الحقيقية بفقدانها لتحديد نقطة البدء الصحيحة في مواجهة التجمعات الجاهلية - ومنها العلمانية- من حيث تقف هذه التجمعات الجاهلية فعلاً، لا من حيث تزعم وتدعي. والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع الفعلي.. بعيدة جداً.

التوحيد نقيض العلمانية

ومن أجل حسم الصراع بين أهل السنة والجماعة من جانب والعلمانية من جانب آخر، ونظراً لما أصاب الكثير من التصورات الإسلامية من انحراف وغبش في أذهان الناس في هذا العصر، ولما يثيره أعداء الإسلام الظاهرون منهم والمتسترون من شبهات وأباطيل.
فإنه من الواجب علينا أن نقوم بتجلية تلك التصورات وكشف هذه الشبهات في كلمة موجزة عن حقيقة العلمانية الكافرة، وبيان أن التوحيد الذي هو أعظم حقيقة في التصور الإسلامي - بل الوجود كله- هو في الوقت ذاته أكبر نقيض للعلمانية.
ومن هنا كان لابد من معرفته حق المعرفة والتأكيد عليه في جميع مراحل الدعوة إلى الله مع بيان سبيل إحياء الأمة في التمسك واتباع مناهج وأصول أهل السنة والجماعة.
وإذا كان معنى لا إله إلى الله الكفر بالطاغوت [2] والإيمان بالله، فإننا نستطيع القول بأن الشرك - الذي ظل عبر التاريخ محور الصراع بين الأمم والرسل - هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين:
الأول: الإرادة والقصد.
الثاني: الطاعة والاتباع.
أما شرك الإرادة والقصد فهو التوجه إلى غير الله تعالى بشعيرة من شعائر التعبد كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعاً للتبريرات الجاهلية المردودة القائلة: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: الآية: 3]. وطاغوت هذا النوع قد يكون صنماً أو وثناً ـو ميتاً أو جنياً أو شيخاً... الخ.
وأما شرك الطاعة والاتباع فهو التمرد على شرع الله تعالى وعدم قبول حكمه وتحكيمه في شؤون الحياة بعضها أو كلها. وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية... بين الإيمان والكفر.
كما أنه السمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ شأنها في الحضارة والمعرفة.. {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50]... {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21].
وطاغوت هذا النوع قد يكون زعيماً أو حاكماً أو كاهناً أو يكون هيئة تشريعية أو أنظمة وأوضاع وتقاليد وأعراف وعادات أو مجالس نيابية وبرلمانات أو لجان أو مجالس شعبية أو قوانين ودساتير وأهواء وأحزاب... الخ.
والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد، وهم تحكيم غير الله والتلقي عن غيره. فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادات والقرباتن وألا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع الله لها في كتبه وعلى لسان رسله.. {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 40].
إن رد الأمر كله إلى الله واتخاذه وحده حكماً في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يصرف شيء منها لغير، وهذا هو ذات الدين القيم الذي لا يرضى الله تعالى سواه وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ.

الطاغوت تتعدد صوره وأشكاله

إذا تقرر هذا، فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءاً منها فهو طاغوت في أي صورة كان وفي أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان - فرداً أ مجتمعاً - شاهداً ألا إله إلا الله حقيقة إلا بالكفر بالطاغوت والبراءة منه وأهله.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله".[3]
وكل عبودية لغير الله كبرت أو صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان.. {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} [يس: 60-61].
يشمل ذلك العرب الذين قال الله فيهم.. { إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} [النساء: 117].
ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ. لقد تغيرت ولا شك بعض مظاهر العبادة... فلم يعد هناك تلك "الإناث" التي كان العرب في شركهم يعبدونها، لكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل "الإناث" القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والقومية والعلمانية والحرية الشخصية والفن والجنس... الخ. عشرات من "الإناث" الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية الأولىن تضفى عليها القداسات الزائفة وتعبد من دون الله ويطاع أمرها في مخالفة الله وفي تغيير خلق الله... وما تغيرت إلا مظاهر العبادة "تطورت"!!.. ولكن الجوهر لم يتغيرن إنه عبادة الشيطان.
وعلى ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى "الطاغوت" و"العبادة" يتضح لنا المعنى الحقيقي لشهادة "لا إله إلا الله" الذي هو - كما سبق- الكفر بالطاغوت وإفراد الله تعالى وحده بالعبادة.

الجاهلية تتعدد صورها وأشكالها

وكما أن الطاغوت تتعدد صوره وأشكاله، فإن الجاهلية أيضاً تتعدد صورها وأشكالها.
يجب أن نعلم أن الجاهلية بعضها يتمثل في إلحاد بالله سبحانه وإنكار لوجوده... فهي جاهلية اعتقاد وتصور كجاهلية الشيوعيين. وبعضها يتمثل في اعتراف مشوه بوجود الله سبحانه وانحراف في الشعائر التعبدية وفي الاتباع والطاعة كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم.. وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك.
وبعضها يتمثل في اعتراف بوجود الله سبحانه وأداء للشعائر التعبدية مع انحراف خطير في تصور مفهوم ودلالة " لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".. ومع شرك كامل في الاتباع والطاعة، وذلك كجاهلية من سمون أنفسهم "مسلمين" من العلمانيين ويظنون أنهم أسلموا واكتسبوا صفة الإسلام وحقوقه بمجرد نطقهم بالشهادتين وأدائهم للشعائر التعبدية مع انحرافهم وسوء فهمهم لمعنى الشهادتين ومع استسلامهم لغير الله من العبيد.. وكلها جاهلية.. وكلها كفر بالله كالأولين. أو شرك بالله كالآخرين.

مقارنة بين الجاهلية العربية القديمة والجاهلية العلمانية الحديثة

إن الدارس لعقائد الجاهلية العربية القديمة يجد - من أول وهلة- إنها لم تكن تنكر وجود الله أبداً، بل كانت توحده في معظم أفعاله تعالى كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة.. {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25].
وكانوا يقرون بمشيئة الله النافذة في الكون وقدره الذي لا يرد.. {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء} [الأنعام: 148].
وكانوا يؤمنون بالملائكة {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أزل علينا الملائكة} [الفرقان: 21]، ويؤمنون بالرسل.. {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124].
ويقرون بأن الله يملك الرزق والسمع والبصر ويحيي ويميت وأنه يدبر الأمر.. {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله} [يونس: 31].
وكان منهم من يؤمن بالبعث والحساب كقول زهير:
(يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ***  ليوم الحساب أو يعجل فينتقم) [4]
وكذلك كان لدى الجاهلين العرب بعض الشعائر التعبدية منها تعظيم البيت الحرام وطوافهم حوله ووقوفهم بعرفات وتعظيم الأشهر الحرم. وكذلك ذبحهم ونذرهم لله كما في قصة نذر عبد المطلب وإهدائهم للبيت الحرام وتخصيص شيء من الحرث والأنعم لله.. {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً} [الأنعام: 136].
ومن الناحية التشريعية كانت الجاهلية العربية تقيم بعض الحدود كحد السرقة، فقد ذكر الكلبي والقرطبي في تفسيره: "أن قريشاً كانت تقطع يد السارق"[5]. وهو حد معروف في الشرائع السابقة كما في حديث المخزومية وشفاعة زيد لها.
وشيء آخر سبقت - بل فاقت- به الجاهلية العربية القديمة الجاهليات العلمانية المعاصرة وهو "حرية التدين". فكان منهم الحنفاء الذين يتعبدون ببقايا دين إبراهيم عليه السلام...
وكان منهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى...
وكان منهم عبدة الكواكب وعبادة الأوثان...
وبعضهم كان يعبد الجن أو الملائكة.

بيان حكم الله على المجتمع رغم كل ذلك

ولكن - وهذا هو المهم- بماذا حكم الله على هذا المجتمع؟ إن الله تعالى حكم على هذه البيئة وعلى هذه المجتمعات والتصورات بأنها كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعها - التي يحتج العلمانيون اليوم بها على إسلامهم - صفراً في ميزان الإسلام، وكفراً بالله ورسوله.
ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد النزاع، معركة شرسة ونزاع حاد، حتى أن السيف كان الحكم الأخير.
والشيء المثير أيضاً، أن موضوع هذه المعركة العنيفة الطويلة لم يكن سوى كلمة واحدة "لا إله إلا الله" كلمة يصر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أقصى حدود الإصرار، وترفضها الجاهلية إلى أبعد مدى للإنكار والرفض.
لماذا؟… لأنه منذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، إلى شهادة أن "لا إله إلا الله" كان الجواب الفوري… {أجعل الآلهة إلهاً واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5].
فالقضية واضحة في أذهانه من أن الالتزام بهذه الكلمة معناه الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ما عدا الله من معبوداتهم وطواغيتهم المختلفة، طاغوت الأوثان وطاغوت الزعامة وطاغوت القبيلة وطاغوت الكهانة وطاغوت التقليد... الخ، والاستسلام الكامل لله ورد الأمر كله - جليله وحقيره وكبيره وصغيره- إلى الله تعالى وحده لا شريك له.

العلمانية نظام طاغوتي جاهلي كافر

وانطلاقاً من هذا المفهوم - الذي يعتبر في حقيقة الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة عند أهل السنة والجماعة- نستطيع أن نرى حكم الإسلام في العلمانية بسهولة ووضوح. ونستطيع أن نصل بالقضية إلى المستوى المطلوب من الحسم والوضوح في نفوس أهل السنة اللازمين لفضح العلمانية ومواجهتها.
إن العلمانية باختصار " نظام طاغوتي جاهلي كافر" يتنافى ويتعارض تماماً مع شهادة "لا إله إلا الله" من ناحيتين أساسيتين متلازمتين:
الأولى: من ناحية كونها - أي العلمانية - حكما بغير ما أنزل الله.
الثانية: من ناحية كونها شركاً في عبادة الله.
إن العلمانية تعني - بداهة- الحكم بغير ما أنزل الله وتحكيم غير شريعة الله وقبول الحكم والتشريع والطاعة والاتباع من طواغيت من دون الله. فهذا معنى قيام الحياة على غير الدين أو بعبارة أخرى فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن السياسة، ومن ثم فهي- بالبديهة أيضا- نظام جاهلي لا مكان لمعتقده ولا لنظامه ولا لشرائعه في دائرة الإسلام. بل هو نظام كافر بنص القرآن الكريم {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44].

لماذا التردد في الحكم على الأنظمة العلمانية بالكفر؟

إذا كان الأمر كذلك، فهل يبقى بعد هذا أي مجال للشك أو التردد في حسم هذه القضية في نفوس أهل السنة تجاه العلمانية؟
الحق أنه لا مجال لشيء من ذلك، ولكن الغياب المذهل لحقائق الإسلام من العقول والغبش الكثيف الذي أنتجته الأفكار المنحرفة، هما اللذان يجعلان كثيراً من الناس يثيرون شبهات متهافتة لم تكن لتستحق أدنى نظر لولا هذا الواقع المؤلم الذي يعتبر من أشد عوائق الانطلاقة الكبرى المرتقبة لأهل السنة والجماعة بمشيئة الله.
فمن هذه الشبهات، استصعاب بعض الناس إطلاق لفظ الكفر أو الجاهلية على من أطلقها الله تعالى عليه من الأنظمة والأوضاع والأفراد، وبذريعة أن هذه الأنظمة - ولا سيما العلمانية الديمقراطية- لا تنكر وجود الله، وبذريعة أن هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية لا تمانع في إقامة بعض شعائر التعبد، وبحجة أن بعض قيادات الأنظمة العلمانية الديمقراطية يتلفظون بالشهادة ويقيمون الشعائر من صلاة وصيام أو حج وصدقة، ويظهرون احترامهم في المناسبات العامة لمن يسمون ب(رجال الدين)!! والمؤسسات الدينية.
وفي ظل هذه الشبهات المتهافتة المردودة، يستصعب بعض الناس، ومنهم - للأسف الشديد- بعض من يرفع راية الدعوة الإسلامية اليوم، القول بأن الأنظمة العلمانية الديمقراطية أنظمة جاهلية كافرة وأن المؤمنين بها المتبعين لها جاهليون كافرون.
ومن الواضح جدا أن الذين يلوكون هذه الشبهات، لا يعرفون معنى "لا إله إلا الله"، ولا مدلول "الإسلام". وإن جاز هذا في حق البعض على فرض حسن الظن بهم، فهو لا يجوز في حق كثير من المثقفين المطلعين على حقائق الأمور، وبالذات بعض من يرفعون راية الدعوة الإسلامية اليوم ويتعللون بهذه العلل الواهية.
ولا نملك إلا أن نذكر هؤلاء بأن تاريخ الدعوة الإسلامية وصراع أهل السنة والجماعة المرير عبر القرون، بل والقرآن الكريم كله من أوله إلى آخره ومثله السنة المطهرة لتقطع الطريق على هذه الشبهة وقائليها.
وهل تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه العنت والمشقة والحرب والجهاد ثلاثاً وعشرين متوالية، وهل نزل القرآن موجهاً وآمراً وناهياً طوال هذه السنين من أن أجل أن يقول الجاهلون باللسان فقط... " لا إله إلا الله"، ويقيموا الشعائر التي يمن دعاة العلمانية على الله أنهم يسمحون بها اليوم.
وما الفرق بين قول قريش.. يا محمد اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وبين قول العلمانيين لفظاً وحالاً: نعبد الله في المسجد ونطيع غيره في المجالس التشريعية والبرلمان وفي القضاء والتجارة والسياسة!!
أهو شيء آخر غير أن قسمة أولئك زمنية، وقسمة هؤلاء مكانية أو موضوعية!!..

دستور التتار ودستور العلمانيين

ويقول الشيخ ابن كثير - رحمه الله- في تفسير قول الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}: ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم (جنكيز خان) الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيره، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد هواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [تفسير ابن كثير 2/70].
إذا تأملنا ذلك، ونظرنا إلى دستور العلمانيين وجدناه عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها (جنكيز خان العلمانيين) من شرائع شتى من الرومانية والفرنسية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في أتباع العلمانيين شرعاً متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصدروا قواعد تشريعية عامة بدلوا بها شرائع الإسلام لتكون لها السيادة في الأمة ولتصبح هي المرجع في الحكم عند التنازع. وأصبح التحاكم إلى القوانين الوضعية التي تحل الربا والزنا والفواحش هو دين العلمانيين وشريعتهم.
وأصبح هؤلاء العلمانيون وأتباعهم يتحاكمون إلى القوانين الديوثية التي لا تجيز للزوج أن يرفع دعوى ضد زوجته بتهمة الزنا إلا إذا فاجأها وهي تزني على فراش الزوجية! وحتى إذا ما أخذته دوافع الغيرة وحاول أن يقتل عشيق زوجته فسبقه العشيق وقتل الزوج. فإن عشيق الزوجة الزانية يمكنه بالقانون أن يثبت براءته تحت ظل عدالة وديمقراطية وسماحة القوانين الوضعية بحجة أنه كان في وضع "دفاع عن النفس"!!
أما الزوجة الزانية فلا يستطيع أحد أن يخدش حياءها ويوجه لها تهمة الزنا لأنه في ظل هذه القوانين العلمانية الديوثية لا يستطيع أحد أن يرفع دعوى بتهمة الزنا ضد الزوجة إلا زوجها. وقد مات الزوج!! إذن فهي بريئة!!
• فما ظنكم بهؤلاء العلمانيين الذين يستعلنون بالفصل بين الدين والدولة وأن إدارة الكون شركة بينهم وبين الله، فلله حكم العقائد والعبادات ولهم ما وراء ذلك من جميع المعاملات؟.
• وما ظنكم بهؤلاء الذين لا شارع لهم إلا البرلمان، ولا سيادة عندهم إلا للأمة، ولا قدسية لديهم إلا للقوانين الوضعية؟.
• ما ظنكم بهؤلاء الذين يزعجهم - كما يزعج أسيادهم في الغرب والشرق- تنامي التيار الإسلامي ويرونه خطراً داهماً على سلطانهم؟
ألا ينطبق عليهم قول ابن كثير رحمه الله: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه، فمن فعل ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين" [البداية والنهاية لابن كثير: 13/119].
وبذلك يتضح أن تلك الشبهة - شبهة تلفظ بعض العلمانيين بالشهادة وإقامة بعض الشعائر- لا وزن لها ولا اعتبار إلا عند البلهاء أو المنافقين والزنادقة.

لماذا تتمسح الأنظمة العلمانية بالدين وتدعي الإسلام؟

والسؤال الآن هو لماذا تصر الأنظمة العلمانية على التمسح بالدين وادعاء الإسلام رغم أنها - على ما يبدو في الظاهر- تسيطر على مراكز القوة والحكم والتشريع؟
وللإجابة على ذلك، يجب أن نعلم أولاً أنه بعد أن نجحت الجاهلية- مؤقتا- في تنحية شرع الله من أن يحكم حياة المسلمين في ديارهم حاول أعداء الإسلام إخراج المسلمين عن أصل دينهم إلى المذاهب الإلحادية والمادية.
وبعد أن فشلوا في تنفيذ هذا المخطط وأصابهم اليأس من ذلك، لجأوا - بعد التفكير والتدبير - إلى ما هو أخبث وأخطر، لجأوا إلى اصطناع أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله وفي الوقت نفسه هي تدعي الإسلام، وتظهر احترام العقيدة بوسائل مختلفة، فقتلوا إحساس الجماهير وضمنوا ولاءها وخدروا ضميرها، ثم انطلقوا يهدمون شريعة الله في مأمن من انتفاضتها.
ولذلك لا يجرؤ أرباب هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية على التصريح بأنهم ملحدون أو لادينيون أو أنهم ضد شريعة الله. بينما يصرحون - مفتخرين- بـنهم ديمقراطيون مثلا!!.

شعارات العلمانيين وراياتهم

لذلك تبلورت شعارات العلمانيين وأفكارهم التي تعبر في جوهرها عن حقيقة الجاهلية ولكنها وبخبث شديد وتدبير محكم تحاول أن تنتسب إلى الدين بتبجح غريب ومكر وضيع، فأعلنوا شعار "تطوير الشريعة". ورفعوا راية "مرونة الشريعة لتلبية حاجات العصر". ثم نادوا بعد ذلك بشعار "تقنين الشريعة". وذلك حتى لا ينفر من هذه الأفكار جمهور المسلمين، فهم يريدون أن تسري العلمانية ببطء في عقول ونفوس جمهور المسلمين سريان السم البطيء الذي يودي بحياة صاحبه دون أن ينتبه له جسده.. وذلك بجرعات منتظمة تحت شعار " التدرج في تطبيق الشريعة"!!
والعلمانية الديمقراطية كما هو معروف تجعل العقيدة والشعائر لله ووفق أمره، وتجعل الشريعة والتعامل لغير الله ووفق أمر غيره. وذلك معنى قولهم "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" أي "فصل الدين عن الدولة". وكما هو معلوم من الدين بالضرورة، فإن هذا هو عين الشرك في حقيقته وأصله.
ولكنهم يستميتون حتى لا تصل هذه الحقيقة إلى جماهير المسلمين ويلهون الناس بشعارات "المدرسة العقلانية" و"الإسلام المستنير" وشعار "حكم الشعب بالشعب"، وتحت شعار "الحرية الشخصية" تمارس جميع أنواع الشذوذ الجنسي والإباحية تحت سمع وبصر وحماية الشرطة ومباركة أجهزة الإعلام. وتحت شعار "الأمة مصدر السلطات" تصادر جميع السلطات إلا سلطة البطش والتنكيل بالمسلمين دون غيرهم. وتحت شعار "الاستنارة" يخرجون الناس من نور الإسلام إلى ظلمات الجاهلية. وتحت شعار "حرية الثقافة والفكر" تمارس جميع أنواع الفنون الساقطة ويفتح الباب أمام الزنادقة للتهجم على الإسلام حتى يصل بهم الأمر بالسخرية من بيت الله الحرام وعُمَّاره حيث يظهر نموذج للكعبة المشرفة في إحدى المسرحيات وإذا بها تفتح فجأة وتخرج من داخلها راقصة تتلوى أمام الجماهير التي تنتسب إلى الإسلام!! ولم لا... وقد أصبح للعاهرات عيد يسمونه "عين الفن"، تمنح فيه العطايا والمكافآت، وجوائز الدولة التقديرية، ومفتي الديار العلمانية يبارك ذلك بمزيد من الفتاوى اليومية فحلل الرقص وحلل الغناء وحلل الموسيقى والفن وأخيراً وليس آخراً.. حلل مفتي الديار العلمانية.. الربا!!

العلمانية خبث لا يخرج إلا نكداً

قول الله تعالى: {والذي خبث لا يخرج إلا نكداً} [الأعراف: 58]. ولأن العلمانية شجرة خبيثة فقد أثمرت بيننا اليوم - ممن يقولون إنهم مسلمون- من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، وبخاصة أخلاق المعاملات.
وأثمرت بيننا اليوم حاصلين على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم يتساءلون في استنكار ما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ وما للإسلام والعري على الشواطئ؟ وما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ وما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأس سبيل؟ ما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ ما للإسلام وتعامل الناس بالربا في البنوك؟ ما للإسلام وهذا الذي يفعله "المتحضرون!!"؟ الذين يلهثون خلف راياتهم الخبيثة ويرددون بأن "الدين لله والوطن للجميع".. ولا عجب في ذلكن فهم طلائع مدرسة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"..!!
... فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} [ص: 5].
وهم يتساءلون كذلك، بل ينكرون بشدة وعنف أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد.. فما للدين والمعاملات الربوبية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة؟ وما للدين وتجارة الخمور والمخدرات ما لم يقع تحت طائلة القانون الوضعي؟ وما للدين والسياسة والحكم؟ لا .. بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا دخلت في الاقتصاد تفسده!! ولا غرابة في ذلك، فهم قد رضعوا وشبوا على شعارات "فصل الدين عن الدولة"، و "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"!!
فلا يذهبن بنا الترفع كثيراً على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى، ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والاستنارة والمعرفة والحضارة وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله والسلوك الشخصي في الحياة والمعاملات المادية في السوق والسياسة والحكم... تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود!! وبعد أن استهلكت هذه الألفاظ أضافت الجاهلية العلمانية اليوم وصفهم بالتطرف!! ثم ألصقت بهم أخيراً صفة الإرهاب!!
أليس هذا بعينه ما يردده أدعياء الإسلام من العلمانيين أو غيرهم؟

مذهبهم عدم إظهار العداء السافر للإسلام

إن من عادة المنافقين والزنادقة من المنتسبين لهذا الدين عدم الإنكار الصريح والواضح وعدم إظهار العداء السافر للإسلام وهم بهذا الأسلوب وتحت هذه العباءة يستطيعون - أو هكذا يظنون- تحقيق أهدافهم الخبيثة وتقديم خدماتهم لأصدقائهم من اليهود والنصارى الذين يتآمرون للقضاء على الأمة الإسلامية.
وهم يسعون لذلك بسلاح التلبيس والتمويه للالتفاف حول المسلمين لحين المعركة الفاصلة حين يفاجئوا المسلمين على حين غرة. هم حريصون غاية الحرص في عدم إيقاظ الوعي الإسلامي قبل الموعد المرتقب.
وقد يكون هناك مسلمون طيبون لا تدرك عقولهم مثل هذه الأمور الملتوية والحيل المعقدة، فإلى هؤلاء وأمثالهم نهديهم الخبر التالي:
لقد نشرت الصحيفة اليهودية "يدعوت أحرنوت" في 18/03/1978 م مقالاً حللت فيه الهجوم اليهودي على جنوب لبنان وانتقدت إجراء التلفزيون اليهودي مقابلات مع العميل النصراني الخائن سعد حداد وإبراز معالم البهجة التي عمت القرى المارونية النصرانية إزاء احتلال الجيش اليهودي لجزء كبير من جنوب لبنان، وفيما يلي قطوف من هذا التحليل لعل فيها عبرة لهؤلاء المخدوعين والنيام:
قالت الصحيفة اليهودية: "إن على وسائل إعلامنا ألا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود (أصدقائنا) في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب، طوال ثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب ولو اقتضى الأمر الاستعانة (بأصدقائنا) لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا".
واختتمت الصحيفة تحليلها قائلة:
"ولكن تلفزيوننا الإسرائيلي وقع في خطأ أرعن، كاد ينسف كل خططنا، فقد تسبب هذا التصرف في إيقاظ الروح الإسلامية ولو على نطاق ضيق، ونخشى أن تستغل الجماعات الإسلامية هذه الفرصة لتحريك المشاعر ضدنا، وإذا نجحت في ذلك، وإذا فشلنا - في المقابل- في إقناع (أصدقائنا) بتوجيه ضربة قاضية إليها في الوقت المناسب، فإن على إسرائيل أن تواجه حين ذلك عدواً حقيقياً (لا وهمياً)، وهو عدو حرصنا أن يبقى بعيداً عن المعركة.
وستجد إسرائيل نفسها في وضع حرج إذا نجح المتعصبون، أولئك الذين يعتقدون أن أحدهم يدخل الجنة إذا قتل يهودياً، أو إذا قتله يهودي".
لهذا ومن أجل ذلك يرفع هؤلاء الزنادقة من العلمانيين وأشباههم شعارات يحاولون بها خداع أكبر عدد ممكن من المسلمين وتهدئة نفوس القلة التي قد ساورتها الشكوك تجاه نوايا هؤلاء الذين يرفعون شعارات العلمانية ويتشدقون بالحرية والديمقراطية بينما يسعون بواقعهم العملي لاقتلاع الإسلام من جذوره ولكن رويداً رويدا حتى لا يستيقظ النائمون.

أهمية البرامج الدينية في أجهزة الإعلام الشيطانية

لا يزال المنافقون والزنادقة على مدار التاريخ الإسلامي يدعون الإيمان، بل ويزعمون للناس أنهم مجددون وأنهم يصلحون في الأرض ولا يفسدون.
كذلك يدعي الإيمان بعض قيادات العلمانية الديمقراطية في العصر الحديث، بل منهم من يتقلب بين عقائد الكفر المتعددة فهذا شيوعي سابق أصبح ليبريالياً متعصباً، ولا غرابة في ذلك حيث أن ملة الكفر واحدة. ولكن الغرابة أنه يلقب نفسه بلقب (الحاج)، ويقيمون في أحزابهم لجاناً للشؤون الدينية!! {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9].
ومنهم من ادعى الإيمان ودعا إلى زمالة بين الأديان إلى تأليف كتب دينية مشتركة يلتقي عليها المسلمون والنصارى واليهود.
لذلك لا غرابة في أصرار الأنظمة العلمانية الديمقراطية الكافرة على أن يجعلوا للدين برامج تسمى برامج دينية أو "روحية". ضمن أجهزة الإعلام الشيطانية، وهم الذين يجعلون أحكاماً إسلامية للأحوال الشخصية ضمن قوانين الحكم الجاهلية، وهم الذين يجعلون في كل صحفهم ومجلاتهم العلمانية الجاهلية صفحة يسمونها صفحة الفكر الديني!!
وهم الذين يقولون إن مكان الدين هو المسجد فقط ويظهرون لعامة المسلمين أنهم يحجون لبيت الله في العمرة مرة ويتعمدون إبراز هذه الصور في أجهزة إعلامهم. بينما هم يقصدون بيوت أعداء الله شرقاً وغرباً كل حين يتلقفون منهم المناهج ويتلقون التشريعات والأوامر والنواهي والحلال والحرام!!
ويمتدح أحد هؤلاء العلمانيين بغباء شديد أحد أئمتهم السابقين ويترحم عليه ويذكر أن أهم فضائله أنه لم يكن يطبق شرع الله!!
يقول عبد الستار الطويلة في جريدة الوفد القاهرية وهي إحدى معاقل العلمانية بتاريخ 22/08/1991 م بالحرف الواحد:
" أيام (المرحوم!!) جمال عبد الناصر منذ السنوات الأولى للثورة كان الحكم - بصرف النظر أنه كان ديكتاتوريا- حريصاً على عدم الخلط بين الدين والحكم.. أنه كان أقرب إلى العلمانية.. منه إلى أي شيء.. كان يقتصر نظام عبد الناصر على إنشاء محطة للقرآن الكريم... الاستمرار في بناء المساجد.. والكنائس.. تيسير الحج.. الخ.. أي تقديم كافة التسهيلات (للمتدينين) كي يؤدوا (شعائرهم) الدينية على أكمل وجه.. لكن كان الحكم بعيداً عن أي ترويج لفكرة ضرورة الحكم بالدين.. ولم تكن نظم الشريعة سواء الشريعة الإسلامية أو (الشريعة المسيحية!) مطبقة إلا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية من زواج أو طلاق.".. والكلام لا يحتاج إلى تعليق كما هو واضح!

العلمانيون يعبدون أحبارهم المشرعين

إننا نتوجه بهذا السؤال إلى هؤلاء العلمانيين.. إلى كل من يدعي الإسلام من هؤلاء.. فنقول:
إذا أخرجنا - على سبيل التحكم- جزءاً من النشاط الإنساني في الحياة - إما السياسة وإما غيرها- عن دائرة الإسلام.. فمن أين نتلقى منهج وقيم وموازين وتشريعات هذا الجزء؟.
وأيا ما كان الجواب.. فإن نتيجته ومؤداه واحد لا ريب فيه: التلقي عن غير الله.. والطاعة والإتباع لغير الله.
والنتيجة... هي الشرك بالله... وهل هناك صورة من صور الاعتراف بالشرك أصرح من هذه؟ أعني شرك الطاعة والإتباع!!
إنه شرك في عبادة الله، وإن كان الذين يمارسونه قد يجهلون معنى عبادة الله وحده، وما ذلك بغريب على الجاهلين. فإن عدي بن حاتم - رضي الله عنه- في الجاهلية لم يكن يتصور أن ذلك عبادة، فإنه لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}، فقال عدي (وكان نصرانيا) يا رسول الله: لسنا نعبدهم. قال: "أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم .[6]
قال ابن تيمية رحمه الله تعليقاً على ذلك: " قد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم".[7]
إن العلمانية التي ولدت وترعرعت في أحضان الجاهلية لهي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا التباس. ولكن الخفاء والمداورة والالتباس إنما يحدث عمداً من دعاة العلمانية أنفسهم، لأنهم يعلمون أنه لا حياة ولا امتداد لجاهليتهم وسلطانهم في بلاد المسلمين إلا من خلال هذا التخفي وهذه المداورة. ولا بقاء لهم إلا بالتلبيس على جماهير المسلمين وذلك من خلال راياتهم الزائفة التي تخفي حقيقة أمرهم وباطن دعوتهم عن المسلمين وتلبس على العامة أمر دينهم وعقيدتهم خاصة إذا ساندهم من نصبوه مفتياً للديار العلمانية في محاولة تجميل مكشوفة لم تزد وجوههم إلا قبحاً. بل هم يدعون عامة المسلمين ويحفزونهم ضد إخوانهم المسلمين الصادقين الواعين لحقيقة هذا الصراع وخلفياته والمنبهين إلى خطره الداهم على الدين وأهله.

حصون أهل السنة مهددة من الداخل

إن المعارك والجبهات التي تفتحها الفرق الضالة والمنتسبة لهذا الدين ضد أهل السنة والجماعة، وأخطرها دائماً جبهة الرافضة الباطنية، والتي تغذيها وتدعمها القوى والمعسكرات الجاهلية العالمية لتدمير أهل السنة والجماعة باعتبارهم الخطر الحقيقي والفعال ضد كل هذه القوى، أقول إن هذه المعارك وهذه الجبهات يجب ألا ينسى معها أهل السنة والجماعة أن حصونهم لا زالت مهددة من داخلها، وأن القوى العلمانية المتكتلة ضدهم من الداخل والتي تصارعهم في معارك خافية - غالباً- وسافرة - أحياناً- هي التي تمثل الآن جوهر الصراع القائم بين الإسلام والجاهلية في العصر الحديث. وإن أخطر مراحل هذا الصراع هي مرحلة تعرية هذه القوى العلمانية القبيحة وفضحها أمام جميع المسلمين ليستبين لكل مسلم سبيل هؤلاء المجرمين الذين يحاولون خداعهم والقضاء عليهم.

الخاتمة

وختاماً نقول، لقد أدى الغبش في هذه القضية إلى التفاف البعض حول الأحزاب العلمانية التي تجاهر بعلمانيتها لمجرد أنها تعد الناس بشيء من الرغد وتلوح لهم بحلول لمشكلة الغذاء والكساء والمسكن، ولو رسخت حقائق الإسلام والولاء والبراء في النفوس ما التف حول هذه الأحزاب من الأمة رجل واحد، وكيف يرضى بموالاتها رجل يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يتلو آناء الليل والنهار قول الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22]. وأية محادة لله ورسوله أكبر من أن تستعلن العلمانية بردها لشرائع الإسلام وتدعو بلا مواربة لإقصاء شرع الله عن الحياة بفصل الدين عن الدولة. وأية محادة لله ورسوله أكبر من منزاعة الله تعالى في حق التشريع بالتحليل والتحريم.
أما آن لأهل السنة والجماعة أن ينتبهوا لهذه الأخطار الماحقة من الداخل والخارج والتي تهددهم في دنياهم وآخرتهم؟
أما آن لهم أن يتكتلوا دفاعاً عن أنفسهم وعن وجودهم ودفاعاً عن عقيدتهم؟.
أما آن لهم أن ينظموا صفوفهم ويعدوا لأعدائهم ما استطاعوا من عدة يرهبون بها عدو الله وعدوهم؟
أما آن لهم -أو لكثير منهم- أن يتخلوا عن معاركهم الوهمية وخلافاتهم الجانبية والشكلية ليتفرغوا ويركزوا جهودهم المشتركة المادية والمعنوية لمواجهة هذه التحديات التاريخية والمعارك الفاصلة الحقيقية التي اقتربت؟
وليعلم الجميع أن تعرية الأنظمة العلمانية وكشف عمالتها وتآمرها على الشعوب الإسلامية.. خطوة على الطريق الصحيح.
وأن فضح الزنادقة والمنافقين ممن أسبغ عليهم أعداء الإسلام ألقاب الزعامة والعبقرية في السياسة والأدب والفن... خطوة على الطريق الصحيح.
وأن شيوع العلم بأن تحكيم الشريعة الإسلامية يرتبط بأصل دين الإسلام وأن تحكيم القوانين الوضعية ردة صريحة عن الإسلام... خطوة على الطريق الصحيح.
وإن إحياء فريضة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. خطوة على الطريق الصحيح.
وأن تعلم العلوم الشرعية وتعليمها والعمل بها.. خطوة على الطريق الصحيح.
أما آن لنا جميعاً أن تخشع قلوبنا للحق... أما آن لنا هذا؟
{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق }[الحديد: 16].
نسأل الله الهدى والرشاد، فمنه وحده التوفيق والسداد وهو على كل شيء قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
 

==========
الهوامش
[1] - لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية أو (Sécularité) بالفرنسية. وهي كلمة لا صلة لها بلفظ (العلم) على الإطلاق فالعلم بالإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (Scientism).
والترجمة الصحيحة لكلمة (Secularism) هي "اللادينية" أو "الدنيوية"، وتقول دائرة المعارف البريطانية مادة (Secularism) : "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها". ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو (إقامة الحياة على غير الدين) سواء بالنسبة للأمة أو للفرد.
[2] - وخير تعريف للطاغوت ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله: " الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله". إعلام الموقعين: 25.
[3] - مقدمة رسالة العبودية لابن تيمية : 6.
[4] - شرح ديوان زهير 81.
[5] - أضواء البيان للشنقيطي 3: 392.
[6] - انظر رواياته في الدر المنثور: 3/230 وأصله في الترمذي: كتاب التفسير وسنده صحيح.
[7] - فتح المجيد: 86 نقلاً عن الإيمان.

الأحد، 12 يناير 2025

"المتمسلمون"

"المتمسلمون"


فهد بن محمد الحميزي


لما ذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الإمام الذهبي أنواع التواريخ التي تناولت شتى طبقات المجتمع المسلم والتي أوصلها إلى أربعين تاريخاً حتى أنه ذكر منها تاريخ عقلاء المجانين والموسوسين والمنجمين والسحرة . . ليته ـ رحمه الله ـ ذكر منها تاريخ أولئك الخونة الذين سودوا صفحات التاريخ بمواقفهم وعمالتهم . .
هم لم يسقطوا ملوكاً فحسب بل أسقطوا شعوباً وأمماً وخلافات , وللأسف فإن العلماء وسابروا التاريخ وقتها أصيبوا (برهاب سياسي) فتولد عندهم خوفاً من الخوض في مثل هذه القضايا الخطيرة مما جعلها تصبح حبيسة الأذهان . ومن تكلم من العلماء حينها وصدع بكلمة الحق أصبح يترقب (ضيوف الفجر) ممن كابدوا الليل لا بطول قيام وإنما بخبث طوية وفساد معتقد!!
وقد حدثنا التاريخ كثيراً عن أولئك الخونة(المتمسلمين)حدثنا عن عبد الله بن سبأ لما كان يعمل في الخفاء ويُحدث الفتنة كما في حادثة الجمل , وبالثورة والتأليب كما وقع منه حيال عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ ..
حدثنا التاريخ عن عبيد الله بن يزيد قاتل الحسين..
حدثنا التاريخ عن أبي دؤاد المعتزلي قاتل القضاة والعلماء..
حدثنا التاريخ عن أبي طاهر القرمطي منتهك حرمة المسجد الحرام ..
حدثنا التاريخ عن الحسين الحلاج صاحب البدعة المكفرة والقول بالحلول والإتحاد ..
وحدثنا التاريخ عن ابن العلقمي الوزير المنافق صاحب الرسائل العلقمية الخائنة لهولاكو...!!
إن التاريخ القديم كما حدثنا عن أولئك الخونة ( المتمسلمين) في الحقبة الماضية , فقد حدثنا التاريخ الحديث عن أسماء سوداء وعملاء مرجفين وطوابير مختلفة الأجناس والتوجهات للإطاحة بدول عربية تنتمي إلى الإسلام ولو بالظاهر أمثال حسني الزعيم, وأديب الشيشكلي, وسامي الحناوي ,وأسعد طلس ـ عميل بريطانيا الوفي ـ ونوري السعيد وأحمد خان قائد اتجاه التغريب في الهند ومؤسس المدرسة الفكرية التغريبية والذي دعا إلى تقليد الحضارة الغربية وإلى تفسير الإسلام تفسيراً مطابقاً لما وصلت إليه المدنية الحديثة في آخر القرن التاسع عشر . وغير هؤلاء الكثير الكثير ممن تعرفهم بلحن القول..!!
ولذلك كتب الدكتور محمد محمد حسين وقتها كتابه القيم "حصوننا مهددة من داخلها" وشنع فيه على الإنهزاميين( المتمسلمين) الذين وقعوا تحت سيطرة الأفكار والنظم الغربية.
ومثل هؤلاء لا ينبغي أبداً أن يذكر أحدٌ لهم سيره وإنما تكفي الإشارة بأسمائهم ، فهم في الحقيقة لا يستحقون أن يرفع لهم ذكر أو شأن وإن كانوا أبقوا بصماتهم في دولهم بصمات الخزي والعمالة والتخريب .
إن بعض هؤلاء العملاء حاول أن يبني له ( قاعدة صلبة ولو على المدى البعيد ) قاعدة ذات نتائج وخيمة وأهداف خبيثة وخطط مدعومة والأثر المترتب على ذلك الإطاحة بكيان الأمة المسلمة .
ولذلك لما حصلت الانقلابات المتتالية في الدول العربية المجاورة في السنوات السابقة كانت قوى الانقلاب فيما تُدعم من عدوٍ خارجي لمصالح ومطامع ثرواتية فيها . وبينما كانت هذه الدول العربية تتقلب بين هذه الانقلابات كانت إسرائيل التي قامت على أكتاف الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية تعد العدة للعدوان والاحتلال وتوسيع رقعتها الجغرافية .
إن العدو الآن يتربص بنا وإننا لنعلم أن هناك خططاً تآمرية رهيبة تطبخ بدوائر ( البنتاغون ) والمخابرات المركزية الأمريكية على نار هادئة . وما تقارير مؤسسة راند الأمريكية لدراسات طبيعة الشرق الأوسط والتيارات الإسلامية بها إلا أكبر نموذج مشاهد بهذا التربص فهل لك أن تعي الواقع الذي من حولك ؟!
إن ما كنا نسمعه من أسماء لهولاء العملاء الخونة في بلد عربي مثل مصر أمثال فكري أباضه -صاحب مقالة إن أعظم رجل في التاريخ الحديث هو مصطفى كمال أتا تورك -ومن تصدروا أعمدة الصحف والمجلات في تلك الحقبة أمثال عبدا لرحمن الشرقاوي ويوسف الخال وغيرهم من ( المتمسلمين ) الذين ينتسبون للإسلام اسماً وهم في حقيقة الأمر أعداء حاقدون ، هم أنفسهم -وإن اختلفت أسمائهم -الذين نراهم ونشادهم في قنواتنا وهم الذين اعتلوا أعمدة صحافتنا وفُتح لهم المجال لكتابة ما يريدون .. !! كنا نعرفهم ( طابوراً خامساً ) فإذا بهم طوابيراً منظمة ومدعومة .
ولا زالت ( الصحافة الصفراء ) تخِّرج لنا أسماءً جديدة لهولاء ( المتمسلمين ) وتنشر لهم أفكاراً مستوردة حتى أضحت هذه الصحافة التي تحتضنها بعض البلاد المسلمة حرباً على الإسلام هدفها هدم القيم الإسلامية وتدمير مفاهيمها .
إن الخيانة التي نتحدث عنها هنا ليست قيام بعض الأشخاص بالتجسس لصالح العدو وقت السلم أو وقت الحرب فمثل أولئك يعرفهم الناس وتلفظهم الشعوب , ويحتقرهم كل عاقل ..
إن الخيانة التي نعنيها هي تلك التي يقوم بها أناس من بني جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا ويكيدون في نفوسهم أو عند ملئهم لكل ما يمت للإسلام بصلة , سواءً كانوا حكاماً أو وزراء أو مفكرون أو ليبراليون ( متمسلمون ) .
إن ما حدث من الخيانات منذ قرون وسنوات مازالت تخلف وراءها الآثار السلبية وتؤكد أن الجرح لازال غائراً .. ولا أدل على ذلك من الآثار التي بقيت بعد ( واضح الصقلي) أول من استعان بالغرب ضد أهل الإسلام !!
نعم سيظل ابن سبأ ومن كان على شاكلته رمزاَ لخيانة الضمير قبل خيانة العقيدة وخيانة الوسيلة قبل خيانة الهدف .

* العروض المجانية :
من العروض المجانية التي سجلها التاريخ الحديث ما تلقاه السلطان عبد الحميد الثاني الخليفة العثماني حينما تلقى عروض هرتزل ممثل الصهيونية العالمية ،وكرر إغراءاته لإنقاذ الدولة العثمانية من ديونها ، وتقوية جيوشها وتدعيم اقتصادها ، مقابل (بيع فلسطين!!) والتنازل عن بعض أراضيها .. فما كان أمام السلطان إلا أن يرفض إغراءات العروض الصهيونية ويصمم على الحفاظ على سائر الديار الإسلامية ، فثارت القوى الصهيونية ،وخرجت التسمية الأوربية للدولة العثمانية باسم (الرجل المريض ) وظهر في عالم السياسة ذلك الوقت ما عرف (بالمسألة الشرقية ) والتي سعت فيها أوربا لطرد العثمانيين وتقسيم ممتلكاتهم .
ثم توالت (العروض المجانية) حتى اختير الرجل المناسب في المكان المناسب ـ ممن باع آخرته بدنياه ـ لما لمُع شخص (كمال أتاتورك) ذلك (المتمسلم ) الذي عرف بلقب الغازي لما فُتحت الأبواب أمامه وأُظهر انتصاره على اليونانيين ،ولكنه لم يلبث حتى ظهر على حقيقته ، وأنه صنيعه لأعداء الإسلام من اليهود والنصارى .
وفي عام 1342 هـ قدم أعظم هديه للغرب (إلغاء الخلافة )و لما أثقلت كاهله العمالة وطمست على قلبه وأعمت بصره وبصيرته قال بعد أن ألقي القرآن ذات مره في يده (إن ارتقاء الشعوب لا يصلح أن ينفذ بقوانين وقواعد سنت في العصور الغابرة ) .
ومثل هذه العروض المجانية ما تقوم به الدول العربية و الشرق أوسطية من القيام بدعوة أبناءها للإبتعاث في الخارج .. والنتيجة أن يصبحوا لقمة سائغة للتغريب ،ويذوب الطرف الأضعف في الطرف الأقوى ذوباناً شبه كامل حيث يترسَّمون خطاهم ويسيرون على منوالهم في كل شيء في النظم و التشريعات و القوانين بل حتى في الزي واللباس وطريقة التفكير . وما نموذج رفاعة الطهطاوي من مصر ، وخير الدين التونسي من تونس ،إلا أكبر شاهد لنقل الحضارة (الباريسية)التي ترعرعوا عليها هناك .
إنما تبثه بعض قنواتنا العربية وما تلاقيه من دعم من جهات مشبوهة لأكبر شاهد على القيام بدور العمالة والخيانة ، لكن بدل أن يقوم بهذا الدور فرد قام به أفراد وجماعات منظمة !! وبدل أن تكون ارتجالية أصبحت مؤسسية وتدار على طاولة النقاش !!
يجلي ذلك ما ذكر في تقرير (RanD2007) من الإشارة إلى الدعم التي تتلقاه قناة الحرة الفضائية وراديو (سوا) ـ و التي تخاطب سكان دول الخليج على وجه الخصوص ـ والذي بلغ (671)مليون دولار في السنة !!.
وهذا دليل جديد على الدعم المستمر لكل ما من شأنه زعزعة الهوية الإسلامية .

* الأفكار التوفيقية :
إن هذه الأفكار نشأة نتيجة الإغراق في التبعية للغرب والتي نستطيع أن نقول أنها بدأت بعد انهيار الخلافة العثمانية حينما واجه الغرب الصليبي والشيوعية والصهيونية الأمة الإسلامية ونشط حينها ( المتمسلمون ) وأصبحوا في حل من القيود ، وأخذت أفكارهم تجد هوى وتأييداَ لدى العامة لتصبح رأياً عاماً باسم التقدمية والنهضة والإصلاح !! وقامت هذه المدرسة الجديدة ذات الأفكار التوفيقية والتي ترمي إلى التقريب بين الإسلام والحضارة الغربية في ميادين الحياة حتى كان من نتاج هذه الأفكار : تفسير النصوص تفسيراً عصريا يلائم الفكر السائد !!
وقد ألجأ الهجوم الفكري في هذه المدارس إلى مواقف دفاعية غريبة عن الإسلام إذ جردته من كثير من أحكامه الصريحة نحو تعدد الزوجات ، والربا ، والتماثيل ، والجهاد ، وأهل الذمة .. فأصبحت هذه الأمور عندهم من نقاط الضعف في الإسلام والتي تحتاج إلى دفاع !!
اسأل الله بمنه وكرمه أن يكفينا شر هؤلاء ( المتمسلمين ) وأن يكبت انتشار أفكار هذه المدرسة التغريبية . وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

وكتب
فهد بن محمد الحميزي
Fahad442@maktoob.com

الخميس، 12 سبتمبر 2024

واجبات الأمة العشر في زمن الإنحطاط والقهر

 

واجبات الأمة العشر في زمن الإنحطاط والقهر
الإثنين: 21 - ربيع الآخر – 1439 هـ



رضوان بن أحمد العواضي





بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


يقصد بالأمة في اللغة الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين او زمان او مكان، وقد أشار القرآن الكريم الى هذا المعنى في غالب استعماله لهذا اللفظ، من ذلك قول الحق جل وعلا: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله
تعالى: ({وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
[البقرة: 143].

ولأن الأمة معنية ومسؤولة عن دينها؛ بالدفاع عنه والذود عن مقدساته ومنهجه، حري بأفرادها أن يسلكوا السبل الممكنة والمتاحة لهم لإعادة مجد الإسلام وتخليصه من كيد خصومه، وتكالبهم ومكرهم.

وان مما يجب على أمة الإسلام فعله والقيام به أفرادا وجماعات في زمن الإنحطاط والقهر الذي نعيشه اليوم، ثمة واجبات شرعية، بتوفيق من الله وفضل وقفت على عشر منها من خلال اطلاعي على مصادر التشريع الأصلية؛ الكتاب والسنة، تتمثل فيما يلي:

الواجب الأول: الإعتصام بالله جل وعلا.


وأعني به: التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، من خلال تطهير وتخلية القلب من أدران الشرك والرياء، ثم تحليته بمعين التوحيد الصافي. ثم ترك المنهيات، والقيام بالواجبات ما استطاع العبد الى ذلك سبيلا، بدافع الإنقياد والتقرب الى الله، والطمع بما عنده من فضل وثواب.

قال في روح البيان (2/ 72): (فالمعتصم بحبل الله هو المتقرب الى الله بأفعال البر ووسائط القربة) أهـ.

فالقيام بهذا الواجب أصل أصيل، وحصن حصين في خلاص الأمة من همومها ومحنها، قال الحق جل وعلا : {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، وقال سبحانه:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].

قال الإمام النسفي رحمه الله في تفسيره (1/ 279): {وَمَن يَعْتَصِم بالله} ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم { فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ } أرشد إلى الدين الحق ) أهـ.

الواجب الثاني: ترك النزاع والشقاق الموقعان في الفشل والهزيمة

قال الله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

قال الشوكاني رحمه الله عن معنى النزاع كما في فتح القدير (2/ 359):
(الِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْفَشَلُ، وَهُوَ الْجُبْنُ فِي الْحَرْبِ) أهـ.

ولقد جعل الله عاقبة النزاع والشقاق بين المسلمين العذاب العظيم وعدم الفلاح، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

فالنزاع والشقاق بين المسلمين سبب رئيس في فرقتهم وقطيعتهم الموقعان في الوهن والضعف. قال السعدي رحمه الله في التفسير (ص: 322) )) : { وَلا تَنَازَعُوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فَتَفْشَلُوا } أي:
تجبنوا { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله))أهـ.

وقال القشيري رحمه الله في لطائف الإشارات (1/ 629): (الموافقة بين المسلمين أصل الدّين. وأول الفساد ورأس الزّلل الاختلاف. وكما تجب الموافقة فى الدين والعقيدة تجب الموافقة فى الرأى والعزيمة.

قال تعالى فى صفة الكفّار: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى» ، وإنما تتحد عزائم المسلمين لأنهم كلّهم يجمعهم التبرّى من حولهم وقوّتّهم، ويتمحضون فى رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون فى هذه الحالة الواحدة.

وأمّا الذين توهّموا الحادثات من أنفسهم فضلّوا فى ساحات حسبانهم، وأجروا الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلّ يبنى على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تشعّبت بهم الآراء، وافترقت بهم الطرق، فيضعفون، وتختلف طرقهم) أهـ.

ومظاهر النزاع كثيرة لا تعد؛ لعل من أهمها النزاع والشقاق في الرأي، القائم على تمسك كل جماعة او فرد برأي قد يحتمل صوابا او خطأ، سواء كان ذلك في فروع الدين، او في فروع الدنيا، والسلامة ترك ذلك كله. وان وقع اختلاف في أمور كهذه كما هو شأن الخلق وفطرتهم، فالواجب الا يؤدي هذا الإختلاف الى الشقاق والخصام والقطيعة. وليسعنا في خلاف كهذا ما وسع سلف الأمة الصالح، الذين تعددت أراؤهم، واختلفت مذاهبهم في فروع الدين، لكنهم ومع هذا كله كانوا أخوة متحابين لا سبيل للشيطان عليهم.

الواجب الثالث: حسن الظن بالله

والمراد به وجوب اعتقاد العبد بفرج الله للأمة وتمكينها، مهما كان حالها ومهما وصلت اليه من ضعف وقهر وإنحطاط.

لأن هذا هو موعود الله، وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا يتخلف، الثابت عندنا بصريح القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد، وبصريح السنة الصحيحة الثابتة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

قال رب العزة والجلال في كتابه الكريم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور:
55].

وقال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}
[القصص: 5].

وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 6).

وقد أرشد الحق جل وعلا عباده الى حسن الظن به، وذلك بتوقع الخير لأنفسهم ولأمتهم، في صغير الأمر وكبيره، لأنه جل وعلا يكتب من القدر لعبده ما تمناه لنفسه وظنه به.

في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خير مِنْهُم) متفق عليه.

وفي الحديث الصحيح: (فألك من فيك) صحيح الجامع الصغير وزيادته (ص: 23).

فان نطق العبد بالخير ورجاه في نفسه وقع، وإن ظن الشر وتوقعه او نطق به وقع أيضا.

الواجب الرابع: محبة المسلمين

حب المسلم لأخيه عمل قلبي تعبدنا الله به، وجعله من كمال إيماننا به، وسبب من أسباب قوة أهل الإسلام ومصدر عزهم ومجدهم.

في الصحيحين من حديث أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحد حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة
الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته (ص: 536).

وقال الله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].

فجعل من أسباب نجاة العباد في الدنيا والآخرة رسوخ أخوتهم وتحآبهم، فقال:
(فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقال جل وعلا:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}
[التوبة: 71].

وان مما يترتب على قطيعة المسلمين وعدم محبتهم وتوادهم، الفشل والضياع والإنحطاط، في الحديث: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) حسنه الألباني رحمه الله في الجامع الصغير وزيادته
(ص: 568).

الواجب الخامس: التراحم

تراحم المسلمين وتعاطفهم فيما بينهم دليل على صدق إيمانهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله جل وعلا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}
[الفتح: 29].

وقال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].

وقد رتب الإسلام على خلق التراحم والعطف على عموم المسلمين النجاة والتوفيق لعموم المسلمين ولولاة أمرهم، سواء كانت هذه الولاية في البيت الواحد، او المجتمع، او في شؤون الدولة.

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بهم فارفُقْ بِهِ» رَوَاهُ مُسلم.

وعَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» مُتَّفق عَلَيْهِ.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي بزيادة وقال حديث حسن صحيح، صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 272).

وقال صلى الله عليه وسلم: (ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) (صحيح) انظر حديث رقم: 897 في صحيح الجامع.

الواجب السادس: النصيحة لكل مسلم

وهذا الواجب من أهم الواجبات التي يلزم كل مسلم القيام به، فالنصيحة من أهم قوائم الدين وأسسه الثابتة التي لا ينبغي التقصير فيه، في الصحيح:
(الدين النصيحة) رواه مسلم.

قال الصنعاني رحمه الله في التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 155): (أي عماده وقوامه النصيحة على "نحو الحج" عرفة، بولغ في النصيحة حتى جعل الدين كله إياها) أهـ.

ولقد جعل الله العاقبة في ترك النصح والتعاون على تغيير المنكر والأمر بالمعروف؛ مشينة ومهينة؛ من حرمان رحمة الله، وهلاك الأمم وسوء حالها، قال الحق جل وعلا: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79].

وروى الترمذي في سننه من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 286).

الواجب السابع: الكف عن نقل الشائعات المخذلة، وعدم الخوض فيها بين المسلمين

وهذا ما سماه الله في كتابه الكريم بالإرجاف وحذر منه، وجعل عاقبته اللعن والطرد من رحمته سبحانه وتعالى، فقال في محكم كتابه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60، 61].

قال البيضاوي رحمه الله في أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 238):
(وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمي به الإِخبار الكاذب لكونه متزلزلاً غير ثابت) أهـ.

والمراد بالإرجاف هنا نقل كل ما من شأنه إضعاف المسلمين وكسر شوكتهم، ودب الخوف في نفوسهم من الأخبار والأنباء، سواء كان ذلك بالكلمة او الإشارة او الفعل.

قال السعدي رحمه الله في تفسيره (ص: 671): (ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء) أهـ.

الواجب الثامن: الشعور بالمسؤولية

شعور المسلم بالمسؤولية تجاه دينه وأمته شيء من الإيمان ودليل صادق عليه، لأن الدفاع عن بيضة الإسلام أمر واجب على عموم المسلمين.

والمتتبع لنصوص الكتاب والسنة يجد الشيء الكثير من الأدلة التي تثبت بجلاء أن جميع المسلمين مكلفون ومسؤولون عن هذا الدين والدفاع عنه.

من ذلك أن جعل الحق سبحانه وتعالى خلاص الأمة ونجاتها من بؤسها وشقائها منوط بتعاون جميع أفرادها على تغيير حالهم والعمل الجماعي في تخليصها مما قد يصيبها، فقال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

الواجب التاسع: الإلتفاف حول القادة المخلصين لله، وتعيين او اختيار أمثالهم في قيادة الأمة لتخليصها من انحطاطها وقهرها.

وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الأمة التي لا تجتمع على قائد مخلص لدينه وأمته، قد تجتمع على منافق خوار، لا يزيد أمته الا ذلا وخنوعا وقهرا.

والواجب على الأمة تعيين الصالح من المسلمين وأقواهم على أمرها، ليدفعه صلاحه للعمل النافع لدينه وأمته، وتعينه قوته على الذب عن بيضة الإسلام ومقدساته. قال الله: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

واذا لم تعين الأمة أميرا صالحا عليها تخبطها الشيطان، وجعلها لقمة سائغة لأعدائها، يعيث بها الفساد، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أحدهم» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (2/ 1145).

قال الإمام الهروي رحمه الله في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/
2518): (إِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ اثْنَانِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ (فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) ; أَيْ:
فَلْيَجْعَلُوا أَمِيرَهُمْ أَفْضَلَهُمْ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ:
إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَمْرُهُمْ جَمِيعًا وَلَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ، فَيَتْعَبُوا فِيه)أهـ.

الواجب العاشر: الدعاء

وهو الواجب الذي لا يجوز لمسلم تركه في شدته او رخائه، اذ به يظهر العبد ضعفه لربه وحاجته المطلقة لخالقه ومعبوده، ويكون آكد في شدائده ومحنه، قال الحق جل وعلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60].

فعلى عموم المسلمين الدعاء للأمة بالخلاص مما تعانيه اليوم من قهر وذل وهوان، شريطة ان يكون العبد في دعائه؛ حاضر القلب، ملحا على ربه به، حلال كسبه، طيب مطعمه ومشربه، موقن بإجابة ربه ومولاه.

...........................

والحمد لله رب العالمين


المصدر:صيد الفوائد

الأربعاء، 7 فبراير 2024

الإسراء والمعراج


الإسراء والمعراج

يحيى بن موسى الزهراني


الحمد لله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ، الحمد لله الذي بين لعباده طريق الهدى ، وحذرهم من سبل الضلال والغوا ، وأصلي وأسلم على نبي الرحمة والهدى الذي أرشد أمته لطريق الحق والرضى ، وحذرهم من اتباع الشيطان والهوى ، فصلوات ربي وسلامه عليه ، وعلى آله وأصحابه أهل الخير والتقى . . أما بعد :

فالإسراء والمعراج من معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي أعجزت أعداء الله في كل وقت وكل حين وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى متى كانا :
فقيل أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ولم تعين السنة ، وقيل أنها قبل الهجرة بسنة ، فتكون في ربيع الأول ، ولم تعين الليلة ، وقيل قبل الهجرة بستة عشر شهراً ، فتكون في ذي القعدة ، وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل بخمس ، وقيل : بست .
والذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة وقبل الهجرة.

واختلفوا ، هل كان الإسراء ببدنه عليه الصلاة السلام وروحه ، أم بروحه فقط ، والذي عليه أكثر العلماء أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لامناماً لان قريش أكبرته وأنكرته ، ولو كان مناماً لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات ، قال تعالى :
" سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " [ الإسراء 1] .
ذكر بن كثير في تفسيره لسورة الإسراء ، عند قوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير " [ الإسراء 1 ] .
يمجد تعالى نفسه ، ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه ، فلا إله غيره ولا رب سواه (( الذي أسرى بعبده )) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم (( ليلاً )) أي من الليل (( من المسجد الحرام )) وهو مسجد مكة (( إلى المسجد الأقصى )) وهو بيت المقدس الذي بالقدس مصدق الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام ، ولهذا جُمعوا له هناك فأمهم في محلتهم ودارهم ، فدل على أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وقوله (( الذي باركنا حوله )) أي في الزروع والثمار (( لنريه )) أي محمداً (( من آياتنا )) أي العظام ، كما قال تعالى : (( لقد رأى من آيات ربه الكبرى )) ] .

وماذا حدث في الإسراء والمعراج :
ذكر البخاري رحمه الله في صحيحه حديث المعراج ، قال : حدثنا هُدبة بن خالد حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم ليلة أسري به قال : { بينما أنا في الحطيم ـ وربما قال في الحجر ـ مضطجعاً ، إذ أتاني آت فقدَّ ـ قال : وسمعته يقول : فشقَّ ـ ما بين هذه إلى هذه } فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما بعيني به ؟ قال : من ثغرة نحره إلى شعرته ـ وسمعته يقول من قصته إلى شعرته ـ (( فاستخرج قلبي ، ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءَ ة إيماناً ، ففُل قلبي ، ثم حُشي ثم أُعيد ، ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض )) فقال الجارود : هو البُراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس : نعم ـ يضع خطوة عند أقصى طرْفه ، فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح ، 
فقيل : من هذا ؟ قال جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد .قيل : وقد أرسل إليه قال : نعم . قيل مرحباً به ، فنعم المجيء جاء ففتح : فلما خلصت فإذا فيها آدم ، فقال هذا أبوك آدم ، فسلم عليه .

 فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحباً بالإبن الصالح والنبي الصالح . 

ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة ، قال : هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما ، فسلمت ، فردا ، ثم قالا : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . 

ثم صعد إلى السماء الثالثة فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت إذا يوسف ، قال : هذا يوسف فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . 

ثم صعد إلى السماء الرابعة فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت فإذا إدريس ، قال : هذا إدريس فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . 

ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت فإذا هارون ، قال : هذا هارون فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال ، مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح .

 ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت فإذا موسى ، قال : هذا موسى فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال ، مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . فلما تجاوزت بكى ، قيل له ما يبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . 

ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح . قيل من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم . قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء . ففتح . فلما خلصت فإذا إبراهيم ، قال : هذا إبراهيم فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال ، مرحباً بالإبن الصالح والنبي الصالح . 

ثم رفعت لي سدرة المنتهى . فإذا نبقها مثل قلال هَجَر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، قال : هذه سدرة المنتهى ، وإذا أربعة أنهار : نهران بأطنان ، ونهران ظاهران ، فقلت : ما هذان يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران ، فالنيل والفرات . ثم رُفع لي البيت المعمور . 

ثم أُتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل ، فأخذت اللبن ، فقال : هي الفطرة التي أُتيت عليها وأمتك . 

ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم . 

فرجعت فمررت على موسى ، فقال : بما أمرت ؟ قال : أمرت بخمسين صلاة كل يوم ، قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني والله قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فرجعت ، فوضع عني عشراً ، فرجعت إلى موسى ، فقال مثله . فرجعت فوضع عنى عشراً ، فرجعت إلى موسى ، فقال مثله . فرجعت فوضع عنى عشراً ، فرجعت إلى موسى ، فقال مثله . فرجعت فوضع عنى عشراً ، فرجعت إلى موسى فقال مثله . فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت فقال مثله . فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : بخمس صلوات كل يوم . قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم ، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة . 

فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك . قال : سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم . قال : فلما جاوزت ناداني منادٍ : أمضيت فريضتي ، وخففت عن عبادي ))


هل نحتفل :

كان ذلك هو حديث الإسراء والمعراج ، وكان قبل الهجرة وبعد البعثة النبوية للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن قبل الهجرة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم لم يحتفل مطلقاً بليلة الإسراء والمعراج ولم يأمر به من بعده من الخلفاء ، بل ولم يحتفل الخلفاء الراشدون وممن بعدهم بتلك الليلة وهم خير القرون على الإطلاق ـ فلا إله إلا الله ـ كيف ابتدع الناس اليوم بدعة عجيبة في دين الله ؟ كيف سمح أناس لأنفسهم بأن يشرَّعوا في دين الله ما لم يأذن به الله ؟ فتحوا على المسلمين أبواباً للشر كانت مغلقة فهم كما قال صلى الله عليه وسلم : " إن من الناس مفاتيح للخير ، مغاليق للشر ، وإن من الناس مفاتيح للشر ، مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه " [ السلسة الصحيحة ] .

فمن شرع للناس زيادة في الدين ، أو سن لهم سنة سيئة أو دعاهم إلى ضلالة فهو آثم وله الويل والثبور ، وعليه وزر هذه الضلالة والبدعة إلى يوم القيامة ويحمل من خطايا أولئك الناس الذين دعاهم وأضلهم إلى تلك الضلالات والخرافات والإحتفالات الوهمية التي لا يقرها دين ولا عقل . 

والليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج ، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها في شهر معين ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً وكل ما ورد في تعيينها غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولله الحكمة البالغة في أن ينسي الناس هذه الليلة . 

ثم لو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ، ولم يجزلهم أن يحتفلوا بها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ، إما بالقول وإما بالفعل وإما بالإقرار ، ولو وقع شئ من ذلك لعرف واشتهر ، ولنقله الصحابة رضى الله عنهم إلينا ، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شئ تحتاجه الأمة ولم يفرطوا في شئ من الدين ، بل هم السابقون إلى كل خير فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم أنصح الناس ، وقد بلغ البلاغ المبين ، ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ، ويباعد من النار إلا بينه للأمة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم " [ مسلم ] ، وقال تعالى : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيراً " [ الأحزاب 21 ] ، وقال تعالى : " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم " [ التوبة 100 ] .

وقال صلى الله عليه وسلم : " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " . 

فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه ، فلما لم يقع شئ من ذلك ، عُلم أن الاحتفال بهذه الليلة ـ ليلة الإسراء والمعراج ـ وتعظيمها ليس من الإسلام في شئ ، بل هي بدعة منكرة محدثة في دين الله عز وجل ما أنزل الله بها من سلطان ، ولم يأذن بها الله تعالى ، فقد أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة على عباده : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " [ المائدة 3 ] ، وقال تعالى : " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم " [ الشورى 21 ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " [ متفق عليه ] ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " [ أخرجه مسلم ] ، وفي صحيح مسلم ، قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة : " أما بعد : فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " ، وزاد النسائي بسند جيد : " وكل ضلالة في النار " . وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودع ، فأوصنا : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " [ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة بسند صحيح ] .
فلقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه والسلف الصالح التحذير من البدع ، والترهيب منها ، وذلك لأنها زيادة في دين الله عز وجل ، وفي البدع تشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم وابتداعهم في دينهم زيادة لم يأذن بها الله ، ففي ذلك من الفساد العظيم والمنكر الشنيع ما لا يعلم إلا به الله .
وفي تلك البدع والاحتفالات مصادمة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

أسأل الله أن يوفق جميع المسلمين لما فيه الخير والسداد ، وأن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يقينا جميعاً البدع الظاهرة والباطنة وسوء الفتن ، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان ، وأن يوفقهم لما يحب ويرضى ، وأن يأخذ بنواصيهم للبر والتقوى وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين أنه سميع مجيب ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .