‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن المختار الشنقيطي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد بن المختار الشنقيطي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 27 يوليو 2023

الأتراك البيض والأتراك السود

الأتراك البيض والأتراك السود

 تحدَّث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إفطار رسمي بالقصر الرئاسي في شهر رمضان المبارك عام 2015 إلى جمهور عريض من مواطنيه، فقال: "إن الأتراك البيض يصفونكم ويصفوننا بأننا زنوج أتراك (zenci Türk)، وأنا فخور بأني زنجي تركي".

كما تحدث أردوغان مرة إلى الجمهور التركي قائلا: "في هذا البلد يوجد تمييز بين الأتراك البيض والأتراك السود، وأخوكم طيب (يقصد نفسه) ينتمي إلى الأتراك السود"، وكان أردوغان في بداية حكمه رئيسا لوزراء تركيا صرَّح عام 2002 بأن المسلمين المتدينين هم "سود تركيا". ووصف نفسه في خطابات وتصريحات أخرى بأنه "تركي أسود" siyah Türk.

وربما تكون مصطلحات مثل "الأتراك البيض" و"الأتراك السود" غريبة على مسامع القراء العرب، لكنها ليست غريبة على الساحة السياسية التركية. وهي مصطلحات مهمة لإثراء الجدل الدائر حول العنصرية في تركيا هذه الأيام، وفهم العنصرية التي يعاني منها الأتراك أنفسهم في وطنهم، وهي أعمق جذوراً وأشدُّ رسوخاً من العنصرية ضد العرب والأفغان والأفارقة وغيرهم.

وقد صدرت دراسات أكاديمية مهمة باللغة الإنجليزية عن ثنائية "الأتراك البيض" و"الأتراك السود"، منها دراسة الأكاديمية التركية صيدا دمير ألب: "الأتراك البِيض والأتراك السود: الانشطارات العميقة وراء التناقض الإسلامي العلماني" الصادرة عام 2012، ودراسة الأكاديمي الألماني كريستوف رام: "ما وراء الأتراك السود والأتراك البِيض: رسالة النخب التركية الدائبة في تحضير مجتمع متنوع" الصادرة عام 2016، إضافة إلى دراسة المؤرخ التركي دوغان غوربينار: "المثقفون والأتراك البيض وأبناء الأرض: الحياة العقلية في الفكر التركي المحافظ" الصادرة عام 2018.

وفي هذا المقال نسعى إلى إيضاح جوانب من المعادلة الاجتماعية التركية، عسى أن يدرك القارئ العربي أن العنصرية والتعامل الاستعلائي في تركيا ليسا موجهين في الأصل ضد العرب أو غيرهم من المهاجرين، بل هما موجهان -قبل ذلك وبالدرجة الأولى- ضد القطاع المحافظ المتديِّن من المجتمع التركي، وأن لهذه الظاهرة جذورا تاريخية وبنيوية تتجاوز الأحداث السياسية العابرة. وعسى أن يدرك المهاجر واللاجئ العربي في تركيا أن لديه حلفاء من الأتراك الذين عانوا من التهميش والتحيز من قبل، فيضع يده في أيديهم بدلا من الوقوع في مزالق التسطيح المخل، والتعميم المضر، باتهام تركيا كدولة أو الشعب التركي كله بالعنصرية.

لم يقصد أردوغان بطبيعة الحال ظاهرة التمييز على أساس اللون أو العرق حين تحدث عن "الأتراك البيض" و"الأتراك السود"، وإنما قصد بهذا التعبير المجازي نوعا آخر من العنصرية الثقافية والتمييز الاجتماعي، كثيرا ما عانى منه جمهور مواطني تركيا المعاصرة -أتراكا وأكرادا وعربا وغيرهم- على أيدي نخب علمانية متغرِّبة، تعامل مجتمعها المسلم بكثير من الازدراء والاستعلاء.

كما قصد أن يشبِّه هذه النخبة المتغرِّبة وتعاملها مع القطاع المتدين من الشعب التركي بالمعاملة العنصرية التي كان البيض الأوروبيون في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا يعاملون بها مواطنيهم من أصول أفريقية.

ترى الأستاذة صيدا دمير ألب أن المجتمع التركي المعاصر منشطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 إلى "أتراك بيض" و"أتراك سود". ذلك أن بعضا من النخب الحضرية المتغربة في تركيا -المعروفة بمصطلح "الأتراك البيض"- تصرُّ على الاستئثار بالسلطة والثروة، بل ترى أن ذلك هو الأمر الطبيعي الذي لا يجوز الاعتراض عليه، وتتعامل مع مجتمع العمق الأناضولي المحافظ باستعلاء واحتقار.

يسعى "الأتراك البيض" إلى التميز عن مجتمعهم المسلم العريض، في نمط الحياة والمظهر، وحتى في نبرات الحديث، و"كأنهم يعيشون في كانتون سويسري"، حسب تعبير صديقي الأستاذ كمال أوزتورك، الرئيس السابق لوكالة الأناضول للأنباء. وهم مرتبطون وجدانيا ومصلحيا بالغرب، ويكادون يخرجون من جلودهم ليصبحوا أوروبيين. ويتمسك هؤلاء بالزعم أنهم طبقة "متحضِّرة"، وأن من سواهم من أبناء المجتمع العريض همج أو أشباه همج.

تتركز نخبة "الأتراك البيض" تقليديا على سواحل الغربية للبلاد، مقابل المجتمع الأناضولي العميق في وسط البلاد الذي يشكل غالبية الشعب التركي وعمقه التاريخي. وهي تقليديا داعمة للجيش والحكم العسكري، وراضية بالتبعية الإستراتيجية للغرب.

كما أنها تستخدم سلاح التشهير والتحقير ضد مواطنيها الذين يتمسكون بهويتهم الدينية وقيمهم الاجتماعية الأصيلة. وقد انتشرت مقالات صحفية خلال الأعوام الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية تسخر من هؤلاء المواطنين المتدينين الذين "يلوِّثون" سواحل إسطنبول الجميلة، صحبة زوجاتهم المحجَّبات، وعاداتهم المستهجَنة في الأكل والشرب، حسب رؤية النخبة العلمانية المتغربة. ووصفت إحدى الكاتبات بلغة عنصرية فجَّة ساحل إسطنبول بأنه "لا يشبه الجزيرة العربية فحسب، بل يشبه إثيوبيا أيضا"، وسخر نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض من الرئيس أردوغان مرة قائلا إن أردوغان لا يحسن الرقص الأوروبي، مما يدل على سطحية النخب المتغربة الزائفة في تركيا، شأنها شأن النخب المتغربة الزائفة في العالم العربي.

لكن تطور الديمقراطية التركية خلال العقدين الأخيرين -بعد التيه السياسي والانقلابات العسكرية الموسمية التي تشبه الثورة المضادة العربية اليوم- فتح الباب للمجتمع الأناضولي العميق بقيمه الإسلامية العريقة ليزاحم النخب المتغربة على مغانم السلطة والثروة. ويرجع الفضل للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية في كسر هذا الاحتكار والاستعلاء.

فقد قاد أردوغان منذ وصوله إلى السلطة ما سمَّاه "ثورة صامتة" ضد النخب المتغربة المستعلية على مجتمعها، وفتح أبواب السلطة والثورة للجمهور العريض من المجتمع الأناضولي المحافظ العميق، وأوصل خدمات الدولة إلى كل بقعة من البلاد بعد أن كانت شبه محصورة في الحواضر الكبرى، بل في بعض أحيائها فقط.

مهما يكن من أمر، فإن حكم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية أعاد شيئا من التوازن بين "الأتراك البيض" و"الأتراك السود"، وفتح الباب على مصراعيه للمجتمع التركي العريض لاستنقاذ دولته من أيدي النخب المتغربة العتيقة

لكن سيطرة أردوغان وحزبه على القيادة السياسية لم يكسر شوكة "الأتراك البيض" الثقافية، وسطوتهم الإعلامية، وتمسكهم بحقهم "التاريخي" في احتكار صياغة الدولة والشعب على هواهم. والملاحَظ أنه كلما توسَّعت الديمقراطية التركية ونضجت، وشملت مزيدا من القطاعات الاجتماعية التي كانت مهمَّشة في الماضي، زادت عصبية "الأتراك البيض"، وتضاعف تعصُّبهم ضد الهوية الإسلامية والقيم الاجتماعية الإسلامية التي جلبت قطاعات اجتماعية عريضة إلى الحلبة، فزاحمتهم بالمناكب، وكسرت احتكارهم للسلطة والثروة والمكانة.

كما يُلاحظ أيضا أن نخب "الأتراك البيض" سعت في الأعوام الأخيرة إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية بطريقة انتهازية، فتلونت بلون طائفي وعرقي، بعد هيمنة أبناء الأقليات على قيادة بعض أحزاب المعارضة الكبرى. فنشأ حلف بين "الأتراك البيض" من الكماليين التقليديين مع بعض أبناء الأقليات الدينية والقومية في تركيا، كما رأينا في الانتخابات الأخيرة، وأصبح عداء هذا الحلف للثقافة الإسلامية، واستعلاؤه على المجتمع الأناضولي التقليدي، موقفا طائفيا فجًّا، لكنه يتستر بستار القومية والعلمانية.

ويشبه الوضع التركي من هذه الزاوية بعض الظواهر في العالم العربي، حيث تكشَّفَ أن شعارات القومية والعلمانية غالبا ما تكون مجرد لُبوسٍ شفَّاف، تتستَّر وراءه الأقليات المدلَّلة، لتمتطي ظهر الأكثريات المغفَّلة. كما يشبه أيضا تحالف النخب الزائفة المستعلية على مجتمعاتها في العالم العربي مع الاستبداد العسكري، لأنه يساعدها على تجميد الحراك في السُّلَّم الاجتماعي، واستمرار الاستئثار بالسلطة والثروة.

فإذا كان في تركيا "أتراك بيض" و"أتراك سود"، ففي الدول العربية "عرب بيض" و"عرب سود". ولا أقصد اللون والعرق -رغم وجودها- وإنما أقصد المعنى السوسيولوجي، حيث تستأثر نخب زائفة متغربة بالسلطة والثروة في عدد من الدول العربية، وتحاصر بقية المجتمع بالفقر والقهر، بل وتعامله بازدراء واستعلاء، وتدعم الانقلابات العسكرية على الديمقراطية، وتستقوي بالقوى الخارجية لترسيخ سطوتها الداخلية. أما عن تحوُّل النخب العلمانية المتغرِّبة في العالم العربي إلى التخندق الطائفي -كما يحدث الآن في تركيا- صيانةً لمغانمها غير الشرعية، فحدِّث ولا حرج. ويكفي إلقاء نظرة على ما يحدث في سوريا منذ نصف قرن لرؤية ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإن حكم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية أعاد شيئا من التوازن بين "الأتراك البيض" و"الأتراك السود"، وفتح الباب على مصراعيه للمجتمع التركي العريض لاستنقاذ دولته من أيدي النخب المتغربة العتيقة، والتصالح مع ذاته الإسلامية. كما أن حكم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية صالح تركيا مع بيئتها الحضارية والتاريخية الطبيعية، بما فيها شعوب العالم العربي والإسلامي، التي طالما رسم لها "الأتراك البيض" صورة قاتمة، ونظروا إليه باستعلاء وازدراء، تماما مثلما فعلوا مع أبناء جلدتهم ووطنهم من "الأتراك السود"، أي الطبقات المتدينة والمحافظة من المجتمع التركي.

إن كل مجتمع بشري فيه مظاهر من العنصرية، لكن العنصرية تتشكَّل في كل مجتمع طبقا لمسار تاريخي خاص، وتتلون بمزاج ثقافي خاص. فمن خصوصيات العنصرية في تركيا التي تميزها عن بعض أنماط العنصرية في الدول الغربية مثلا:

  • أولا: أنها عنصرية موجَّهة في الأصل إلى الداخل التركي، أقصد أنها عنصرية "الأتراك البيض" ضد "الأتراك السود"، قبل أن تكون عنصرية ضد العرب والأفغان والأفارقة وغيرهم، وليس يعني هذا أنها لا تستهدف بعض الشعوب غير التركية، لكنها في أصلها التكويني موجهة ضد الأتراك أنفسهم.
  • ثانيا: أن العنصرية في تركيا مظهر من مظاهر الصراع على مغانم السلطة والثروة والمكانة داخل أحشاء المجتمع التركي، كما أنها جزء من الصراع على هوية الدولة التركية ووجهتها الإستراتيجية وانتمائها الحضاري، قبل أن تكون صراعا مع العرب أو غيرهم من شعوب الجوار التركي.
  • ثالثا: أن المكاسب التي تحققت ضد العنصرية في تركيا خلال حكم الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية مكاسب عظيمة. فقد فتح هذا العهد أبواب السلطة والثروة أمام جمهور الشعب التركي العريض، وأعاد لتركيا انتماءها إلى الحضارة الإسلامية، بعد أن كادت تنسى تاريخ شعبها العريق تماهيًا مع الغرب.
  • رابعا: مع كل هذه المكاسب الداخلية والخارجية، لا تزال بعض نخب "الأتراك البيض" من النخبة المتغربة ذات سطوة في الحياة العامة، وهي متشبثة بمواقعها العتيقة. وكلما أحست هذه النخب بسحب البساط من تحت أقدامها زادت عصبيتها وردود أفعالها العنصرية المتشنجة.
  • خامسا: أن كون الرئيس أردوغان وفريقه يحكمون البلاد سياسيا، لا يعني أنهم متحكمون في الديناميكية الاجتماعية العميقة، أو قادرون على منع كل الحوادث العنصرية. فالديمقراطية التركية لا تزال تصارع من أجل البقاء، ولا يزال أمامها الكثير لتنجزه في هذا المضمار.
  • سادسا: أن القوى الطائفية الإقليمية التي هشَّمت العراق وسوريا، تسعى أيضا إلى تهشيم تركيا، من أجل كسب موطئ قدم إستراتيجي فيها. وكثير من مظاهر العنصرية في تركيا اليوم تغذِّيه قوى طائفية معروفة، تتستر وراء شعارات العلمانية والقومية وحقوق الإنسان.
  • سابعا: أن القوى الدولية الساعية إلى استمرار الهيمنة على المصائر الإستراتيجية في المنطقة تسعى جهدَها لتغذية التوتر الداخلي في بلدان المنطقة، وزرع البغضاء بين شعوبها، طبقا للحكمة البريطانية المشؤومة: "فرق تسد". وهي تغذِّي كل نوازع العنصرية والشقاق في سبيل ذلك.

لا مسوغ للعنصرية تحت أي ظرف كان. ويجب رفض التمييز العنصري ضد اللغة العربية وضد العرب في تركيا، سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين. هذا موقف أخلاقي وإنساني لا يحتاج تسويغا ولا تبريرا، والنقاش يجب أن ينحصر في الإستراتيجية المناسبة لوضعه موضع التنفيذ.

وبناء على ذلك نوصي المتابعين العرب لما يجري بتركيا بالآتي:

  • أولا: ينبغي الابتعاد عن لغة التعميم وانتهاك الأعراض الجماعية، مثل القول: "إن تركيا دولة عنصرية" أو "إن الشعب التركي شعب عنصري". صحيح أنه توجد عنصرية في تركيا كما توجد في كل دول العالم، لكن الحديث عن ذلك بلغة تعميمية خطيئة أخلاقية وخطأ إستراتيجي.
  • ثانيا: ينتمي الرئيس أردوغان نفسه وفريقه الحكومي والحزبي إلى ذلك القطاع العريض من الشعب التركي الذي عانى سابقا من التمييز والتهميش داخل بلده، وعلى أيدي مواطنين من بني جلدته. فهم حليف أخلاقي وإستراتيجي للعرب ضد العنصرية والتمييز والتحيز.
  • ثالثا: إن قسما كبيرا من الشعب التركي حليف للعرب ضد العنصرية، وهؤلاء هم السواد الأعظم، والعمق الاجتماعي الذي ظل مهمَّشا طيلة القرن العشرين. ويجب مدُّ يد التعاون مع هؤلاء، بدل مساعدة العنصريين عليهم، بضمِّهم معهم في سلة واحدة، "فلا تعينوا الشيطان على أخيكم".
  • رابعا: يجب ألا ننسى أن تركيا بقيادة أردوغان ضحَّت في دعم الشعوب العربية بعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع عدة دكتاتوريات عربية لعَقْد من الزمان. واستقبلت ملايين العرب المهجَّرين من أوطانهم، فكفلت لهم العيش في أمان وحرية، بعد أن ضاقت بهم بلدانهم، واضطهدَتهم أوطانهم.
  • خامسا: أن تركيا بقيادة الرئيس أردوغان وقفت مع الثورة السورية ومع الثورات العربية في ساعة العُسرة، وبذلت ثمنا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا باهظا، جرَّاء هذا الموقف المبدئي والإستراتيجي المنحاز لحرية الشعوب العربية وكرامتها. فلا يجوز نسيان ذلك لمجرد وجود تقصير اليوم هنا أو هناك.
  • سادسا: أن التقارب الأخير بين تركيا وعدد من الدول العربية مكسب إستراتيجي لمجمل الأمة يجب الحرص عليه. ومن الحكمة الفصل بين الخلاف السياسي داخل الدول ضمن سعي الشعوب للحرية والكرامة، والتناقض الإستراتيجي بين الدول، الذي هو دمار للأمة كلها، وفتح لأبوابها أمام كل عدوّ طارق.
  • سابعا: لا تبدو الإثارات العنصرية في تركيا مؤخرا بعيدة عن سعي بعض القوى الدولية إلى استمرار الانشطار الإستراتيجي في المنطقة، لكي تظل هذه المنطقة حزاما متصدعا مستباحا لمطامع القوى الدولية ومطامحها، كما بينتُه في دراستي الأخيرة "شروق الشرق وغروب الغرب" الصادرة مؤخرا بالعربية والتركية.

كلمة أخيرة بحق اللغة العربية: لا خوف على اللغة العربية في تركيا، فهي لغة باقية في الأناضول ما بقي فيه قارئ للقرآن، أو صادح بالأذان. فقد ظل الإسلام -وسيظل- درعا حصينة للغة العربية في تركيا وفي العالم الإسلامي كله. وقد عبَّر عن ذلك الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف -وهو متحدِّر من أسرة مسيحية عربية تركية- في كتابه "الهويات القاتلة" فقال: "عندما نكون في آسيا الوسطى، ونصادف علَّامة عجوزا على عتبة مدرسة تيمورية، يكفي أن نتوجه إليه بالعربية ليشعر بالطمأنينة، ويتحدث من قلبه، مثلما لن يجازف أبداً بفعله بالروسية أو بالإنجليزية."

خلاصة الأمر أن على المتابع العربي والمسلم المنفعل بحوادث العنصرية الأخيرة في تركيا ضد العرب والأفغان والأفارقة وغيرهم، أن يتسلح بفهم أدقَّ للديناميكيات الداخلية التركية، ومنها ثنائية "الأتراك البيض" و"الأتراك السود". من المهم جدا فهم التشكل التاريخي لظاهرة العنصرية في تركيا، ومنطقها الداخلي الموجَّه ضد السواد الأعظم من المواطنين الأتراك المسلمين أنفسهم، والتعامل معها بحاسَّة إستراتيجية واعية، والسعي إلى بناء تحالفات سياسية واجتماعية وثقافية عريضة في الداخل التركي ضد هذه العنصرية، بدلا من الانفعال والارتجال، وردود الفعل المتشنجة التي تضر ولا تنفع، وقد تزيد من تفاقم الظواهر السلبية بدل احتوائها.

الأحد، 28 مايو 2023

فوز أردوغان والأمل المتجدد

 

فوز أردوغان والأمل المتجدد

شحذوا حرابهم، وأجمعوا أمرهم، وحسِبوا أنها فرصتهم الأخيرة لوأد النهضة التركية، وإرجاعها إلى عهود القهر والفقر، والاستبداد والفساد، والانطواء على الذات، والتسول على موائدهم بذلة. لم يستطيعوا إخفاء ضغائنهم الدينية والتاريخية، ومطامعهم السياسية والإستراتيجية، وتخلَّى إعلامُهم "الرصين" عن رصانته، ونزل إلى مستويات واطئة من الإسفاف، وخاض حربا نفسية طاحنة من أجل إسقاط الرئيس رجب طيب أردوغان، وجلب نظام طائفي هزيل تابع لهم.

ربما تكون مشكلة الولايات المتحدة في هذه المنطقة هي إدمانها على التعامل مع "عملاء" رخيصين يخدمونها إيمانا واحتسابا، لا مع "حلفاء" محترمين يصرون على الندّية والاحترام المتبادل

تخلوا في سبيل ذلك عن كل المعايير الموضوعية والمهنية، ولم تَخِفَّ نبرة العداء على ألسنتهم إلا بعد أن تبيَّنت خسارة رهانهم المعتم. حينها فقط خففوا نبرات الحقد النابض، التزاما بانتهازيتهم المتأصِّلة التي يعبر عنها القول الأميركي السائر: "القفزُ في العربة وقتَ وصولها" بعد استنفاد الوُسْع في تعويقها، وفشل ذلك التعويق. ويعود الفضل في إفشال هذا التعويق -بعد توفيق الله وتسديده- إلى أمرين اثنين:

  • أولهما: الوعي السياسي العميق المتراكم لدى الشعب التركي على مدى القرون، حيث كان هذا الوعي سدّا منيعا، ودرعا حصينا، ضد ألاعيب الأعداء المتلبسين بلبوس الأصدقاء. وقد شاهد العالم كله بتحفز واهتمام مسارا ديمقراطيا ناصعا في تركيا، تنافس فيه من بأيديهم السلطة مع معارضيهم بشفافية تحت سمع وبصر العالم، ووصلتْ نسبة المشاركة فيه مستويات قياسية لا يكاد يوجد لها مثيل في أعرق الديمقراطيات، دون أي حوادث عنف أو تشنج. وهذا يدل على نضج ثقافة الشعب وعمق وعيه السياسي. ولولا ذلك لنجح الضخ الإعلامي الأجنبي في حرف البوصلة، وتشويه التجربة، ودفع الناس إلى خيارات سياسية بائسة.
  • ثانيهما: عبقرية الرئيس رجب طيب أردوغان وحنكته السياسية. وهنا لا بد أن نذكر بأن الزمان لا يجود بالقادة العظام كثيرا. وليس من ريب -في رأيي- أن الرئيس أردوغان سيدخل التاريخ من بابه الواسع، باعتباره أحد القادة السياسيين العظام، الذين وضعوا بصمتهم على مصائر أمتهم، وطبعوا أزمنتهم بطابع خاص، وخاضوا السياسة بفطنة وجدارة ومبدئية. فقد اتصف أردوغان بما اتصف به القادة العظام في كل عصر من المزاوجة بين المبادئ والمصالح، والجمع بين الشجاعة المبدئية والروح العملية، والنظر الإستراتيجي الدقيق الذي يضع الأمور في مواضعها، فظل يبني لشعبه كل يوم صرحا جديدا، ويتقدم بثبات وصبر على مدى عقدين من الزمان، ويصون الرأسمال المتحصل بكياسة وفطنة، ويبني المساحات المشتركة مع مختلف القوى الدولية، بما فيه مصلحة شعبه وأمته، دون تبعية أو تفريط.

لقد برهن الرئيس أردوغان من جديد على أنه هو ربان السفينة المتمرس في بحر متلاطم الأمواج، وأنه أهلٌ لذلك المكان وتلك المكانة، بما حباه الله به من العقيدة الإسلامية الصلبة، والروح الإنسانية الرحبة، والحكمة السياسية العميقة، والحاسة الإستراتيجية المرهفة. فقد شاد الأركان، وقاد السفينة بأمان، وانتزع لتركيا مكانة تليق بتاريخها العريق. كما تعامل أردوغان مع القوى الدولية المختلفة تعامل رجل الدولة القوي، ذي النفس الأبية، المعتز بدينه، الواثق من شعبه، المستيقن أن البدائل الإستراتيجية وافرة، وأن بلاده ليست عالة على أحد، وهي قادرة على شق خطها الإستراتيجي المستقل، بعيدا عن دبلوماسية التوسل والتسول التي اعتادتها قيادات هزيلة في المنطقة.

كان الرئيس أردوغان قد اشتكى منذ خواتيم العام 2018، في مقال له بصحيفة "نيويورك تايمز" وجهه لحلفاء تركيا الأميركيين، من أن "الولايات المتحدة فشلت باستمرار وإصرار في تفهم واحترام مصادر قلق الشعب التركي"، وحذّر من أن "الولايات المتحدة إذا لم تبدأ في احترام سيادة تركيا، وتبرهن على تفهمها للمخاطر التي تواجهها أمتنا، فإن شراكتنا في خطر". ثم ختم مقاله برسالة إنذار وإعذار لا لبس فيها: "على واشنطن أن تتخلى -قبل فوات الأوان- عن الاعتقاد الخاطئ بأن علاقاتنا ليست نديّة، وأن تدرك أن تركيا لديها بدائل. فالفشل في وقف هذا المسار الأحادي وعدم الاحترام سيستلزم منا البحث عن أصدقاء وحلفاء جدد".

ربما تكون مشكلة الولايات المتحدة في هذه المنطقة هي إدمانها على التعامل مع "عملاء" رخيصين يخدمونها إيمانا واحتسابا، لا مع "حلفاء" محترمين يصرون على الندّية والاحترام المتبادل. وبسبب هذا الإدمان على السهولة لم يعد صانع القرار الأميركي يتحمل من حلفائه أن يخالفوه في أي أمر، أو يعبروا عن ذاتيتهم المستقلة في أي شيء، بعدما اعتاده من بعض حلفاء أميركا من طاعة مطلقة، وخدمة مجانية، حتى إن كانت تلك الخدمة على حساب مصالح دولهم ومستقبل شعوبهم. لكن تركيا الديمقراطية بقيادة الرئيس أردوغان رفضت هذا التطفيف وعدم احترام الذات.

ثمة تحديات كبيرة تواجه تركيا والرئيس أردوغان في السنوات الخمس القادمة التي ستكون تدشينا للقرن الثاني من عمر الدولة التركية المعاصرة، ومن هذه التحديات:

1. التغلب على انشطار الهوية الذي عانت منه تركيا طوال 100 عام

هذا بعد أن فرضت عليها أقلية متغربة مهزوزة موقع المتسول على موائد الغرب، وجعلتها تهرب من ذاتها، وتدبر عن أمتها وحضارتها الإسلامية. وقد قطع الرئيس أردوغان وزملاؤه في حزب العدالة والتنمية شوطا بعيدا في تضميد جرح الهوية هذا، وتحقيق شيء من المصالحة مع الذات لشعبهم، لكن الأمر لا يزال يحتاج إلى عمل كثيف في مجال التعليم والثقافة وغيرهما، ويبدو لي أن قيادة حزب العدالة والتنمية انشغلت كثيرا بالهمّ السياسي والاقتصادي عن الهم الثقافي، وأنها تحتاج إلى التوازن في هذا الأمر.

2. معضلة الاستقطاب السياسي والطائفي والعنصري الحاد

فتركيا بحاجة إلى فضاء سياسي أقل استقطابا، وظهور مساحة مشتركة للمعتدلين من كافة القوى السياسية، للتنافس النزيه، دون تشنجات طائفية، أو عصبيات عنصرية. ويبدو لي أن تراجع حزب الشعب الجمهوري في هذه الانتخابات وفشَل قادته، قد يكون فرصة لتحول هذا الحزب من كتلة سياسية صماء ذات نواة طائفية صلبة، إلى قوة سياسية مفتوحة ومتنوعة، وقريبة من الخضم العام للمجتمع التركي، ومتصالحة مع عقيدته الإسلامية، وجذوره العثمانية المعروفة بتعددها وتسامحها.

 

تفاعل الملايين مع الانتخابات التركية بشكل لا مثيل من قبل، مما يدل على وحدة المشاعر والآمال والآلام، وعلى ثقة الشعوب العربية في تركيا بلدا وشعبا وقيادة، رغم كل ما بثه البعض في الشعبين من نوازع التحيز

3. التحضير لخلافة أردوغان في الحزب وفي الدولة

هذه هي الولاية الأخيرة للرئيس أردوغان دستوريا، ومن مصلحة تركيا وحزب العدالة والتنمية أن يستمر المشروع الذي بدأه أردوغان، من خلال البناء السياسي المؤسسي للحزب والدولة، بما يضمن تراكم البناء دون انشقاق في الصف، أو انقطاع في المسيرة. فعُمْر الدول لا يقاس بعمر الأفراد، ومن أهم مهمات القائد صناعة القادة الذين يخلفونه، ويحملون الراية من بعده. ولا أعتقد أن الرئيس أردوغان سيغفل عن هذا الأمر في السنوات الخمس القادمة، لأنه أمر حيوي لمستقبل تركيا وأجيالها القادمة.

4. صياغة دستور جديد لتركيا

دستورا جديدا يتناسب مع الوقائع الاجتماعية والثقافية للمجتمع التركي الذي نما وتغير كثيرا خلال 100 عام من عمر الجمهورية، فالدستور الحالي -رغم كل ما أُدخل عليه من تعديلات ديمقراطية- هو في الأصل وثيقة أعدَّها العسكريون الذي حكموا تركيا بالقهر، وسعوا إلى هندسة المجتمع حسب أهوائهم. وكان يتحكم فيهم مركَّب النقص تجاه الثقافة الغربية، فسعوا إلى فرض الأيديولوجية العلمانية المتصلَّبة على مجتمع مسلم محافظ في مجمله.

فلا بد من التركيز الآن على بناء ديمقراطية سمحة، تتسع لكل مكونات المجتمع، دون شطط أيديولوجي، أو منزع قهري. فالديمقراطية ليست مرادفة للعلمانية، ويمكن بناء أفضل نظام ديمقراطي بعيدا عن الأيديولوجيا العلمانية المتصلبة.

5. الانخراط أكثر في حل بعض المعضلات الإقليمية المؤثرة على تركيا

وأهمها وأشدها التصاقا بتركيا معضلة الحرب في سوريا. وأعتقد أن تركيا بمكانتها المتعاظمة، وحاجة الطرفين الغربي والروسي إليها في حرب أوكرانيا، تستطيع أن تتوصل مع الروس إلى صيغة عملية لتغيير سياسي في دمشق، يستجيب لمطامح الشعب السوري. كما تستطيع التفاهم مع الروس لتوسيع حضورها في الشمال السوري ليشمل كل مدينة حلب، بما يضمن فضاء آمنا يسهل الرجوع الطوعي لمعظم السوريين إلى بلادهم، دون رهق ولا إحراج، مع وضع قوات فصل تركية روسية بين منطقة سيطرة النظام، ومنطقة سيطرة المعارضة، إلى حين التوصل لحل سياسي شامل في سوريا.

6. إعادة التموضع الإستراتيجي في المنطقة 

بحيث يكون تموضعا يتناسب مع مكانة تركيا وريادتها التاريخية في العالم الإسلامي. فالنظام الدولي يتغير بسرعة، والقوى الدولية تنزاح مشرِّقةً، على نحو ما شرحته بإسهاب في دراستي الصادرة مؤخرا بعنوان: "شروق الشرق وغروب الغرب". وتحتاج تركيا في الأعوام الخمسة القادمة أن تتبنى خيارات إستراتيجية جديدة في علاقتها بالقوى الدولية، شرقيةً وغربية، وأن تسعى لتحقيق شيء ما تعلقه عليها شعوب العالم الإسلامي -خصوصا في العالم العربي وآسيا الوسطى- من آمال القيادة والريادة. فنداء التاريخ ينادي، والأوْلى الاستجابة له قبل ظهور قوى منافسة، أو تغير البيئة الإستراتيجية سلبا، بما يعنيه ذلك من ضياع الفرصة وفوات الأوان.

لقد تجدَّد الأمل بفوز الرئيس رجب طيب أردوغان، وامتدَّت أعناق الملايين في المنطقة وفي العالم، متابعة للانتخابات التركية، متفاعلة ومنفعلة، وهذا يدل على أن الشأن السياسي التركي لم يعد تركيًّا محضا بأي حال من الأحوال، وأن المعادلات السياسية الداخلية في تركيا أصبحت مؤثرة على الإقليم وفي أرجاء العالم.

وفي الوطن العربي تحديدا، تفاعل الملايين مع الانتخابات التركية بشكل لا مثيل من قبل، مما يدل على وحدة المشاعر والآمال والآلام، وعلى ثقة الشعوب العربية في تركيا بلدا وشعبا وقيادة، رغم كل ما بثه البعض في الشعبين من نوازع التحيز. كما أن الشعوب العربية الطامحة إلى الحرية والديمقراطية لا تزال ترى في تركيا أسوة حسنة، ومثالا يحتذى، ونوراً يبعث الأمل المتجدد في نفوس الملايين من العرب، ممن أرهقتهم أعوام كالحة من التدمير والتهجير، جرَّاء العسف الداخلي والاستباحة الخارجية.

هنيئا للشعب التركي على ديمقراطيته المبهرة، وهنيئا للرئيس أردوغان على ثقة شعبه وأمته.

السبت، 13 مايو 2023

الانتخابات التركية ومخاض الاستقلال الثاني

 

الانتخابات التركية ومخاض الاستقلال الثاني

تتزاحم الرهانات الكبرى في الانتخابات التركية الحالية، من صراعات الهوية، إلى مطامح المكانة، ومن المعضلة الاقتصادية، إلى التموقع الإستراتيجي. ويمكن القول من دون مبالغة إن هذه الانتخابات حرب سياسية ناعمة لتحقيق الاستقلال الثاني، بعد 100 عام من الحرب العسكرية الخشنة في سبيل الاستقلال الأول. ولئن كانت حرب الاستقلال الأولى قد أنقذت الأناضول من التمزيق طبقا لأهواء المستعمرين في اتفاقية "سيفر" الآثمة عام 1920، وحققت رحيل الاحتلال العسكري المباشر، فإنها تركت ملفات مفتوحة، منها استقلال القرار الإستراتيجي، وصيانة الهوية الثقافية، ومكانة تركيا في العالم.

وتبدو الانتخابات الحالية كمفترق طرق حاسم، يشبه مفترق الطرق الذي مرت به بلاد الأناضول منذ 100 عام، بل لعل مفترق الطرق اليوم أشد تعقيدا وتركيبا. وسيضطر الشعب التركي للاختيار يوم غد الأحد 14 مايو/أيار بين خيارين متناقضين تماما:

  • أحدهما هو الاستمرار في المسيرة التي يقودها الرئيس أردوغان بحزم وثبات، وهي انبعاث الهوية الإسلامية واحترام الذات، واتساع مساحة الحرية يوما بعد يوم، واستقلال القرار الإستراتيجي، وبناء المناعة الذاتية، بما يضمن لتركيا مساحة لائقة بين الأمم، وصعودا مطردا إلى مصاف القوى العالمية.
  • وثانيهما مسار مغاير تتبناه المعارضة، وهو الرِّدة السياسية والثقافية، والعودة إلى عهد التبعية والهوان، والفساد المزمن، والركود الاقتصادي، والتسوُّل على موائد الغرب، والحكومات الائتلافية الهشة، والسياسات التلفيقية القاصرة، ووهَن العزائم السياسية، وتراجع المكانة الإقليمية والدولية.

ويمكن اختزال الرهانات الكبرى التي يتعين على الشعب التركي حسْمها في الانتخابات الحالية في 4 أمور: رهان الهوية المنشطرة هل هي إسلامية أم غربية؟ ورهان النظام السياسي الأليق هل هو الرئاسي أم البرلماني؟ ورهان التموقع الإستراتيجي هل يكون بالانفتاح أم بالانكفاء؟ ورهان التعافي الاقتصادي هل يكون بالإنتاج أم بالاستهلاك؟

واضح من لغة الخطاب السياسي السائد في هذه الانتخابات أن صراع الهوية لا يزال على أشدِّه في تركيا، وأن على الشعب التركي أن يسير مع ما يقتضيه احترامُه لذاته وتاريخه العريق في الإسلام.

الرهان الأول: الهوية المنشطرة

إن أول الرهانات الكبرى في الانتخابات التركية الحالية هو التغلب على انشطار الهوية الذي عانت منه تركيا خلال تاريخها الحديث. فقد فشلت النخبة التركية التي قادت حرب الاستقلال (1918-1923) فشلا ذريعا في التعاطي الإيجابي مع مسألة الهوية، رغم مكاسبها العسكرية والسياسية العظيمة. فكان من مفارقات تلك النخبة جمْعُها بين الانتصار العسكري في حرب الاستقلال والهزيمة الثقافية بعد الاستقلال. ولعل تحويل جامع آيا صوفيا إلى متحف -تقرُّبا من الغرب المسيحي- مجرد مثال على ذلك، حيث استطاع رجلُ دينٍ وعالم آثار أميركي هو توماس ويتيمور (1971-1950) إقناع مصطفى كمال أتاتورك عام 1931 بكل سهولة ويسر بهذا الأمر، حفاظا على الرموز الدينية المسيحية في المبنى، على ما في ذلك من ضرب عرض الحائط بنحو 500 عام من التاريخ الإسلامي، وبواقع الحال الدال أن أهل هذه المدينة العريقة قد أصبحوا مسلمين منذ قرون، بغضّ النظر عما مر عليهم من أديان قبل ذلك.

يروي الباحث في التاريخ المسيحي ريتشارد وينتسون في كتابه "تاريخ آيا صوفيا" Winston, Hagia Sophia: A History عن ويتيمور قوله: "كانت آيا صوفيا مسجدا في اليوم الذي تحدثتُ فيه معه (أي مع أتاتورك)، وفي صبيحة اليوم التالي زرتُ المسجد فوجدتُ إعلانا على بابه بخط يد أتاتورك نفسه يقول: (إن المتحف مغلق للصيانة)!" وقد جاء هذا القرار المجحف بالهوية الإسلامية لتركيا ضمن منظور تغريبي يتحكَّم فيه مركًّب النقص والإحساس بالدونية الثقافية، والدعوة إلى الأخذ بكل ما هو غربيّ "بوُرُوده وأشواكه"، حسب تعبير كاتب تركي معاصر لتلك الفترة.

وقد حقق الرئيس أردوغان للشعب التركي شيئا من المصالحة مع ذاته وتاريخه وهويته، بعد قطيعة قهرية أليمة حذَّر منها شاعر النيل حافظ إبراهيم في رثائه لمسجد آيا صوفيا بعد تحويله متحفا، فقال:

أيا صوفيا حان التفرُّق فاذكُري       عهودَ كرامٍ فيكِ صَلَّـوْا وسَلَّمُوا

ولا تنكـري عهدَ المـآذن إنه        على الله من عهد النواقيس أكرمُ

وواضح من لغة الخطاب السياسي السائد في هذه الانتخابات أن صراع الهوية لا يزال على أشدِّه في تركيا، وأن على الشعب التركي أن يسير مع ما يقتضيه احترامه لذاته وتاريخه العريق في الإسلام، بدل الانجرار إلى الهويات المستعارة الزائفة.

الديمقراطية التركية كانت مهدَّدة بانقلاب عسكري مدعوم من الخارج منذ سنوات قليلة، أقصد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ولولا شجاعة الرئيس أردوغان ومبادرته، وتضحية الشعب التركي وبسالته، لضاع كل شيء في تلك المغامرة الدموية الأثيمة

الرهان الثاني: النظام السياسي

ومن الرهانات الكبرى في الانتخابات التركية الحالية طبيعة النظام السياسي الأليق بتركيا، والأوفق مع تطورها السياسي وبنيتها الاجتماعية: هل هو النظام الرئاسي الحالي الذي انتقلت إليه منذ عام 2017، أم هو النظام البرلماني الذي كان سائدا فيها منذ عقود. ومن المعروف في العلوم السياسية والقانون الدستوري أن لكل من النظامين الرئاسي والبرلماني جوانبه الإيجابية والسلبية، وأن النظام البرلماني بما يقود إليه من تشرذم وضَعْف في مصدر صناعة القرار، ومن تحكُّمٍ للأقلية في الأغلبية، لا يناسب المجتمعات التي تعيش حالة انتقال من الحكم العسكري إلى الحكم الديمقراطي، كما هو حال تركيا، بل يقود إلى الشلل في المؤسسات الحكومية، وطغيان المزايدات والمهاترات على الساحة السياسية، على حساب الإنجاز والبناء والاهتمام بمصالح الشعب، ويفتح الباب لتدخل الجيش في السياسة، كلما انسدت أبواب التوافق بين الخصوم السياسيين المتشاكسين، ولا شيء يقتل التطور السياسي الطبيعي كتدخل الجيش في السياسة.

فالنظام البرلماني قد يناسب بعض الديمقراطيات العتيقة التي أصبحت مؤسساتها صلبة ومستقرة، وهي لا تعاني من تشرذم داخلي ولا من تدخل خارجي، مثل بعض الدول الغربية. علما بأن أكبر ديمقراطية غربية، وهي الولايات المتحدة، يحكمها نظام رئاسي، لا نظام برلماني، منذ أكثر من 200 عام. أما تركيا فلا يناسبها اليوم سوى النظام الرئاسي -بغضّ النظر عن شخص الرئيس- حتى تصْلُب مؤسساتها الديمقراطية وتترسَّخ، وتصبح عصيَّة على أي اختراق أو تخريب.

ويجب ألا ننسى في هذا السياق أن الديمقراطية التركية كانت مهدَّدة بانقلاب عسكري مدعوم من الخارج منذ سنوات قليلة، أقصد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ولولا شجاعة الرئيس أردوغان ومبادرته، وتضحية الشعب التركي وبسالته، لضاع كل شيء في تلك المغامرة الدموية الأثيمة. فليست العودة إلى النظام البرلماني في صالح تركيا وتطورها السياسي في الأمد القريب على الأقل. كل هذا طبعا إذا افترضنا أن السيد كمال كليجدار أوغلو -في حالة فوزه المُستبْعَد- سيقبل بالتحول إلى النظام البرلماني الذي سيجرِّده من صلاحياته، ويجعله أسيرا للأحزاب الصغيرة، وهذا أمر غير وارد أصلا. فصخَبُ بعض أحزاب المعارضة التركية حول ضرورة العودة إلى النظام البرلماني لا يعدو أن يكون مزايدة ومشاغبة سياسية على الرئيس أردوغان، وسعيا من بعض القوى الدولية إلى إضعاف تركيا، وحرمانها من وحدة القرار الإستراتيجي في لحظة التحول الحالية.

إن الدول التي تمر بمرحلة انتقال تكون في مسيس الحاجة إلى قيادة قوية ومستقرة، وتركيا من الدول التي لا تزال تعيش مرحلة انتقال سياسي، فهي تحاول منذ عقدين أن تتخلص من مواريث الانقلابات والتدخل العسكري في السياسة، وأن تتحرر من النفوذ الأجنبي في المعادلة السياسية الداخلية، وأن تستكمل نهضتها الجديدة الكبرى التي بدأتها مع بداية القرن الـ21. ونظرا لحالة الانتقال السياسي هذه، وظروف الطوارئ الناشئة عن مأساة الزلزال الأخير، فإن الرئيس أردوغان الذي قاد نهضة تركيا الحالية لا يزال لديه الكثير مما يقدمه، والشعب التركي بحاسته السياسية العميقة، التي تضرب جذورها في تاريخ إمبراطوري عريق، يدرك تماما أن الرئيس أردوغان مؤهَّل أكثر من غيره لاستكمال حالة البناء، وإيصال السفينة إلى برِّ الأمان.

أما الأحزاب المعارضة في الطاولة السداسية، فليس في برنامجها بديل سياسي جديّ. وحاصل خطابها مجرد نقد سلبي بارد، ومناكفة خطابية سطحية. كما أن هذه الأحزاب ليست منسجمة فيما بينها، بل هي أشبه ما تكون بكتلة ملفَّقة لغايات انتخابية ظرفية. وليس من الوارد أن تتفق هذه الأحزاب -المتناقضة أيديولوجيا- على برنامج سياسي أو اقتصادي واحد، بل سيكون قادتها شركاء متشاكسين في السلطة، مما يقود إلى شلل الحكومة، وفشل مشاريع البناء. وقد جرب الشعب التركي من قبل الحكومات الائتلافية في التسعينيات، فكانت دائما هشة البناء، سيئة الأداء.

يتعين على الشعب التركي أن يختار بين المعارضة التركية التي لا تزال مُسْتأسِرة لعهود التبعية الإستراتيجية للغرب، ومدمنة على دبلوماسية التسوَّل والتوسُّل التي اعتادتها القيادات الضعيفة المهزوزة في دول أخرى، وكأنما تخاف من تبعات استقلال القرار الإستراتيجي ومسؤولياته، وبين قيادة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية التي تتسم بالشجاعة

الرهان الثالث: المكانة الدولية

أما الرهان الثالث الذي يتعين حسمه في الانتخابات التركية الحالية فهو مكانة تركيا وتحالفاتها الإقليمية والدولية. فتركيا اليوم مصنَّفة لدى علماء الجغرافيا السياسية والدراسات الإستراتيجية ضمن القوى الإقليمية الصاعدة. لكن مكانتها وإمكانها يؤهلانها لأكثر من ذلك، وهو التحول إلى قوة عالمية في المستقبل. والنخبة الحاكمة في تركيا اليوم بقيادة الرئيس أردوغان واعية بهذا الإمكان، ساعية إلى تحقيقه. لكن الأمر يحتاج إلى جملة شروط، أهمها تعضيد الجبهة الداخلية، واستمرار البناء دون قطيعة. وأمامه عدد من العوائق، أهمها أن القوى السائدة لا تمنح القوة الصاعدة مساحة في النظام الدولي بسهولة، حرصا على الاستئثار بالهيمنة. وتحتاج تركيا -كقوة صاعدة- أن تشق طريقها ببصيرة وحذر وصبر إستراتيجي، لكي تحقق ما تطمح إليه دون اصطدام بالقوى الدولية السائدة.

وفي هذا السياق سيتعين على الشعب التركي أن يختار بين المعارضة التركية التي لا تزال مُسْتأسِرة لعهود التبعية الإستراتيجية للغرب، ومدمنة على دبلوماسية التسوَّل والتوسُّل التي اعتادتها القيادات الضعيفة المهزوزة في دول أخرى، وكأنما تخاف من تبعات استقلال القرار الإستراتيجي ومسؤولياته، وبين قيادة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية التي تتسم بالشجاعة، والثقة بالذات، والخيارات المفتوحة، والمرونة التكتيكية، وتوثيق روابط تركيا بمحيطها التاريخي في العالم العربي وآسيا الوسطى والبلقان، والسعي إلى بناء مساحات مشتركة مع كل القوى الدولية لمصلحة تركيا، ورفْض الوصاية على القرار الإستراتيجي التركي.

إن القيادة ذات الحاسة الإستراتيجية نعمة عظيمة في أي بلد يحظى بها. وليس من ريب في أن قيادة الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية برهنت خلال أكثر من 20 عاما على أنها تتمتع بحاسة إستراتيجية مرهَفة، حيث درجت على التحرك الذكي بما يحقق مصالح الدولة والشعب، ضمن حدود الزمان والمكان والإمكان، مع قدر عظيم من التوازن المبدِع والحسِّ العملي الذي يحقق التوازن العسير بين المبدئية والواقعية، ويتعامل مع تناقضات القوى الدولية ببصيرة سياسية.

فالخيار المنطقي أمام تركيا اليوم هو الاستمرار في المسار التصاعدي الذي بدأته منذ عقدين، فهذا هو المنسجم مع موقعها الجغرافي والتاريخي، وهو الذي يليق بها مكانا ومكانة. وإذا كانت بعض القوى الدولية استطاعت في الماضي وضع تركيا في موقع المفعول به، وتحويلها مجرد سدٍّ أصمَّ بينها وبين شعوب الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فلا يليق بالشعب التركي أن يقبل العودة إلى تلك الحقبة القاتمة من تاريخه المعاصر، بعد أن حققت تركيا في ظل الرئيس أردوغان استقلال قرارها الإستراتيجي، وصارت فاعلا جدِّيا يحسب له الجميع ألف حساب، وأصبحت كل القوى الدولية مضطرة للتعامل معها تعامل الأنداد.

اختار الرئيس أردوغان الطريق الصعب الذي يقود إلى النمو الاقتصادي الصلب. وهو طريق الاستثمار الإنتاجي، وتطوير البنية التحية، وحرية السوق، لضمان نمو أقوى وأبقى، رغم وطأته على الشعب في المدى القريب

الرهان الرابع: التعافي الاقتصادي

رغم وضعنا لهذا الرهان في ختام اللائحة لاعتبارات النظر الإستراتيجي، فإنه لا يقل عنها أهمية من الناحية الانتخابية على الأقل، إن لم يكن يتصدَّرها كلها. لقد دخل الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية من باب الاقتصاد، وكان الإنجاز المطَّرد للرئيس وللحزب في هذا المضمار هو الرافعة الكبرى لصعودهما المستمر. لكن السنوات الأخيرة شهدت مصاعب اقتصادية جمَّة في تركيا. ولا يمكن تحميل الأزمة للقيادة السياسية التركية الحالية، فهي أزمة مركَّبة ذات أبعاد دولية، ليس أقلها تأثير وباء كورونا على الاقتصاد العالمي. لكن ذلك قد لا يعفي القيادة التركية في نظر قطاع من الناخبين الذين لا يهمهم في السياسة سوى ثمراتها الاقتصادية المباشرة.

وقد اختار الرئيس أردوغان الطريق الصعب الذي يقود إلى النمو الاقتصادي الصلب. وهو طريق الاستثمار الإنتاجي، وتطوير البنية التحية، وحرية السوق، لضمان نمو أقوى وأبقى، رغم وطأته على الشعب في المدى القريب. وجاء ذلك مخالفا لما درجت عليه دول أخرى في الإقليم، ومنها دول عربية مجاورة لتركيا، أدمنت على سياسات الدعم والاستهلاك والاستدانة، فانتهت إلى إفلاس الخزينة، وتوقُّف الإنتاج، وهروب الاستثمار، وإفقار الشعب من حيث أُريدَ إسعافُه. وتكشف الأمر في النهاية عن سياسات إلهاء ظرفية، تراكمت بعدها أزمات اقتصادية واجتماعية، تكاد تعصف بتلك الدول اليوم وتفجِّرها من الداخل.

وقد استغل الإعلام الغربي المعادي بعض المصاعب الاقتصادية في تركيا، لتجييش الشعب ضد الرئيس وحزبه، رغم كل ما وفرته القيادة الحالية من ضمان اجتماعي لتخفيف الأعباء عن عموم الشعب، دون إخلال بالمعادلات الاقتصادية السليمة.  لكن لحسن حظ الرئيس أردوغان وبُعْد نظره أنه ركز على حل المعضلة الكبرى التي استنزفت خزينة الدولة التركية المعاصرة منذ مولدها قبل 100 عام، وهي مشكلة استيراد الطاقة الذي تنفق عليه تركيا جزءا وافرا من ثروتها.

وقد أدى هذا الجهد الصبور من الرئيس وحكومته إلى اكتشاف الغاز التركي في البحر الأسود، والاستثمار فيه حتى وصل إلى البيوت في أرجاء تركيا منذ أسابيع. كما تكشَّف الأمر عن اكتشاف حقول نفط في مواطن أخرى من تركيا. وهذه سابقة لها ما بعدها في تاريخ الاقتصاد التركي. فلأول مرة لن تكون الميزانية التركية مرهقة باستيراد الطاقة، بل ستوفر ثروة ضخمة جراء وجود الطاقة المحلية، فضلا عمَّا يفتحه ذلك من آفاق التطور الصناعي، بعيدا عن الاعتماد على الآخرين.

وخلاصة الأمر أن الرهانات الأربعة تشير كلها إلى أن المسيرة التي اختطَّها الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية لتركيا هي التي ستفرض نفسها على الناخب التركي الواعي. ولا عجب في ذلك، فشتَّان ما بين من يريد تركيا رأساً في الشرق، ومن يريدها ذيلاً في الغرب.

وشتاَّن ما بين اليزِيديْن في النَّدَى       يزيدِ بن عمروٍ والأغرِّ ابن حازمِ

الاثنين، 10 أبريل 2023

أرواح مشرقة .. محمد حميد الله

 أرواح مشرقة .. محمد حميد الله


الدكتور محمد حميد الله 

عاش الدكتور محمد حميد الله عمرا مديدا بنفس أبية وعلم غزير وقلب واجف متبتل، ترك الدنيا وراء ظهره، وانكب على العلم والتعليم وخدمة الإسلام، فكان مثالا للعالم الموسوعي المتبحر الذي لا يجد لفضوله المعرفي نهاية، والعابد الزاهد الذي لا تساوي الدنيا عنده نقيرا.

ولد محمد  حميد الله عام 1908 في حيدر آباد بجنوب الهند، وينتسب إلى أسرة ترجع جذورها إلى قبيلة قريش، وقد هاجرت أسرته من الحجاز إلى البصرة خوفا من بطش الحجاج بن يوسف، ثم استقر المقام بسلالتها في الهند خلال القرن الثامن الهجري، وتحدر من هذه الدوحة النبيلة قضاة ورجال دولة، وعلماء أعلام ذاع صيتهم في الهند على مدى قرون من الحكم الإسلامي لها، وكان من آخرهم الشيخ حبيب الله أخو الدكتور محمد حميد الله الأكبر، وهو مترجم كتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري إلى اللغة الأوردية، والشيخة أمة العزيز أخته الكبرى ومترجمة "شرح النووي على صحيح مسلم" إلى الأوردية.

من إسطنبول استدعاه المستشرق الألماني فريتز كرنكو، لاستكمال دراسته العليا في جامعة بون، فحصل منها على شهادة دكتوراه عن موضوع مبدأ الحياد في القانون الدولي الإسلامي

نهم للعلم لا ينقضي

لم يكن نهم محمد حميد الله للمعرفة يعرف حدودا، فقد حصل على شهادتي ليسانس وشهادتي ماجستير وشهادتي دكتوراه، وتعلم حوالي 20 لغة، منها العربية والأوردية والفارسية والتركية واللاتينية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والروسية والبولونية والدانماركية والسويدية والفنلندية، وكان من آخر ما تعلم من اللغات اللغة التايلندية التي درسها بعدما تجاوز عمره الثمانين.

وبعد حصوله على كل هذه الشهادات العلمية سافر إلى موسكو لدراسة اللغة الروسية، وسعى إلى الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعتها لولا أن ظروف الحرب العالمية الثانية حرمته من ذلك، فكرّ إلى المدينة المنورة ولزم شيخ قرائها حسن بن إبراهيم الشاعر حتى حصل منه على إجازة في القرآن الكريم كانت أثمن شهاداته وأحبها إلى قلبه.

تلقى محمد حميد الله تعليمه الإسلامي الأول باللغة الأوردية في دار العلوم الشرقية، وفيها ألم باللغات العربية والفارسية والإنجليزية، ثم التحق عام 1919 بـ"المدرسة النظامية" إحدى أعرق المؤسسات العلمية الإسلامية في الهند، وحصل منها على ليسانس عام 1923.

بعد ذلك بعام التحق بـ"الجامعة العثمانية" التي أسسها الأمير عثمان علي خان في حيدر آباد عام 1918، وحصل منها على شهادة ليسانس أخرى عام 1928 وهو في العشرين من العمر، وحصل من الجامعة نفسها على شهادتي الماجستير: الأولى في الدراسات الإسلامية، والأخرى في القانون الدولي.

وفي عام 1932 ابتعثت الجامعة العثمانية طالبها اللامع ليطلع على المخطوطات الإسلامية في تركيا ومصر وسوريا والسعودية.

ومن إسطنبول استدعاه المستشرق الألماني فريتز كرنكو، لاستكمال دراسته العليا في جامعة بون، فحصل منها على شهادة دكتوراه عن موضوع "مبدأ الحياد في القانون الدولي الإسلامي"، ودرّس فيها اللغتين العربية والأوردية لعامين.

وفي العام 1934 التحق بجامعة السوربون الفرنسية، فحصل منها على شهادته الثانية للدكتوراه عن رسالته المعنونة "الدبلوماسية الإسلامية في العصر النبوي والخلافة الراشدة"، وهي التي أصبحت في ما بعد كتابه الأشهر باللغة العربية "مجموعة الوثائق السياسية للعصر النبوي والخلافة الراشدة".

وعاد محمد حميد الله إلى حيدر آباد عام 1935 حاملا معه علما واسعا وخبرة بالعالم وتمرسا بالحياة على حداثة سنه يومذاك، فعمل محاضرا في قسم الدراسات الإسلامية بالجامعة العثمانية في حيدر آباد وعميدا لكلية القانون فيها إلى حدود العام 1948.

لم يترك حميد الله فرنسا إلا بعد أن أعياه رهق السنين، واستنزف عمره البحث العلمي الدائب والعمل الدائم لخدمة الإسلام، فقد ألحت عليه حفيدة أخيه السيدة المفضالة سديدة عطاء الله المقيمة في الولايات المتحدة بمصاحبتها إلى هناك حرصا على صحته المنهكة ورحمة بضعفه وكبره

عزة نفس وإباء

كان محمد حميد الله من أشد المدافعين عن استقلال إمارة حيدر آباد الإسلامية عن دولة الهند، وهي إمارة لعبت دورا تاريخيا مجيدا في تاريخ المسلمين، وكانت مركزا مزدهرا من مراكز الحضارة الإسلامية في القارة الهندية، فحري بها أن تبقى منارة إسلامية، فسافر إلى الأمم المتحدة عام 1948 ضمن وفد دبلوماسي يسعى إلى الاعتراف باستقلال الإمارة بعد استقلال الهند عن التاج البريطاني، ورفض الإمارة الانضمام إليها، وحينما اجتاحت القوات الهندية الإمارة وفشل الوفد في الحصول على الاعتراف باستقلالها قرر محمد حميد الله بإباء ألا تطأ قدمه أرض الهند بعدها، وهو قرار التزم به طول عمره المديد رغم تجواله في أرجاء الأرض.

عاش العلامة حميد الله في فرنسا مدة مديدة ناهزت نصف القرن (1948-1996) احتفظ خلالها بجنسيته الحيدر آبادية، ورفض عرضا من الحكومة الفرنسية ومن حكومات دول إسلامية عدة بمنحه الجنسية، عزة نفس وإباء ووفاء لموطنه المغدور حيدر آباد، واكتفى بوثيقة إقامة في فرنسا حملها معه أكثر من نصف قرن.

ولم يترك حميد الله فرنسا إلا بعد أن أعياه رهق السنين، واستنزف عمره البحث العلمي الدائب والعمل الدائم لخدمة الإسلام، فقد ألحت عليه حفيدة أخيه السيدة المفضالة سديدة عطاء الله المقيمة في الولايات المتحدة بمصاحبتها إلى هناك حرصا على صحته المنهكة ورحمة بضعفه وكبره، فقبل توسلاتها بعد لأي عام 1996 وأقام معها سنوات عمره الأخيرة حتى رحل بنفس مطمئنة عن هذه الدنيا في مدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا الأميركية عام 2002، مخلفا وراءه ذكرا عطرا وأثرا لا يمحي.

وقد ذكرت ابنة أخيه البارة سديدة عطاء الله في عدد خاص من مجلة "إمباكت إنترناشونال" (Impact International) مخصص لرثاء محمد حميد الله أنه كان يمازحها شفقة بها فيقول "سأفاوض ملك الموت بكل ما أستطيع من حجة، لكي لا يقبض روحي بحضورك"، وقد تحققت أمنيته، فتوفاه الله في نومه ضحى وهي غائبة عن البيت.

كان شديد الزهد والاحتساب، حتى أنه عندما عرض عليه الترشح لجائزة الملك فيصل رفض بشدة، وقال: (أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل، فلا تفسدوا علي ديني)

على درب الزاهدين

كان محمد حميد الله عابدا زاهدا متواضعا برا موطأ الأكناف، حتى أنه كان يخرج مع الشباب المسلمين في المخيمات الثقافية بفرنسا -وهو أستاذ في جامعة السوربون- فيغسل آنية الطعام بيده، ويجلس معهم على الأرض كواحد منهم رغم مكانته العظيمة في العلم والشهرة.

وحينما دخل "دار المصنفين" -وهي إحدى أشهر المؤسسات العلمية بالقارة الهندية- دخلها حافي القدمين، وعلل ذلك بأنه يكره أن يدخل منتعلا إلى دار ألف فيها كتاب في السيرة النبوية، يقصد كتاب "سيرة النبي صلى الله عليه وسلم" للعلامة سليمان الندوي في 7 مجلدات.

وكان شديد الزهد والاحتساب، حتى أنه عندما عرض عليه الترشح لجائزة الملك فيصل رفض بشدة، وقال "أنا لم أكتب ما كتبت إلا من أجل الله عز وجل، فلا تفسدوا علي ديني".

في خدمة القرآن الكريم أسهم بترجمته البديعة للكتاب العزيز إلى اللغة الفرنسية، وقدم لها بمقدمة ضافية في علوم القرآن وتاريخه، ولم تكن توجد ترجمة ذات قيمة للقرآن الكريم إلى هذه اللغة المهمة إلا ما كان من أعمال استشراقية شابها التحيز وضعف التذوق للغة القرآن

تبتل في محراب العلم

يعتبر الدكتور محمد حميد الله من العلماء المكثرين من التأليف، كيف لا وقد أوقف حياته الطويلة العريضة على البحث العلمي والكتابة حتى أنه عاش عازبا طوال عمره، فكان حريا بالشيخ الحافظ عبد الفتاح أبي غدة أن يترجم له في كتابه الفريد في بابه "العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج".

وقد ألف حميد الله وحقق عشرات المجلدات، وكتب حوالي ألف مقال، واشترك في كتابة وتحرير عدد من الموسوعات، منها "دائرة المعارف الإسلامية" باللغة الأوردية، و"الأطلس الكبير للأديان" باللغة الفرنسية.

جمع حميد الله بين العمق والامتداد في ما كتب، فقد أعانته معرفته الموسوعية على الكتابة في علوم إسلامية شتى، ومكنه دأبه وجده العلمي من تقديم أعمال علمية تأسيسية في بابها:

  • ففي خدمة القرآن الكريم أسهم بترجمته البديعة للكتاب العزيز إلى اللغة الفرنسية، وقدم لها بمقدمة ضافية في علوم القرآن وتاريخه، ولم تكن توجد ترجمة ذات قيمة للقرآن الكريم إلى هذه اللغة المهمة إلا ما كان من أعمال استشراقية شابها التحيز وضعف التذوق للغة القرآن، وقد اشتهرت ترجمة حميد الله وانتشرت بين المسلمين الناطقين بالفرنسية في فرنسا وكندا وغرب أفريقيا، ثم اعتمدها مجمع فهد لطباعة المصحف الشريف وطبعها بأعداد وفيرة، كما تتبع حميد الله في كتابه "القرآن بكل لسان" تاريخ ترجمة القرآن الكريم، وقدم جردا لترجمات الكتاب الكريم إلى حوالي 150 لغة.
  • وفي علوم الحديث الشريف كشف حميد الله النقاب عن أقدم نص مسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحيفة التابعي همام بن منبه الصنعاني (توفي 101 هـ)، التي رواها عن الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه، فبرهن حميد الله بذلك -بخلاف ما هو شائع من الرأي- على أن تدوين الحديث النبوي بدأ في حياة الصحابة رضي الله عنهم، وهو ما يزيد الثقة في تاريخ السنة وإسنادها، كما ألف كتابا عن ترجمات المستشرقين لصحيح البخاري تتبع فيه الخلل في تلك الترجمات، وصححها بعقل منصف وقلب مؤمن.

في مجال تحقيق كتب التراث العربي حقق حميد الله عددا كبيرا من النصوص التراثية القيمة، منها "السير الكبير" لمحمد الشيباني، و"كتاب الردة" للواقدي

  • وفي السيرة النبوية حقق محمد حميد الله سيرة ابن إسحاق (توفي 151 هـ)، وقد أعاد هذا النص العتيق إلى خضم الحياة العلمية الإسلامية بعد أن أهمله الناس اعتمادا على سيرة ابن هشام (توفي 213 هـ) المتأخرة عنها، كما ألف كتابا من أمتع وأجمع ما كتب في السيرة النبوية وأحسنه حبكة وترتيبا، وهو كتابه "رسول الإسلام.. حياته وآثاره" (Le Prophète de l’Islam: Sa vie, son oeuvre) في مجلدين، ولم يترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية في حدود علمي حتى الآن، ومن إسهاماته في السيرة النبوية أيضا كتاب "نظام التربية والتعليم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم" وكتاب "ميادين الحرب في العصر النبوي".
  • وفي مجال الفقه السياسي ألف حميد الله عدة كتب، أهمها ثلاثة، هي كتاب "مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"، وهو مصدر قيم وكنز ثمين من الوثائق الأصلية التي لا يستغني عنه أي باحث جاد في الفقه السياسي الإسلامي والتأصيل للعلاقات السياسية بين المسلمين وغير المسلمين، ثم كتاب "أول دستور مكتوب في العالم" (The First Written-Constitution in the World)، وهو تحقيق لوثيقة دستور المدينة في العصر النبوي وترجمة لها إلى اللغة الإنجليزية، مع مقدمة ضافية بيّن فيها المؤلف أسبقية الإسلام إلى فكرة العقد الاجتماعي الذي يؤسس لبناء السلطة وأدائها على أساس التعاقد والتراضي بين الحاكم والمحكوم قبل عصر جون هوبز وجان جاك روسو بقرون متطاولة، ثم كان عمله الثالث المتميز في الفقه السياسي وهو دراسته المعنونة "هل للقانون الروماني تأثير على الفقه الإسلامي؟"، وفيها بيّن أصالة الفقه الإسلامي ورد ردا مفحما على المستشرقين الذي زعموا استمداده من القانون الروماني.
  • وفي مجال تحقيق كتب التراث العربي حقق حميد الله عددا كبيرا من النصوص التراثية القيمة، منها "السير الكبير" لمحمد الشيباني، و"كتاب الردة" للواقدي، و"أنساب الأشراف" للبلاذري، و"كتاب الأنواء" لابن قتيبة، و"كتاب الذخائر والتحف" للغساني، و"كتاب السرد والفرد" للقزويني، و"كتاب النبات" للدينوري، وغيرها كثير.

رحم الله محمد حميد الله.. راهب العلم المتبتل.


الاثنين، 27 مارس 2023

أرواح مشرقة.. علي عزت بيغوفيتش

 أرواح مشرقة.. علي عزت بيغوفيتش


محمد بن مختار الشنقيطي

علي عزت بيغوفيتش لم يكن يرى العدالة انتقاما، بل إرجاعا للأمور 
إلى نصابها، مع العفو والصفح حالما يرتفع الظلم عن المظلومين

ولد السياسي والمفكر المخضرم علي عزت بيغوفيتش عام 1925 في بلدة بوسانا كروبا شمال غرب البوسنة، لأسرة عريقة في تاريخ الإسلام بالبلقان. وكانت أمه على قدر من الورع والتقوى، فغرست في قلبه حب الإسلام. فعشق القرآن، وخصوصا سورة الرحمن، وهو صبي يافع. ثم أسس مع زملاء له في الثانوية نادي "الشبان المسلمين" وهو طالب، وتوسع النادي فيما بعد ليصبح جمعية ثقافية وخيرية، ويجتذب العديد من طلاب جامعة سراييفو التي درس فيها علي عزت القانون، وأدت الجمعية خدمات اجتماعية جليلة خلال الحرب العالمية الثانية.

وحينما احتلت النازية الألمانية مملكة يوغوسلافيا وأحالتها جمهورية فاشية، قاطعت جمعية الشبان المسلمين النظام الفاشي، وضايقها هذا النظام فحرمها من الشرعية القانونية. تخرج علي عزت محاميا، وجهد في إتقان اللغات الأوروبية الأساسية، ومنها الألمانية والفرنسية والإنجليزية، كما بنى بجهده الخاص ثقافة رصينة في العلوم الاجتماعية والفكر الإسلامي والأدب حتى أصبح ضليعا بهذه العلوم، كما تشهد به كتبه، خصوصا "الإسلام بين الشرق والغرب" و"هروبي إلى الحرية".

صدرت مجموعة من مقالاته في كتاب بعنوان "البيان الإسلامي" عام 1981، فأثار الكتاب ثائرة السلطة الشيوعية التي رأت فيه نوعا من المناهضة للشيوعية، خصوصا بعنوانه المثير الذي يشبه المناقضة لعنوان "البيان الشيوعي" الذي أصدره كارل ماركس وفريديريك أنغلز عام 1848

متحدي الزحف الأحمر

بدأت محنة المسلمين في يوغوسلافيا تتعمق أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، حينما استولى الحزب الشيوعي بقيادة جوزيف تيتو على السلطة، وفرض نظاما قمعيا مناهضا للإسلام، واعتقل عددا وافرا من قادة المسلمين وأعدم العديد منهم. أما جمعية الشبان المسلمين، ذات المنهج الثوري واللغة السياسية الصريحة، فكانت الوطأة عليها أقوى؛ فاعتقل منها النظام الشيوعي نحو الألفين؛ منهم علي عزت، الذي مكث في السجون الشيوعية 5 أعوام (1949-1954). وبعد خروجه من السجن بدأ العمل محاميا عام 1962، وواصل عمله الفكري الإسلامي من خلال الكتابة المنتظمة في مجلة "تاكفين" التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين في يوغوسلافيا.

وصدرت مجموعة من مقالاته في كتاب بعنوان "البيان الإسلامي" عام 1981، فأثار الكتاب ثائرة السلطة الشيوعية التي رأت فيه نوعا من المناهضة للشيوعية، خصوصا بعنوانه المثير الذي يشبه المناقضة لعنوان "البيان الشيوعي" الذي أصدره كارل ماركس وفريديريك أنغلز عام 1848، وأصبح "إنجيل" الحركة الشيوعية.

حوكم علي عزت محاكمة صورية وحكم عليه عام 1983 بالسجن 14 عاما، فمكث 5 سنوات كالحة في السجون الشيوعية للمرة الثانية. ومع انهيار الشيوعية عام 1989 خرج من السجن بعد إعادة محاكمته وتبرئته، وبدأ العمل السياسي في أجواء الانفتاح الجديد؛ فأسس حزبا سياسيا، وفاز برئاسة جمهورية البوسنة طيلة عقد من الزمان (1990-2000). ثم رحل عن عالمنا عام 2003، مخلفا ذكرى عطرة وأثرا لا يندثر.

كان علي عزت أبيا في تواضع، صلبا في حكمة. صمد في السجن أمام الإغراء والإغواء، وصبر خارج السجن في البأساء والضراء. جمع بين العلم والعمل، بين الفكر والالتزام بالقضية

قاهر بربرية الحضارة

تفاءل مسلمو البوسنة بسقوط الشيوعية خيرا، وحسبوا أنهم دخلوا عالم الحرية الموعودة التي طالما انتظروا إسفار فجرها على بلدانهم. بيد أن عدوا جديدا أطل برأسه القبيح، فكان أبشع من الشيوعية وأكثر دموية، وهو الفاشية الصربية، التي سعت إلى استئصال الإسلام من يوغوسلافيا، مدفوعة بأحقاد دفينة ترجع إلى ميراث العصور الخوالي من الصراع بين المسلمين الأتراك والمسيحيين السلافيين في البلقان. وقد تواطأت أوروبا مع الصرب بحصار المسلمين وحرمانهم من أي سلاح يمكنهم من الدفاع عن وطنهم المستباح. وبينما كان المسلمون يبادون كان بعض القادة الأوروبيين يتحدثون عن خطر وجود "دولة إسلامية" في أوروبا، وكان على علي عزت أن يقود شعبه في معركة موت أو حياة، انتهت باستقلال البوسنة، لكن بعد تضحيات جسام، وبحور من الدماء.

كان علي عزت أبيا في تواضع، صلبا في حكمة. صمد في السجن أمام الإغراء والإغواء، وصبر خارج السجن في البأساء والضراء. جمع بين العلم والعمل، بين الفكر والالتزام بالقضية. كان شديد الذكاء، عظيم الشجاعة، لكنه كان يقدر الشجاعة أكثر من الذكاء، وقد كتب يقول: "لم يغن الشعب للذكاء، وإنما غنى للشجاعة… لأنها الأكثر ندرة". وفي أحلك المحن التي واجهها ظل علي عزت ذلك الرجل ذا القلب الكبير الذي لا يحمل حقدا حتى ضد أعدى أعاديه. وقد كتب عن نفسه بحق: "لا كراهية لدي، وإنما لدي مرارة"، "لا أتذكر أني احتقرت أحدا".

ولم يكن يرى العدالة انتقاما، بل إرجاعا للأمور إلى نصابها، مع العفو والصفح حالما يرتفع الظلم عن المظلومين. وفي ذلك يقول: "الطريقة الوحيدة للانتصار على الظلم هي التسامح… أليست كل عدالة ظلما جديدا؟". وبهذا العقل الواسع والقلب الكبير قهر علي عزت بربرية الحضارة التي أرادت استئصال شعبه تحت سمع وبصر العالم.

علمته محنة السجن الكثير. وكان يكتب بعض الخواطر وهو سجين، ويخفيها عن أعين سجانيه. ونشرت هذه الخواطر فيما بعد ضمن كتابه "هروبي إلى الحرية"

عاشق الحرية السجين

كان علي عزت عاشقا للحرية التي يراها جوهر إنسانية الإنسان، كما كان يرى الدكتاتورية أعدى أعادي الإنسان. وكان يعتبر ملكة التفكير مصدر قوة الكائن البشري ومنبع حريته التي لا تستطيع قوة القهر المادي سلبها. ولذلك كتب متحدثا عن نفسه في السجون الشيوعية: "لم أستطع الكلام، لكني استطعت التفكير. وقررت استغلال هذه الإمكانية حتى النهاية." وقد حاولت السلطة الشيوعية استدراجه إلى نوع من المساومة على مبادئ الإسلام والحرية فلم تجد منه سوى الصدود والإباء.

كتب في دفتره المخفي بالسجن: "اليوم هو 27 فبراير/شباط 1987، وهو يوم قليل الإثارة. طلبوني في الصباح لإدارة السجن واضطربت، لأنه لم يكن وقت زيارة. وفي غرفة اللقاءات وجدت ليلى وسابينا (ابنتيه) بوجوه مرحة. أرادتا فورا وربما على المدخل أن تقولا أن لا شيء مكروها قد حصل. ثم تحدثتا لي كيف أن نيكولا ستويانوفيتش رئيس لجنة الاسترحام في رئاسة جمهورية البوسنة اقترح استدعاء للاسترحام، وسيتم الإفراج عني. وكان الوسيط زدرافكو جوريتشش سكرتير اللجنة آنذاك هو زميل ليلى في الدراسة، الذي كتب الاستدعاء. وقرأت النص، ولم أوقع، واستمر السجن". لقد طلبوا منه التوقيع على استرحام من سجانيه، وعلى التزام باعتزال السياسة والشأن العام، فرفض بإباء، ومكث في السجن عامين آخرين جراء ذلك.

وقد علمته محنة السجن الكثير. وكان يكتب بعض الخواطر وهو سجين، ويخفيها عن أعين سجانيه. ونشرت هذه الخواطر فيما بعد ضمن كتابه "هروبي إلى الحرية". وهي تدل على إيمان راسخ، وعقل ثاقب، وفهم عميق للحياة وابتلاءاتها. وفي اثنتين من هذه الخواطر كتب: "السجن يقدم معرفة يمكن أن يقال عنها إنها مؤلمة للغاية"، "يعاني الإنسان في السجن من نقص في المكان وفائض في الزمان".

أسهم علي عزت إسهاما جليلا في الفكر الإسلامي والإنساني من خلال كتبه، وأهم هذه الكتب هي "الإسلام بين الشرق والغرب" و"هروبي نحو الحرية" ثم "البيان الإسلامي"

حامل الرسالة الإنسانية

كان علي عزت بيغوفيتش إسلاميا في العمق، لكن بأفق إنساني رحب. ويحتار المطالع لتراثه من سعة اطلاعه على الثقافة الإنسانية. فهو ضليع في الفلسفة، والأديان، والقانون، والتاريخ، والأدب، والرسم. وتدل هوامش كتبه وثراء استشهاداته وملاحظاته على اطلاع مذهل على ثمرات الفكر الإنساني في الشرق والغرب، وعقل منهجي ناقد لما قرأ، متمثل له في ذاته. وكان يرى أن ركام المعلومات من غير هضم عبء على حامله، وليس من المناسب تسميته معرفة أصلا. وقد كتب في ذلك: "المعرفة المفرطة تخنق أحيانا الفكرة الإبداعية… يمكن للإنسان أن يمتلك المعرفة في عدة مجالات، لكن من غير تنظيم ودون رؤية… الكثير من المتعلمين عاشوا وماتوا دون معرفة حقة… كومة من المواد الجيدة دون مخطط تبقى كومة فقط".

أسهم علي عزت إسهاما جليلا في الفكر الإسلامي والإنساني من خلال كتبه. وأهم هذه الكتب هي "الإسلام بين الشرق والغرب" و"هروبي نحو الحرية"، ثم "البيان الإسلامي". آمن إيمانا عميقا بالإسلام رسالة إنسانية، تحتاجها البشرية اليوم بشدة. وقد قدم الإسلام بصفته طريق الوسطية بين المادية العمياء التي تغلف الأفق الإنساني وتحجب رؤيته، والروحانية العرجاء التي تؤصل الانهزامية والانسحاب من معركة الحياة.

فالإسلام هو "الطريق الثالث" كما يدعوه علي عزت، الطريق الذي لا يشطر الذات الإنسانية شطرين، بل يصوغها صياغة متزنة، تجعلها قادرة على التوفيق بين واقعها المتناهي وأفقها اللامتناهي. فالروحانية الواقعية هي أهم سمات الإسلام، والإنسان الكامل في الإسلام -كما يراه علي عزت- ليس القديس، بل المؤمن الواقعي القوي، الملتزم برسالته الاجتماعية ودوره في الحياة. ولو فهمنا الإسلام حق الفهم -يقول علي عزت- فسنجد أن الإنسان الواقعي الملتزم أعظم من القديس، وأن ذلك هو السر وراء أمر الملائكة المعصومين بالسجود لآدم الخطاء.

رحم الله علي عزت بيغوفيتش.. قاهر بربرية الحضارة بإيمانه الإسلامي وأفقه الإنساني.