‏إظهار الرسائل ذات التسميات دعوة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دعوة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 12 مارس 2026

سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة

 سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة



علي محمَّد محمد الصلَّابي

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته..

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة، إذ جمع بين اللين في الخطاب، والوضوح في الحجة، والتذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، مع بيان عدل الله في الجزاء، والموازنة بين طريق النجاة وطريق الهلاك. ففي هذه الآيات من الدلالات البلاغية والتربوية والإيمانية العميقة، ما يجعلها نموذجًا خالدًا في الثبات والبيان والدعوة إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ۝٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۝٤٤﴾ [غافر: ٣٨-٤4[.

هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى، حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات. في المرة الأولى، دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخيرتين على سبيل التفضيل، فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته  إياهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إلى عبادة الأصنام طريق النار، ثم أخبر سبحانه عن وقايته  وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة (الزحيلي، 24/128).

1 ـ  قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨ [.

فقد سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

وفرق كبير بين قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وبين قول الرجل المؤمن لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، والرجل صادق في قوله لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، بينما كان فرعون كاذباً في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (الخالدي، 2/503).

لقد افتتح الرجل المؤمن دعوته لقومه يلفت نظرهم إلى حقيقة تتعلق به شخصياً وهي أنه على حق، ويقف مع الحق، ويدعو للحق، وبالتالي فالانقياد له يعني المضي قدماً إلى طريق مستقيم، بعيداً عن مواطن  الزلل والسقوط، وسعى  الرجل المؤمن بهذا التركيز الشديد على قناعته الشخصية إلى استرعاء انتباههم؛ لعله يأتيهم بما تتوق إليه نفوسهم، كيف لا وكل منهم يرغب في اتباع الحق، ويتجنب قدر المستطاع طريق الغي والضلال، وفي الوقت الذي لاحظ  فيه بوادر إقبال عليه؛ وإصغاء إلى ما عنده؛ أكمل حديثه (أحمد، ص 119)، وشرع في بيان دينه إلى قومه، فبعد الإجمال انتقل إلى التفصيل في:  ذم الدنيا وتصغير حالها، تعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، الموازنة بين دعوة موسى عليه السلام ودعوة فرعون (أحمد، ص 243) ، وإليك تفصيل المجمل:

2 ـ  قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩[.
وكلما بدأ بقوله: يا قوم! بدأ معنىً جديداً، وله عنده أهمية، لأنه يلفت نظر قومه إليه، ويقترب منهم ليقتربوا من النصح الذي يسديه لهم، ولاحظ جملة: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، وكيف بدأت بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تدل على أن ما دخلت عليه مما لا يجهله جاهل، ولا ينكره منكر، كأن هذا معنى شائع في الناس، المؤمن والكافر، لأن الكل يرى الكل وهو يموت، ويترك ما يترك من ثراء ونعمة، ولم يعد يتمتع بها، ثم إن اسم الإشارة هنا مهم جداً، لأنه يحدد ما يريد أن يحكم عليه بأنه متاع، ويميّزه أكمل تمييز، لأن الحكم عليها بأنها متاع يوجب أن تكون حاضرة حضوراً كأن العين تراها، لقوة تشبث الناس بها، مع العلم بأنها متاع، وهذا البناء يخالف بناء الجملة الثانية التي ليست معلومة علم الجملة الأولى، وهي:

ـ ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ليس كل أحد يعلم ذلك، بل إن هذا مما نجد أكثر الناس لا يؤمنون به، وإن آمن به المصريون زمن الفراعنة، وأعدوا قبورهم إعداداً خاصاً لحياتهم الثانية، والمهم أن الرجل المؤمن أكّدها بأن ثم بالضمير ﴿هِيَ﴾، ثم جعلها داراً، أي موضع إقامة دائمة، ما دمت حيّاً، كدارك في الدنيا، وأنت هناك لا تموت، فهي دار الأبد، ثم أضافها إلى القرار والمستقر الذي لا يتبدل، ولا يتغير، وهذا تدقيق عجيب (أبو موسى، ص 497).

أ ـ قال ابن كثير: ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخر، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه السلام فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، أي: قليلة زائلة فانية عن قريب، تذهب وتزول وتضمحل، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها،  ولا انتقال منها، ولا مصير إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم (ابن كثير، 7/134).

ب ـ قال السعدي: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتع بها، ويُتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملاً يسعدكم فيها (السعدي، 4/1550).

3 ـ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠[.

أ ـ راجع النفي والاستثناء ودلالته القاطعة على أنه من عمل سيئة لا يزيد عقابه، ولا ينقص عن عمل السيئة، ووصف العقاب  بأنه مثلها، يعني مماثلاً ومساوياً لها، ولا يجوز أن يزيد حبّة خردل عن هذا المثل، والمحظور أن تزيد في عقاب المذنب؛ وليس من المحظور أن تنقص، لأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وتأمل كيف يرسم لنا ربنا طريق الحياة الأفضل، ثم إن العقوبة تكون على من عمل هو سيئة، وليس على من عمل غيره، فلا يعاقب من كان عضواً في جماعة، ولو كان عضواً في عصابة، وإنما على القضاء أن يحدد ما عمله، ولا يعاقب إلا على عمله؛ لأن الله قال لنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨[.

ـ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩[.

ـ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨[.

فالمسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب  الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة، وبعد هذا التحديد القاطع في كلام هذا المؤمن الذي يصدق قومه النصح قابل هذا بقوله:

ب ـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: راجع وتأمل لتقف على شرف الكلام، واعلم أن من وقوفك على شرفه؛ أن تدرك خفايا معانيه:

الأول ـ واو العطف التي تعطف عملاً صالحاً على عمل سيء، وتجمع لك صورتين متقابلتين من أعمال البشر على هذه الأرض، هناك قال: "من عمل سيئة" بالتنكير، أي سيئة، قلّت أو كثُرت، وهنا قال من عمل صالحاً، أي صالحاً قلّ أو كثُر، وضع بإزاء هذا التنكير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۝٨﴾ ]الزلزلة: ٧-٨[، وإنما قدم المؤمن عمل السيئة لأنه رأى قومه مغموسين في السيئة، فأراد أن يخلعهم منها، وقدّم ربنا مثقال ذرة خيراً لأن الخير يقدم لشرفه، ثم قال من ذكر أو أنثى إشارة بالمساواة في الثواب والعقاب بين الذكر الأنثى، ودفع الجميع لعمل الصالحات.

وسكت عن النساء في عمل السيئة إكراماً لهن، لأن السيئة من النساء أسوأ، والكذب منهن أخطر، ثم ذكر الأصل الذي لا يعتد بالعمل الصالح إلا به؛ وهو الإيمان (أبو موسى، ص 499).

ـ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: جملة حالية اسمية وبالواو، وكل ذلك يدل على أنه ـ وهو يزاول العمل الصالح ـ زاوله وهو في حال الإيمان، والتقرب إلى الله، وتخيل معي أن كل الشعب يزاول الأعمال التي تصلح بها البلاد، وهو يتقرب إلى الله بهذه المزاولة، وحينئذ تكون قوة هذه الجماعة في الحق، وليست في الباطل، ولن تكون طامعة في خيرات الشعوب، ولن  تحوك المؤامرات والصراعات، وإنما تكون سالمة مسالمة، صالحة مصلحة، فيزداد بها الثراء والخير والبر والمرحمة بين العباد؛ المسلم وغير المسلم، هؤلاء الذين يزاولون العمل الصالح بهذه الروح التي تستحضر الذي بيده الأمر، جوابهم وجزاؤهم أنهم يدخلون الجنة، وهذه هي غاية الغايات، هي دار القرار (أبو موسى، ص 499).

المسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة،

ت ـ ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: وبُني يرزقون للمجهول، وأشار إلى أن الخير والرزق والعطاء يأتيهم من هنا ومن هنا، ثم ناهيك عن عطاء بغير حساب، من أكرم، من أعطى، جل وتقدس، وراجع دلالة اسم الإشارة الذي للبعيد:

ـ في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ودلالته على بعد محلهم، وبعد رتبتهم، ثم تقديم المسند إليه على  الخبر الفعلي، ودلالة ذلك على التوكيد ثم مجيء المضارع الذي يستحضر الصورة من الغيب البعيد.
- في قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: وكأنك تراهم في عزّهم وعليائهم وكرامتهم وهم يدخلون، ثم مجيء المضارع مرة ثانية:

ث ـ  قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾: وهو رأس الجملة الحالية، وكيف كان الدخول مقترناً بحال الرزق بغير حساب، والأصل أن يكون الرزق بعد الدخول، وإنما هي المبادرة بتكريم الواحد الأحد لكرام عباده الذين فعلوا الصالحات، وهم مؤمنون، وراجع مرة ثانية كلمة "من الصالحات"، واحذر أن تخصّها بالصلاة والزكاة والذكر، لأن الله أطلقها  وهي كل ما تصلح به حياة الناس؛ سواء في مصانعهم أو مدارسهم أو إعداد قوتهم، أو ما يحتاجون إليه من أي علم في الطب أو الهندسة أو الرياضة، أو ما شئت، لأن القاعدة الفقهية هي أن كل علم تحتاجه الأمة فهو من علوم الإسلام، وأن الطبيب الذي له فقه في طبّه أفضل من الفقيه الذي ليس له فقه في فقهه (أبو موسى، ص 500).

قال السعدي -رحمه الله:  ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: من شرك أو فسوق أو عصيان، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه بقدر إساءته، وما تستحقه، لأن جزاء السيئة السوء،  ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطون أجرهم بلا حد، ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم (السعدي، 4/1550).

4 ـ قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢﴾ [غافر: ٤١-٤٢[.

يقارن الرجل المؤمن بين الدعوتين بنفس اللهجة المحببة:

أ ـ ﴿وَيَا قَوْمِ﴾: ويبين لهما أنهما دعوتان اثنتان، لا ثالث لهما، فإما دعوة إلى الإيمان والخير، وهي دعوته الموجهة لهم، وإما دعوة إلى الكفر والشر، وهي دعوة فرعون الموجهة لهم.

ب ـ ﴿مَا لِي﴾: يستفهم عن شيء من نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي إلى ما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (الشعراوي، 21/1386).

ت ـ ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: ويقارن بين حبه لهم؛ وحبه لنجاتهم وحبّه لأن يعيشوا في جنة؛ وهم يدعونه إلى النار، ثم استأنف بيان هذه الجملة الموجزة العالية، وابتدأ هذا البيان بكلمة ﴿تَدْعُونَنِي﴾ التي حملت المقارنة المحزنة والمؤسفة بينه وبين قومه.

ث ـ ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وراجع أنه قال أولاً: أدعوكم إلى النجاة، وتدعونني إلى النار، فقدم دعوته لهم إلى النجاة "الجنة"، وأخّر دعوتهم له إلى النار، وفي الجملة الثانية عكس، وكأنه لما قال الجملة الأولى علا وغلا، وفي قلبه الإحساس بإساءة قومه له، فقدّم دعوته له إلى النار، وأنهم دعوه ليكفر بالله، ولم يُدْع المؤمن الصادق دعوة أسوأ من هذه الدعوة، لأن إيمانه بالله ليس هو نفسه، وقلبه وعقله، ولحمه، ودمه، وإنما هو فوق ذلك كله: أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك.

ـ ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: كان يمكن أن يكتفي بهاتين الجملتين أكفر وأشرك، وكلمة ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ كلمة مفهومة؛ لأنه ليس هناك مؤمن بالله وله علم بشريك، لأنه لا شريك له، ونفي العلم بالشريك نفي لوجوده، قلت كان يمكن أن يكتفي ببعض ذلك، لأن بعضه دال على بعضه، ولكن الرجل الصادق كأنه يُفرغ من قومه الذين يجبهم مرارة حارقة في قلبه، ثم استأنف استئنافاً آخر وأعاد كلمة:

ـ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وجعل دعوته هي فاصلة الآية ليبقى رنينها في القلوب، وقد ابتدأ الجملة بقوله: ﴿وَأَنَا﴾، وكأنه يقول وأنا الذي تدعونه ليكفر بالله ويشرك به ما ليس له به علم، ويدعوكم إلى العزيز الغفار، وأحب اقتران الاسمين الجليلين في الفاصلة، لأن لها دلالة جليلة، فالعزيز الغالب الذي لا يُغلب، والذي يستحيل أن يكون له شريك، والغالب المستعلي على من يكفر به؛ فضلاً عن استعلائه على من يكون داعياً للكفر؛ فضلاً  عمن يدعو إلى الكفر من يدعوه إلى الإيمان (أبو موسى، ص 505).

تجد كلمة العزيز يستخرج منها موقعها هنا إشارات ودلالات لا تشبع منها قلوب أهل الإيمان والبيان، ثم تجد الغفار يفتح الأبواب على مصارعها لمن يريد أن يتوب ويؤوب إلى الغفار، بصيغة المبالغة والتعريف بالألف واللام (أبو موسى، ص 505)، لقد رغبهم مؤمن آل فرعون في الإيمان بالله عزّ وجل، وبين لهم بأنه عزيز غفار، يقبل توبتهم إليه وإقبالهم عليه (الخالدي، 2/506).

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، دعاهم ليغفر لهم، وهو القادر على أن يغفر لهم، وقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن في دنيا ولا في آخرة، وأن المردّ لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار (سيد قطب، 5/3083).

المصادر والمراجع:

(1)  الزحيلي، وهبي. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج.
(2)  الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.
(3)  أحمد، شفيع الماحي. مؤمن آل فرعون؛ حفيد المرأة الكاملة وابن الرجل الصالح، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1420ه - 1999م.
(4)  أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم.
(5)  ابن كثير. تفسير ابن كثير.
(6)  السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
(7)  الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي.
(8)  سيد قطب. في ظلال القرآن.

الخميس، 12 سبتمبر 2024

واجبات الأمة العشر في زمن الإنحطاط والقهر

 

واجبات الأمة العشر في زمن الإنحطاط والقهر
الإثنين: 21 - ربيع الآخر – 1439 هـ



رضوان بن أحمد العواضي





بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم


يقصد بالأمة في اللغة الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين او زمان او مكان، وقد أشار القرآن الكريم الى هذا المعنى في غالب استعماله لهذا اللفظ، من ذلك قول الحق جل وعلا: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وقوله
تعالى: ({وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}
[البقرة: 143].

ولأن الأمة معنية ومسؤولة عن دينها؛ بالدفاع عنه والذود عن مقدساته ومنهجه، حري بأفرادها أن يسلكوا السبل الممكنة والمتاحة لهم لإعادة مجد الإسلام وتخليصه من كيد خصومه، وتكالبهم ومكرهم.

وان مما يجب على أمة الإسلام فعله والقيام به أفرادا وجماعات في زمن الإنحطاط والقهر الذي نعيشه اليوم، ثمة واجبات شرعية، بتوفيق من الله وفضل وقفت على عشر منها من خلال اطلاعي على مصادر التشريع الأصلية؛ الكتاب والسنة، تتمثل فيما يلي:

الواجب الأول: الإعتصام بالله جل وعلا.


وأعني به: التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، من خلال تطهير وتخلية القلب من أدران الشرك والرياء، ثم تحليته بمعين التوحيد الصافي. ثم ترك المنهيات، والقيام بالواجبات ما استطاع العبد الى ذلك سبيلا، بدافع الإنقياد والتقرب الى الله، والطمع بما عنده من فضل وثواب.

قال في روح البيان (2/ 72): (فالمعتصم بحبل الله هو المتقرب الى الله بأفعال البر ووسائط القربة) أهـ.

فالقيام بهذا الواجب أصل أصيل، وحصن حصين في خلاص الأمة من همومها ومحنها، قال الحق جل وعلا : {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، وقال سبحانه:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].

قال الإمام النسفي رحمه الله في تفسيره (1/ 279): {وَمَن يَعْتَصِم بالله} ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم { فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ } أرشد إلى الدين الحق ) أهـ.

الواجب الثاني: ترك النزاع والشقاق الموقعان في الفشل والهزيمة

قال الله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

قال الشوكاني رحمه الله عن معنى النزاع كما في فتح القدير (2/ 359):
(الِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْفَشَلُ، وَهُوَ الْجُبْنُ فِي الْحَرْبِ) أهـ.

ولقد جعل الله عاقبة النزاع والشقاق بين المسلمين العذاب العظيم وعدم الفلاح، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

فالنزاع والشقاق بين المسلمين سبب رئيس في فرقتهم وقطيعتهم الموقعان في الوهن والضعف. قال السعدي رحمه الله في التفسير (ص: 322) )) : { وَلا تَنَازَعُوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فَتَفْشَلُوا } أي:
تجبنوا { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة اللّه ورسوله))أهـ.

وقال القشيري رحمه الله في لطائف الإشارات (1/ 629): (الموافقة بين المسلمين أصل الدّين. وأول الفساد ورأس الزّلل الاختلاف. وكما تجب الموافقة فى الدين والعقيدة تجب الموافقة فى الرأى والعزيمة.

قال تعالى فى صفة الكفّار: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى» ، وإنما تتحد عزائم المسلمين لأنهم كلّهم يجمعهم التبرّى من حولهم وقوّتّهم، ويتمحضون فى رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون فى هذه الحالة الواحدة.

وأمّا الذين توهّموا الحادثات من أنفسهم فضلّوا فى ساحات حسبانهم، وأجروا الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلّ يبنى على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تشعّبت بهم الآراء، وافترقت بهم الطرق، فيضعفون، وتختلف طرقهم) أهـ.

ومظاهر النزاع كثيرة لا تعد؛ لعل من أهمها النزاع والشقاق في الرأي، القائم على تمسك كل جماعة او فرد برأي قد يحتمل صوابا او خطأ، سواء كان ذلك في فروع الدين، او في فروع الدنيا، والسلامة ترك ذلك كله. وان وقع اختلاف في أمور كهذه كما هو شأن الخلق وفطرتهم، فالواجب الا يؤدي هذا الإختلاف الى الشقاق والخصام والقطيعة. وليسعنا في خلاف كهذا ما وسع سلف الأمة الصالح، الذين تعددت أراؤهم، واختلفت مذاهبهم في فروع الدين، لكنهم ومع هذا كله كانوا أخوة متحابين لا سبيل للشيطان عليهم.

الواجب الثالث: حسن الظن بالله

والمراد به وجوب اعتقاد العبد بفرج الله للأمة وتمكينها، مهما كان حالها ومهما وصلت اليه من ضعف وقهر وإنحطاط.

لأن هذا هو موعود الله، وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لا يتخلف، الثابت عندنا بصريح القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد، وبصريح السنة الصحيحة الثابتة عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

قال رب العزة والجلال في كتابه الكريم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [النور:
55].

وقال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}
[القصص: 5].

وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 6).

وقد أرشد الحق جل وعلا عباده الى حسن الظن به، وذلك بتوقع الخير لأنفسهم ولأمتهم، في صغير الأمر وكبيره، لأنه جل وعلا يكتب من القدر لعبده ما تمناه لنفسه وظنه به.

في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خير مِنْهُم) متفق عليه.

وفي الحديث الصحيح: (فألك من فيك) صحيح الجامع الصغير وزيادته (ص: 23).

فان نطق العبد بالخير ورجاه في نفسه وقع، وإن ظن الشر وتوقعه او نطق به وقع أيضا.

الواجب الرابع: محبة المسلمين

حب المسلم لأخيه عمل قلبي تعبدنا الله به، وجعله من كمال إيماننا به، وسبب من أسباب قوة أهل الإسلام ومصدر عزهم ومجدهم.

في الصحيحين من حديث أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمن أحد حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وعنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة
الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته (ص: 536).

وقال الله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].

فجعل من أسباب نجاة العباد في الدنيا والآخرة رسوخ أخوتهم وتحآبهم، فقال:
(فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، وقال جل وعلا:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}
[التوبة: 71].

وان مما يترتب على قطيعة المسلمين وعدم محبتهم وتوادهم، الفشل والضياع والإنحطاط، في الحديث: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) حسنه الألباني رحمه الله في الجامع الصغير وزيادته
(ص: 568).

الواجب الخامس: التراحم

تراحم المسلمين وتعاطفهم فيما بينهم دليل على صدق إيمانهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله جل وعلا: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}
[الفتح: 29].

وقال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].

وقد رتب الإسلام على خلق التراحم والعطف على عموم المسلمين النجاة والتوفيق لعموم المسلمين ولولاة أمرهم، سواء كانت هذه الولاية في البيت الواحد، او المجتمع، او في شؤون الدولة.

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بهم فارفُقْ بِهِ» رَوَاهُ مُسلم.

وعَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» مُتَّفق عَلَيْهِ.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي بزيادة وقال حديث حسن صحيح، صححه الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 272).

وقال صلى الله عليه وسلم: (ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) (صحيح) انظر حديث رقم: 897 في صحيح الجامع.

الواجب السادس: النصيحة لكل مسلم

وهذا الواجب من أهم الواجبات التي يلزم كل مسلم القيام به، فالنصيحة من أهم قوائم الدين وأسسه الثابتة التي لا ينبغي التقصير فيه، في الصحيح:
(الدين النصيحة) رواه مسلم.

قال الصنعاني رحمه الله في التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 155): (أي عماده وقوامه النصيحة على "نحو الحج" عرفة، بولغ في النصيحة حتى جعل الدين كله إياها) أهـ.

ولقد جعل الله العاقبة في ترك النصح والتعاون على تغيير المنكر والأمر بالمعروف؛ مشينة ومهينة؛ من حرمان رحمة الله، وهلاك الأمم وسوء حالها، قال الحق جل وعلا: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78، 79].

وروى الترمذي في سننه من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم) حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2/ 286).

الواجب السابع: الكف عن نقل الشائعات المخذلة، وعدم الخوض فيها بين المسلمين

وهذا ما سماه الله في كتابه الكريم بالإرجاف وحذر منه، وجعل عاقبته اللعن والطرد من رحمته سبحانه وتعالى، فقال في محكم كتابه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60، 61].

قال البيضاوي رحمه الله في أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/ 238):
(وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمي به الإِخبار الكاذب لكونه متزلزلاً غير ثابت) أهـ.

والمراد بالإرجاف هنا نقل كل ما من شأنه إضعاف المسلمين وكسر شوكتهم، ودب الخوف في نفوسهم من الأخبار والأنباء، سواء كان ذلك بالكلمة او الإشارة او الفعل.

قال السعدي رحمه الله في تفسيره (ص: 671): (ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك، كل ما توحي به أنفسهم إليهم، وتوسوس به، وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة، من أمثال هؤلاء) أهـ.

الواجب الثامن: الشعور بالمسؤولية

شعور المسلم بالمسؤولية تجاه دينه وأمته شيء من الإيمان ودليل صادق عليه، لأن الدفاع عن بيضة الإسلام أمر واجب على عموم المسلمين.

والمتتبع لنصوص الكتاب والسنة يجد الشيء الكثير من الأدلة التي تثبت بجلاء أن جميع المسلمين مكلفون ومسؤولون عن هذا الدين والدفاع عنه.

من ذلك أن جعل الحق سبحانه وتعالى خلاص الأمة ونجاتها من بؤسها وشقائها منوط بتعاون جميع أفرادها على تغيير حالهم والعمل الجماعي في تخليصها مما قد يصيبها، فقال سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

الواجب التاسع: الإلتفاف حول القادة المخلصين لله، وتعيين او اختيار أمثالهم في قيادة الأمة لتخليصها من انحطاطها وقهرها.

وهذا أمر في غاية الأهمية، لأن الأمة التي لا تجتمع على قائد مخلص لدينه وأمته، قد تجتمع على منافق خوار، لا يزيد أمته الا ذلا وخنوعا وقهرا.

والواجب على الأمة تعيين الصالح من المسلمين وأقواهم على أمرها، ليدفعه صلاحه للعمل النافع لدينه وأمته، وتعينه قوته على الذب عن بيضة الإسلام ومقدساته. قال الله: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

واذا لم تعين الأمة أميرا صالحا عليها تخبطها الشيطان، وجعلها لقمة سائغة لأعدائها، يعيث بها الفساد، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أحدهم» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (2/ 1145).

قال الإمام الهروي رحمه الله في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/
2518): (إِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ، وَكَذَا إِذَا كَانَ اثْنَانِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِمَا سَبَقَ أَنَّ الرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ (فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ) ; أَيْ:
فَلْيَجْعَلُوا أَمِيرَهُمْ أَفْضَلَهُمْ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ:
إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَمْرُهُمْ جَمِيعًا وَلَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ، فَيَتْعَبُوا فِيه)أهـ.

الواجب العاشر: الدعاء

وهو الواجب الذي لا يجوز لمسلم تركه في شدته او رخائه، اذ به يظهر العبد ضعفه لربه وحاجته المطلقة لخالقه ومعبوده، ويكون آكد في شدائده ومحنه، قال الحق جل وعلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر: 60].

فعلى عموم المسلمين الدعاء للأمة بالخلاص مما تعانيه اليوم من قهر وذل وهوان، شريطة ان يكون العبد في دعائه؛ حاضر القلب، ملحا على ربه به، حلال كسبه، طيب مطعمه ومشربه، موقن بإجابة ربه ومولاه.

...........................

والحمد لله رب العالمين


المصدر:صيد الفوائد

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

الرسائل النبوية للملوك والرؤساء

 الرسائل النبوية للملوك والرؤساء

اسم الكاتب: إسلام ويب

تاريخ النشر:12/12/2021

في السنة السادسة للهجرة أبرم النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية بينه وبين قريش، وكان من بنود هذا الصلح: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف كل فريق عن الفريق الآخر، وعن من دخل في حلفه وعهده.

كانت هذه الهدنة وتلك المدة، وانسحاب قريش من المواجهة والحرب إلى الموادعة والسلم، بداية طور جديد في حياة المسلمين، وفرصة ليتفرغ النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة من لم تصلهم دعوته، ولنشر رسالة الإسلام خارج الجزيرة وعبر العالم، فبدأ يكتب الكتب والرسائل ويبعث بها إلى الملوك والرؤساء حول العالم تبليغا لرسالة الله التي أرسله بها إلى الناس كافة.. وكان على رأس هؤلاء جميعا ملوك الروم، وملوك فارس وملوك الحبشة واليمن والرؤساء في شتى الأماكن.

واختار النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة رجالا أمناء توفرت فيهم صفات معينة من العلم والفصاحة، والصبر والشجاعة، والفطنة والحكمة وحسن التصرف، وحسن المظهر، والقدرة على الحوار، فانطلقوا بكتبه ورسائله إلى أرجاء المعمورة ليؤدوا تلك الأمانة العظيمة.

رسالته إلى هرقل عظيم الروم:
وكان من أوائل رسائله وأشهرها، رسالته إلى هرقل عظيم الروم، وهي إحدى أكبر دولتين في ذلك الزمان، واختار النبي صلى الله لحمل هذه الرسالة دحية بن خليفة الكلبي، وقيل إنه أمره أن يوصلها إلى عظيم بصرى الذي سيوصلها إلى هرقل عظيم الروم.
وقد روى قصة هذه الرسالة ناقلوا السير والمؤرخون، وأصحاب الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري في صحيحه كما في قصة أبي سفيان وحديثه مع هرقل حول النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في نص الرسالة: عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما : (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(آل عمران64) (رواه البخاري).
والذي ثبت أن هرقل تأثر بالرسالة وعظمها، وتباحث وناقش وعظم قدر الرسول وأجاز حاملها بمال وكسوة، وبدا من كلامه أنه ود لو أسلم، ولكنه ضن بملكه حين رأى مخالفة قادة قومه وبطارقتهم فبقي على دينه.

الرسالة إلى كسرى ملك الفرس
وأما كسرى فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه برسالة حملها عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وكان فيها على ما قاله الواقدي: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس).
وقد كان رد فعل كسرى على الرسالة متعجرفا فيه كبر وصلف وسوء تصرف، فقد مزق الرسالة وأرسل إلى أمرائه بأن يقبضوا على رسول الله ويرسلوا به إليه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه بأن يمزق الله ملكه. فكان.

الرسالة إلى المقوقس عظيم القبط بمصر
وأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حاطب بن أبي بلتعة" بكتابه إلى المقوقس عظيم القبط في مصر، وكان نصها أقرب ما يكون لرسالته إلى هرقل، وذلك أن كلا الرجلين كان نصرانيا، فكان فيها كما قال الواقدي: (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(آل عمران:64).

وكان رد المقوقس أيضا فيه تلطف، فقد أحسن إلى حاطب وحمله الهدايا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان من بين هذه الهدايا جاريتان، مارية وسيرين، وكان فيها أيضا البغلة "دلدل" التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة
وكما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل والمقوقس كذلك أرسل إلى النجاشي ملك الحبشة برسالة حملها عمرو بن أمية الضمري، فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس، السلام المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم، وروح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، فحملت به، فخلقه من روحه، ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى).
وكما كان رد صاحبيه كان رده أيضا مقاربا فيه تلطف وإحسان، وقد قيل إنه أسلم، وقال بعض العلماء: ليس هذا هو النجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.. فالله تعالى أعلم.

كتاب الرسول إلى ملك البحرين
جاء في كتاب "عيون الأثر" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث برسالته إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين، مع العلاء الحضرمي بعد انصرافه من الحديبية، وجاء في كتابه إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي، سلام عليك! فإني أحمد إليك الله الذي لا الله إلا هو، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله‏.‏ أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، فإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية).‏

وقد جاء عند الواقدي أن هذه الرسالة إنما كانت ردا على رسالة من المنذر يعلم النبي بإسلامه ويستشيره في بعض أمور.. فقد ذكر الواقدي بإسناد له عن عكرمة قال‏:‏ وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته فإذا فيه: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي وكتب إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود.. فأحدث إلي في ذلك أمرك.. فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه السابق.
أسلم المنذر هذا بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحسن إسلامه، ومات قبل ردة أهل البحرين‏.‏ وقيل إنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولا يصح.

دعوة ملوك عمان
وهما جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان، وقد بعث بالرسالة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفيها: ‏"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي‏.‏ سلام على من اتبع الهدى‏.‏ أما بعد فإني أدعوكما بداعية الإسلام.. أسلما تسلما. فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين‏.‏ وإنما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما‏"‏‏.‏
كانت هذه بعض أشهر رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العالم ورؤساء العرب، وولاة فارس والروم، وهناك رسائل أخرى كرسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وقد أرسل بها مع "سليط بن عمرو العامري".. وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي! سلام على من اتبع الهدى.. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، أسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك‏".

وكرسالته إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، حملها إليه "شجاع بن وهب"، ذكرها الواقدي أيضا، وأنه بعث إليه مرجعه من الحديبية، وكان فيما كتب به إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد رسول الله إلى الحرث بن أبي شمر! سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق.. وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك".

ردود الأفعال
وقد اختلف تلقي الملوك لهذه الرسائل، فمنهم من قبل وأسلم واتبع رسول الله، كالمنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين، وكابني الجلندي جيفر وعبد ملكي عمان.. ومنهم من لم يسلم ولكنه تأدب وتلطف، بل وأكرم حامل الرسالة وأرسل الهدايا والتحف، كما فعل هرقل والنجاشي والمقوقس، ومنهم من تكبر وتعجرف وأساء ككسرى ملك الفرس الذي مزق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليه رسول الله بأن يمزق الله ملكه، وكهوذة بن علي الحنفي الذي رد على رسالة النبي يقول: "... وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك‏"، فقال صلى الله عليه وسلم: "‏لو سألني سبابة من الأرض ما فعلت.. باد وباد ما في يديه‏"، وما لبث هوذة بعد هذا إلا أياما فمات.‏
لقد كان لهذه الرسائل دلالاتها الكثيرة التي تشيرإلى الانتقال من مرحلة قريش وجزيرة العرب، إلى نشر دعوة الإسلام في أرجاء المعمورة، وكان لهذه الرسائل أثرها في انتشار دعوة الإسلام بين الناس، وسار ذكر هذا الدين على الألسنة ومع الركبان، ودخل الناس في دين الله أفواجا.. فالحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا

 

الأحد، 7 يونيو 2020

ربيعنا الأول.. عن الحريّة التي أزهرت بولادة النبي

ربيعنا الأول.. عن الحريّة التي أزهرت بولادة النبي


محمد خير موسى
نشر بتاريخ 
كلما أتت ذكرى المولد النبوي نستمع إلى الكلمات التي تخبرنا أنه فور ولادة النبي -صلى الله عليه وسلم- خمدت نيران فارس وهي التي لم تخمد قبل ذلك بألف عام، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفةً، وغارت بحيرة ساوة، وتنكست الأصنام في مكة!
في الحقيقة أن هذا لم يحدث فور ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، بل حدث كل ذلك في أوقات لاحقة بأيدي الرجال الذين بناهم رسول الله وقادهم وتركهم بعد وفاته على المنهج الحق الذي يدفعهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

حرية من لحظة ولادته

غير أن هناك حدثًا وقع فور ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، يمكننا اعتباره أول إنجازٍ تحققه ولادة نبينا الكريم، بل هو مرتكز كل ما جاء بعده من إنجازات ابتداءً من قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم "اقرأ" إلى أن قال له النبي "بل الرفيق الأعلى" ليفارق هذه الدنيا بعدها.
فعند ولادة النبي صلى الله عليه وسلم أسرعت "ثويبة السلمية" التي كانت جاريةً مملوكةً إلى سيدها ومالكها أبو لهب تبشره أن زوجة أخيه عبد الله الذي توفي في ريعان الشباب أنجبت ولدًا ذكرًا.

فرح أبو لهب فرحًا غامرًا ومضاعفًا بهذا الخبر الذي يتعلق بأخيه المتوفى، وأعلن أنه أعتق ثويبةً مكافأةً لها على هذه البشارة الكبيرة، وهكذا غدت ثويبة حُرةً من الرق والعبودية، وكان أول إنجاز تحقق بولادة النبي صلى الله عليه وسلم هو تحرير العبيد من الرق ونيل الإنسان أغلى ما يطلبه في هذه الحياة: الحرية.

بين ربعي عامر ورستم

إن حرية الإنسان من قيود الرق والعبودية لإنسان مخلوق مثله، وكسر أغلال الخضوع كان أول إنجازات ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك كانت الرسالة الخالدة لإخراج الإنسان من قهر العبودية والخضوع لأي مخلوقٍ في هذا الكون.
وهذا ما تربى عليه الصحب الكرام الذين ولدت حريتهم مع استنشاقهم الضياء الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي معركة القادسية أرسل قائد الفرس رستم إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يطلب منه إرسال وفدٍ ليفاوضه، فاختار سعدٌ رجلًا يتنفسُ الحرية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ لحظة ولادته الأولى واسمه ربعي بن عامر.

            موقف عجيب من شاب مسلم               
   أذل به رستم قائد الفُرس | د. طارق السويدان   
  انطلق ربعي بن عامر بسلاحه ولباسه المتواضع حتى دخل على رستم الذي سأله: ما الذي جاء بكم؟! فأجابه ربعي بكل وضوحٍ في الرؤية: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، هكذا عبّر ربعي بن عامر عن الغاية من الرسالة بكل وضوح وبساطة، إنها من أجل كسر خضوع الإنسان للإنسان والقضاء على عبودية الطغاة لشعوبهم، ومن أجل أن يعيش الناس في رحاب العدل سواسيةً أحرارًا.

هلا مع صاحب الحق كنتم؟!

لقد ربى رسول الله صلى عليه وسلم جيلًا كاملًا على أن يكونوا أحرارًا في مواقفهم، أحرارًا في قناعاتهم، أحرارًا لا يخضعون إلا لله تعالى، ينصرون الحق دون اعتبارٍ للشخص، فحريتهم تقتضي خضوعهم للحق وحده يدورون معه حيث دار.
ذات مرة جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينًا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له: أُحرِجُ عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟! قال: إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلا مع صاحب الحق كنتُم؟!".
من أراد أن يعيش ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يتحسس الحرية في نفسه، حريته هو من قيود الطغاة والمجرمين، وعمله من أجل تحرير الإنسان من الخضوع لأغلال الرق كلها
ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: "إن كان عندك تمرٌ فأقرضِينا حتى يأتينا تمرُنا فنقضيك"، فقالت: "نعم، بأبي أنت يا رسول الله"، فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي: "أوفيت، أوفى الله لك"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك خيار الناس، إنه لا قُدست أمةٌ لا يأخذُ الضعيف فيها حقه غير مُتعْتع".
الشيخ سلمان العودة 
قصيدة مدح الرسول لشاعرمحمد الأعظمي


   فمن أراد أن يعيش ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يتحسس الحرية في نفسه، حريته هو من قيود الطغاة والمجرمين، وعمله من أجل تحرير الإنسان من الخضوع لأغلال الرق كلها، ولا يمكن أن تتحقق فينا الولادة الحقيقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بمقدار عتقنا من الخضوع لأغلال المخلوقين وظلمهم وعدوانهم، وانطلاقنا في فضاء الحرية الأرحب.    

أما الذين يترنمون بحب النبي صلى الله عليه وسلم ويحتفلون بمولده وهم خاضعون بإرادتهم لاستبداد المجرمين ‏ومستسلمون للرق برغبتهم، فمثلهم كمثل الغارق في مستنقع من النجاسة باختياره لكنه لا يكف عن إنشاد الأشعار في جمال الطهرِ والنقاء، إنهم تمامًا كما قال الله تعالى فيمن لا يفيدون من النور الذي بين أيديهم {كمثلِ الْحِمارِ يحْمِلُ أسْفارًا بِئْس مثلُ الْقوْمِ الذِين كذبُوا بِآياتِ اللهِ واللهُ لا يهْدِي الْقوْم الظالِمِين}.

الأحد، 31 مايو 2020

هل غيابنا عن المساجد وصلاة الجماعة مؤثر فعلًا أم هي مشاعر عابرة؟

هل غيابنا عن المساجد وصلاة الجماعة مؤثر فعلًا أم هي مشاعر عابرة؟

أبرز أسباب ضعف خطبة الجمعة والاستفادة منها

أتحدث في السطور القليلة القادمة عن الأسباب التي منعتنا -في وجهة نظري- من الاستفادة بخطبة الجمعة في مصر كما ينبغي، وأضاعت علينا شعيرة مهمة من شعائر الإسلام:

1.امتلأت مساجدنا بأصحاب الفكر المدخلي، الذين دلّسوا على الناس دينهم، والذين خانوا ولم يستغلوا العلم الذي رزقهم الله تعالى به وسيكون حجة عليهم بإذن الله، يحدثون الناس عن نواقض الوضوء، ويتركون مشاكل عصرنا، وإن كان الحديث عن نواقض الوضوء والطهارة من أهم أساسيات هذا الدين، ولكنه ليس كل الدين. يقول العز بن عبد السلام:

من نزل بأرض تفشى فيها الزنى فحدث الناس
عن حرمة الربا فقد خان


2.تحديد وقت الخطبة من الأمور السيئة كما نراه في مصر، فمثلًا تضع السلطات المصرية وقتًا محددًا لخطبة الجمعة وموضوعًا محددًا وموحدًا على جميع مساجد الجمهورية، ولا أعلم ما الفائدة من ذلك! نفس الدولة لا تضع وقتًا محددًا لحفلات المطربين ومباريات كرة القدم ومثل هذه الأمور، فإن تحديد خطبة الجمعة آفة سيئة بغض النظر عن طولها أو قصرها، فيجب أن يرجع الأمر كله للخطيب حتى يقدم الموضوع تقديمًا ممتازًا.

3.اليوم أصبح كل من هب ودب يصعد على المنبر ويخطب في الناس حتى من لا يعلم أساسيات النحو واللغة! حتى لو كان غير مؤهلًا لذلك، فالناس لا تفهم أن الواعظ شيء والخطيب شيء آخر تمامًا.
يقول محمد قطب رحمه الله:

إن للوعظ مكانه، ومكانتهُ

ولكن حين ينقلب كل كلامنا وعظًا فإنه يضر أكثر مما ينفع، يقول الصحابة رضوان الله عليهم: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة (أي بين الحين والحين) مخافة السآمة، فإذا كان هذا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم، الذين كانوا يتلقفون كل كلمة ينطق بها، ليتعلموها ويعملوا بها، يقينًا منهم أنها طريقهم إلى الجنة، فكيف بنا نحن البشر العاديون إذا حوّلنا كل قولنا إلى وعظ؟!
فهناك فرق كبير جدًا جدًا بين الخطابة والوعظ، فهذا من أحد أهم أسباب عدم وجود محتوى حقيقي يقدّمه الخطيب للناس، وكل كلامه مرتكز حول اتقِ الله يا مسلم، ولا نعرف حتى الآن معنى للتقوى!

4.الناس لم تعد تهتم بـخطبة الجمعة، وتعتبرها أمرًا هامشيًا على الرغم من أنه من الواجبات، وفضل يوم الجمعة لا يمكن تعويضه، يجب أن ينتبه الجميع أن هذه الساعة لا تتكرر طوال الأسبوع، وألزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضورها وحسن الاستماع إليها، فمن العجب أن البعض إذا حضر الخطبة تجده ناعسًا أو غير منتبه للخطيب وحديثه، حتى إذا بدأ الخطيب في الدعاء في خاتمة الخطبة تجده منتبهًا خاشعًا مركزًا يردد: آمين، آمين! وكل هذا التركيز لأنها الخاتمة وانتهى أمر الخطب.
ويجب أن يراعي المستمع في جلسته الإقبال على الخطيب بوجهه، فقد كان ذلك فعل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، يقبلون عليه بوجوههم إذا صعد المنبر، ويجب ألا يضيّق على من قاربه ويراعي إخوانه ولا يشوش عليهم، فكل هذا من أدوار المصليين.

وأنقل في هذا المقام كلام الأستاذ محمد عبده حفظه الله حيث قال: “أوضاع المساجد في مصر حالياً مزرية للغاية، دع عنك هذا التسلّط الحكومي على أنفاس وحركات اﻷئمة! دع عنك هذا التغوّل السلطوي في تحديد وقت الخطبة وعنوانها وموضوعها، ودع عنك الخطبة الموحدة التي تشترك عدة جهات في صياغتها؛ لتكون عريضة بلهاء خالية من الروح، منبتة عن الحياة، دع عنك تلك القبضة الحديدية التي منعت قرآن المغرب في رمضان والاعتكاف وحلقات تحفيظ القرآن بألف حجة وحجة، لكن اﻷمر الذي يعنيني هو تطاول كثير من الطغام على اﻷئمة، وعلوّ أصواتهم عليهم في بيوت الله، وتدخلهم في كل صغيرة وكبيرة من أمور التنظيم الداخلية، حتى صارت المساجد ميدانًا للاحتراب وحياكة المؤامرات؛ لا مكانًا للعبادة! حتى آخرها بلغ اﻷمر ببعض المتهوّرين أن يعتدي بالسب والضرب على أحد أئمة المساجد استنادًا لعلاقته الوثيقة بالأمن”.

أهذه هي المساجد التي جُعلت لذكر الله وإقام الصلاة؟! ستبقى جروح وكلوم بعد انتهاء تلك الحقبة الكالحة السوداء في الجسد الاجتماعي المصري لا تكاد تندمل قبل مرور عقود طويلة.

وما خطبة الجمعة إلا مثال بسيط على تدهور الحال في مساجدنا في مصر، فيقول الكاتب الكبير فهمي الهويدي في أحد مقالاته عن قرارات وزير الأوقاف في مصر محمد مختار جمعة الذي لا يريد أن يقيم بيننا خطبة الجمعة: “ليس سرًا أن الاعتبار الأمني صار العنصر الأساسي في كل الإجراءات التي اتخذت لممارسة أي نشاط في المساجد حتى صار الاعتكاف مشروطًا بإبراز بطاقة الرقم القومي. كما أنه وراء اشتراط الحصول على تصريح للخطابة. وقد وجدوا أن ذلك لم يكن كافيًا لأن الأجهزة الأمنية لم تكتف بتوجيه الخطباء للحديث في موضوعات بذاتها، ومن ثم ظهرت الفكرة العبقرية التي تبناها وزير الأوقاف ودعت إلى إلزام الأئمة بخطب مكتوبة سلفًا. وذلك لكي لا يتم التحكم في أفكارهم فقط ولكن أيضًا في الصيغة التي يعبرون بها عن تلك الأفكار. ولست أشك في أن الخطب سيكتبها لغويون فصحاء ربما كان في مقدمتهم الوزير أستاذ البلاغة، لكننا سنكون واهمين إذا تصورنا أن ممثلي الأجهزة الأمنية لن يتولوا إجازتها وربما تنقيحها”.

هل غيابنا عن المساجد وصلاة الجماعة مؤثر فعلًا أم هي مشاعر عابرة

اليوم تمر بلادنا العربية والإسلامية بأزمة شديدة منعتنا من صلاة الجماعة، فهل عندما تعود الأمور لحالها سيتغير الأمر ولو قليلًا، ونعلم أن خطبة الجمعة -مثلًا- هي نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى التي رزقنا بها، لتجديد الإيمان في قلوبنا، والتذكير بالغاية الحقيقية لكل مسلم من وراء هذه الدنيا. عودة المساجد لسابق عهدها أمر ضروري وليس فقط الاهتمام بخطبة الجمعة وصلاة الجماعة بل أن يعود المسجد كمدرسة لكافة العلوم الشرعية كما كان من قبل منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا مفر لنا كمسلمين من الانتباه لهذه الحقيقة الثابتة.

​أخيرًا أحب أن أوجه كلمة للخطباء وأئمة المساجد، أنتم أمل هذه الأمة للخروج من النفق المظلم، والسبيل الأمثل لتغيير الناس وتوجيههم، فاتقوا الله واعلموا جيدًا شأن المسئولية الواقعة على كهولكم، ولا تكتموا الحق مهما كانت النتيجة، فقال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ) (البقرة: 159).

كما عليكم مسئولية اختيار المواضيع الهامة الفعالة المفيدة لمجتمعنا اليوم، كل يوم نحكي قصص الأنبياء بنفس التفاصيل والطريقة السردية التي يعلمها أغلبنا، فيجب بين الحين والآخر أن نستخدم الأساليب الحركية في تفسير القرآن وسرد قصص الأنبياء وهكذا، وتجديد أساليب الخطابة والإلقاء وتعلمها والتطوير من ذاتكم، والتفقه في الواقع ومعرفة شئون المجتمع، فكل هذا يضيف الكثير لكم على المنبر أمام الناس.

للأسف نحن بدأنا نفقد أهمية المسجد، فيجب علينا السعي جاهدين إلى عودة مكانته العالية مرة أخرى، ونصحح الأوضاع شيئًا فشيء، بالنسبة لخطبة الجمعة؛ فنختار مسجد معينًا، ونتحرى وجود خطيب معروف عنه ثقافته وبلاغته وفصاحته وصحة علمه الشرعي وسلامة عقيدته، حتى لا نضيّع على أنفسنا الفائدة الكبيرة، وعلينا أن نقوم بدورنا من حيث المتابعة وحسن الاستماع، ورحم الله القائل:

وقفتُ لتذكير ولو كنتُ مُنصِفًا * 
لذكّرْتُ نفسِي فهي أحـوجُ للذكرى
إذا لم يكن مني لنفسيَ واعـظ *
فيا ليت شعري كيف أفعلُ في الأخرى؟
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه 
أجمعين والحمد لله رب العالمين.
المصادر
1- مقال للرد على الفكر المدخلي.

2- جاهلية القرن العشرين محمد قطب.