‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د.عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د.عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-. إظهار كافة الرسائل

السبت، 22 أغسطس 2026

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.

ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.

"
ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، يأكله المرء وهو يسير أو يجري، ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولا بد أن نتنبه إلى الرؤي ة الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة
"

ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو بريء، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى.

فإن قَطَنَ الإنسان المسلم في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد)، وبدلاً من ذلك أصبح المنزل -عملياً وظيفياً- يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل "التي شيرت" أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق.

وأثاث هذا المنزل عادة وظيفي، يلفظ أي خصوصية باسم الوظيفية والبساطة. ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").

ونفس الشيء ينطبق على طعام "التيك أواي" أو السفاري، فهو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هم الذين  يعدون طعامهم بأنفسهم، ثم يتناولونه سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب.

أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.

ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء إلى كثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية.

ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة!

"
تصر بعض الصحف على أن فلانة المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة، مع أنه لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها 
"

وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، ما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟

ومع هذا، تُصر بعض الصحف على أن "فلانة" المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسكينة لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة ولا أي مطلقية، إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه -لا شك- محدود ونسبي.

كما أن خبراتها مع أزواجها -رغم أنها قد تكون مثيرة- لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية، إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية.

وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة!

وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع، ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس "التي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي" ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات..

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟

قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادة ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موزارت وبتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. ألخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية -التي أسميها "ضد الحضارة"- غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي.

"
الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان
"

هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أميركية، لأن الحضارة الأميركية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أميركية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها.

ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية. وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة.. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة.

كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة..

حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية، وكنا نصل إلى المركز الأول في بعض البطولات إن لم تخنّي الذاكرة..

ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك -المشرف على الفرق الرياضية آنذاك- كان ينصحنا بأنه حينما كان يأتي فريق من المراكز المجاورة لنا -وكانوا عادةً أدنى منا في المستوى- كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزون بعض الأهداف حتى لا يشعروا بالإحباط.

وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إما منتصراً أو مهزوما، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع، ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكرة التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة.

قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم، واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم.. فتح لي قلبه وتحدث عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضراوات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية، فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته.

هو لم يستخدم مصطلح "تشيّؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلى شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له.

"
أخلاقيات السوق اقتحمت عالم الرياضة فيتم بيع لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة, لذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك الأول للإنسان الاقتصادي
"

في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة.

هل هذا له علاقة بالتسلية واللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس.. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة.

ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات.

بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة "بي.أم.دبليو" وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشييء الإنسان ونزع القداسة عنه، وتحوّل إلى مادة استعمالية مرنة ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً.

هذه هي مأساة الحضري الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج؟ أليست المسألة مسألة عرض وطلب لا مسألة انتماء وطني وإنساني؟!

وعلى أية حال، بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.. والله أعلم.


عبد الوهاب المسيري

المصدر: موقع الجزيرة نت

أسئلة الهوية

أسئلة الهوية


كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لا بد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني -كما أشرت- عقل توليدي يبقي ويستبعد ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان وهو في صميم رؤية للكون.

المنهج المادي يودي بالهوية تماما لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها

فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه (فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش)، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.

ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها "علمية"، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.

ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره "الإنسان الطبيعي"، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة "أضيفت" إليها الحضارة، أي أنها ليست أصيلة فيه.

وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليا، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التي نصفها بأنها عقلانية مادية) كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف الحدود ولا الهوية ولا الخصوصية، وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية.

ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة.

وحيث إن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التي تنشأ بين الدول خلافات اقتصادية عامة يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي.

ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين: الأولى نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر) كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب، وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت.

أما الثانية فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هو الحال الآن في إطار النظام العالمي الجديد.

وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرا صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلا من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب، إذ الإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة!

فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصينيين فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية.

وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.

وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب.

وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي يوم 2 فبراير/ شباط 1835 قال "لقد سافرت في الهند طولا وعرضا، ولم أر شخصا واحدا يتسول أو يسرق. لقد وجدت هذا البلد ثريا إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي.

ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تمكن الهيمنة عليها تماما".

"
ثمة علاقة بين الهوية والإبداع وهي أن الإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، إذ الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين
"

هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعّلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها.

فمثلا هل يمكن أن نطور مدنا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيد، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟

لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحا في المياه، حتى أنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟

لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز.

هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصادا على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد بكل منجزات العلم والتقنية، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي.

فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت إليه التقنية، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدويا، فترسل بها إلى الريف الياباني فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.

ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة، فهل الحربان (العالميتان) الأولى والثانية، تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟

وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذي أحرق الأخضر واليابس وأباد الملايين ونهب ثروات الشعوب.. هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟

وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها.

وعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذي يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم.

وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.

إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية الإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة.

إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة، شرط أن لا تتحول إلى "غيتو" يدخل فيه الإنسان ويتخندق.

هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقا مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي.

الهوية العربية الإسلامية مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها، إذ في الدولة الإسلامية مثلاً كانت توجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة.

"
أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث كان الانتفاضة التي استدرجت الإسرائيليين إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي الإسرائيلي التعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلا إلا بالالتفاف عليها فكانت اتفاقية أوسلو
"

كان يمكن أن يأتي الإنسان من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة.

ولعل الفن الإسلامي أكبر دليل على التنوّع والاختلاف إلى درجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه. وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.

الإسلام قد قبل التنوع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية وإنما فضفاضة. وهذا التنوع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود.

وقد كان هذا النموذج من الهوية مرفوضاً في الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كيانا متماسكا تماما وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي لا يمكن أن تفصل منه أجزاء ثم يكتب له البقاء.

أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات، كانوا دائماً يسألونني هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية ومن ثم نقطة سلبية؟ فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنجليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنجليزية واللاتينية ويعد نفسه إنجليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا.

وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلا على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم أنا أيضا دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة.

إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة، فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية.

وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديمغرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات.

فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات مثل لهجة "الأوكستانيان" و"البريتون"، وهذه صفة في أوروبا منذ القدم.

وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت "الإسرائيليين" إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي "الإسرائيلي" أن يتعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلا لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت اتفاقية أوسلو.

وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام الدكتور حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل. وهناك محاولات الدكتور عبد الحليم إبراهيم وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث.

كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.


المصدر: موقع «الجزيرة نت».





الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الخطاب الصهيوني المراوغ (4 - 4)

 الخطاب الصهيوني المراوغ (4 - 4)

د. عبدالوهاب المسيري

10. تَرْك فراغات كثيرة ومساحات خالية بين العناصر المختلفة، وعدم رَبْط المقدمات بالنتائج:

يعمد الخطاب الصهيوني إلى ترك فجوات واسعة بين العناصر المختلفة وبين المقدمات والنتائج، فيذكر النتائج دون المقدمات والمقدمات دون النتائج. وقد تُركت هذه المساحات خالية وجرى التزام الصمت حيال بعض النقاط عن عمد، لأن ملأها والإفصاح عنها قد يكشف أهداف الصهاينة في مرحلة مبكرة قد لا يَحسُن الكشف عنها مرحليًا (وهذا تكتيك معروف في عالم السياسة، فبعد أن ضمت بروسيا الألزاس واللورين، كان شعار أهل هاتين المنطقتين من الفرنسيين هو: لا تتحدث عنهما قط، ولا نكف عن التفكير فيهما قط).

وكما قال بن هالبرن (مؤرخ فكرة الدولة اليهودية): اتفق يهود اليديشية ويهود غرب أوربا على ضرورة الصمت بشأن فكرة السيادة اليهودية والطرق السياسية لتحقيقها. وكتب هرتزل في يومياته «يجب ألا يُكشَف كل شيء للجمهور، يجب كشف النتائج وحسب أو ما قد يحتاج المرء لكشفه في مناقشة ما»! وحذر آحاد هعام من الإفصاح العلني عن (آرائنا) بشأن مستقبل فلسطين، فلا يزال (حينذاك) يشكل خطرًا مادام مستقبل تركيا لم يتقرر بعد. وحينما نُوقشت قضية مصطلح (الدولة) في المؤتمر الصهيوني الأول، واستُخدم مصطلح (وطن قومي)، طمأن هرتزل الجميع قائلًا: لا داعي للقلق فسوف يقرؤه الناس (دولة يهودية) على أية حال، ولا داعي لتوخي الدقة لأن الكل يعرف المطلوب في الممارسة، ولا يوجد أي مبرر لجعل مهمة اللجنة التنفيذية أكثر صعوبة مما هي عليه بالإصرار على الدقة. ومعنى قوله هو: كلنا نعرف القصد الصهيوني الصامت، ونعرف الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة المهوَّدة، وقد قررنا الالتزام بهما ولكن لا داعي للإفصاح عنهما.

ولا يلتزم بعض المتطرفين أحيانًا بعملية الصمت وعدم الإفصاح كما حدث مع جابوتنسكي إبان فترة الانتداب حين أصر على أن يُكتَب اسم «إرتس يسرائيل» كاملًا على العملة، وكان لا يكف عن المطالبة بأن يُعلَن صراحةً أن هدف الصهيونية هو إنشاء دولة يهودية على ضفتي الأردن. ولكن القيادة العمالية الحصيفة اكتفت بالحرفين الأولين E.I. فهما يشيران إلى الحد الأدنى الصهيوني.

وهناك حادثة طريفة تبين التصادم نفسه بين من يلتزمون الصمت ومن يحاولون كشفه، ففي إحدى الحملات الانتخابية في «إسرائيل»، أشار إسحق نافون إلى العرب باعتبارهم (إخوته) وهو يعني في واقع الأمر أنهم (أعداؤه)، وكل ما في الأمر أنه يحاول خداعهم حتى يحصل على أصواتهم الانتخابية. وحين اعترض بعض السامعين من «الإسرائيليين» على إشارته الأخوية للعرب صاح نافون: أنتم عباقرة! أنتم ديبلوماسيون! ألا تفهمون؟ إنها مسألة رياضية بسيطة، إن هدف البرنامج العمالي الصهيوني هو الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرض وأقل عدد ممكن من العرب.

وهكذا، فلابد من التخلص من العربي، هذا ما يقوله البرنامج العمالي دون إفصاح، أما حكاية الأخوة هذه فهي دعاية انتخابية.

11ـ التأرجح المستمر والمتعمد بين أعلى مستويات التعميم والتجريد وأدنى مستويات التخصيص:

يحاول الصهاينة أن يتحركوا من أعلى مستويات التعميم والتجريد إلى أدنى مستويات التخصيص حسبما تمليه عليهم الاعتبارات البرجماتية. فحين يكون الحديث موجهًا إلى اليهود وإلى الرأي العام في الغرب، فإنه يكون عن أرض الميعاد المقدَّسة وحق اليهود الأزلي فيها والوعد الإلهي الذي ورد في العهد القديم. وهناك الحديث عن النفي إلى بابل والعودة منها كنمط أزلي متكرر وعما لحق باليهود من اضطهاد... إلخ. ولكن، إلى جانب ذلك، هناك الحديث الموجه إلى العرب عن ضرورة تناسي الماضي ومحو الذاكرة والتركيز على الحاضر وعلى التفاوض وجهًا لوجه، ودراسة التفاصيل المباشرة والإجراءات والعائد الاقتصادي. وبدلًا من الحديث عن صهيون، يكون الحديث عن سنغافورة كمثل أعلى يُحتذى، وبدلًا من الحديث عن رؤى الأنبياء يكون عن مشاريع الاستثمار، وبدلًا من الحديث عن البلاد والأوطان يكون الحديث عن الفنادق والكازينوهات، وبدلًا من ارتداء ثياب المعارك يكون التركيز على آخر الموضات والمايوهات.

وبطبيعة الحال، يمكن استخدام الخطاب النفعي الإجرائي حين يتوجه الصهاينة إلى الحكومات الغربية طلبًا للمعونات إذ يسقط الحديث عن صهيون والأراضي المقدَّسة بطبيعة الحال، ويكون الحديث عن العائد الإستراتيجي العسكري والاقتصادي للدولة الصهيونية الوظيفية المملوكية.

ويظهر هذا التأرجح بين أعلى درجات التعميم وأقصى درجات التخصيص في الطريقة التي يُنفَّذ بها شعار (الأرض مقابل السلام)، فرغم أن الأرض أمر محدد إلا أنها تدريجيًا تحوَّلت إلى مفهوم شديد العمومية، على عكس السلام، الذي تحوَّل من كونه مفهومًا عامًا إلى مجموعة محددة من الإجراءات الاقتصادية والأمنية المادية الصارمة.

12ـ أيقنة بعض الدوال والعبارات:

من الحيل الصهيونية الأساسية ما نسميه (أيقنة) المصطلح أو العبارة، أي تحويل المصطلح إلى ما يشبه الأيقونة، بحيث يصبح المصطلح مرجعية ذاته وتُختزل الحقيقة المركبة إلى مثل هذه الأيقونة التي لا تقبل المناقشة أو المراجعة أو الدراسة أو التساؤل. وهذا ما حدث بعض الوقت لعبارة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» ولعبارة «المفاوضات وجهًا لوجه». وفي الوقت الحاضر، ظهرت مصطلحات مثل «عملية السلام» و «السلام مقابل الأرض».

ولعل من أهم العبارات المتأيقنة عبارة «ستة ملايين يهودي» التي يُفترض أنها تشير إلى عدد ضحايا الإبادة النازية من اليهود، وأصبح مجرد التساؤل عن مدى دقة هذا العدد شكلًا من أشكال الكفر يُسمَّى «إنكار الإبادة».

13ـ إشاعة بعض الصور التي تختزل الواقع:

وترتبط بالأيقنة محاولة إشاعة بعض الصور المجازية التي تختزل الواقع وتترجمه إلى أطروحة صهيونية، فرغم أن «إسرائيل» من أكثر الدول تسلُّحًا وشراسة وقوة عسكرية، فإن الصورة التي تُشاع يجب أن تكون صورة «إسرائيل» صاحبة الحق المسالمة التي تدافع عن نفسها. وقد تمت ترجمة هذا كله إلى صورة داود وجالوت المجازية، بحيث أصبحت «إسرائيل» داود الصغير الذي لا يوجد معه سوى مقلاع ضد جالوت المدجج بالسلاح والذي يُهاجم داود الصغير بشراسة (ومن الطريف أن الانتفاضة قلبت الأمور رأسًا على عقب، إذ إن الفلسطينيين كانوا هم المسلحين بالمقاليع، أما «الإسرائيليون» فكانوا هم جالوت المدجج بالسلاح).

ومن الصور الأخرى التي تمت إشاعتها صورة «إسرائيل» باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية (الأمر الذي يتطلب إخفاء كل ما تقوم به من عمليات قمع وإرهاب) ونموذجًا للإنتاجية والكفاءة (الأمر الذي يتطلب إخفاء المساعدات الغربية التي تصب في هذا المجتمع).


كتاب (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)


الخطاب الصهيوني المراوغ (3 - 4)




جذور العنف الصهيوني في أفكار هرتزل

جذور العنف الصهيوني في أفكار هرتزل
د. عبدالوهاب المسيري


طوَّر «هرتزل» الخطاب المراوغ ودعا كل الأطراف (العالم الغربي ويهود العالم بشقيه الغربي والشرقي) لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.

ولكن هناك طرفًا لم يُدعَ للتوقيع، رغم أنه سيُضار حين يُوضَع العقد موضع التنفيذ، ألا وهو العرب، فقد ذكر «هرتزل» هذا الطرف بشكل عابر أحيانًا في معرض نقده للصهيونية التسللية التي لم تدرك أن المستوطنين الأصليين (العرب وربما الهنود الحمر في الأرجنتين) سيشعرون بأنهم مهددون فيضغطون على الحكومات المعنية فتضطر هذه الحكومات لإيقاف التسلل.

ولا يرد للعرب ذكر في دولة اليهود أو في الخطاب الذي ألقاه أمام المؤتمر الأول (1897م)، أي في الوثائق الموجهة للصهاينة، ولكن هناك وثائق أخرى موجهة للرأي العام مثل الأرض الجديدة القديمة حيث يُقدِّم «هرتزل» صورة وردية لمصير العرب من مواطني الدولة اليهودية الذين سيزدادون رخاءً وسينعمون بالهناء.

وقد كتب «هرتزل» عام 1899م خطابًا لأحد القادة الفلسطينيين يبشره بالرفاهية التي ستعم والثروة التي ستزيد، ولكن مهما كانت رقة قلب «هرتزل»، فإن العرب والسكان الأصليين لم يُدْعَوا لتوقيع العقد، فسيادة الدولة اليهودية مصدرها الغرب، والحكومات المعنية يمكن أن تسبب المضايقات، أما السكان الأصليون فلا أهمية لهم، و«هرتزل» لم يكن فريدًا في هذا، فتحديث الغرب على الطريقة الاستعمارية كان يفترض أن يدفع الشرق فواتير التقدم الغربي.

وبالتالي، فإن السكان الأصليين ليسوا ضمن عملية التحديث وإنما يقعون خارجها تمامًا، ولذا، فإن الإغفال والتغيب جزء من النظام الإدراكي الغربي الحديث للآخر، ومن ثم يصبح العنف هو الآلية المحضة لتنفيذ المشاريع التي تتحرك في إطار القانون الدولي العام أي القانون الاستعماري الغربي.

ولكن «هرتزل»، بمراوغته، لا يتحدث قط عن العنف في الوثائق العامة، إلا من إشارة عابرة للمكابيين في دولة اليهود، وهي إشارة يمكن أن تُفْهَم على أن المقصود بعث عسكري وليس بالضرورة عنفًا ضد العرب، والتفسير نفسه يمكن أن ينطبق على خطابه للبارون «دي هيرش» حين ذكر خطته التي تهدف لأن يخلق من البروليتاريا اليهودية المثقفة (المفكرين المتوسطين الذي يتحدث عنهم في دولة اليهود) شيئًا نافعًا «جنود وكوادر الجيش الذي سيبحث عن الأرض ويكتشفها ثم يستولى عليها».

وعلى أية حال، فإن العنف يطل برأسه في كلمتي «يكتشف» و«يستولي» فاكتشاف أمريكا كان يعني إبادة سكانها الأصليين والاستيلاء على أرضهم، والأمر يختلف قليلاً في اليوميات التي يختلط فيها الإعجاب بالعسكرية البروسية بالحديث عن كيفية الاستيلاء على الملكية الخاصة للسكان الأصليين وكيفية استخدامهم لَقَتْل الثعابين وتأمين عمل لهم في بلاد أخرى (كما دوَّن في مذكراته عام 1885م).

وفي عام 1902م، كتب «هرتزل» لـ«تشامبرلين» عن مصير السكان الأصليين في قبرص إن وقعت في الدائرة الصهيونية الفاتكة: 
«سيُرَحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير سعر جيد ثم يهاجرون إلى أثينا أو كريت»، 
أي أن الاستيلاء على الأرض وإخلاءها من سكانها هو الافتراض الكامن في كتاباته، فالعنف رابض بين السطور، يتحين الفرصة لكي يتحقق، وينتظر اللحظة المواتية كي ينهمر الرصاص ويسقط النابالم.

ومما يجدر ذكره أن «هرتزل» لا يستبعد استخدام العنف ضد اليهود أنفسهم (إن رفضوا الخضوع للرؤية الصهيونية) كما يتضح في مفهوم غزو الجاليات.

وقد سمى أعداء «هرتزل» دولته الصهيونية بأنها «صهيون بدون صهيونية» وهو اصطلاح استخدمه الصهاينة الإثنيون (الدينيون والعلمانيون) للإشارة إلى تَصوُّر «هرتزل» وغيره من الصهاينة لدولة اليهود، فهي دولة تشكل إطارًا يُستوعَب فيه الفائض اليهودي وحسب، ولم تكن له أية معالم أو قسمات يهودية مُميَّزة، والصهاينة الإثنيون كانوا محقين إلى حدٍّ ما في موقفهم، فالصهاينة التوطينيون في مرحلة ما قبل «بلفور» كانوا مهتمين بشيء واحد هو التخلص من الفائض البشري اليهودي «اليديشي»، وبأسرع وقت ممكن، بإلقائه في أي مكان متاح.

ولكنهم لم يكونوا محقين بشكل مطلق إذ أن صياغة «هرتزل» الهلامية تركت الباب مفتوحًا أمام سائر الديباجات الصهيونية الممكنة، فهي لم ترفض الصهيونية الإثنية وإنما كانت غير مكترثة بها وحسب.

الهوامش
  • 1 المصدر: تاريخ الفكر الصهيوني جذوره ومساره وأزمته. 

 اقرأ أيضاً  

الاثنين، 24 مارس 2025

الخطاب الصهيوني المراوغ (3 - 4)

 الخطاب الصهيوني المراوغ (3 - 4)


د. عبدالوهاب المسيري

7ـ استخدام أسماء مختلفة تشير إلى مسمَّى واحد أو إلى مسميات مختلفة توجد رقعة عريضة مشتركة بينها:

يستخدم الصهاينة اصطلاحات كثيرة مثل «الصهيونية السياسية» و«الصهيونية التصحيحية» و«الصهيونية العمالية» و«الصهيونية الدينية»... إلخ، وهي تيارات صهيونية عديدة يمكن اختزالها في نوعين اثنين: صهيونية استيطانية وصهيونية توطينية. كما يُشار إلى فلسطين المحتلة باعتبارها «اليشوف» أو «إرتس يسرائيل» أو «إسرائيل».

والأسلوبان السابقان في التعامل مع الدوال مسألة تضرب بجذورها في طريقة استخدام المصطلحات في التراث الديني اليهودي حيث نجد أن كلمة مثل «التوراة» لها عدة مسميات.

ـ استخدام مصطلحات لكل منها معنيان؛ معنى

 معجمي مباشر ظاهر ومعنى آخر حضاري كامن:

يستخدم الصهاينة عبارات تبدو بريئة وساذجة إن عُرِّفت حسب مجالها الدلالي المعجمي المباشر وحسب، ولكن معناها الحقيقي يتضح إن عُرِّف مجالها الدلالي من خلال المعجم الحضاري، فتعبيرات مثل «القانون الدولي العام» أو «القانون العام» أو «قانون الأمم» تعني في المعجم اللفظي دلالاتها الحرفية، ولكنها في المعجم الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر تعني «قانون الدول الغربية الاستعمارية» أو «القانون الاستعماري الدولي». وينطبق الوضع نفسه على عبارة مثل «شركة ذات براءة»، فمعناها الحرفي أنها "شركة" حصلت على براءة لا أكثر ولا أقل، ولكنها في المعجم الحضاري والسياسي الغربي تعني «شركة استيطانية تشبه الدولة تقوم بنقل كتلة بشرية غربية وتوطِّنها منطقة في آسيا أو أفريقيا لاستغلالها اقتصادياً». ولذا، فإن المعنى الحقيقي (الاستعماري) لكثير من الدوال الصهيونية تتم تخبئته بعناية وراء الكلمات البريئة. ويمكننا أن ندرج مصطلح «السلام» أو «عملية السلام» تحت هذا التصنيف، فكلمة «السلام» قد تُركت مبهمة عامة، وهي يمكن أن تعني: «السلام الدائم» ـ «السلام العادل» ـ «السلام المؤسس على العدل»، ولكنها يمكن أن تعني أيضاً «السلام حسب الشروط الصهيونية/ الأمريكية». وسلوك الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين يدل على أن المعنى الأخير هو المعنى المقصود.

ـ استخدام دوال تعبِّر عن مدلولات هي دون الحد الأدنى الصهيوني المعلن ولكنها تشير إليه:
لعل أهم الأمثلة على هذا الدال الذي استُخدم في مؤتمر بازل للإشارة للدولة اليهودية، فالصيغة الصهيونية الأساسية تم تعديلها في مرحلة هرتزل وبلفور وأصبحت الصيغة الشاملة بحيث أصبحت الدولة (الوظيفية) جزءاً من هذه الصيغة وهي الإطار المفترض لعملية نَقْل اليهود وتوطينهم وتوظيفهم. وهذا ما عبَّر عنه شعار المؤتمر الصهيوني الأول (1897): "تأسيس الدولة هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية". وكان هرتزل قد دوَّن في مذكراته: "اليوم وضعت أساس دولة اليهود". ومع هذا، عند مناقشة القرارات، حاول المجتمعون أن يبتعدوا قدر الإمكان عن استخدام كلمة «دولة» في الإعلان النهائي كيلا يثيروا مخاوف السلطات العثمانية. كما أدرك واضعو البرنامج أن أكثرية اليهود لم تكن موافقة في ذلك الوقت على فكرة أمة يهودية، ومن ثم كانت ترفض فكرة الدولة اليهودية. ولذا، فقد اقترح الزعيم الصهيوني ماكس نوردو كلمة "هايمشتات Heimstatte"، وهي كلمة ألمانية مبهمة قد توحي بمعنى «الاستقلال» ولكنها لا تعني بالضرورة «دولة». ويقول نوردو نفسه إنه استخدم طريقة المواربة أو الدوران حول المعنى واقترح الكلمة المذكورة (ومعناها: بيت ـ دار ـ ملاذ ـ مأوى ـ موطن ـ منزل) كمرادف لكلمة «دولة»، ثم أضاف نوردو قائلاً: "ولكننا جميعاً فهمنا المقصود بها. وقد دلت آنذاك بالنسبة لنا على دولة يهودية كما هي الآن".

وكتب هرتزل في دي فيلت في 9 يوليه يقول: "الاحتمال الوحيد أمامي هو إنشاء «بيت» (ملجأ) بحماية «قانون الأمم» أو «قانون الشعوب" (فولكرشتليخ Volkerrechtlich) لهؤلاء اليهود الذين لا يمكنهم الحياة في مكان آخر". وحين وردت عبارة «قانون الأمم» أثناء المؤتمر، أثارت العبارة كثيراً من النقاش، فالبعض أخذ على هذه العبارة ما تتضمنه من الاعتراف بفكرة تَدخُّل الدول الغربية العظمى. ولذا، اقترح نوردو كلمة «رختليخ Rechtlich» ، أي «قانون» وحسب، فرُفض الاقتراح. وأخيراً، تم التوصل للصيغة المراوغة «أوفينتليخ ريختليخ Offentlich Rechtlich» أي «القانون العام»، فهي أوسع من كلمة «قانون» التي قد يُفهَم منها قوانين بلدية أو مدنية ولكنها لا تحمل معنى السيادة القومية أو أي شكل منها.

ويرتبط هذا الجانب من الخطاب الصهيوني بمقدرة الصهاينة على قبول الدوال (أو الحلول) المعروضة عليهم حتى لو كانت دون الحد الأدنى الصهيوني، مع تأكيد أن القبول أمر مرحلي مؤقت وأن المضمون الحقيقي للدال أو الحل يشير إلى الحد الأدنى الصهيوني الذي قد يكون من الخطر الإعلان عنه أو الإصرار عليه في مرحلة معيَّنة. وحينما أصدرت سلطات الانتداب عملة كانت هذه العملة تحمل كلمة «فلسطين» بالعربية وكلمة «بالستين Palestine» بالإنجليزية، ولكنها لم تحمل سوى حرفي إ. ي بالعبرية (وهما أول حرفين في عبارة «إرتس يسرائيل»)، فقد سُجل الحرفان تأكيداً لحقوق المستوطنين الصهاينة واكتُفي بهما دون العبارة كاملة حتى لا يتم استفزاز العرب. وقد قَبلت القيادة الصهيونية هذا الحل رغم اعتراض بعض "المتشددين"). وحينما عُرض على وايزمان قرار التقسيم (الذي أصدرته اللجنة الملكية عام 1937) فإنه لم يكن يشتمل على صحراء النقب، ولكنه قَبل القرار لأن النقب باقية في مكانها و"لن تجري" (وهو ما يعني إمكانية ضمها فيما بعد). وقد تكرَّر الموقف نفسه من قبل حين أصر بعض الصهاينة على رفض الكتاب الأبيض الأول وعلى عدم القبول إلا بميثاق يهودي، فقال وايزمان انطلاقاً من مبدأ العمل بما هو واقع بدلاً من الإلحاح على الحد الأدنى الصهيوني: "الكتاب الأبيض أمر واقع، ولكن الميثاق ليس كذلك".

وهذه حيل لفظية للمراوغة عمل بها الاستعماريون الإنجليز من قبل، فحين صدر وعد بلفور الذي ينص على أن فلسطين وطن قومي للشعب اليهودي، قَبله الصهاينة كتسوية مرحلية مع الإبقاء على الحد الأدنى. وهي حيلة قَبلها لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية إذ قال: "حين يأتي الوقت لمنح فلسطين مؤسسات نيابية ويصبح اليهود الأكثرية المطلقة في السكان، فإن فلسطين ستصبح كومنولث يهودياً"

كتاب "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"



الخطاب الصهيوني المراوغ ( 1 - 4)


الخطاب الصهيوني المراوغ (2 - 4)



السبت، 22 مارس 2025

الخطاب الصهيوني المراوغ (2 - 4)

 الخطاب الصهيوني المراوغ (2 - 4)


د. عبدالوهاب المسيري

٢ ـ استخدام مصطلحات محايدة هي في جوهرها 

عمليات تغييب للعرب وللواقع وللتاريخ العربي:

من الحيل الصهيونية البلاغية استخدام مصطلحات تبدو كما لو كانت بريئة محايدة تحل محل المصطلحات ذات المضمون التاريخي والإنساني العربي. ولعل أهم هذه المحاولات بطبيعة الحال هو الإشارة إلى فلسطين باعتبارها "أرض بلا شعب". فهذه عبارة محايدة للغاية، ففلسطين ليست "فلسطين" أساساً وإنما هي مجرد "أرض" والسلام. وتتبدَّى نفس الظاهرة في الخلاف بشأن قرار مجلس الأمن رقم 242 فينص في مقدمته على مبدأ عدم "جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة" ويتعامل مع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967 ويدعو إلى الانسحاب منها، وهنا طرح الإسرائيليون إشكالية الأراضي المعنية وهي «أراض» كما في النص بالإنجليزية، أو «الأراضي» كما في النص بالفرنسية. وكانوا يفضلون بطبيعة الحال النص الإنجليزي لأنه يحيِّد الأرض ويفقدها حدودها فتصبح كلها قابلة للتفاوض بشأنها. وقد تدهور (تطور) الأمر حين قرر الإسرائيليون أن "الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في الضفة والقطاع "أراض متنازع عليها" بالإنجليزية: دسبيوتيد disputed وليست "محتلة" بالإنجليزية: أوكيوبايد occupied وقد وافقهم الأمريكيون على ذلك. وقد حاولت الدعاية الإسرائيلية أن تشير إلى "الانتفاضة" باعتبارها "أحداث الشغب" أو مجرد "عصيان مدني" ولكن الانتفاضة نجحت في اختراق المعجم الصهيوني واستقرت (كالنجم الساطع) داخل الكلمات العبرية والإنجليزية.

وتظهر عملية التحييد في حديث الصهاينة عن "التقدم" في المنطقة وتحويل الصحراء إلى مزارع خضراء...إلخ، دون أن يُحدَّد لحساب مَنْ وعلى حساب مَنْ سيتم هذا التقدم. وقد لجأ مارتن بوبر لحيلة مماثلة في خطاب أرسل به لغاندي إذ كتب له محاولاً تبرير الغزو الصهيوني قائلاً إن الأرض لمن يزرعها، وكأن المستوطنين الصهاينة مجرد فلاحين مسالمين وجدوا أرضاً فقاموا بحرثها وزرعها في صبر وأناة بينما يقوم العرب (اللئام) بالتنغيص عليهم! وفي هذا إلغاء كامل لأصول الصراع واستخدام لمصطلحات محايدة تُلغي التاريخ.

٣ ـ استخدام مصطلحات دينية يهودية في سياقات

 تاريخية زمنية:

هذه الحيلة البلاغية مُتضمَّنة في كل الحيل السابقة، ولكنها من الأهمية بمكان بحيث قد يكون من المفيد معالجتها بشكل مستقل. والخطاب اليهودي الحلولي الكموني لا يُفرِّق بين التاريخ الزمني والتاريخ المقدَّس ولا بين المطلق والنسبي. وهذا ما يفعله الخطاب الصهيوني حين يشير إلى فلسطين باعتبارها «الأرض المقدَّسة» أو «أرض الميعاد» أو «إسرائيل» (وهو اسم يعقوب بعد أن صارع الرب). واستخدام المصطلحات الدينية في سياق زمني يخلق استمرارية لازمنية، فالعبرانيون الذين خرجوا من أرض المنفى في مصر وصعدوا إلى أرض كنعان لا يختلفون كثيراً عن اليهود السوفييت أو يهود الفلاشاه الذين خرجوا من بلادهم (المنفى) وصعدوا إلى أرض كنعان (دولة إسرائيل) . ومن هنا تُسمَّى الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين «عالياه»، من العلو والصعود، بينما الهجرة منها هي «يريداه» بمعنى «الارتداد والكفر». ويؤدي استخدام المصطلحات الدينية إلى خلع القداسة اليهودية على الأرض الفلسطينية، الأمر الذي يعني تحويل اليهود إلى عنصر مرتبط بها عضوياً، أما العرب، فيتم تهميشهم، فهم يقعون خارج نطاق دائرة القداسة.

٤ ـ إخفاء دال معيَّن تماماً أو محوه من المعجم 

السياسي والحضاري أو استخدام دوال تؤدي إلى 

تغييب العرب:
يلجأ الصهاينة لمحو بعض الدوال تماماً من المعجم السياسي والحضاري حتى يمكن محو المدلول وإخفاؤه من الخريطة الإدراكية. وهذه الإستراتيجية تضرب بجذورها في الخطاب الاستعماري الاستيطاني الغربي الذي يستخدم ديباجات توراتية. فالمستعمرون الاستيطانيون هم «عبرانيون» أو «الشعب المختار»، والبلاد التي يفتحونها (سواء في أمريكا الشمالية أو جنوب أفريقيا أو فلسطين) هي «صهيون» أو «إسرائيل»، ويُشار إلى سكان هذه البلاد بـ «الكنعانيين»، ولذا فمصيرهم الإبادة. ثم تمت علمنة هذا الاتجاه وأصبح المستعمرون الاستيطانيون "حملة مشعل الحضارة الغربية والاستنارة" وسكان البلاد المغزوة هم «السكان الأصليون» أو «البدائيون» أو «الهمجيون» أو «المتخلفون» أو «الهنود الحمر». وفقدت بلادهم أسماءها فزيمبابوي أصبحت، على سبيل المثال، «روديسيا» ولم تَعُد بلاد الأباشي والتشيروكي تُسمَّى بأسمائها وإنما أصبحت «أمريكا» نسبة إلى "مكتشف" هذه البلاد (أميريجو فيسبوتشي). وقد حدث شيء مماثل في الخطاب الصهيوني، فالمستوطنون الصهاينة هم «العبرانيون» و(«الحالوتسيم» في المعجم العلماني، أي الرواد الذين وصلوا إلى الأرض فاكتشفوها). أما سكان البلاد الأصليون فقد أصبحوا إما «كنعانيين» أو «إشماعيليين» (وفي الصياغة البلفورية العلمانية «الجماعات غير اليهودية»). وتمت إعادة تسمية فلسطين فأصبحت «إسرائيل» وأصبحت عملية الاستيلاء على فلسطين هي مجرد «إعلان استقلال إسرائيل». واستمرت هذه العملية بعد عام 1948، فأصبحت أم الرشراش «إيلات» وأصبحت الضفة الغربية «يهودا والسامرة» . وقد اتسع نطاق هذه العملية في الوقت الحاضر بحيث بدأ الاتجاه نحو تغييب العالم العربي بأسره وليس الفلسطينيين وحدهم. ومن هنا الحديث عن «السوق الشرق أوسطية» بدلاً من الحديث عن «العالم العربي». فالسوق الشرق أوسطية تعني أن هناك بلداناً مختلفة في هذه «المنطقة» وأن عروبتها مسألة وهمية أو هامشية ليست ذات قيمة تفسيرية أو تصنيفية عالية.

ويبدو أن هناك اتجاهاً في هذه الأيام لمحو كلمة «مقاومة» من المعجم السياسي بحيث يهيمن دال واحد هو كلمة «إرهاب»، وتصبح أعمال المقاومة التي لها جذور تاريخية ومعنى محدد مجرد «إرهاب» أو «هجمات انتحارية» ليس لها سبب واضح ولا اتجاه مفهوم. ولذا، نجد أن مؤتمر شرم الشيخ حاول تعريف «الإرهاب» ولم يأت أي ذكر لكلمة «مقاومة». ومن هنا يمكن إدراك حجم الإنجاز الذي حققته اتفاقية وقف إطلاق النار بين لبنان (حزب الله) وإسرائيل، فهي اتفاقية قد نصت على حق الدفاع عن النفس، أي حق المقاومة.

٥ ـ الخلط المتعمد بين بعض الدوال وفرض نوع من

 الترادف بينها:
يعمد الصهاينة إلى الخلط بين بعض الدوال التي لها حدود معروفة. ومن أهم هذه العمليات محاولة الخلط بين مصطلحات «يهودي» و«صهيوني» و«إسرائيلي» وأحياناً «عبراني»، وذلك على الرغم من أن كل مصطلح له مجاله الدلالي الواضح. وقد جرى الخلط بينها لتأكيد مفهوم الوحدة اليهودية الذي يشكل جوهر الرؤية الصهيونية. وقد شاع الاستخدام الصهيوني في العقول حتى أصبح الحديث عن «الدولة اليهودية» و«دولة اليهود» و«الدولة الصهيونية» ممكناً باعتبارها عبارات مترادفة.

٦ ـ استخدام اسم يشير إلى مسميات مختلفة:
يُستخدم اسم مثل «الشعب اليهودي» دون تعريف هذا الشعب اليهودي، و«إرتس يسرائيل» دون التحدث عن حدودها. وحيث إن لكل صهيوني تعريفه الخاص، فإن الاسم هنا يشير إلى مسميات مختلفة تختلف باختلاف من يستخدم الدالّ: توطينياً كان أم استيطانياً، علمانياً كان أم متديناً؟ وهذا الإبهام يعني أن الصهيوني يمكن أن يكون معتدلاً إن شاء (فيُصرح بأن الشعب اليهودي هو من هاجر بالفعل إلى إسرائيل)، ويمكنه أن يكون متطرفاً إن ذكر عكس ذلك (الشعب اليهودي هو كل يهودي أينما كان)، وحدود إرتس يسرائيل هي حدود 1948 أو 1967 أو من النيل إلى الفرات، والأمر متروك دائماً للاعتبارات البرجماتية. والشيء نفسه ينطبق على مصطلح «صهيوني» نفسه، فهو مصطلح مطلق يشير إلى كل من يرى نفسه كذلك، بغض النظر عما يفعله بعد ذلك. فاليهودي، الذي يجعل الولايات المتحدة وطنه ويقود سيارته مكيفة الهواء ويدفع بضعة دولارات للمنظمة الصهيونية، يمكن أن يعتبر نفسه صهيونياً (إن كان ذلك يروق له)، ومن ينتقل إلى الضفة الغربية ويحمل السلاح ضد أهلها هو صهيوني كذلك.

ويمكننا هنا الإشارة إلى الصورة المجازية العضوية الحلولية الكمونية المتواترة في الخطاب الصهيوني، فهي صورة مجازية تفترض أن الأرض والشعب متوحدان من خلال روح تحل فيهما هي مصدر التماسك العضوي بينهما. وهذه الروح تُسمَّى «الإله» في الخطاب الديني، وهي «روح الشعب» في الخطاب العلماني. وداخل هذا الإطار، يمكن أن يشير الدالّ الواحد (الروح) إلى مدلولين. وأثناء إعداد وثيقة إعلان الدولة الصهيونية التي يُقال لها «وثيقة إعلان استقلال إسرائيل»، نشب خلاف بين الصهاينة الإثنيين الدينيين والصهاينة العلمانيين حول عبارة «واضعين ثقتنا في الإله» حيث أصر الدينيون على تضمينها في ديباجة الوثيقة. وقد حُلَّ الخلاف عن طريق تبنِّي عبارة «تسور يسرائيل» والتي تعني حرفياً «صخرة إسرائيل» ولكنها تعني أيضاً «الإله». ومعنى هذا أن دالاً واحداً وهو «صخرة إسرائيل» يمكن أن يؤدي معنىً إلحادياً للعلمانيين ومعنى دينياً للمتدينين، فالصخرة قد تكون الإله وقد تكون روح الشعب وقد تكون أساساً مادياً متيناً لتأسيس الدولة الصهيونية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"