‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات تركي الجاسر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات تركي الجاسر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 أغسطس 2014

دروس غزة.. من التباكي إلى التعالي


دروس غزة.. من التباكي إلى التعالي


تركي الجاسر


الهزة النفسية الهائلة التي تصنعها أحداث غزة خلخلت كثيرا من المسلمات والاعتقادات، بما يجعلها دورة مكثفة في تثقيفٍ عاجل وجماعي للشعوب العربية. هذه القفزات النفسية لشعوب كاملة في أيام قليلة، لم تكن لتحصل لولا معطيات الحدث الاستثنائية، وصدق الرجال الذين يصنعون هذا الحدث.

تجربة غزة أزاحت المفاهيم البائسة التي تهوي بالإنسان إلى حضيض الذل والمهانة، وثبتت بدلا منها المفاهيم العظيمة التي ترفعه إلى قيم العزة والكرامة. هذه المفاهيم لا يمكن إدراكها بقراءتها مكتوبة، لأنها مرتبطة بشبكة تفاعلية كاملة، وتجربة حياتية، وخليط من الوجدان والفكر والمعايشة مع الأحداث. ومسيرة غزة بمساحتها الصغيرة وشعبها المحاصر ووضعها المواجه لمؤامرة عالمية غير مسبوقة، هي الأمثل لأن تغرس في النفوس مثل هذا التغيير في المفاهم.

ميتة الربح وحياة الخسارة

فقدنا في غزة شهداء كثير (نحسبهم والله حسيبهم) والناس يعرفون الشهادة في سبيل الله، ويعظمون ويقدسون مفهوم الشهادة لكن غزة علمتنا كيف أن الشهادة ليست حدثا معزولا يعظم ويقدس لوحده. فرض علينا الواقع مقارنة إجبارية بين غزة بمقاييسها، وعالمنا العربي بمقاييسه، ففهمنا معنى قوله تعالى “ويتخذ منكم شهداء”. هذه المقارنة لا نستطيع تحاشيها ليس لأن أحداث غزة تملأ الإعلام، لكن لأن واقعنا العربي السيء فيه ما يخجلنا أمام هذا التفوق الغزاوي العظيم.

تعلمنا من غزة أننا نفقد القتيل فيرتقي شهيدا في الجنة (نحسبه كذلك)، فيكون الآلاف الذين ارتقوا كأنهم نجحوا بدرجة كاملة في دورة غزة الحياتية العظيمة. أما عندنا فإننا نفقد الإنسان من الاستقامة إلى الانحراف، ومن السلامة والانضباط إلى الخمر والمخدرات. فيُران على القلب فيفشل قبل نهاية الامتحان. ثم يتراكم الران فينتقل من الإيمان إلى اللامبالاة بالدين، أو العلمنة الصريحة، أو الإلحاد الصريح، ومن الالتزام إلى ترك الواجبات، فنفقد الآلاف والملايين في دورة الحياة، في بلداننا لحضيض جهنم والعياذ بالله.

تعلمنا في غزة أن الشهداء يرتقون، وقد مهدوا السبيل لإنجاح الكثير من أقرانهم في هذه الدورة الحياتية العظيمة، لأنهم فرضوا واقعا إيمانيا وعقديا ومنهجيا وحضاريا يرفع شأن الأمة كلها. أما عندنا فيتراكم الانحراف ويصنع جوا يستمرئ المنكر ويطبّع الفساد ويستثقل الاستقامة. أما التضحية والتحدي والمسؤولية الجماعية، فهذه مطموسة من القاموس، ولا يستطيع المترف أن يدركها فضلا عن أن يفهمها. من هنا كان فقدان الشهداء نعمة لهم ونعمة لمجتمعهم، بل نعمة لنا لأننا تعلمنا أننا نخسر بحياتنا وهم يربحون بموتهم. ومن هنا كانت خسارة الأحياء وهم أحياء، كارثة نخجل بها أمام أساتذتنا الشهداء.

متعة التحدي ولذة النضال


تعلمنا من غزة
أن البيوت هدمت، والخدمات عطلت، والقطاع حوصر سبع سنوات عجافٍ، فماذا أنتج هذا الحصار؟ أنتج تقنية وسلاحا متطورا، وتنظيما متماسكا، وتدريبا راقيا، وتخطيطا متكاملا، وقدرات قتالية فائقة. لكن هل علمتنا غزة لماذا؟ نعم علمتنا غزة أن الروح التي تسري في الناس هي روح التحدي والنضال والإصرار على الفوز في هذا التحدي. وعلمتنا أننا بعيشنا المترهل والمتثاقل إلى الأرض، في حالة العجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال.

بماذا ترزأ الأمة؟

الأمة لا ترزأ بشخص عامي يتجرع الهزيمة فيستمرئها، أو بمرتزق بقلمه يوطن الهزيمة والتبعية، أو بعالم خائن معروف بخيانته يلوي أعناق النصوص الشرعية ليرسخ منهجية الهزيمة. إنما ترزأ الأمة بمن تظنهم أصحاب رسالة يعون ظرفهم، ويعرفون تماما موقعهم في المكان والزمان والحدث، ويدركون تميزهم العقدي والفكري والحضاري والتربوي، تُرزأ بهم حين تراهم لا يكتفون بإعلان الهزيمة، بل يجعلون الهزيمة قدر الأمة المحتوم.

سبحان الله، كل نصوص هذا الدين المثقلة بمعاني الاستعلاء، والمليئة بالمبشرات بالسمو والانتصار والتمكين، تختفي ويصبح المرء رهينة تجربته الحياتية المحدودة. والأسوأ من ذلك أن يصّر من يعيش حالة الهزيمة المرّة، على جر المجتمع المسلم مع تجربته الذاتية ليُلزمه بعيشها.

نزعة الدواء ثقيلة


الغرض المطلوب نواله عند التعامل مع منهجية التباكي ليس سهلا، وجرعة الدواء قوية وثقيلة لا بد فيها من آثار جانبية مؤلمة. نهج التباكي والسلبية وتجرع الهزيمة وتقريرها وتحويلها إلى قدر محتوم، نهج قبيح مللنا منه وتجاوزناه والحمد لله، وينبغي أن نربي أنفسنا على رفضه والتضايق منه، وأن ننسفه بقوة وعنف وبلا هوادة. وإن صدر عن أناس لهم تلك المصداقية، فينبغي أن تزداد عبوة النسف، ويبالغ قصدا في تأنيب من يروّج له.

لقد استعادت الأمة والحمدلله محبة لغة الاستعلاء، وأصبحت لا تستلذ إلا بمن يحدثها بخطاب استنهاضي، فيه بشائر التمكين والظهور لأهل الحق وخطاب التحدي والمواجهة، سواء لطغاة الباطل الجاثمين على صدور المسلمين، أو لرؤوس الكفر الصريح. والمتصدون للكتابة والحديث للجمهور لا يسعهم أن يتجاهلوا التأييد العارم، والكاسح لصمود أهل غزة وإبداعاتهم، وتلذذ الناس بطريقتهم في تحدي الصهاينة. هم وأمثالهم يدركون ذلك قطعا، سواء أقروا به أم لم يقروا، فإن أقروا فقد قالوا الحقيقة، وإن لم يقروا فهي مغالطة مكشوفة.

الذات هي القضية


الحقيقة المؤلمة، والمؤلمة جدا ربما تكون أسوأ من تأكيد منهجية التباكي وقدرية الهزيمة. هذه الحقيقة هي استغراق الشخص الرمز، في السياق الذي يعيشه حتى يتحول مع ضغط الواقع، والمعاناة الشخصية، ومع متابعة الناس لنشاطه، وتجميده هو لرقابة “التجرد” إلى حالة ووضع ودور جديد، تسوقه لها هذه الضغوط والمعاناة. هذه الحالة الجديدة هي أن يعتقد الرمز أن مشاعره الشخصية، وحالته الذاتية، هي قضية الأمة، وليس أن حالة الأمة هي قضيته. بمعنى أن يصل الحال بالرمز أن يعتقد بأن تضايقه من حال المسلمين، حالة شاعرية عامة، يجب أن يصفها ويكتبها ويسهل قراءتها من قبل الناس، لأن هذه بحد ذاتها هي القضية، وأن المسلمين في حالة انتظار وترقب لما يكتب من حالات شاعرية لأمثاله حتى يتقمصوها ويعيشوها.

انتهازية المصداقية

هذا الاستغراق في السياق، الاستغراق الذي يؤدي إلى نقل مركز القضية من الأمة لذات الرمز شخصيا، يتطور عند بعض الرموز وخاصة عند غياب التقويم وغلبة المجاملة بينهم، إلى إعادة تشكيل لمشروع الرسالة. حين يتكئ بعض الرموز على ما لديهم من رصيد من المصداقية، وينساقون مع متابعة الناس لما يصدر عنهم من الكتابات والتصرفات، دون كابح من رقيب “التجرد” يحسبون أنهم أمسوا هم القضية، فيتحدثون ويكتبون من هذا المنطلق شعروا أو لم يشعروا. ونظرا لانتشار ثقافة الذات والذاتية، فإن التيار العام مع الأسف الشديد، ليس فيه ما يكفي من أدوات التقويم والتنبيه التي تعيد وضع الرمز إلى السياق الأصلي، وتذكره بأن ذاته هي التي في خدمة القضية وليس العكس.

متى ينهزم الأقوياء؟

في تأمل عميق لنوعية التحديات التي تواجه الساعين للتغيير الاجتماعي والتاريخي، يمكن تمييز ثلاث تحديات تكاد تسقط أكبر الصامدين:

- القدرة على التجرد والإخلاص والعدل ومقارعة جواذب ومؤثرات الحياة المختلفة.

- الاستعداد للصبر والمصابرة وطول النفس والإصرار على المطلب بكامله دون تنازلات.

-الثبات على المنهج والمنطلقات والموازين التي يحكم بها الساعي للتغير، حياته وتصرفاته.

التجرد التجرد

أما التجرد فسلعة مستحيلة، مهما زعم من زعم أنه قد حازها، والإنسان يعيش تحت نوازع ومؤثرات هائلة إن أخطأه أحدها حرفه الآخر. هذه النوازع والمؤثرات بعضها مكشوف وظاهر، يستطيع المرء أن يتجنبه بسهولة، لكن الكثير منها غير مكشوف ولا ظاهر، ولا يفطن له إلا من رزق العدل والبصيرة. بل إن بعض النوازع المكشوفة والظاهرة يأتي المرء ليتجنبها فيبالغ في ذلك، حتى ينحاز في الاتجاه المعاكس.

ربما يظن البعض أن مشكلة التجرد هي التخلص من حظوظ النفس فقط، لكن الحقيقة أن نوازع الحياة التي تحرف عن التجرد كثيرة، وتضخيم قوة العدو مثلا ليس إلا نموذجا من نماذج هذه النوازع الخارجة عن نطاق حظ النفس. وغالبا ما يعاني الذي يميل مع هذه النوازع ويفشل في التجرد، من شعور خفي قوي بأنه على غير الحق، خاصة إن كان معدنه في الأصل نظيفا.

هؤلاء تقرأ في عباراتهم المكتوبة أو المسموعة الكثير من الدفاع عن الذات، على شكل تزكية للنفس، تأتي في بعض الأحيان بدون مناسبة، وكأن الأصل هو الاتهام. ورغم أن الميل مع النوازع والفشل في التجرد أمر ليس محبوبا، لكن الأمة تقدره وتتفهمه، إن كان الفرد الذي عانى منه قد أبقى أثره على نفسه، لكن الأمة لا تقبل من يريد أن يلبّسها ميله وانحيازه، ويحرفها معه بعد أن فشل في العدل، ولم يتمكن من حيازة التجرد.

النفس الطويل

طول النَفَس والصبر والمصابرة مطلب صعب آخر، لا يناله إلا فئة قليلة من الناس رُزقت الثبات والعناد والتحدي على ما تؤمن به. والقرآن في مواضع كثيرة يثبت هذه الحقيقة من ناحيتين، ناحية حتمية تعرض من يسعى للتغيير لصعوبة في المسيرة وكثرة العقبات والتحديات والمحن أمامه، وناحية أن الذين يثبتون أمام هذه المحن فئة قليلة جدا، وأما الغالبية فينهارون في مراحل مختلفة من المسيرة. وفي قصة طالوت يثبت القرآن أنه قد يكون المرء مؤمنا بالله، ومع ذلك يضعف نفسيا، لأن الإيمان لم يصل به لمرحلة اليقين بملاقاة الله ((فلما جاوزه هو والذين آمنو معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)).

والأمة تعذر من يتعب ويكل ويمل ويقصر به الزاد، فيتنحى فاتحا المجال لغيره ومتمنيا له النجاح، وداعيا الله له بالثبات، بل ربما تقدر الأمة من يتنحى معترفا بالتقصير والضعف، خاصة إن حرص على أن لا يؤثر تنحيه على مسيرة التغيير. لكن الأمة لا تعذر من يريد أن يوقف المسيرة مع وقفته، أو يريد أن يجعل ما حصل له قدرا محتوما للأمة كلها، وكأن التاريخ يستأذنه وكأن عجلة الزمن توقفت عنده.

الثبات على المنهج

أما الثبات على المنهج فمسألة ليست مستقلة عن التجرد ولا عن طول النَفَس، فغالبا ما يكون الشك بالمنهج منبعثا من الميل مع النوازع والعوارض المختلفة، أو مع الملل والهزيمة بسبب طول المسيرة وكثرة العقبات. لكن يبقى وضوح المنهج ابتداء، وقوة قناعة الساعي للتغيير به، أمرا أساسيا يمنع هذا الشك مهما كانت المؤثرات.

وكثير من الساعين للتغيير يقتحمون المهمة دون وضوح لمعالم مسيرة التغيير، لا من حيث الهدف ولا من حيث المنطلقات، ولا من حيث السياسات التي تحكم حياتهم وتصرفاتهم، ولذلك تهزهم الأحداث والتحديات ومن ثم تهز قناعاتهم بالمنهج الذي يحكم حياتهم. وبعد تتابع الصدمات القوية على من لا يتكئ على منهج متماسك، خاصة مع تخلخل التجرد والنَفَس القصير تظهر على الرمز أو الساعي للتغير -عن قصد أو دون قصد- تنازلات منهجية غريبة تتعارض أصلا مع بدايات المسيرة.

بعضهم مثلا أصبح يتحدث بلغة لا تختلف كثيرا عن اللغة العلمانية بنسختها الليبرالية، وآخرون بلغة لا تختلف عن القُطرية العنصرية، وغيرهم تحولوا إلى أسرى التأسيس الفكري للإعلام الغربي، أو حتى الإعلام العربي المتخلف. لكن الأسوأ من ذلك أن يرفض الساعي للتغيير، أو الرمز أن يُحمّل نفسه الخطيئة أو التقصير أو الضعف أو قلة الصبر، ولا يريد أن يتنحى ويتركها لغيره، فيلقي باللوم على المنهج، وكما يقول بسبب أخطاء بنيوية في المنهج كان الفشل!! والأمة ربما تعذر من يعترف أن ليس لديه وضوح منذ البداية في المنهجية، وأنه ليس كفؤا لأن يتحمل مسؤولية التغيير بسبب هذا الغبش، لكنها لا تعذر من يريد أن يدخل الأمة معه في اضطراب منهجي وتنازلات مبدئية.

الاثنين، 4 أغسطس 2014

الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي


الهواجس القاتلة للشعب الإسرائيلي


ما من شعب في العالم يعيش هواجس ووساوس جماعية مثل الشعب الإسرائيلي(1). هذه الهواجس ليست مرتبطة بالشخصية اليهودية بقدر ارتباطها بتأسيس دولة إسرائيل، وذلك لما صاحب التأسيس من خطوات اعتسافية لا تنسجم مع التطور الطبيعي للدول والأوطان والمجتمعات. وقد رُصدت هذه الهواجس مبكرًا في إنشاء إسرائيل(2)، لكن الجيل الأول من المؤسسين لإسرائيل كانوا يعيشون تحدي الإنشاء بدرجة جعلت هذا التحدي طاغيًا على الوساوس الأخرى. حين انحسر هذا التحدي بدأت تظهر آثار هذه الوساوس بعد إعلان الدولة في 1948، ولم تتغير كثيرًا بعد حرب 1967؛ لكنها قفزت بقوة بعد معركة الكرامة 1968 التي تعتبر أول هزيمة نوعية للجيش الإسرائيلي(3). وبعد حرب 1973، ترسخت هذه الهواجس، ثم تصاعدت بسرعة بعد انطلاق الانتفاضة سنة 1987 لما تمثله الانتفاضة من غضب شعبي فلسطيني شامل ومتواصل ضد المشروع الصهيوني. ومنذئذٍ وهذه الهواجس تتصاعد إلى أن وصلت ذروتها بسيطرة حماس على غزة سنة 2007.

الهاجس الأمني

ليس المقصود بالهاجس الأمني هنا خوف الفرد اليهودي من الموت، فهذه الطبيعة موجودة في الشخصية اليهودية سواء كانت في إسرائيل أو غيرها(4). إنما المقصود هو القلق في السيكيلوجية الجمعية الإسرائيلية على الشعب الإسرائيلي نفسه من الإبادة أو التهجير أو أي خطر آخر. عدة أسباب تجعل كل فرد في الشعب الإسرائيلي يدرك في تفكيره الظاهر أو عقله الباطن أن إسرائيل كلها في خطر حتمي.

السبب الأول، هو القناعة الخفية لكل الإسرائيلين أن دولتهم دولة مصطنعة في جسم مزروع بشكل معتسف في محيط يرفضه بطريقة تخالف التاريخ والجغرافيا. الفرد الإسرائيلي يدرك أن عجز المحيط عن لفظ هذا الجسم المزروع هو وضع استثنائي وليس الأصل، وأن الوضع الأصلي سيعود ويلفظ الشعب الإسرائيلي كله. وأفضل تشبيه لهذا الواقع هو في زراعة عضو في جسم آخر، فهذا العضو سيُرفض عاجلًا أو آجلًا، ولكن بالإمكان أن يبقى مؤقتًا بمثبطات قوية للمناعة. المثبطات في هذا الوضع الاستثنائي هي الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية، التي تحمي إسرائيل وتمنع شعوبها من المقاومة. والآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة ومعها أجهزة الاستخبارات والتكنولوجيا المتطورة كلها لن تنفع شيئًا إذا بدأت عملية رفض الجسم المزروع بتشغيل جهاز المناعة (5).

السبب الثاني، قناعة الإسرائيليين أن السلام حتى لو تحقق مع الحكومات المحيطة بهم والسلطة الفلسطينية فإن وجدان الشعوب يرفض وجودهم وسيكون هذا السلام أمرًا مؤقتًا، وهو ما حصل فعلًا مع السلطة الفلسطينية، فقد كانت غزة مركز عرفات بعد أوسلو، وكان أفراد المقاومة يعتقلون ويعذبون من أجل إسرائيل، ثم دارت الدائرة فأصبحت غزة مركز الخطر على إسرائيل. وحين انطلقت ثورة يناير في مصر وفاز مرسي في الانتخابات، كان القلق في إسرائيل على أشده ولم يهدأ إلا بعد انقلاب السيسي. وفي سوريا كان الأسد يخوف أمريكا بأن الثورة ستأتي بالجهاديين على عتبة إسرائيل. ولهذا السبب فإن إسرائيل في حالة متابعة مستمرة مع أمريكا وغيرها من الدول لضمان أن تبقى الحكومات الحامية لها في سدة السلطة حتى لا تتحرك الشعوب (6).

السبب الثالث، اعتماد الإسرائيليين بشكل بنيوي على دعم دول أخرى؛ لأن إسرائيل دولة صغيرة بمقدرات محدودة، وقد نذرت جزءًا كبيرًا من ميزانيتها للأمن القومي فهي بحاجة لدعم خارجي حتى تغطي لوازمها الأخرى(7). وهذا يستدعي أولًا: أن تكون هذه الدول قادرة على الدعم ماديًّا وعسكريًّا؛ وثانيًا: أن تكون راغبة بالدعم. ولأنّ الشعب الإسرائيلي يدرك فطريًّا أن لا ضمان لأن تبقى هذه الدول قادرة وراغبة، يستولي عليه هاجس ما هو مصير إسرائيل لو توقف هذا الدعم. واحتمال انحسار الرغبة أقرب من احتمال العجز عن دعم إسرائيل. وأقوى أسباب انحسار الرغبة، هي قناعة هذه الدولة أو الدول بأن دعم إسرائيل يضر المصالح القومية لهذه الدول. ولذلك فإن السياسة الإسرائيلية تبذل جهودًا ضخمة في التأثير على القرار في تلك الدول، وجهودًا ضخمة أخرى في تحسين صورتها أمام الرأي العام هناك. ولولا هذا السبب، لسحقت إسرائيل غزة عن بكرة أبيها بدون تردًّد.

هذه الأسباب إضافة لاعتقاد الكثير من الإسرائيليين من خلال نبوءاتهم، أن تجمّعهم هو مقدمة لفنائهم تجعل الهاجس الأمني يسيطر على الشعب الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية. هذا الهاجس الأمني يفسر التجنيد الإجباري في إسرائيل، ويفسر تفريغ جزء كبير من الميزانية للدفاع، ويفسر الحرص الخرافي لإسرائيل على تكنولوجيا التجسس، ويفسر تدريب وتعليم كل الشعب الإسرائيلي على طريقة التعامل مع مخاطر الأمن القومي. كما يفسر تحوير خطط التنمية والطرق والخدمات والمباني وبرامج التعليم والإعلام والسياسة الخارجية باعتبار “الأمن أولًا”(8).

والذي يفهم عمق الهاجس الأمني في الشعب الإسرائيلي، يدرك مدى القلق الإسرائيلي من الحرب الأخيرة مع غزة؛ لأنها ضربت كل ثغرات الأمن لديهم. أولًا، أثبتت المواجهة أن المؤسسة العسكرية والاستخباراتية والرصد والمراقبة والتتبع لم تتمكن من حماية الشعب الإسرائيلي من صواريخ المقاومة، ولا من التسلّل برًّا وبحرًا وجوًّا. ثانيًا، طول المواجهة مع التغطية الإعلامية لها يعجل بالغضب الشعبي العربي، وتسريع عجلة الربيع العربي بسبب كشف تهافت هذه الحكومات. ثالثًا، اضطرار إسرائيل لقصف المدنيين يفقد إسرائيل جزءًا كبيرًا من الرأي العام الغربي، ومن ثمّ يعجل بالضغط على حكومات الدول الداعمة لإسرائيل.

الهاجس السكاني (الديموغرافي)

اليهود في العالم عددهم محدود؛ لأنهم أصحاب ديانة بالولادة وليست بالهداية (هي ديانة عنصرية بامتياز) (9). وإضافة لمحدودية عدد كافة اليهود في العالم، فإنّ عددًا كبيرًا منهم غير مستعد للهجرة لإسرائيل. أسوأ من ذلك فإن الذين هاجروا لا يمكن ضمان بقائهم في إسرائيل. هذه الأسباب تجعل الإسرائيلي يحمل همّ مَن سيشاركه من بني دينه ومَن سيبقى معه في نهاية المطاف.

ورغبة اليهود في الهجرة لإسرائيل أو الهجرة المعاكسة، مرتبطة بقوة بالواقع السياسي والعسكري والاقتصادي، لكنها مرتبطة أكثر بالواقع الأمني. ولذلك فقد كانت الهجرة باتجاه إسرائيل هائلة حينما كان المشروع الصهيوني متفوقًا وكانت الشعوب العربية (بمن فيهم الفلسطينيون) في حالة هزيمة منكرة. ومنذ أن انطلقت المقاومة وبدأت العمليات الاستشهادية، ثم المواجهات مع غزة انعكس الوضع وتفوقت الهجرة المعاكسة بكثير(10).

ولهذا السبب، فإنّ قتيلًا واحدًا أغلى على إسرائيل من آلاف القتلى العرب والفسلطينيين. صحيح أنّ أحد الأسباب هو حب اليهود للحياة، لكن السبب الأهم هو تأثير هذا القتل على العقل الجمعي الإسرائيلي، وتراكم هذا التأثير بما يؤدي إلى تدفق الهجرة خارج إسرائيل.

وأسوأ من القتل أسر الجنود الإسرائيليين؛ وذلك لأن الأسر أكثر إرهابًا للشعب الإسرائيلي ودفعًا له للهجرة المعاكسة من القتل. ولعلّ من تابع قصة شاليط ومبادلته بآلاف الأسرى، يدرك خطورة الأسر على النفسية الإسرائيلية. ولهذا السبب، تدرّب أبطال القسام على عمليات الأسر لإدراكهم مدى تأثير الأسر على نفسية الشعب الإسرائيلي(11).

هاجس التناقض

يعيش الشعب الإسرائيلي جملة من المتناقضات التي تجعل شخصيته قلقة وغير واثقة من نفسها، وهو ما يخلخل الشعور بالاستقرار في الذهنية الإسرائيلية. والشخصية القلقة غير المستقرة تضاعف أثر الهاجس الأمني السابق ذكره وتضاعف آثاره كذلك.

التناقض الأول، بين اعتقاد الشعب الإسرائيلي أن دولته لا يمكن أن تبقى إلا برعاية وحماية دولة عظمى، مقابل شعور الشعب اليهودي بالتفوق البشري كونهم شعب الله المختار الذين قدر في الأزل أنهم الوحيدون الناجون(12). حاول الصهاينة حل المشكلة بتقوية لوبياتهم حتى يكونوا هم القوة في الدول الراعية لهم، وحققوا نجاحات لكن لا يزال الزخم العام لصالح أبوية هذه الدولة الراعية.

التناقض الثاني، بين الأدلة النصية في كتب اليهود بمنع التجمع إلا تحت راية المخلص، مقابل زعم الصهاينة أن التجمع يجب أن يسبق ظهور المخلص. ومهما حاول الصهاينة تسويغ فكرة التجمع، فإن النصوص لا يمكن حذفها من الكتب الدينية التي تدرس بانتظام في المعابد اليهودية والمعاهد الدينية. ويتبع هذا التناقض رضوخ الحاخامات للقوى العلمانية الصهيونية؛ وهي حيلة يهودية أخرى لتبرير وضع غير طبيعي للشعب الإسرائيلي(13).

التناقض الثالث، بين اعتقاد أن الشعب اليهودي انصهر في إسرائيل في انسجام وتفاهم، بعد أن جمعته هذه الدولة بينما تشكّل خلافات الطوائف اليهودية أسوأ أنواع الخلاف بين الطوائف التابعة لديانة واحدة. ويرى الدكتور المسيري أنّ الخلاف بين الطوائف اليهودية شاسع إلى درجة أن مجموعهم لا يمكن أن يسمى يهود، بل هم جماعات يهودية(14). صحيح أن هذا الخلاف مستور لم يظهر للسطح، لكنّه مترجم على شكل خلافات عنيفة في تشكيل الوزارات وتوزيع الوظائف، وربما يتحول إلى صدامات تربك وحدة الدولة بالكامل.

التناقض الرابع، زعم الذين هاجروا لإسرائيل أنهم أصحاب مبادئ وقضية، وأنهم مخلصون ومتفانون في وجه الخطر العربي ومن ليس منضبطًا دينيًّا فهو منضبط وطنيًّا لا يمكن أن يتصرف ضد الوطن. لكن تبين أن هذا كله هراء بعد أن انتشرت قصص الفساد وسوء استغلال السلطة بين كلّ الساسة والمسؤولين الكبار في إسرائيل(15).

هاجس ماذا نريد؟

كان المؤسسون الأوائل لإسرائيل واضحين في أنهم يريدون تأسيس دولة في فلسطين، تكون القدس عاصمة لها ولم يهتموا كثيرًا بالتفاصيل. بعد أن تأسست الدولة سنة 1948، لم تكن القدس من ضمنها، فكان الحرص على القدس مطلبًا آخر يمنع الغموض. بعد أن احتلّ اليهود القدس سنة 1967، اكتشف الإسرائيليون أنهم لا يعلمون ماذا يريدون، بعد ذلك هل يريدون دولة من النيل للفرات أو حدود 67؟ هل يريدون التعايش مع الفلسطينيين أو التخلص منهم؟ هل يريدون السلام مع العرب أو استمرار حالة الحرب؟ إلى آخره من الأسئلة التي فرضها الاستقرار الظاهري لدولة إسرائيل. هذا الهاجس أضاف للعقلية الإسرائيلية الشعور بالقلق وعدم الاستقرار، وأكمل ظاهرة الرعب من المستقبل الذي يستولي على النفسية الإسرائيلية(16).

ـــــــــــــــــــــــــــ
الهامش:

(1) الشخصية اليهودية تعيش أوضاعًا نفسية أشار لها القرآن كثيرًا، مثل الحرص على أي نوع من الحياة: “ولتجدنهم أحرص الناس على حياة”، ومثل العجز عن المواجهة في القتال: “لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر”، ومثل كثرة الخلاف بينهم رغم ظاهرية التفاهم: “تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى”. هذه الأوضاع النفسية موجودة في الشعب الإسرائيلي لكن اجتماع اليهود في إسرائيل صنع هواجس إضافية أو ضخّم بعض هذه الهواجس.

(2) كانت الهواجس في البداية عند النخب والقيادات التي تدرك إنشاء الدولة على طريقة مؤامراتية بدرجة أكثر من عوام الإسرائيليين، وينقل مثلًا عن “بن غوريون” أنه أعد العدة للبرنامج النووي مبكرًا خوفًا من هجوم مشترك للقوات العربية يزيل إسرائيل.

(3) معركة الكرامة نسبة لقرية “الكرامة” في الضفة الشرقية لنهر الأردن، وفيها أحبطت محاولة إسرائيلية لاحتلال هذه الضفة وكانت صدمة للإسرائيلين بعد انتصارهم الساحق في 1967. مزيد من التفاصيل:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A9

(4) الشخصية اليهودية بطبيعتها مهووسة أمنيًّا وتبحث عن كل أسباب الابتعاد عن الموت: “ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة”. هذا الخوف من الموت والحرص على الحياة، يستهلك الفرد اليهودي ماله ووقته وذوقه وطريقة حياته واختياراته لمنزله ومركبته. لهذا السبب تجد المعابد اليهودية في أوروبا وأمريكا محصنة بكل أنواع الحماية ووسائل الإنذار والاعتماد على الشركات الأمنية، وتجد كثيرًا من اليهود يلبسون الحزام الواقي من الرصاص، وتجد السيارة المفضلة عندهم “الفولفو” لأنها أفضل السيارات أمنيًّا.

(5) اقرأ أيضًا “نهاية إسرائيل”، لعبد الوهاب المسيري:

http://www.elmessiri.com/articles_view.php?id=36

(6) اقرأ أيضًا “نهاية إسرائيل شهادات وحقائق”، لمحمد شهاب:

https://www.facebook.com/MP.Mohammed.Shehab/posts/467664166608997

(7) طبقًا لكرستيان ساينس مونيتر كلفت إسرائيل خزينة الولايات المتحدة منذ سنة 1973 إلى سنة 2005 حوالي 1.6 تريليون دولار. للمزيد اقرأ: “الدعم الأمريكي لإسرائيل بالأرقام”، لهشام القروي:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=35666

(8) من أفضل من تكلم عن هاجس الأمن في إسرائيل خالد أبو شرخ في مقال “نظرية الأمن الإسرائيلية”:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=277040

(9) صحيح أن كثيرًا من اليهود لا يصحّ نسبهم ليعقوب بن إسحاق (إسرائيل)، لكن يبقى هذا الزعم عند اليهود كافيًا لاعتقاد محدودية عددهم. هذه القضية، ناقشها المسيري باستفاضة في كتابه (مَن هو اليهودي).

وللمسيري مقال مستقل عن تناقض أكبر طائفتين يهوديتين السفارد والأشكناز:

http://www.elmessiri.com/articles_view.php?id=16

(10) الأرقام تثبت الهروب الضخم من إسرائيل للمزيد اقرأ مقال: “الجديد عن الهجرة المعاكسة” لـ د. أسعد عبد الرحمن:

http://www.alrai.com/article/603146.html

(11) الصحافة الإسرائيلية والإعلام الإسرائيلي مليء بتعابير الرعب من أسر جلعاد شاليط والخوف من عمليات أسر أخرى لدرجة الهوس.

(12) مفهوم شعب الله المختار قائم على أساس غاية في العنصرية والتعالي على بقية البشر، لدرجة أن اليهود يعتقدون أن الله حل في الشعب اليهودي كله. للمزيد اقرأ

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B4%D8%B9%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1

(13) فند هذه المزاعم البروفيسور إسرائيل فينكلستاين من جامعة تل أبيب والمؤرخ نيل آشر سيلبرمان من بوسطون. واقرأ كذلك بحث الدكتور صالح الرقب: (ليس لليهود حق ديني في فلسطين):

http://rkmyat.in/up1/36/1005.pdf

(14) ناقش الدكتور المسيري هذه القضية باستفاضة في كتابه “من هو اليهودي”.

(15) كتب عن الموضوع مقالات كثيرة في الصحافة العبرية والعربية ربما يكون هذا من أفضلها: “الفساد في إسرائيل كمشكلة وجودية” لصالح لطفي، مركز الدراسات المعاصرة:

http://www.center-cs.net/full.php?ID=1078&title%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF%20%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%20%20%D9%83%D9%85%D8%B4%D9%80%D9%80%D9%83%D9%84%D9%80%D8%A9%20%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9#.U81m_-NdWSo

(16) تحدث الدكتور المسيري عن هذا الهاجس في مقاله: (الدولة الصهيونية بين المأساة والملهاة) عن النكتة في إسرائيل وكيف أنها تكشف معظم هذه الهواجس:

http://www.elmessiri.com/articles_view.php?id=51