‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد موفق زيدان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد موفق زيدان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 25 مارس 2025

سوريا.. مقابر جماعية تلد أخرى

سوريا.. مقابر جماعية تلد أخرى

د. أحمد موفق زيدان


الوجه الأكثر قبحاً للنظام السوري البائد لم يأت بعد، في ظل الاكتشافات شبه اليومية لمقابره الجماعية، التي تكشف معها عن حقبة سوداء من تاريخه البائد، ولعل الفترة التي تكشفها هذه المقابر الجماعية، هي قمة رأس جبل جليدي عميق، يمتد إلى ما يزيد على النصف قرن من حكم عائلة الأسدين الأب والابن، وآخر اكتشافات هذه المقابر الجماعية، ما كشفه الدفاع المدني السوري عن مقابر جماعية تحت أقبية البيوت والمنازل في ريف دمشق، وتحديداً في منطقة سبينه والحجر الأسود، بريف دمشق، والتي تعود على ما يبدو إلى عام 2015، ولكن لضعف الإمكانيات والأدوات والخبرة السورية، لم يتم الكشف عن تفاصيل الضحايا، في ظل العثور فقط على مجرد عظام وجماجم، بعد أن تعرضت لإطلاق النار، بدت آثارها جلية حتى اليوم.

* أهالي تلك المنطقة ممن بقوا في منازلهم طوال تلك الفترة الزمنية، يقولون إنهم كانوا يعلمون بوجود جثث في أقبية منازلهم، التي عادوا إليها خلال فترة حكم النظام البائد، ولكنهم لم يجرؤوا على البوح بذلك، لأن النظام البائد سيُحملهم مسؤولية قتلهم، ولذا فكانوا يؤثرون الصمت، أما في حي التضامن حيث شهدت مجزرة مروعة تم الكشف عنها، وكان بطلها المجرم الفارّ أمجد يوسف، فقد عثر الدفاع المدني على مقبرة جديدة تضم مائة جثة تم رميهم بالرصاص، وكالعادة لم يتم الكشف عن الأسماء والهويات، في الوقت الذي لا تزال عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف تنتظر عودة فلذات أكبادها، على الرغم من قناعتها أنهم في عداد الشهداء، ولكنها غريزة البقاء، والتعلق بالآمال.

* الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقدر عدد المختفين في سوريا بـ 100 ألف شخص، بينما يتوقع خبراء ومحللون أن العدد أكبر من هذا، وعلى الرغم من التحرير الذي نالته البلاد في الثامن من ديسمبر العام الماضي، وهرع السوريين إلى السجون الممتدة على امتداد الرقعة السورية، إلاّ أنه لم يعثروا سوى على بضعة آلاف ممن تم تحريرهم، بينما غابت البقية الباقية وما أكثرها في محارق ومكابس وحفر أسيد الأسد التي تم العثور عليها في سجون صيدنايا وغيرها من السجون التي بنيت خلال عهد الأسدين، والذي كان الرئيس الفار بشار الأسد يُصرّ بكل تبجح ووقاحة وجودها أصلاً، كما نفى غير مرة قصفه لمن يفترض أن يكون شعبه بالبراميل المتفجرة.

* اللافت
أننا نتحدث هنا فقط عن المجازر والمقابر الجماعية التي تعرض لها الشعب السوري خلال فترة الثورة السورية الثانية والممتدة من عام 2011ـ حتى اليوم، أما المقابر الجماعية التي تعرّض لها الشعب السوري خلال فترة الأب المؤسس حافظ أسد، فلم يتم البحث فيها حتى اليوم، إذ حتى الآن لم يعلم السوريون عدد ضحاياهم في مجزرة حماة يوم الثاني من فبراير/ شباط من عام 1982، كما لم يعلموا شيئاً عن مصير المختفين في تلك المجزرة المروعة، والتي يقدر عددها بأكثر من أربعين ألف شخص بين شيخ وطفل وشاب وامرأة، وحتى الآن لا يعلم أحد أماكن مقابرهم، ما دام النظام آثر على دفنهم بشكل جماعي، وحتى قيل إن الدفن كان للأحياء منهم، حين تمت تسوية البيوت والبنايات، لإخفاء جريمة المجزرة التي ارتكبتها سرايا الدفاع بقيادة شقيقه رفعت الأسد يومها والذي لا يزال طليقاً يتنقل بين أرجاء العالم.

* مجزرة حماة التي نفذها المؤسس حافظ الأسد لم تكن اليتيمة في عهده، فهناك عدد من المجازر التي ارتكبها، من مجزرة حي المشارقة في يوم عيد الأضحى، بحلب الشهباء إلى مجزرة جسر الشغور، وحتى مجزرة تدمر في السابع والعشرين من حزيران من عام 1980 حيث أعدم أكثر من 1000 سجين دفعة واحدة وبيوم واحد، وبعد هذه المجزرة، كان يقوم بتصفيات نصف أسبوعية في تدمر، إذ كان يصفي عشرات المعتقلين في سجن تدمر، وهي الحفلات والوجبات التي كانت تجري كل اثنين وخميس أسبوعياً، وقدّر سجناء تدمر الذين قدر الله أن يفرج عنهم لاحقاً، عدد من أُعدم خلال تلك السنوات قبل أن يتم إغلاق السجن، وتحويل من تبقى من سجنائه إلى سجن صيدنايا، بأكثر من 30 ألف قتيل، قتلوا على مدى هذه السنوات، وكلهم من نخب سوريا كأطباء ومهندسين وشيوخ ومثقفين، وطلاب، وحتى الآن يجهل السوريون أسماء من قضى خلال تلك المجازر المتسلسلة..

* هذه المجازر هي التي ضبعت الشعب السوري، وجعلته يصمت على هذه العصابة المجرمة، خشية تعرضه لانتقامها وثأرها، لاسيما وقد حظيت بدعم إقليمي ودولي منقطع النظير، مما جعل مهمة الشعب السوري صعبة، إن لم نقل مستحيلة، يوم استباحه النظام وحلفاؤه من قوى إقليمية ودولية، بالإضافة إلى صمت وتآمر دولي، عكس ذلك كله هتاف السوريين في ساحات التحرير والتظاهر ما لنا غيرك يا الله، ومع هذا واصل السوريون طوال تلك السنوات العجاف معركة التحرير بأنفسهم، حتى جاء اليوم الذي أغاث الله السوريين فاستجاب دعاءهم وهتافهم.

* اليوم وفي ظل تكشف هذه المجازر والمقابر يوماً إثر يوم، وفي ظل سعي البعض إلى تشويه العهد السوري الثوري الجديد، ومعه قيام الذباب الإلكتروني بتجميل وجه العصابة البائدة، على الإعلام العربي والعالمي الحر المساعدة في كشف تفاصيل حقائق تلك الحقبة، والمجازر التي تعرض لها السوريون، وهنا دعوة خاصة لناشطي الثورة السورية من الإعلاميين، للاستمرار بالتذكير بجرائم ومجازر الشعب السوري، ليعلم الجيل الجديد، ويعلم العالم معه لماذا انتفض السوريون، ولماذا ضحوا بهذه التضحيات الكبيرة على مذبح الحرية والعدالة الانتقالية، لكي يدرك العالم كله حجم الخذلان الذي مارسوه بحق ثورة الشام، ويدركوا معه حجم الكلفة التي دفعها السوريون نتيجة صمتهم وتواطئهم وخذلانهم لثورة السوريين، والتي كان لها أن تختصر يوم طلبوا غطاءً جوياً يحميهم من طيران العصابة الأسدية وبراميلها المتفجرة، وطيران حلفائها، ولكن لكل أجل كتاب.




الثلاثاء، 18 مارس 2025

سوريا ونتنياهو وفائض القوة والغرور

    سوريا ونتنياهو وفائض القوة والغرور

د. أحمد موفق زيدان

حين قرر جورج بوش غزو أفغانستان عام 2001، ومن قبله حروبه مع العراق عام 1990، كان ثمة طرف آخر يرقب وهو يموت ضحكاً وفرحاً على ما يجري، قريباً أو بعيداً عن حدوده، ما دام فائدة الغزويْن، إنما تعود بالنفع والربح عليه، إنها الصين، التي غدت بعد أعوام قليلة على هذين الغزوين تعتبر العدو الأول والاستراتيجي لأمريكا والغرب، يومها كان العراق بزعامة صدام حسين قد التفت إلى الشركات الصينية، لإغرائها، ودفعها للاستثمار في بلده، أملاً في تشبيك مصالح الصين بالعراق، مما يجعلها تدافع عن نفسها ومصالحها، وليس عن العراق مباشرة، في حال قررت أمريكا مهاجمته مجدداً، حينها كان وفد صيني يلتقي المسؤولين العراقيين، ليوجهوا لهم سؤالاً بدا غريباً للمسؤولين العراقيين، وهو لو خُيرنا لنصب تمثال في الصين، لمن تعتقدون سيكون هذا الصنم؟ فكانت الإجابة الطبيعية، أن التمثال سيكون لقادة الصين التاريخيين، لكن ردّ المسؤولين الصينيين كان مفاجئاً للعراقيين، إنه تمثال لجورج بوش الذي ينشغل اليوم بعيداً عن انشغاله عن الصين وإنهاكها، وهو ما سيُوفر لنا فرصاً تاريخية..

* اليوم يحلل الخبراء العسكريون والسياسيون بأن انشغال الغرب، وعلى رأسهم أمريكا بالحدث الأفغاني والعراقي من قبله ومن بعده، كان لمصلحة الروس والصينيين بشكل مباشر، إذ على الرغم من انشغالهم عن عدويهما الروسي والصيني، فقد انخرطت الجيوش الغربية بعقيدة عسكرية تركز على مقاتلة ما وصف بالإرهاب والإرهابيين، أي حرب العصابات، مما أدى بالمطلق إلى تراجع مبدأ العقيدة العسكرية للجيوش الشاملة، مما سيشكل مأزقاً للجيوش الغربية مستقبلاً، إن واجهت العدوين الصيني والروسي.

* الاندفاعة الغربية في أفغانستان والعراق، مردُّها الحقيقي والجوهري، فائض القوة والغرور اللذيْن تمكنا من الغرب، فراح يخبط خبط عشواء، مقلداً سياسة دخول فيل في غرفة خزف، يدمر كل ما تطوله أطرافه، فكانت النتيجة ما رأيناه، إن كان في أفغانستان، حيث الهزيمة الساحقة لـ 40 دولة، وللغرب في العراق، وحين سعى نتنياهو إلى استعراض غرور قوته في فلسطين وغزة تحديداً، كانت النتيجة خسارة استراتيجية صهيونية، ربما لا تقاس بحجم الدمار والخراب الذي تعرضت له غزة، أما الشعب السوري، فقد تعرض لنفس الخسائر، ولكن كان يقال له تماماً ما قيل للشعب الفلسطيني قبل السابع والعشرين من نوفمبر/ تشرين ثاني وذلك قبل اندلاع معركة ردع العدوان التي قادها الشعب السوري إلى استقلاله الثاني في الثامن من ديسمبر كانون أول من العام 2025 بأن الفوضى والخراب والدمار هي النتيجة، ولكن كان التحرير والخلاص من النظام الاستبدادي هو النتيجة وليس ما أرهبوه به.

* على نتنياهو أن يدرك تماماً أن الشعب السوري لم يعد لديه ما يخسره، وأن ما يروج له ظاناً منه أن بمقدوره فرضه على الأرض، عبر ربط درعا بالسويداء، لتشكيل منطقة عازلة تهدد سوريا المستقبل، تحرك واهم، فتحريك مظاهرات بشرية اليوم في درعا سيهدد الكيان الصهيوني تماماً، ويجعله أمام استحقاقات جديدة خطيرة وجدية، فهل يقدر الأخير حينها على مقاومة المظاهرات الشعبية على منطقة سيحتلها، وهو ما باتت القوى الدولية ومنها الغربية تحديداً ترفضه، وقد تجلى ذلك بالتعاطف مع الشعب السوري، فكيف إن امتزجت هذه الانتفاضة مع امتلاك الشعب للسلاح الفردي، حينها سيدرك الصهاينة تماماً بأن فائض القوة لن يجدي، والدليل هو التجارب التاريخية التي شهدناها بأنفسنا في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها من الأماكن والحوادث التاريخية.

*
الشعب السوري الذي أرهقته الحروب الأخيرة مع العصابات الأسدية، والمدعومة من احتلال أجنبي خارجي هو روسيا، واحتلال أجنبي اقليمي هو إيران، مدعوماً بعشرات المليشيات الطائفية، لم يعد لهذا الشعب ما يخسره، وبالتالي فإن تحويل بوصلته من إعادة الأمن والاستقرار للبلد، والتنمية والتطوير، وإعادة اللاجئين من تركيا وغير تركيا، الذين يبلغ عددهم 15 مليون مشرد، سيكون باتجاه الحفاظ على كرامته والدفاع عنها، وهو يرى أنه مهدد صباح مساء، دون وجه حق، بل وعلى الرغم من صمته، ورفضه المجابهة المباشرة، أما إن أصرّ نتنياهو على تجريبه اختبار صبر الشعب السوري، فحينها سيعيش تجربة الغرب في أفغانستان والعراق، ولذا فإن تكرار العمليات الهجومية الصهيونية على سوريا سيطلق مقاومة شعبية، هذه المقاومة لن تكون نزهة لنتنياهو وهو يرى منطقة جغرافية محصورة مثل غزة صمدت بوجهه حوالي 16 شهراً، فكيف بسوريا والتي لها امتدادات عربية وإقليمية.

الأربعاء، 22 يناير 2025

معركة غزة وعقيدة كلاوزفيتر

 معركة غزة وعقيدة كلاوزفيتر

أحمد موفق زيدان 


قبل قرنين ونصف تقريباً قرر الجنرال البروسي كلاوزفيتر مبدأً مهماً في العلوم العسكرية، وهي أن الحرب أداة من أدوات السياسة، وامتداد لها، وإلا فإن الحرب في هذه الحالة ستكون ضرباً من ضروب قطاع الطرق، لا تختلف عن عقلية العصابات.

ومنذ اليوم الأول لحرب غزة كانت مطالبة من أطلق عملية طوفان الأقصى: الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ووقف عاصفة التطبيع الصهيوني مع بعض البلدان العربية، وفي ثنايا العملية كان الهدف الاستراتيجي إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية، بحيث أن أي تطبيع أو مصالحة دون التنازل للشعب الفلسطيني، والاعتراف بحقوقه سيكون مآله الفشل.

وعلى الرغم من التوحش الصهيوني العسكري المدعوم غربياً طوال خمسة عشر شهرا من الحرب الهمجية الصهيونية المدعومة غربياً على أهلنا في غزة، إلا أن الصمود الذي أبدته المقاومة الفلسطينية أذهل الجميع، في الوقت الذي انهارت ساحات أخرى مثل ساحة حزب الله في غضون أيام.

لا شك فإن التضحيات جسام، وهي قريبة من التضحيات التي قدمها الشعب السوري على مدار 13 عاماً، وكان الكثير يلومون الشعب السوري على القيام بثورة غير محسوبة حسب تعبير البعض، وكأن الثورات من صنيع جهات محددة تتحمل مسؤوليتها، وليست انتفاضة شعب بكامله، لم يعد يطيق صبراً، وما كشفته باستيلات سوريا، ومصانع كبتاغونها تحكي بعض جذور الغضب الشعبي، وإن كان الغضب أكبر من هذين السببين مرده إلى قهر عمره نصف قرن، لم تَسلم شريحة ولا بيت سوري من ظلمه وقهره.

مقاومة الاحتلالات عبارة عن سلسلة فقرات من مشهد طويل يورثه الآباء للأولاد، والأجداد للأحفاد، ولذلك كان رفع المقاومة الفلسطينية مطلب تحرير السجناء قد تحقق بعد 15 شهراً يوم رضخ الاحتلال للاتفاقية الأخيرة، ونزل من شجرة غروره وكبريائه، ومعه تحقق وقف أشكال التطبيع الصهيوني مع بعض الدول العربية، إذ غدا من المستحيل على الدولة العبرية أن تعود قريباً على الاقل إلى سابق عهدها في الاتفاقيات الإبراهيمية التي روجت لها طويلاً وواسعاً، بعد هذه البحور من الدماء التي تجاوزت الخمسين ألف شهيد غزي، وبالتالي فإن الخسارة المعنوية التي لحقت الكيان الصهيوني داخلياً، بتأخره طوال هذه الفترة في عملية تبادل أسراه التي كان بإمكانه عقدها منذ أشهر، فيُنقذ بذلك عدداً من أسراه الذين قتلوا بفعل قصفه، خلال هذه الفترة، ستُلقي بظلالها الكئيبة على الشارع العبري، وتُحمل حكومة نتنياهو المسؤولية في قتلهم.

على صعيد العالم الغربي ظهر بشكل واضح تحول المزاج فيه ضد الدولة العبرية، وقد تجلى ذلك في المظاهرات التي اجتاحت العواصم الغربية، ووصلت إلى مخازن الفكر والرأي، في الجامعات الغربية العريقة، الأمر الذي سيُعيد التفكير بالعقلية العبرية في طريقة التعاطي مع الجامعات الغربية، والشارع الغربي بشكل عام.

وبالمناسبة الصفقة التي وافق عليها نتنياهو أخيراً، هي نفس الصفقة التي عُرضت عليه ووافقت عليها المعارضة في 24 مايو/ أيار الماضي، ومع هذا رفضها، فتأخره طوال هذا الوقت يعني باختصار أنه رضخ لشروط كان يكابر على رفضها، بعد أن رأى إصرار المقاومة وثباتها في الميدان، على الرغم من الخسائر التي مُنيت بها المقاومة على صعيد رحيل قادتها، أو جنودها، ولكنها الحرب.

بلا شك فإن الدولة العبرية فشلت في تدمير قدرات حماس كاملاً، وفشلت معه في رغبتها ورغبة بعض حلفائها بترحيل قادة المقاومة إلى خارج فلسطين كما فعلت في بيروت 1982، وتمنته خلال الحرب على غزة، ومعها تمنيات كثير من خلفائها، لكن بقيت حماس في داخل غزة تتبختر بالأمس بمقاتليها وأسلحتها، لتقول للغزيين ولكل العالم أنها لا تزال في الميدان، وما فعلته إنما هو جولة من جولات المقاومة، والحرب عبارة عن سلسلة معارك وليست معركة واحدة.

نعم فشلت إسرائيل في البقاء في غزة، والآن ستضطر الدولة العبرية للانسحاب من كل غزة بما فيها محور نتساريم وفيلادلفيا، بعد أن فشلت في البقاء في الشمال التي كانت تخطط للبقاء فيه، مع تهجير أهله.

اللافت والمؤسف أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومحوره، يتصرف وكأن شيئاً لا يعنيه، فعوضاً عن تحرك الرئيس الفلسطيني في هذه الأوقات باتجاه عواصم العالم لحشد العالم ضد الهولوكوست الفلسطيني، كان ينتظر أن يقتسم الضحية وهو الشعب الفلسطيني.

الاثنين، 30 ديسمبر 2024

سوريا.. مقبرة مفتوحة

 سوريا.. مقبرة مفتوحة



أحمد موفق زيدان


لمئات الأمتار وسط المدن الرئيسة المؤدية من دمشق إلى حلب تجد طوابير البشر كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً يصطفون حتى ساعات متأخرة من الليل، وهم يسألون كل من هو قادم من دمشق، هل هناك باصات معتقلين خلفكم تم تحريرهم، تنظر في عيون القوم فتقرأ هموم الأرض كلها في خريطة وجوههم، حين تجيبهم بالنفي، تعبس الوجوه، وتنحبس الدموع في المآقي، فمع كل يوم يمر على تحرير المعتقلين من سجن صيدنايا القريب من دمشق، تضيق فسحة الأمل لدى هؤلاء، الذين عاشوا طوال سنوات ربما وبعضهم لعقود من أجل هذه اللحظة التي يأملون أن يلتقوا بأحبابهم الذين وصل عددهم إلى أكثر من مائتي ألف معتقل.

في جمهورية صيدنايا التي اختزلت 53 عاماً من حكم آل الأسد، كان السوريون يتوجهون إليها، بعضهم يبحث عن قريب، وآخرون يريدون أن يشهدوا لحظة انهيار باستيلات سوريا، والكثير يعمل بجد واجتهاد على رأسهم قوى الدفاع المدني «الخوذ البيضاء» للبحث عن سجون تحت الأرض، وسجون حمراء، وتتفتق هنا أذهان البشر لتوائم إبداعات إجرامية للعصابة الأسدية، فاللامفكر فيه هو ربما الحل لإيجاد المعتقلين، لكن مع كل فسحة أمل تنهار أمام واقع يصرخ أن العصابة الأسدية قد تخلصت من فائض سكاني كانت تراه، بل وصرخ كثير من رؤوسها أنهم استلموا سورية بضعة ملايين وسيسلمونها كذلك.

العثور على ثلاث أدوات مرعبة للتعذيب والتخلص من الضحايا سببت كابوساً وهاجساً للسوريين المنتظرين، هذه الأدوات تمثلت بالمحارق التي قيل في بداية الثورة بأنه تم شراؤها من الهند، وذلك للتخلص من الجثث، التي قد تشكل دليلاً على إدانة العصابة في حال العثور عليها لاحقاً، ولذلك فالحل هو حرق الجثث، وعدم ترك أي دليل لجرائم العصابة، أما الوسيلة الثانية فالمكابس والتي يتم كبس الضحية وهي حية، فتتهشم عظام ولحم الضحية، وهو ما كشفه سجين أردني تحدث للجزيرة وهو الذي قضى 26 سنة في جمهوريات الأسد الصيدناوية، أما الوسيلة الثالثة المرعبة فكانت إذابة السجين بحفر الأسيد، بهدف تذويب كل آثار الجرائم المرتبكة بحق الأبرياء.

يدخل السوريون إلى سجن صيدنايا فيعثرون على كتابات وثقت نتفاً من تلك المرحلة على الجدران، بعضهم تعرف على كتاباته ورسومه، وهو الذي منّ الله عليه بالإفراج عنه من قبل، فخرج من باستيل صيدنايا، أما البعض الآخر فترك وثيقة تدون قليلاً مما كان يجري للمعتقلين في تلك السجون الرهيبة، ومع مرور الأيام يختفي الأمل لدى الأهالي الذين طالما انتظروا أحبابهم، ولكن تبقى جمهورية صيدنايا الأسدية شاهدة على إجرام آل الأسد بحق السوريين، ولعل هذا ما عرفناه وما خفي أعظم بكثير، فماذا كان يجري لسجناء تدمر في الثمانينيات، وغيرهم من عشرات السجون المخفية في سوريا؟!، والسؤال الأكبر أين كانت القوى الدولية والمنظمات الحقوقية والدول العالمية التي تريد أن تُطبع وتتعايش مع عصابة كهذه، فإن كانت تعلم فتلك مصيبة وجريمة، وإن كانت لا تعلم فالمصيبة أعظم، وكم هناك من صيدنايات في عالمنا، ما تزال دول كثيرة تصر على التعامل مع أصحابها وسدنتها.

الخميس، 19 ديسمبر 2024

التمكين السوري مسؤولية جماعية

 التمكين السوري مسؤولية جماعية

أحمد موفق زيدان 


الإشارات التي أرسلها الحكم الجديد في سوريا بعد الخلاص من استبداد البعث وآل الأسد الذي جثم على الصدر السوري والعربي وحتى العالمي لأكثر من نصف قرن تعد قوية وإيجابية، إذ إن العفو العام الذي أطلقه الحكم الجديد، بحيث لم يتم التعرض لأحد في الغالب باستثناء بعض الحوادث الفردية، والتي لا يخلو منها أي بلد، يمر بما مرّ به الحدث السوري، من قتل لحوالي مليون شخص، واعتقال لمائتي ألف، لم يتم تحرير منهم سوى بضعة آلاف فقط، مما يشير إلى أن النظام البائد قتل عشرات الآلاف منهم.

وفوق هذا هناك الإشارات القوية التي أرسلها الحكم الجديد تجاه المكونات الأقلوية في سوريا، ومنها الطائفة العلوية التي كانت حاضنة النظام السوري، إذ تقاطر المئات ولا يزالون على تسوية أوضاعهم، والحصول على بطاقات رسمية تحميهم راهناً ومستقبلاً.

لا شك أن الحكومة المؤقتة التي أعلنها قائد المحرر أحمد الشرع والمعروف بالجولاني، بحاجة إلى توسعة لاسيما فيما يتعلق بالحقائب الوزارية التي لا تزال شاغرة، لاسيما وأن المحرر اليوم لم يعد إدلب وريفها، وإنما كل سوريا، وهو تحد كبير أمام الحكومة المؤقتة وأمام الثورة السورية بشكل عام، في أن تفرض نفسها، بُغية لملمة الجراح، وشق طريقها نحو إعادة الإعمار، تمهيداً لعودة ملايين المهجرين والمشردين، لاسيما وأن بيوتهم غدت خراباً يباباً، فضلاً عن الافتقار إلى أبسط أنواع الخدمات العامة.

وفي موازاة ذلك يتبين لكل من يقوم بزيارة المناطق التي تحررت حديثاً حجم الفارق المدني بينها وبين المناطق المحررة سابقاً من حيث توفير الخدمات، ونظام المعيشة بشكل عام، وهو الأمر الذي دفع رئيس الوزراء المؤقت محمد البشير إلى رفع رواتب الموظفين في المناطق المحررة حديثاً ثلاثة أضعاف لتغدو قريبة من المناطق المحررة قديماً.

المساعدة في هذا التمكين مسؤولية جوارية، ومسؤولية عربية وعالمية


لا ريب أن تمكين الحكم في سوريا اليوم، مسؤولية سورية أولاً وأخيراً، ولكن بالمقابل المساعدة في هذا التمكين مسؤولية جوارية، ومسؤولية عربية وعالمية وذلك من أجل عودة اللاجئين والمهجرين الذين شكلوا كابوساً للدول المجاورة وحتى دول أوروبا، بعد أن نجح النظام السوري البائد في تصدير مشكلته للخارج من خلال إغراق حتى أوروبا باللاجئين السوريين، فضلاً عن إغراقها حتى بالكبتاغون ما جعل دمشق عاصمة لإمبراطورية الكبتاغون بحسب توصيفات صحف ووسائل إعلام عالمية، ولذا فالتمكين سيوقف عمليات التصنيع والتهريب، بعد أن تم الكشف عن مصانع المخدرات التي تديرها الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد وغيره من الشخصيات النافذة في النظام السوري.

التمكين السوري لديه أبعاد إيجابية مهمة للجار التركي الذي سيحظى بعمق إستراتيجي صديق موالٍ له بعد أن كان معادياً، مما سيفتح له آفاقاً جديدة وواسعة باتجاه الأردن والخليج العربي، فضلاً عن كسر مشغل الجماعات الكردية الانفصالية وعلى رأسها قسد، فالكل يعلم أن مشغل العصابات الكردية الانفصالية إنما هو النظام السوري منذ عصر حافظ الأسد وحتى الآن، وبالتالي فإن انتصار هذه الثورة على الاستبداد البعثي، هو انتصار على كل منتوجات هذا النظام وعلى رأسها الأحزاب الكردية الانفصالية.

استقرار الواقع السوري لمصلحة جميع الدول العربية التي تريد الاستقرار لنفسها، فالتخلي عن سوريا لصالح قوى دولية وإقليمية وعصابات طائفية عابرة للحدود، شلّ الأمن القومي العربي طوال هذه الفترة، ولذا فإن وقوف الدول العربية إلى جانب الحكم الجديد ومساعدته في تجاوز هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ سوريا، واجب قومي عربي ليس من أجل سوريا فقط وإنما من أجل الأمن القومي العربي الذي أتته فرصة ذهبية لإقرار الواقع السوري، وعودة اللاجئين وعودتها لدورها العربي المساند للقضايات العربية بشكل حقيقي وفعال ونافذ وناجز.

أخيراً على العالم كله أن يدرك أن ما جرى يوم 8/12 إنما هو انتصار للإنسانية على التوحش والكيماوي والبراميل المتفجرة ومسالخ صيدنايا، وأن الحكم الجديد بكل فصائله وأحزابه وشعبه سيكون الحصن الحصين للأمن والاستقرار، وكما قال أحد المؤرخين الغربيين بعد أن غربت دولة الحشاشين في التاريخ لم يسترح العالم الإنساني فقط وإنما استراح العالم كله، وهو ما حصل اليوم برحيل نظام البعث.

المصدر

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

غزة والأمة الشاهدة العاجزة

 غزة والأمة الشاهدة العاجزة



د. أحمد موفق زيدان


لم تبدُ الأمة العربية والمسلمة عاجزة كما هي اليوم، وهي تشاهد وترقب مشاهد الحرق والإبادة والتهجير والتغريبات الفلسطينية التي تتكرر بشكل يومي وربما لحظي، بل ونشاهد ونتابع كل أصناف القهر والغضب في غزة، العدوان الذي دخل عامه الثاني دون أفق حل، بعد أن استمسك العدو الصهيوني المجرم بكافة أشكال تكتيكات القهر والإبادة وما تفتقت عنه آليات الإجرام لديه أو لدى غيره من أمثاله المجرمين، ونحن نراه يستنسخ ويسرق براءة اختراع البراميل المتفجرة، فيُلقيها على رؤوس الساكنين في غزة ومخيماتها، لتقتل الأبرياء من المدنيين أطفالاً ونساءً و كباراً.

يقف المسؤولون في العالم العربي والإسلامي عاجزين أو متواطئين، لا يُحركون ساكناً، بل لو وقعت مثل هذه المجازر في بلدان لا تمت للعروبة والإسلام بشيء، لهُرع بعضهم باسم الانسانية والبشرية للمساعدة والنصرة، ولكن غزة لا بواكي لها، والخشية كل الخشية اليوم مع استمرار هذه المجازر الحية، أنها تنتظر تفريغ كتلتها السكانية الضخمة من أجل حماية الصهاينة، تماماً كما نجحوا في تفريغ الكتل السكانية الضخمة من أكناف بيت المقدس من الشام والعراق، بعد أن تم تهجير ملايين المسلمين الذين تحدثت كل ذكريات ومذكرات قادة الصهاينة التاريخيين عن مخاطر الكتل السكانية المحيطة بدولتهم، فحلموا بالتخلص من فائض الكتل السكانية المهددة لكيانهم.

الحقيقة الصارخة اليوم بوجهنا جميعاً أن لا بديل عن ممارسة الضغوط الشعبية على الحكومات والمجتمع الدولي، إن كان في الشوارع أو في وسائل الإعلام بمختلف منصاتها من أجل دفع العالم لوقف هذه المذبحة المتواصلة، مستهدفة البشر والحجر، وينبغي التعويل فقط عل جهودنا، وعدم تعليق أوهام زيد أو عمرو، فقد ثبت أن كل جهة مساندة أو داعمة بالقول أو بغيره، إنما تريد النجاة بجلدها، في ظل هيجان الثور الصهيوني والذي لن يقف عند حد ولن يرعوي من شيء، ولذا لا بد من حشد الجهود وتعبئة الطاقات من أجل الضغط ثم الضغط على المجتمع الدولي لوقف هذه المذبحة المستمرة على مدار الساعة.

ليس هناك عاجز شرعاً ولا عقلاً، وإن بدا الأمر ظاهرياً كذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام لطالما تعوذ بالله من العجز والكسل، ولذلك على الأمة وعلمائها استنهاض الشعوب وتحذيرها من العجز والكسل، كما ينبغي على النخب بكافة شرائحهم وطبقاتهم أن يلتفتوا إلى حقيقة مهمة وهي أن المعركة الحقيقية اليوم في غزة وعلى غزة وأهلها، وبالتالي الانشغال بمعارك دنكشوتية تبعدنا عن الهدف الغزي أولاً، ثم تفرق الصف الواحد تجاه غزة، ليس من الحكمة في شيء، وليس من فهم المناط المتعلق بغزة وأهلها ومجاهديها وأطفالها ونسائها.

ليس أمام أحرار الأمة من غانة إلى فرغانة سوى الضغط على الحكومات وعلى المجتمع الدولي، من أجل وقف هذه المذبحة ولا يخال أي واحد فينا أنه عاجز، فالعجز قرين الكفر والعياذ بالله، وكل واحد فينا قادر على أن يحدث فرقاً لصالح الأمة، ولصالح قضيتها غزة، فمن رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.

مرة أخرى ما يجري في غزة تتفطر له الأكباد، ونخشى أن يعمنا الله بعذابه وعقوبته نتيجة تقاعسنا أو خذلاننا لا سمح الله، فنكون ممن خذلوها، وقد حذر نبينا عليه الصلاة والسلام من خذلان الشام تحديداً، بعد أن حذر من عواقب خذلان المسلم أينما حل وأقام، فالله.. الله في غزة.. والله... الله في فلسطين وأهلها.

الجمعة، 6 سبتمبر 2024

معركة خامنئي مع "اليزيديين"

 معركة خامنئي مع "اليزيديين"

أحمد موفق زيدان


طمأن قائد الثورة الإيرانية علي خامنئي الكيان الصهيوني الغاصب، وطمأن معه الدول الغربية التي بدت ظاهريا قلقة على ردود الفعل الإيرانية إزاء خرق تل أبيب لسيادتها بقتل قائد حركة حماس إسماعيل هنية في معقل الحرس الثوري الإيراني، وذلك حين غرّد (خامنئي) بتغريدات تختصر الموقف الخامنئي الذي طال انتظاره لأكثر من شهر، حين قال إن معركته هي بين الجبهة الحسينية والجبهة اليزيدية.

وبغض النظر عن موافقتنا له من أنهم أتباع الحسين رضي الله عنه وأرضاه، الذي هو منهم براء، فإن تقسيم المنطقة إلى حسين ويزيد هو باختصار يعني أن الرد على مقتل إسماعيل هنية غدا كطائر العنقاء، تماما كالانتقام لقاسم سليماني وقادة الحرس الثوري الإيراني الذين قُتلوا على مدى سنوات، بالإضافة إلى ما يشاع عن دور صهيوني في تصفية الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، ومع هذا ابتلع خامنئي الإهانة والإذلال الإسرائيلية الواحدة تلو الأخرى.

تقسيم المنطقة إلى حسين ويزيد هو باختصار يعني أن الرد على مقتل إسماعيل هنية غدا كطائر العنقاء، تماما كالانتقام لقاسم سليماني وقادة الحرس الثوري الإيراني الذين قُتلوا على مدى سنوات


وأتى خطاب حسن نصر الله لاحقا بتطمين أهالي المناطق الحدودية اللبنانية، بالعودة إلى أماكنهم، ليؤكد أن ما علق عليه البعض من رد مدمر ومزلزل من قبل إيران وأداتها في المنطقة حزب الله غير وارد، باستثناء قذائف المدفعية والصاروخية التي لم تسمن ولم تغن من جوع على مواقع الصهاينة، مما عزز فرضية الكثيرين من أن الموقف الطائفي واحد، ولن يتغير ولن يتبدل، بوصلته استهداف حواضر السنة وقتل وتشريد أهلها، وهو ما كنا نؤكد عليه بشكل مستمر، من أن محور الطائفيين لا يمكن له أن يضحي بمكتسباته في أربع حواضر للأمة قام بالسيطرة عليها، وهو الأمر الذي عجزت عنه قوى الأرض لقرون، فكيف سيتخلى عن هذه العواصم من أجل غزة أو غيرها؟

للأسف الشديد لا تزال بعض النخب مغشوشة ومضللة من جرّاء التضليل الطائفي على الرغم من أنها اختُرقت وضُللت عشرات المرات من إيران وتصريحاتها، وعلى الرغم من السياقات السياسية التي ظلت إيران أمينة عليها لعقود بتفضيل مصالحها على مصالح الآخرين، ولو كان على حساب قتل وتشريد واعتقال ملايين البشر، 

لا تزال بعض النخب مغشوشة ومضللة من جرّاء التضليل الطائفي على الرغم من أنها اختُرقت وضُللت عشرات المرات من إيران وتصريحاتها

ولكن مثل هذه النخب لا تزال مدمنة على الدعم الإيراني، وما هو إلا سراب تحلم به هذه النخب.

البيان الذي وقعته المجامع العلمائية المشيخية، ومعها شخصيات علمائية ومشيخية وازنة في العالم العربي والإسلامي ردا على تغريدات خامنئي، كان لافتا ومهما، أولا تصحيحا لسردية تاريخية يحرص عليها خامنئي وصحبه وذلك لضرب سردية تاريخية سنية، وثانيا تصحيحا لواقع يُراد له أن يتم حصر المقاومة بالفصائل الشيعية، وهي التي فرّغت حواضر السنة من المقاتلين والأسلحة، لتتاجر بحسب الزمان والمكان والفرص بهذه المقاومة خدمة لمشروعها الطائفي، وهو مشروع لا علاقة له بالأمة وحواضرها وشعوبها.

كما أتى بيان المجلس الإسلامي السوري ليضع النقاط على الحروف، لا سيما وأن المجلس مطلع بشكل جيد على ما حيك للشام وما يحاك لها، وهو الذي حذر غير مرة من مخاطر التوسع الإيراني والتلطي خلف شعارات فلسطين، تماما كما تلطى من قبل حافظ الأسد وغيره من القادة والزعماء خلف نفس الشعارات.

الاثنين، 15 يوليو 2024

الأسد.. جيفة سياسية

 الأسد.. جيفة سياسية

د.أحمد موفق زيدان

لم يعد نظام الرئيس السوري بشار الأسد مالكا لنفسه، في ظل وجود عشرة جيوش أجنبية وأكثر من 66 مليشيا طائفية عابرة للحدود على الأرض السورية، وفي ظل تفسخ النظام بشكل خطير، حتى غدا هذا التفسخ ينعكس على دول الجوار، لكنه ومع هذا يسعى إلى الاستثمار في حالة تفسخه، كي يؤذي جيرانه أكثر مما آذاهم. لكن يبقى أن النظام السوري ميّت سياسيا، ومرتبط ارتباطا عضويا بالدول التي أبقته على قيد الحياة السياسية طوال سنوات الثورة، بعد أن أكد غير مرة المسؤولون الروس والإيرانيون أنه لولاهم لسقط النظام منذ بداية الثورة. وتلك حقيقة لا يمكن نكرانها، إذ كانت قوات المعارضة بدية الثورة على أبواب دمشق، لكن ما حال دون تقدمها هو التدخل الإيراني ثم الروسي.

تأخر النظام السوري في الرد على العروض التركية الأخيرة في عقد مفاوضات مباشرة بين الرئيسين أكد هذه الحقيقة، وهي أن النظام ليس ملك نفسه، ولا قراره من عندياته، فقد كان الفيتو الإيراني أقوى حتى من الفيتو الروسي الذي ظن البعض أنه سيفرضه على النظام، بعد أن تمكنت إيران من مفاصل الدولة السورية، ونجحت في تغيير ديمغرافية سوريا عبر تشريد أكثر من 14 مليون سني، فلا يمكن لها أن تتسامح اليوم بعد هذا النجاح الذي حلمت به؛ مع عودة اللاجئين السوريين إلى أراض ابتلعتها مع مليشياتها.

تأخر النظام السوري في الرد على العروض التركية الأخيرة في عقد مفاوضات مباشرة بين الرئيسين أكد هذه الحقيقة، وهي أن النظام ليس ملك نفسه، ولا قراره من عندياته، فقد كان الفيتو الإيراني أقوى حتى من الفيتو الروسي الذي ظن البعض أنه سيفرضه على النظام

ونحن نرى ونتابع مشاهد الإذلال والتعذيب والقتل الهمجي الذي تمارسه مليشيات النظام السوري مع العائدين إلى سوريا، وتقارير منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية عن سجن العائدين، واختفاء الكثيرين وراء القضبان، فضلا عن تصفية العشرات منهم. كل هذا ليؤكد أن ما تطمح به الدول المجاورة والمفاوضة للنظام من إعادة اللاجئين هو حلم، لن يقبل به النظام وحلفاؤه، ودليله هو رفضه لذلك مع الدول التي سعت للتطبيع معه خلال السنوات الماضية، فلم يعد لاجئ واحد.

المتابع للنظام السوري وخطابه، ومعه خطاب حلفائه الإيرانيين والروس، يجد أن الجميع لم يُغير حرفا واحدا في خطابهم تجاه الثورة السورية أو تجاه الدول التي دعمت الثورة السورية، خطاب اقتصر على أن ما جرى في سوريا إرهاب وتدخل خارجي، وأن الأوضاع ينبغي أن تعود إلى ما قبل عام 2011، بل ويطالبون داعمي الثورة بالاعتذار عن كل ما فعلوه من دعم خيارات الشعب السوري، في مقابل تراجع حلفاء الثورة السورية عن خطاباتهم التي ظهرت متماهية في كثير من جانبها مع خطاب النظام وحلفائه، مما يعني استحالة التوصل إلى نقاط مشتركة مع هذا النظام، الذي يصر على مواقفه وحكمه وتشبثه بالسلطة، فضلا عن التمسك بخياراته وكأن شيئا لم يحصل طوال 13 عاما من قتل وتعذيب وتشريد واستخدام للكيماوي والبراميل المتفجرة، ونحو ذلك من الجرائم المخيفة بحق الإنسانية.

المتابع للنظام السوري وخطابه، ومعه خطاب حلفائه الإيرانيين والروس، يجد أن الجميع لم يُغير حرفا واحدا في خطابهم تجاه الثورة السورية أو تجاه الدول التي دعمت الثورة السورية

اللافت أنه مع كل تنازل تقدمه الدول التي دعمت الثورة السورية نرى تصعيدا على الأرض من قبل النظام السوري وحلفائه، كما حصل مؤخرا في التصعيد الذي لجأت إليه القوات الروسية والإيرانية وحتى قوات النظام السوري بقصف مناطق إدلب؛ إما عبر طائرات الدرون الانتحارية الإيرانية، أو من خلال قصف الشمال السوري المحرر بالصواريخ الفراغية الروسية شديدة الانفجار، ومعها قذائف المدفعية والصواريخ المتخصصة بها مليشيات النظام السوري. كل ذلك يؤكد على أن هذا المحور يستغل تنازل وتقرب الدول الداعمة للثورة باتجاه النظام، في ممارسة مزيد من الضغوط على الثورة السورية وحاضنتها.

بقي أن نقول حقيقة مهمة قد تغيب عن أذهان الكثيرين، وهي أن حالة المنطقة بشكل عام حالة سيولة، لم تتشكل، واتخاذ قرارات استراتيجية لها آثارها البعيدة والاستراتيجية على المنطقة خطأ فاحش، ولعل ذلك تجلّى بشكل واضح وجلي في حرب غزة، فكل من راهن على أن الوضع قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر في صالح الصهاينة، فراح يتقرّب إليهم بالتطبيع واللقاءات الحميمة، تكشف له بعد السابع من أكتوبر أن ظاهر الحياة السياسية مختلف عن باطنها. وهذا في حالة الكيان الصهيوني البغيض الذي يرى الجميع قوته وجبروته، فكيف يمكن التعويل على نظام متفسخ ميت سياسيا، غدا جيفة سياسية، تقضي على كل من يقترب منها، تقضي عليه فيزيائيا أو سياسيا، أو شعبيا وسط الأمة المسلمة التي تضامنت ودعمت وساندت ولا تزال الثورة السورية؟

فإياكم من الاقتراب من جيفة سياسية برقبتها أكثر من مليون شهيد ومليوني معتقل وجريح، و14 مليون جريح، وبرقبتها استخدام لسلاح الدمار الشامل الكيماوي لـ217 مرة.

الثلاثاء، 9 يوليو 2024

أربع محاولات فاشلة في إعادة تدوير الأسد

 أربع محاولات فاشلة في إعادة تدوير الأسد

د.أحمد موفق زيدان


لأسبوع ونيّف ورئيس النظام السوري بشار الأسد لم يرد على دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقائه ولزيارة تركيا، إن هو قام بخطوة أو خطوتين لم يتم الإفصاح عنهما. وعلى الرغم من تكرار القيادة التركية ممثلة بالرئيس ووزير خارجيتها هاكان فيدان تلك الدعوة، إلّا أن رئيس النظام السوري ملتزم الصمت، ومن فهم وفسّر ذلك على أنه حنكة دبلوماسية، وكأن بشار يقدح من دماغه وقراره بيديه، فهو مخطئ، ولا يُدرك حقيقة الواقع السوري الذي لم يعد أبدا كما كان عليه قبل الخامس عشر من آذار/ مارس 2011 يوم انطلقت الثورة السورية.

اليوم نحن أمام حقيقة وتجربة، أما الحقيقة فهي أن سوريا تنتشر فيها عشرة جيوش أجنبية، وكل جيش يمثل دولة لديها مصالح وانشغالات وقلق، وبالتالي فمن الصعب أن تنفرد دولة مهما كان وزنها في تقرير مصير المعركة، ومصير البلد. وإذا كان التحليل الرياضي يعطي أوزانا لكل لاعب دولي وإقليمي ومحلي في أي قضية، فإن هؤلاء اللاعبين لكل منهم وزنه، مما يزيد من تعقيدات المشهد السوري، وعجز اجتماع دولة أو دولتين أو أكثر على تقرير مصير البلد الذي تتقاذفه مصالح الدول الموجودة كلها فيه.

سوريا تنتشر فيها عشرة جيوش أجنبية، وكل جيش يمثل دولة لديها مصالح وانشغالات وقلق، وبالتالي فمن الصعب أن تنفرد دولة مهما كان وزنها في تقرير مصير المعركة، ومصير البلد

وبالإضافة إلى وجود هذه الجيوش فإن أكثر من 66 مليشيا طائفية مسلحة موجودة على الأرض السورية اليوم، هذا عداك عن اللاعب الثوري الموجود على الأرض أيضا، والمتمثل بالقوى العسكرية التي عبر كثير منها عن رفضه لأي حل لا يتضمن إسقاط الأسد، ومعه أيضا هناك ورثة المليون شهيد، بالإضافة إلى 14 مليون مشرد، الرافضين للعودة إلى حظيرة الأسد من جديد.

أمام التجربة، فمنذ 2017 وحتى اليوم سعت أكثر من دولة إلى إغراء النظام السوري في تأهيله، مع إبعاده عن الحضن الإيراني، فكانت التجارب كلها فاشلة، أو على الأقل غير مشجعة. وتشير كل الأدلة التاريخية أن النظام منذ أيام المؤسس حافظ أسد؛ درج على خديعة العرب ومحاوريه بالرغبة في الانفكاك عن إيران، بينما يقوم في نفس الوقت بتعزيز علاقاته معها. أما اليوم فإن القضية أبعد من أن تكون تعزيزا للعلاقة في ظل تحكم الإيراني بكل ما هو على الأرض، وهو خلاف الدور الروسي تماما، ولذا فإن الاختراق العسكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي الإيراني وغيره من اختراقات تعكس مدى تغلغل طهران في مفاصل الدولة والمجتمع السوري، مما يستحيل على النظام السوري أن يتجاهل كل هذه الحقائق على الأرض، وهو الأمر الذي يفرض عليه قيودا حقيقية حتى لو أراد الابتعاد ولو قليلا عنها.

كانت التجربة الأولى في إعادة تأهيل النظام السوري على يد الإمارات حين سعت إلى ما وصفته بإبعاد النظام عن الحضن الإيراني، ليتبين بعد سنوات استحالة هذا التوجه الرغائبي، على الرغم من خطوات تجميلية لا معنى لها من قبل النظام لإقناع مفاوضيه، ولكن على الأرض ازداد الحضور الإيراني وتعاظم تغلغله.

منذ 2017 وحتى اليوم سعت أكثر من دولة إلى إغراء النظام السوري في تأهيله، مع إبعاده عن الحضن الإيراني، فكانت التجارب كلها فاشلة، أو على الأقل غير مشجعة. وتشير كل الأدلة التاريخية أن النظام منذ أيام المؤسس حافظ أسد؛ درج على خديعة العرب ومحاوريه بالرغبة في الانفكاك عن إيران، بينما يقوم في نفس الوقت بتعزيز علاقاته معها. أما اليوم فإن القضية أبعد من أن تكون تعزيزا للعلاقة في ظل تحكم الإيراني بكل ما هو على الأرض


وبعد التجربة الإماراتية بسنوات سعى الأردن إلى أن يكون ممثلا عن الجامعة العربية في سياسة أطلق عليها خطوة مقابل خطوة، وذلك من أجل تأهيل النظام السوري، ولكن الخطوة الأردنية تم خطفها من قبل السعودية، يوم دعت بشار الأسد لحضور القمة العربية، وهو ما رأت فيها عمّان نسفا لكل سياستها واستراتيجيتها في سوريا. هذا الواقع أغرى النظام السوري في الضغط على الجميع، وكان ذلك بتكثيف تهريب المخدرات، والذي تم ترقيته لاحقا إلى تهريب الأسلحة والمتفجرات إلى الأردن، وسعى إلى تحويله لمحطة ترانزيت إلى الخليج وما بعده.

والظاهر اليوم أن الأردن ينظر إلى النظام السوري على أنه قد أحبط مخططه في تأهيله، مستغلا اللعب على خلافات الصف العربي. ونفس الأمر تكرر بالمناسبة مع التقارب السعودي- الأسدي، حيث ظهر بوضوح أن النظام لا يمكن له أن يقبل بالشروط العربية، إمارتية كانت أو أردنية أو سعودية، بل ويعمل على التصعيد معهم جميعا، استجابة للإيراني، ورغبة منه في الانتقام من محيطه الذي يرى فيه داعما ومسببا لما حصل في سوريا، إذ إنه لا يزال يُنكر حتى الآن المطالب الشعبية الداخلية المحقة.

اليوم تدخل تركيا على خط المصالحة، وباعتقادي فإن التجربة لن تكون بأفضل حالا من التجارب العربية السابقة، فالأسد غير قابل للتعديل، ولا يمكن الوثوق بوعوده، أولا لأنه ليس محلا للثقة بحسب سيرته الذاتية، وثانيا لأنه فعلا وواقعا بات مسلوب الإرادة. ولعل ما تعرضت له مستشارته الإعلامية لونا الشبل، وما تردد عن تحقيق الحرس الثوري الإيراني معها ثم قتلها، يؤكد أن الجانب الإيراني مستعد لأن يذهب إلى أبعد مدى مع النظام السوري ورموزه، ولذا فإن القضية غاية في التعقيد، ولا أعتقد أن الروسي لوحده يستطيع أن يجبر الأسد على شيء يخالف الرغبة الإيرانية ويتصادم معها.

بقي أن نقول إنه طوال سنوات الثورة لم نرَ أي تنازل من الأسد وحلفائه تجاه الثورة ومن وُصفوا بحلفاء الثورة، بينما رأينا العكس من قبل حلفاء الثورة الذين سعوا طوال تلك السنوات إلى تقديم التنازلات له على حساب الثورة وأهلها، مما عزز تشدده وتمسكه بمواقفه.

وهمسة أخيرة، فإن الرد العملي على كل هذا هو بوحدة الفصائل وتقديم برنامجها المنسجم مع المطالب الشعبية، وحينها سيبدأ قلب الطاولة على النظام وأسياده وداعميه..

الاثنين، 1 يوليو 2024

ماذا تُعلمنا التجربة الأفغانية؟

 ماذا تُعلمنا التجربة الأفغانية؟

د.أحمد موفق زيدان

بضعة أيام قضيتها مؤخرا في أفغانستان، ومن قبلها عشت معظم حياتي مهتما بالقضية الأفغانية، حيث ألّفت عددا من الكتب عنها، والتقيت معظم إن لم أقل كل قادتها منذ الثمانينيات، وفي زياراتي الأخيرة إلى كابول ولقائي مع قادة الإمارة الإسلامية الأفغانية، بالإضافة إلى كتاب وصحافيين وناشطين إغاثيين، تكوّنت لدي أفكار عن سبب هذا الانتصار الطالباني، ربما تكون مهمة للساحة العربية والإسلامية، لا سيما وأن التجربة الأفغانية طرية وجديدة.

وهنا أود أن أبرز عدة نقاط وأسباب جعلت الانتصار الطالباني العسكري على تحالف دولي من 38 دولة، بقيادة أقوى قوة على وجه الأرض وهي أمريكا، ممكنا وواقعيا:

- يتميز الأفغان بالصبر والجلد والمثابرة، ووضوح الهدف، وحشد الشعب الأفغاني على هذا الهدف الذي لا يحيدون عنه، حتى ولو استغرق الأمر عشرين عاما من المقاومة ضد القوات الغربية بقيادة أمريكا، وهو ما حصل طوال تلك الفترة، الأمر الذي زاد من التفاف الشعب حولهم، فحصدوا ما زرعوه طوال السنوات الماضية. هذا الصبر والجلد والمثابرة، تمت ترجمته عسكريا وسياسيا، وحتى في مجال العلاقات الدولية مع الأطراف الفاعلة، إن كانت إقليمية أو دولية.

استغرق الأمر عشرين عاما من المقاومة ضد القوات الغربية بقيادة أمريكا، وهو ما حصل طوال تلك الفترة، الأمر الذي زاد من التفاف الشعب حولهم، فحصدوا ما زرعوه طوال السنوات الماضية. هذا الصبر والجلد والمثابرة، تمت ترجمته عسكريا وسياسيا


وقد لمس الكل هذا الصبر الأفغاني، فشجع ذلك حتى بعض الأطراف الإقليمية والدولية المعادية للمشروع الغربي على المراهنة على الشعب الأفغاني الذي يمكن أن ينجح وينتصر، لا سيما وأن للشعب الأفغاني إرثا تاريخيا حين هزم الاتحاد السوفييتي في الثمانينيات، ومن قبلها هزم الإمبراطورية البريطانية في ثلاث حروب ممتدة لأكثر من نصف قرن على فترات متباعدة.

- يتميز الأفغان بالثقة بالنفس وعدم الاعتماد على الآخرين، وقد انعكس هذا بشكل واضح في علاقتهم مع أفغانستان. وهنا أتحدث عن تجربة طالبان وليس عن تجربة الجهاد الأفغاني، فقد اعتمد الطالبان على أنفسهم عسكريا وسياسيا، وفتحوا نافذة تفاوض مع عدوهم الأمريكي من خلال قطر، وذلك ليكون التأثير المباشر عليهم وعلى استراتيجيتهم ونشاطاتهم غير موجود، بخلاف ما لو اعتمدوا في ذلك على باكستان، التي ستفضل بالتأكيد مصالحها الاستراتيجية والمباشرة، وما أكثرها في أي تفاوض أمريكي، وهذا ما فعلته طالبان طوال سنوات التفاوض مع الأمريكي عبر البوابة القطرية، وهو ما يفسر بشكل واضح وجلي التوتر الطالباني- الباكستاني، إذ إن إسلام آباد تشعر اليوم بأنها فقدت ورقة تفاوضية مهمة لديها، وهي أفغانستان، مع القوى الدولية.

- التركيبة العرقية والقبلية والمولوية المتناغمة والمنسجمة مع بعضها بعضا، إن كانت التركيبة العرقية القبلية البشتونية، أو التركيبة المولوية، كانت خلطة كيميائية مهمة وناجحة في أفغانستان، وهو تناغم ونسيج استطاع خلال سنوات الحرب ضد البريطانيين، والسوفييت، والغربيين بقيادة أمريكا؛ أن ينتج عملية كيميائية صالحة للانتصار العسكري، ولكن التحدي أمامه يبقى في قدرتها على البقاء والاستمرار سياسيا، وإن كانت طالبان قد استطاعت بعد الانتصار الأخير توسيع المشاركة السياسية إلى عرقيات أخرى، لا سيما بعد أن نجحت في تحجيم المعارضة السابقة من خلال هروبها إلى خارج أفغانستان، حيث أنها المرة الأولى في تاريخ أفغانستان الحديث التي نرى فيها البلاد آمنة مطمئنة لا حروب داخلية فيها، باستثناء بعض التفجيرات التي يقوم بها تنظيم الدولة "داعش"، وإن كانت عمليات محدودة بدأت تتراجع بشكل واضح.

قدرة الأفغان على تحييد العامل الأجنبي حتى الإيجابي منه عن ساحتهم، كان مهما ولافتا، فليس هناك تأثير إسلامي باكستاني أو عربي أو طاجيكي أو غيره على الساحة الطالبانية الأفغانية، وإنما التأثير للإسلامي الأفغاني


- قدرة الأفغان على تحييد العامل الأجنبي حتى الإيجابي منه عن ساحتهم، كان مهما ولافتا، فليس هناك تأثير إسلامي باكستاني أو عربي أو طاجيكي أو غيره على الساحة الطالبانية الأفغانية، وإنما التأثير للإسلامي الأفغاني، لا سيما وأن الأفغان يستمعون إلى علمائهم ومشايخهم الذين يفتون لهم، أما الساحات الأخرى فقد تشظت وتفتتت لكونها تسمع لمراجع متعددة، مما أضعف التلاحم والتآلف والتوحد بين الأماكن الأخرى مقارنة بأفغانستان. ولذلك تجد كل من دخل أفغانستان من غير الأفغان قد بايع الحركة الطالبانية، والإمارة لاحقا، والتزم الصمت إزاء كل تحركاتها وعملياتها وأعمالها، ولذا فإن البلاد تدار من رأس واحد، لا رؤوسا متعددة، وهو الأمر الذي تمت ترجمته لاحقا على الساحة الدولية من خلال عملية تفاوض معقدة في الباطن، سهلة في الظاهر، ولكن ما كان ذلك ممكنا لولا الإرث الاجتماعي المعقد الذي مرت به أفغانستان واستمسكت به قيادة الحركة..

ذكرت بعض النقاط القوية التي كانت في صالح طالبان ومقاومتها العسكرية والسياسية، لعلها تكون نقاط علامة واسترشادية لكل القوى الحية الطامحة في التغيير والراغبة في العمل العسكري والسياسي الجاد، بحيث لا تكرر تجاربها الفاشلة، مع إداركي التام أن لكل تجربة ظروفها الاجتماعية والاقتصادية، ولكن هذا لا يمنع أبدا من استغلال التجارب، والاستفادة منها.

الاثنين، 10 يونيو 2024

عصر التفاهة.. وعصر سرقة تضحيات الشعوب

 عصر التفاهة.. وعصر سرقة تضحيات الشعوب

د.أحمد موفق زيدان


كنت ذات مرة في جولة عمل مع بعض الزملاء والزميلات، فأشارت إحدى الزميلات لكتاب نظام التفاهة لمؤلفه ألان دونو الصادر حديثا حينها، وشددت عليّ بقراءته، فقلت لها ولماذا أقرأه، ونحن نعاصره ونعيش رجالاته، ونراه على الهواء الطلق، وعلى مدار أربع وعشرين ساعة؟ إنه عصر التفاهة الذي يتحدث عنه، ونعيشه نحن على مدار الأسبوع والشهر والعام.

تذكرت هذا وبعض الطلبة يسألونني كيف تُسرق الثورات، فأجبتهم دون تردد: لم تعد هناك حاجة لقراءة تاريخ وتعرجات وكتابات تتحدث عن سرقة الثورات العربية والإسلامية، الوطنية والقومية منها، فنحن نعيش عصر سرقة الثورات اليوم على مدار الساعة، فانظروا إلى الثورة السورية التي قدمت أكثر من مليون شهيد و14 مليون مهجر ومليوني جريح ومعتقل، ومع هذا يحرص بعض من يسمون بأهل هذه الثورة على سحقها، علموا أم جهلوا، لا لشيء وإنما لتصفية حسابات فردية وشخصية، وساحته الشمال السوري المحرر إن كان في إدلب العز، أو في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية.

لم تعد هناك حاجة لقراءة تاريخ وتعرجات وكتابات تتحدث عن سرقة الثورات العربية والإسلامية، الوطنية والقومية منها، فنحن نعيش عصر سرقة الثورات اليوم على مدار الساعة، فانظروا إلى الثورة السورية التي قدمت أكثر من مليون شهيد و14 مليون مهجر ومليوني جريح ومعتقل، ومع هذا يحرص بعض من يسمون بأهل هذه الثورة على سحقها، علموا أم جهلوا، لا لشيء وإنما لتصفية حسابات فردية وشخصية


في مقابل هذا نرى توحد أهلنا في السويداء المنتفضين حديثا بوجه النظام المجرم، يوازيه تشتت بالشمال السوري المحرر، وتشتيت المشتت، وتمزيق الممزق، بحيث سيكون من الصعب غدا لو أردنا اختيار قيادة ناطقة باسم الشمال المحرر أن يتم الاتفاق على بضع شخصيات قادرة على فرض رأيها وتصوراتها على البقية الباقية، لكان ذلك في حكم المستحيل، كل ذلك خدمة لأعداء الثورة السورية، وتضييعا لدماء الشهداء وعذابات المشردين، وأنّات المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام السوري المجرم.

ترى أحدهم يتظاهر ويتظاهر، والنظام المجرم المدعوم من القوى المحتلة الروسية والإيرانية ومليشيات طائفية متعددة الجنسيات وعابرة للحدود تقبع على كيلومترات معدودة منه، فتهدد بقاءه وبقاء الجميع، ولكنه يؤثر مع هذا كله خرق السفينة، وخرق المحرر، تماما كمن تقاتل على جلد الدب قبل اصطياده. ويحدثونك عن قتال المجاهدين الأفغان لبعضهم، بينما هؤلاء تقاتلوا بعد أن أخرجوا الدب الروسي من أرضهم، فتقاتلوا على جلده. وإن كان القتال غير مبرر بكل تأكيد، ولكن على الأقل أفضل من السوريين الذين تقاتلوا ويتقاتلون بين بعضهم، ويسقطون بعضهم ويخونون بعضهم وهم لم يحصلوا على الاستقلال فضلا عن طرد المحتلين وعصاباتهم الطائفية من أرضهم.

إن العقلية العربية والسنية تحديدا تكتنفها الكثير من الإشكاليات الحقيقية الداعية إلى الوحدة والجسد الواحد، ولعل الآيات والأحاديث النبوية التي حضت كثيرا على هذا الأمر استبطنت منذ البداية تلك الشخصية العربية المتمردة، وهي الشخصية التي شبهها بعض علماء الاجتماع الغربيين بحبات الرمال، قوية بنفسها وبذاتها، وضعيفة بغيرها، 

ما لم تقف النخب السورية لحظة تأمل حقيقي، بعيد عن التخوين وبعيد عن المصالح الشخصية الآنية الفردية، فإن السنة في سوريا والثورة السورية كلها ستدفع ثمنا باهظا، حينها لن يكون هناك أحد بحاجة إلى أن يكتب كيف سُحقت الثورة السورية، وكيف هُزمت المقاومة السورية، بعد أن تولّى أبناؤها سحقها، تشاركهم في ذلك نخبهم الذين تعاظمت عندها الآنا؛

بحيث لا يمكن أن تتماسك مع بعضها، بخلاف الشخصية الغربية التي شبهها كحبات التراب، والتي تتسم بأنها ضعيفة بذاتها قوية بغيرها، فقادرة بذلك على التماسك فيما بينها، فتكون صلصالا بوجه أعدائها وخصومها.

ما لم تقف النخب السورية لحظة تأمل حقيقي، بعيد عن التخوين وبعيد عن المصالح الشخصية الآنية الفردية، فإن السنة في سوريا والثورة السورية كلها ستدفع ثمنا باهظا، حينها لن يكون هناك أحد بحاجة إلى أن يكتب كيف سُحقت الثورة السورية، وكيف هُزمت المقاومة السورية، بعد أن تولّى أبناؤها سحقها، تشاركهم في ذلك نخبهم الذين تعاظمت عندها الآنا؛ ولو كان ذلك على مذبح المصالح الشعبية ومصالح الشهداء والمشردين والمعتقلين ومن بعد الشعب السوري الطامح إلى الحرية والاستقلال.

لحظة تأمل حقيقية مطلوبة من كل سوري، وتحديدا من كل سني ما دام هو المعني بالقصة، كون الأطراف الأخرى لا تنسحب عليها ما ينسحب عليه، وهو أن على النخب أن تتقي الله فيما تكتبه وما تعرضه وما تحرّض عليه، وينبغي عليها أن تضع مصالح الأمة فوق كل شيء، وأن تستعصم بوحدتها، وتغليب المصالح الكبرى على المصالح الفصائلية والفردانية المفرطة لدى البعض.

الاثنين، 3 يونيو 2024

غزة في باكستان

 غزة في باكستان

أحمد موفق زيدان


أمضيت أسبوعا في باكستان وأنا أرقب تفاعلات الحدث الغزي في كثير من الجوانب الحياتية والسياسية والإعلامية والطبية والإغاثية الباكستانية، أرقبه في الاعتصام الذي أعلنه مئات من المعتصمين قرب مقر البرلمان الباكستاني شرقي العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وهم يطالبون بوقف الحرب الهمجية العبثية الإجرامية على شعب غزة، ويعترضون على الموقف الباكستاني الرسمي الهزيل إزاء المجازر والمذابح اليومية الواقعة هناك، حيث شعب يراد اقتلاعه من أرضه وتاريخه.

والعجيب أن يتعرض مقر اعتصام سلمي هادئ، لحادث دهس غامض، حين اقتحم أحد سائقي السيارات مقر الاعتصام، فدهس ثلاثة من المعتصمين، وهو ما قاد إلى قتلهم جميعا رحمهم الله وتقبلهم في فردوسه، فقد خرجوا انتصارا لفلسطين، وانتصارا لأمة الجسد الواحد الذي لم يفرق بينها عِرق ولا جغرافيا.

وفي كراتشي العاصمة الاقتصادية لباكستان كان زعيم الجماعة الإسلامية الجديد حافظ نعيم الرحمن؛ يحشد عشرات الآلاف من المتظاهرين الغاضبين نصرة لغزة، حيث احتشدوا وسط المدينة مطالبين بفك الحصار عن غزة، ووقف حملات الإبادة بحق المحاصرين فيها، كما ناشدوا الحكومة الباكستانية القيام بواجباتها من أجل مساعدة المحاصرين هناك.

الكل في باكستان يتحدث عن غزة، إن كان في المحافل السياسية أو الإعلامية والصحافية وحتى في الأحاديث العامة، فضلا عن خطب الجمعة، وهو ما جعل من غزة عامل توحيد باكستاني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، للساحة الباكستانية بكافة شرائحها


في لاهور، حيث كانت خلية العمل الطبية والإغاثية على أشدها، التقيت في مكتب مؤسسة الخدمة التابع للجماعة الإسلامية، مسؤولي المؤسسة، والذين بدوا لي كخلية نحل حقيقية، حيث التنسيق مع مصر ومع معبر رفح، ومع داخل غزة لنقل مساعدات طبية وغذائية، وكل ما يحتاجه الأطفال وأمهاتهم في غزة الصمود. ويقول لي القائمون على الحملة إن آلافا من الأطنان من هذه المواد، تم شحنها إلى داخل غزة بفضل الله، ثم بجهود الباكستانيين المتبرعين، بالإضافة إلى جهود سلاح الجو والبحرية الباكستانيين، في دعم ومساندة جهود الإغاثة هذه، مما كان له أثر كبير وسريع وسهل في إيصال المواد الغذائية والطبية للمحاصرين في غزة، وقد وصل الأمر إلى تسجيل أكثر من 3200 طبيب واستشاري باكستاني وفي معظم التخصصات لدى مؤسسة الخدمة من أجل التوجه إلى غزة، ودعمها ومساندتها، واللافت أن 60 في المائة من هؤلاء من العنصر النسائي. ولعل القصة الأبرز في هذا الإقبال الباكستاني المنقطع النظير، حرص طبيبة باكستانية مع ابنها على التوجه إلى غزة لمعالجة الجرحى هناك.

الكل في باكستان يتحدث عن غزة، إن كان في المحافل السياسية أو الإعلامية والصحافية وحتى في الأحاديث العامة، فضلا عن خطب الجمعة، وهو ما جعل من غزة عامل توحيد باكستاني، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، للساحة الباكستانية بكافة شرائحها.

ولا أنسى حين كنت برفقة الصديق الصحافي الفلسطيني بكر يونس مطر، وقد دُعي من قبل قناة إكسبرس الفضائية الباكستانية، للمشاركة في حوار تلفزيوني وعلى الهواء عن غزة وباللغة الأوردية المحلية، قطعنا مشوارنا وتوجهنا إلى القناة، وسعدت جدا وأنا أسمعه وهو يتحدث بلسان كل غزيّ، بل وكل عربي ومسلم بلغة أوردية إلى نحو مليار مسلم في جنوب آسيا، منتشرين في كل من باكستان وبنغلاديش والهند، وحتى أن كثيرا من الأفغان يتقنون الأوردية، بحكم عيشهم الطويل في باكستان خلال أيام الجهاد الأفغاني؛ إن كان ضد السوفييت أو ضد التحالف الغربي بقيادة أمريكا لاحقا.

الأمة كلها في حالة استنفار حقيقي، وليس باكستان لوحدها، ومن الأمثل والأجدى استثمار هذا الاستنفار لشيء عظيم لا حصره في قضية غزة والأحداث الراهنة، استثماره من أجل فلسطين وغير فلسطين، فهبّة الشعوب وانتفاضة الشعوب وقيامها ليس بالسهل أن يحصل كل مرة، وليس من السهل التعبئة والحشد في كل حدث


الأمة كلها في حالة استنفار حقيقي، وليس باكستان لوحدها، ومن الأمثل والأجدى استثمار هذا الاستنفار لشيء عظيم لا حصره في قضية غزة والأحداث الراهنة، استثماره من أجل فلسطين وغير فلسطين، فهبّة الشعوب وانتفاضة الشعوب وقيامها ليس بالسهل أن يحصل كل مرة، وليس من السهل التعبئة والحشد في كل حدث، إن كان على صعيد التضامن والدعاء والدعم، أو المقاطعة التي رأينا نجاعتها ونجاحها اليوم في غزة، أما وقد وحدث ذلك اليوم فمن الواجب دفع ذلك إلى الأمام، وتعظيمه خدمة لقضايا الأمة كلها، بالتوجيه والنصح والإرشاد، وتبيان المخاطر التي تتهدد الأمة بشكل عام في عالم العرب والمسلمين.

في جلسة مع أطباء باكستانيين معنيين بالدعم والمساندة لغزة وغير غزة، قال لنا الراعي لكلية الطب في بيشاور، الدكتور نجيب الحق في بيشاور: "إن الأمة كلها باستطاعتها أن تفعل أربعة أمور لغزة، وهي أولا الدعاء، وهو أمر سهل على كل مسلم لكن بالتأكيد فوائده كبيرة بإذن الله تعالى، والأمر الثاني التبرع ولو بروبية واحدة أو مليون روبية، فما على المرء إلا أن يجود بما يستطيعه ويقدره، والأمر الثالث المقاطعة الاقتصادية التي أثبتت قوتها وأهميتها في الحدث الغزي، أما الأمر الرابع وهو الاستطاعة الجسدية الممثلة بالمشاركة في التظاهر والاعتصام للتعبير عن تضامن الأمة مع أهلنا في غزة".

هذه هي أمة الجسد الواحد إذا اشتكى منها عضو من جسدها تداعى الجسد كله بالسهر والحمى، التي تقض مضجع كل مسلم، وبالتالي يبقى الجميع يسهر معانيا مع إخوانه المسلمين في غزة وغيرها...