‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.عبدالوهاب المسيري -رحمه الله-. إظهار كافة الرسائل

السبت، 22 أغسطس 2026

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

الإنسان والشيء .. آخر مقال للمسيري قبل رحيله

نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.

ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.

"
ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، يأكله المرء وهو يسير أو يجري، ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولا بد أن نتنبه إلى الرؤي ة الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة
"

ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو بريء، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى.

فإن قَطَنَ الإنسان المسلم في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد)، وبدلاً من ذلك أصبح المنزل -عملياً وظيفياً- يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل "التي شيرت" أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق.

وأثاث هذا المنزل عادة وظيفي، يلفظ أي خصوصية باسم الوظيفية والبساطة. ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").

ونفس الشيء ينطبق على طعام "التيك أواي" أو السفاري، فهو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هم الذين  يعدون طعامهم بأنفسهم، ثم يتناولونه سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب.

أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.

إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.

ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء إلى كثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية.

ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!

وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة!

"
تصر بعض الصحف على أن فلانة المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة، مع أنه لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها 
"

وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، ما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟

ومع هذا، تُصر بعض الصحف على أن "فلانة" المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسكينة لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة ولا أي مطلقية، إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه -لا شك- محدود ونسبي.

كما أن خبراتها مع أزواجها -رغم أنها قد تكون مثيرة- لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية، إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية.

وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة!

وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع، ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.

ولنتخيل الآن إنساناً يلبس "التي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي" ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات..

ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟

قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.

ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادة ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موزارت وبتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.

إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. ألخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية -التي أسميها "ضد الحضارة"- غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي.

"
الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان
"

هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أميركية، لأن الحضارة الأميركية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أميركية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها.

ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية. وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.

كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة.. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة.

كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة..

حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية، وكنا نصل إلى المركز الأول في بعض البطولات إن لم تخنّي الذاكرة..

ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك -المشرف على الفرق الرياضية آنذاك- كان ينصحنا بأنه حينما كان يأتي فريق من المراكز المجاورة لنا -وكانوا عادةً أدنى منا في المستوى- كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزون بعض الأهداف حتى لا يشعروا بالإحباط.

وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إما منتصراً أو مهزوما، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع، ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.

ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكرة التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة.

قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم، واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم.. فتح لي قلبه وتحدث عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضراوات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية، فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته.

هو لم يستخدم مصطلح "تشيّؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلى شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له.

"
أخلاقيات السوق اقتحمت عالم الرياضة فيتم بيع لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة, لذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال المحرك الأول للإنسان الاقتصادي
"

في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة.

هل هذا له علاقة بالتسلية واللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس.. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.

وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة.

ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات.

بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة "بي.أم.دبليو" وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشييء الإنسان ونزع القداسة عنه، وتحوّل إلى مادة استعمالية مرنة ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً.

هذه هي مأساة الحضري الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج؟ أليست المسألة مسألة عرض وطلب لا مسألة انتماء وطني وإنساني؟!

وعلى أية حال، بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.. والله أعلم.


عبد الوهاب المسيري

المصدر: موقع الجزيرة نت

الأحد، 22 سبتمبر 2024

أسئلة الهوية

أسئلة الهوية

د. عبدالوهاب المسيري


كي نفهم قضية الهوية حق الفهم لا بد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة سلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني -كما أشرت- عقل توليدي يبقي ويستبعد ويضخم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان وهو في صميم رؤية للكون.


فهوية شعب ما تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى، ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه؛ فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم، ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي.


ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها «علمية»، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب، واستخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.


ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.


وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره «الإنسان الطبيعي»؛ بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة أضيفت إليها الحضارة؛ أي أنها ليست أصيلة فيه.


وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آلياً، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.


وهذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية (التي نصفها بأنها عقلانية مادية)، كما تعبر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي الذي لا يعرف الحدود ولا الهوية ولا الخصوصية، وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والوطن والتضحية.


ولذا، نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة.


وحيث إن الإنسان الطبيعي هو ذاته الإنسان الاقتصادي، لذا فكل مطالبه وتطلعاته تظل داخل السقف المادي، وتظل الخلافات التي تنشأ بين الدول خلافات اقتصادية عامة يمكن التفاهم بشأنها وحلها داخل الإطار الاقتصادي المادي.


ونتيجة لهذا الفهم المادي المعاصر، نجد أن الإدراك الغربي (والإدراك الذي ساد في العالم العربي) للهوية يتأرجح بين نقطتين ماديتين متناقضتين؛ الأولى: نقطة صلبة تقوم على ثنائية قطبية حادة (أنا في مقابل الآخر)، كما فعل النازيون والصهاينة في الغرب، وبعض السلفيين والقوميين المتعصبين وبعض دعاة القومية العربية، بعض الوقت.


أما الثانية: فهي نقطة سائلة تذوب فيها الحدود والهويات، كما هي الحال الآن في إطار النظام العالمي الجديد.


وأقترح أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهراً صلباً ثابتاً، وأطرح فكرة الإنسانية المشتركة بدلاً من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب، إذ الإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة!


فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصينيين فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية.


وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.


وثمة علاقة بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري، كما يحدث لكثير من العلماء العرب الذين يهاجرون إلى الغرب.


وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي، يوم 2 فبراير 1835م، قال: «لقد سافرت في الهند طولاً وعرضاً، ولم أر شخصاً واحداً يتسول أو يسرق، لقد وجدت هذا البلد ثرياً إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى إنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي.

ولذا أقترح أن يأتي نظام تعليمي جديد ليحل محل النظام القديم، لأنه لو بدأ الهنود يعتقدون أن كل ما هو أجنبي وإنجليزي جيد وأحسن مما هو محلي، فإنهم سيفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم المحلية، وسيصبحون ما نريدهم أن يكونوا، أمة تمكن الهيمنة عليها تماماً».


هذه هي الخطة الشيطانية التي لا يزال الاستعمار الغربي يستخدمها ضدنا، ولذا علينا أن نحتفظ بهويتنا وندافع عنها ونفعّلها ونعبر عنها من خلال أعمال إبداعية تخرج من بيئتنا وتعود إليها.


فمثلاً، هل يمكن أن نطور مدناً لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيداً، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟


لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحاً في المياه، حتى إنهم يقولون: إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشكلاتها؟


لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز.


هذا ما فعله اليابانيون وطوروا اقتصاداً على مستويين، فهناك الاقتصاد المتقدم الذي يستفيد بكل منجزات العلم والتقنية، ولكن هناك مستوى آخر وهو ما يمكن تسميته الاقتصاد الشعبي.


فشركة مثل سوني على سبيل المثال تستخدم آخر ما توصلت إليه التقنية، ولكن هناك أعمال أخرى يمكن إنجازها يدوياً، فترسل بها إلى الريف الياباني فيقوم الفلاحون بإعدادها في منازلهم.


ويدعي البعض أن التمسك بالهوية يؤدي إلى الحروب والمجازر، وهذه مبالغة غير مقبولة، فهل الحربان العالميتان الأولى والثانية تمتا باسم الهوية أم باسم المصالح الاستعمارية؟


وماذا عن فيتنام وغزو العراق وأفغانستان والحرب الباردة؟ هل التشكيل الاستعماري الغربي الذي أحرق الأخضر واليابس وأباد الملايين ونهب ثروات الشعوب، هل تم تعبيراً عن الهوية الغربية أم تعبيراً عن طمع وجشع الطبقات الحاكمة؟


وتفعيل الهوية شيء أساسي في عملية النهوض الحضاري، فهويتنا قد تشكلت –كما أسلفت- عبر تاريخنا حتى أصبحت منا وأصبحنا منها.


وعملية التنمية لا يمكن أن تتم من خلال برنامج اقتصادي وسياسي عام، فالبشر لا يتحركون في إطار العام، وإنما يتحركون في إطار الخاص الذي يعرف احتياجاتهم ويأخذ في الاعتبار توجهاتهم وأشواقهم وأحزانهم.


وأعتقد أن ظهور ما يسمى النظام العالمي الجديد والنزعة الاستهلاكية الشرسة يزيد من أهمية قضية الهوية وضرورة التمسك بها.


إن ظهور الهوية في القرن العشرين مسألة لها دلالة، فهي حماية الإنسان ضد عمليات التنميط الزاحفة، وضد العولمة التي كانت توجد بشكل جنيني في بداية القرن وأصبحت الآن مسيطرة ومهيمنة.


إن الهوية في الواقع شكل أساسي من أشكال المقاومة، شرط ألا تتحول إلى «غيتو» يدخل فيه الإنسان ويتخندق.


هذا لا يعني أن تمسكنا بهويتنا العربية الإسلامية سيفصلنا عن الآخرين، ويمنحنا حقوقاً مطلقة كما فعلوا في ألمانيا النازية وفي التشكيل الاستعماري الغربي.


الهوية العربية الإسلامية مجموعة من السمات الإنسانية المختلفة التي قد تسم جماعات إنسانية أخرى، ولكنها توجد بشكل معين وبترتيب محدد يعطي الهوية العربية فرادتها، إذ في الدولة الإسلامية مثلاً كانت توجد هويات مختلفة، لكن رغم ذلك كانت غير متنازعة.


كان يمكن أن يأتي الإنسان من خراسان إلى مصر فيُرحّب به، وكذلك أهل المغرب الذين وجدوا في مصر وطناً لهم من دون أي مشكلة.


ولعل الفن الإسلامي أكبر دليل على التنوّع والاختلاف إلى درجة أن بعض المؤرخين الغربيين ينفون وجود فن إسلامي بسبب تنوعه، وفي الواقع هناك فن إسلامي هندي، وإسلامي عربي ينقسم بدوره إلى إسلامي مصري (فاطمي وأيوبي ومملوكي) وإسلامي دمشقي وهكذا.


الإسلام قد قبل التنوع داخل إطار شامل من الوحدة، وحدة ليست عضوية وإنما فضفاضة، وهذا التنوع قد سمح للجماعات الدينية والإثنية المختلفة بأن تبدع من خلاله مثل إبداع الأكراد وإبداع العرب المسيحيين واليهود.


وقد كان هذا النموذج من الهوية مرفوضاً في الغرب حتى عهد قريب، لأن التعريف الغربي للهوية كان تعريفاً عضوياً، أي يرى الهوية باعتبارها كياناً متماسكاً تماماً وكأنها النبات أو الحيوان أو كيان عضوي لا يمكن أن تفصل منه أجزاء ثم يكتب له البقاء.


أذكر أنني عندما كنت في الولايات المتحدة في الستينيات، كانوا دائماً يسألونني: هل أنت عربي أم مصري أم مسلم، ويشيرون إلى هذا باعتباره اختلاطاً في الهوية ومن ثم نقطة سلبية؟ فكنت أشير إلى جون ميلتون الشاعر الإنجليزي الذي عاش في عصر النهضة، وكان يكتب بالإنجليزية واللاتينية ويعد نفسه إنجليزياً وأوروبياً ومسيحياً في الوقت ذاته، وكان يتحدث باللاتينية مثلاً مع أصدقائه حين ينتقل في أرجاء أوروبا.


وكانت تواريخ الأدب ترى هذا دليلاً على عظمة عصر النهضة الغربية، فكنت أقول لهم: أنا أيضاً دمنهوري عربي مسلم، وفي بداية الأمر ونهايته إنسان، فإنسانيتي العامة المشتركة لا تتناقض مع انتماءاتي المتعددة.


إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية مادية عضوية مصمتة تجعل الإنسان صاحب الهوية الذي يعيش على أرضه القومية ومجاله الحيوي، موضع الحلول ومرجعية ذاته، ولذا لا يمكن استئناف أحكامه، ثم فرضوا هذه الرؤية على الواقع بالقوة، فظهرت فكرة الدولة القومية العضوية وكل هذه المفاهيم العنصرية.


وقد أدى هذا إلى أن الحدود الديمغرافية والدينية والسكانية لهذه الدولة العضوية تماثلت مع الحدود الجغرافية، وبالتالي تم القضاء على معظم الأقليات.


فالثورة الفرنسية قضت على كثير من الأقليات، وعلى مجموعة من اللهجات مثل لهجة «الأوكستانيان» و«البريتون»، وهذه صفة في أوروبا منذ القدم.


وأذهب إلى أن أهم تفعيل للهوية في التاريخ العربي الحديث هو الانتفاضة الفلسطينية التي استدرجت «الإسرائيليين» إلى أرضية غير حديثة يصعب على الجندي «الإسرائيلي» أن يتعامل معها بكفاءة، فلم يجد الصهاينة حلاً لهذه الورطة إلا بالالتفاف حول الانتفاضة لكبح جماحها، ومن هنا كانت «اتفاقية أوسلو».


وهناك محاولات أخرى لتفعيل الهوية مثل قيام د. حامد الموصلي بعدة مشاريع ناجحة نابعة من تفعيل الهوية، مثل صنع الخشب من سعف النخيل، وهناك محاولات د. عبدالحليم إبراهيم، وراسم بدران لتطوير معمار إسلامي حديث.


كما يمكننا تفعيل مؤسسات وسيطة مثل الأسرة والجيرة، بحيث يمكن إدارة مجتمعنا بطريقة إنسانية.

الجمعة، 31 ديسمبر 2021

فيديو اليوم

عبد الوهاب المسيري المفكر الذي تحققت   نبوءته عن اليهود العرب                    



تحققت نبوءته بشأن “الصهاينة العرب" والتطبيع مع "إسرائيل"
 كما تحدث عن الترويج للمثلية في الغرب من قبل أن تبدأ.. 
تعرف على رحلة حياة المفكر والمنظر عبد الوهاب المسيري 
 

الخميس، 9 ديسمبر 2021

قراءة في كتاب الفردوس الأرضي ..

 قراءة في كتاب الفردوس الأرضي .. 



قراءةعبد المنعم أديب

كيف قيَّم المسيري التجربة الأمريكية؟

في السُّطور التالية سأحاول الوُلوج إلى عالَم تفكير “المسيري” في الحضارة الأمريكيَّة، من خلال كتابه “الفردوس الأرضي”. مُعتمدًا لا على استعراض الكتاب استعراضًا ترتيبيًّا لموضوعاته، بل بالتركيز على الأفكار المُستخلَصَة منه؛ والتي من الممكن أنْ تفوت بعض القارئين في تيه السطور المتتابعة؛ خاصةً والأستاذ “المسيري” يتميَّز بالتدفُّق الفكريّ. وسأبدأ بأثر التجربة الأمريكيَّة عمومًا فينا، وصولًا إلى العولمة. ثمَّ سأبدأ في التركيز على الكتاب وتجربة الكاتب، والتي ستبدأ بعنوان “المسيري وتجربته الأمريكيَّة” -لمَن أراد تخطِّي المقدّمة-.

التجربة الأمريكيَّة في عيون الآخرين

لقد أثارت “الولايات المتحدة الأمريكيَّة” خصوصيَّةً في الأذهان المتفكِّرة من بقاع العالَم على مدار ما يقرب من قرن حتى الآن. فمنذ أعلنتْ خروجها من عُزلتها الدوليَّة في أثناء “الحرب العالَميَّة الأولى” (كانت قد فرضتْ عُزلةً للتركيز على الإنجاح الداخليّ للدولة وعلى حدودها) لمُساعدة بني جلدتها إنجلترا وفرنسا “دول الوفاق”؛ وهي تتقدَّم مُحاولةً إحراز أكبر انتصار في الهيمنة والسيطرة على دول العالَم، واكتساب أكبر قدر من ولاءات النُّخب الحاكمة فيها. وكذا ظلَّتْ تسعى لسباق محموم في مجال التكنولوجيا والتقدُّم الصناعيّ؛ الذي باستغلال دوره سعت جاهدةً لربط هذا المجال بها على نطاق الحصر؛ حتى لا يُذكر مجال التقدم التكنولوجيّ إلا وفي الخيال تلوح أمريكا.من هذه العوامل، ومن سُمعة ناصعة سعتْ الدولة للترويج لنفسها بها؛ صارتْ “الولايات المتحدة الأمريكيَّة” حُلمًا في حدّ ذاتها لكُلّ شخص في العالَم. وقد غذَّتْ بشدَّة في صراعها مع “الاتحاد السوفيتيّ” فكرة “الحُلم الأمريكيّ”. الذي قُصِدَ منها أنْ تتحسَّر في بلدك القاتم الحالك وأنت ترى بلاد الحريَّة والتقدُّم التكنولوجيّ، ظانًّا من كثرة الترويج الإعلاميّ أنَّ أمامهم دقائق وحسب ليتحكموا في البشر أنفسهم من جهاز التحكُّم عن بُعد، لا التلفاز. بلاد الرخاء والتخمة الاقتصاديَّة؛ حيث أعلى مُعدَّل ناتج قوميّ بين الدول، وأعلى مُعدَّلات إنتاج مصنوعاتٍ أدخلوا الوهم عليك منذ اللحظة الأولى أنَّها جيِّدة “لأنَّها أمريكيَّة” وحسب، بغضّ النَّظر عن جودتها الحقيقيَّة، أو مدى احتياجك لها.

ردود الفعل حيال “الحُلم الأمريكيّ”


لقد كانت “أمريكا” -وهذا هو الاسم الذي سأستخدمه لا الاسم الرسميّ؛ للاختصار- حاضرة الدُّنيا وشاغلة الأذهان حقًّا. كما كانت “بغداد” و”قرطبة” من قبل، وكما كانت قبلهما “روما”. وبالقطع مثل هذه التجارب الحضاريَّة تستدعي نوعَيْنِ من ردود الأفعال في تناولها:

1-الأوَّل هو مَنظور التفخيم البالغ والانبهار المتضخِّم، ولقد مثَّلَ هذا الردَّ السَّوادُ الأعظمُ من الكُتَّاب والمُحلِّلين والمفكِّرين. لكنْ مع ضابط هامّ أنَّ هذا الردَّ على درجات، وليس كلُّه واحدًا في انبهاره أو تفخيمه. وهذا الاتجاه ظلَّت أجيالٌ من مُثقَّفِيْ العالَم العربيّ تُصدِّره لنا وتغذِّي وعينا به، بل اعتاشتْ أجيالٌ منهم على هذا الوهم، وباعتْ كُتبها ونشرت مقالاتها تُحدِّثنا فيها عن عظمة “أمريكا”، وعن ضرورة التوجُّه نحو “الكعبة الأمريكيَّة”!

2-الاتجاه الآخر هو اتجاه المُقاومة لهذا الحُلم الأمريكيّ، بل التضادّ على طول الخطّ -كما يقولون-. واتهام هذه التجربة بإفساد الثقافة الإسلاميَّة والعربيَّة، وأنَّ السَّير وراءه سيرٌ وراء سراب سرعان ما سيتبدَّد لنجد أنفسنا في العراء، قد خُدعنا وأخذتْ “أمريكا” ما تريد ولمْ تُعطِنا أيَّ مُقابل. وهنا أيضًا أنوِّه أنَّ هذا الاتجاه ذو درجات في الرفض أو في توظيف الحضارة الأمريكيَّة.

الدخول في مرحلة “العولمة”
وبغضّ النظر عن معركة تعريفات سيضرُّ إدخالُها السياقَ هنا. فإنَّ “العَولَمَة” في نهاية الأمر هي تسيُّد النموذج الأمريكيّ على العالَم أجمع. لكنْ يُعرِّفها الباحث الفلسفيّ الكبير د/ مصطفى النشَّار في كتابه “في فلسفة الثقافة” بأنَّها: “التقارُب الذي يحدث بين شعوب العالَم المختلفة لدرجة ذوبان الفوارق الحضاريَّة بينها، وصهرها جميعًا في بوتقة ثقافيَّة واحدة ذاتِ خصائص مُشتركة واحدة”.

ولمَنْ لمْ يشهد هذه المعركة الزائفة في نهاية التسعينيَّات وبداية الألفيَّة الجديدة فهي حركة اكتشف العالَمُ بعدها أنَّها هيمنة أمريكيَّة محضة، وأنَّ أمريكا التي أرادتْ للعالَم أنْ يُصبح قرية صغيرة حقًّا، لكنَّها لمْ تخبرنا أنَّها سترفع عَلَمَها عليه وحيدًا خفَّاقًا، ويصير الكلُّ أمريكيَّ الثقافة والاتجاه في حركة تُسمَّى “الأمْرَكَة”، لكنْ دون أيّ حقوق أو مُقابل. وأنوِّه أن هذه الحركة قد لاقتْ ردود فعل بالغة القسوة في رفضها لخطورتها الواضحة. ولا أقصد هنا ردود الفعل العربيّ أو الإسلاميّ؛ فالتجربة الأمريكيَّة كانت تستهدف العالَم أجمع؛ وكذلك جاءت ردود الفعل من غالب ثقافات العالَم -إنْ لمْ يكُن جميعها-. هذه باختصار بعض ملامح لتصوُّر العلاقة الثقافيَّة والحضاريَّة مع “أمريكا”.

المسيري وتجربته الأمريكيَّة
تأرجحتْ وتفاوتتْ تحليلات المُحلِّلين العرب المُسلمين تُجاه هذه التجربة من حيث دِقَّة النظر وعمق التغلغُل. فبينما اكتفى كثير منهم بالتناول السطحيّ، الذي يسفُلُ في بعض الأحيان لدرجة الجعجعة الفارغة -التي تشبه كلمات “سنرميهم في البحر” على ألسنة بعض المُستبدِّين، أو “لا بُدَّ أن نحتذي حذوهم في كُلّ خطوة” على يد المُستعبَدِين من “المُثقَّفين”-. وفي الجانبَيْنِ يكون الكلام نابتًا من عاطفة لحظيَّة، لمْ يرتوِ من رحيق الفكر العميق الذي يجعل لهذا النبت جذورًا، ويُصيِّره من رؤيةٍ مُبتَسَرَةٍ للحظة انفعال إلى موقف رصين قادر على المقاومة أمام المواقف الأخرى.

وهنا يبرز دور “عبد الوهاب المسيري” في العقود الماضية. فعمله الأصيل -تدريس آداب اللغة الإنجليزيَّة في الجامعة المصريَّة- كان ذا تأثير في تعريفه على التنظير الغربيّ وفلسفته -فالأدب فلسفة مُشكَّلة، وهو أبلغ طرق الولوج إلى الفلسفة-. لكنَّ “المسيري” له دور آخر أدَّاه للثقافة العربيَّة الإسلاميَّة؛ وهو المُساهمة في تحويل التفكير العربيّ حيال الغرب وحضارته، والصُّهيونيَّة وأدواتها، والعلمانيَّة وجوهرها إلى نمط يبتعد عن سطحيَّة الرفض إلى صميم الفهم المُتأمِّل. ويتميَّز فكر الأستاذ “المسيري” بصُدُوره عن مُعايشة للواقع الغربيّ، فضلًا عن تعرُّف على البنية النظريَّة -الفلسفات والآداب العُظمى لأيَّة أُمَّة- لهذه الحضارة. مِمَّا أهَّله لإعادة تشكيل نظرتنا العربيَّة الإسلاميَّة عن هذه الحضارة ومبعوثها الصهيونيّ.

ما هو كتاب “الفردوس الأرضي”؟

الاسم الكامل للكتاب “الفردوس الأرضي؛ دراساتٌ وانطباعاتٌ للحضارة الأمريكيَّة الحديثة”. وقد صدرت طبعته الأولى في “بيروت – لبنان” عام 1979م، عن دار “المؤسسة العربيَّة للدراسات والنشر”. أمَّا النسخة التي قرأتُها فصادرةٌ عن دار “تنوير” في مصر، وهي الطبعة الثانية 2019م بعد الأولى 2014م. وقد حَذَفَتْ العنوان الرديف “دراسات ….” دون مُبرِّر أو إعلام، وهو تصرُّف غير اعتياديّ يحمل إملاء لإرادة الناشر على إرادة المؤلِّف. والكتاب في طبعته المصريَّة يقع في مائة وخمسين صفحة بعد أنْ حوَّلتْ الدار قطعه من المتوسط إلى الكبير -أو قطع هجين أقرب للكبير-، ملأ كلَّ صفحاته حتى آخرها.

الكتاب مُقسَّم إلى مقدمة كبيرة يشرح فيها فكرته؛ ثُمَّ أربعة أبواب: الأوَّل “البرجماتيَّة الأمريكيَّة والبرجماتيَّة التَّلْمُودِيَّة”، والثاني “عالَم السِّلَع الفردوسيّ”، والثالث “الإنسان بين الأشياء والبراءة الأولى”، والرابع “المرأة الأمريكيَّة بين التاريخ والفردوس”. استخدم فيه منهج التحليل التأمُّليّ -الذي ينحو نحو التفكيكيَّة المباشرة-.
وقد عايَش “المسيري” أمريكا في إقامته منذ 1971:1963 بشكل مُتقطِّع، وقد تعامَلَ في معيشته مع كثير من القطاعات؛ مع القطاعات الشعبيَّة في أثناء عمله حارسًا ليليًّا -كما صرَّح في الكتاب-، ومع القطاعات النُّخبويَّة في دراسته الجامعيَّة هناك، ومع كثير من الباحثين. وقد أتاحت هذه المُعايشة على تعرُّف حقيقيّ واقعيّ على أمريكا الواقع، واستخدام أدواته ومهاراته ليتعرَّف على أمريكا الفلسفة، وينقل إلينا خُلاصة تشكيله التأمُّليّ الفلسفيّ لهذه التجربة الأمريكيَّة في مُواجهة الإنسانيَّة كُلّها.

جنون الإنسان في العصر الحديث

ركَّز “المسيري” على نَزَعَات الجنون التي ركبت الإنسان في العصر الحديث؛ والتي من أهمِّها:

1-إنكار الغيبيَّة العقائديَّة -التي لمْ يجدْ لها “المسيري” إلا لفظة “الغيبيَّة التقليديَّة”-. فإنسان الحضارة الغربيَّة والأمريكيَّة يرفض تلك المقولات عن عالَم لا يراه يسيطر عليه ويتحكَّم فيه، وهو مَنشأه وهو مَرجعه. ويرفض رفضًا باتًّا أنْ يضفي تقديسًا على هذا النوع من الغيبيَّة، بل في الغالب يسلب عنه صفات الاحترام والتبجيل.

2-الإيمان بالغيبيَّة العلميَّة: وهو محلّ العَجَب من هذا الإنسان الذي أنكر أنْ يكون الله مُتحكِّمًا مُقدَّسًا، ثُمَّ صنع صنمًا من العلوم يعبده من دون هذا الإله. والأعجب أنَّ الرافض لفكرة التقديس قد أضفى كلَّ سمات التقديس على هذه المنظومة العلميَّة، ودافَعَ دونَهَا وحارَبَ كلَّ مَن يحاول إنكارها؛ فأبدل غيبيَّة بأخرى دون أدنى تعقُّل.

3-الغلوُّ في فكرة “التقدُّم”: والمقصود هنا بالتقدُّم التفوُّق الصناعيّ والتكنولوجيّ، وإنتاج أكبر قدر مُمكن من المصنوعات. فلقد بدأ الإنسان الغربيّ بالافتتان بفكرة التقدُّم منذ طلائع “الثورة الصناعيَّة”، ثمَّ بدأتْ الفكرة تسيطر عليه سيطرةً عظيمةً، حتى استولتْ عليه استيلاءً كاملًا. فصار يعبد التقدُّم كجوهر، وصار يحرص على تفوُّقه على أقرانه من الحضارات الأخرى حتى يحوز لقب “دول متقدِّمة”، مبتعدًا بها عن “الدول المُتأخِّرة أو المُتخلِّفة”.

ولا يستطيع الإنسان في هذا العصر أنْ يُميِّز تعريفًا للتقدُّم، تعريفًا حقيقيًّا صادرًا عن فكر مُتمهِّل. بل هو في هذا السباق المحموم حتى ضاق عن التأمُّل فيما يفعل. ونتج عن هذا فصلُ التقدُّم عن آثاره؛ البيئيَّة والإنسانيَّة. فكمْ كلَّفتْ هذه الفكرة العالَم أجمع من انهيار بيئيّ ضخم، وتغيُّر النظرة إلى الإنسان وتضاؤله أمام فكرة التقدُّم التي في الأصل بدأ في سباقها لراحته ورخائه، لا لشقائه!

الفردوس الأرضي؛ معناه ودلالته

“الفردوس الأرضي” مُصطلح أطلقه “المسيري” على محاولة أيَّة حضارة إنسانيَّة التخلُّص من فكرة “الفردوس العُلويّ”، وإحلالها على الأرض. وتحقيق فردوس “هُنا والآن”. دون مُراعاةٍ أنَّ الأرض موطن التغيُّر والنسبيَّة، لا موطن المُطلَقَات. لكنَّ مُصطلح “الفردوس الأرضي” -في تعبير أختصر فيه الكثير من عناء العرض- يُعبِّر عن طريقٍ مُعيِّنةٍ لتغيير الواقع بإرادة مُنفردة من صاحب التجربة، دون مُراعاة للسياق التاريخيّ (ماضي الشيء، وحاضره، ومُستقبله)، وبغضّ النَّظر عن عناصر الواقع الأخرى؛ والتي أهمُّها الإنسان غير المُقتنع بهذه التجربة، أو المُمانع لها مُمانعةً صريحةً.

ولا نفهم الفكرة هنا إلا بفَهم “المسيري” للوجود الإنسانيّ كمبدأ. فهذا الوجود عنده يتكوَّن من عُنصرَيْنِ: الوجود الطبيعيّ الجسديّ للإنسان، والوجود التاريخيّ. ويُعرِّف التاريخ في صـ13 بقوله: “تراكُمُ خِبرات الإنسان في مُجابهة الطبيعة؛ ولذا فهو يمنح الإنسانَ من المعرفة والوعي ما يُمكِّنه من التحكُّم في الطبيعة وتوظيفها لصالحه”. والأصل عنده أنْ يعيش الإنسانُ في حيِّزه الطبيعيّ الماديّ، مُراعيًا وجوده التاريخيّ الجُزئيّ، والوجود التاريخيّ العامّ. وهذا المفهوم “الوجود التاريخيّ” يقترب من الأُطُر النظريَّة لأيَّة جماعة إنسانيَّة، ولأيّ إنسان مُفرد -الأُطُر النظريَّة هي مجموع ما يُوجِّه الإنسان في حياته من دين ومنظومة مَفاهيميَّة مُجتمعيَّة، وحزمة أهداف الفرد أو الجماعة-.

ولعلَّ القارئ الآن يعرف لِمَ أطلق “المسيري” هذا الاسم “الفردوس الأرضي” على أمريكا والكيان الصهيونيّ؛ لأنَّ كُلًّا منهما قد حاول فرض نفسه وأحلامه وآماله بقوَّة الأمر الواقع، بغضّ النَّظر عن تاريخ الأرض التي أتوا عليها، أو حقوق السُّكَّان الأصليِّين، أو معقوليَّة الطرح الذي تطرحه تجربتُهما من الأساس.

كيف رأى المسيري أمريكا الواقع؟



قبل أنْ أبدأ أريد أنْ أسجِّل توقُّعي الشخصيّ للشعور الذي قد يعتري قارئَ الكتابِ العربيَّ من العجب والاندهاش؛ حيث غالب ما سيورده “المسيري” عن المجتمع الأمريكيّ منذ عشرات الأعوام -خاصةً العيوب والمَثالب- يجده العربيُّ وقد تحقَّق فعلًا على أرض واقعه هو، لا على الأراضي الأمريكيَّة البعيدة.

وها هي الأخلاق الأمريكيَّة ومنظومتها قد تلبَّستْ العربيّ المُسلم -وغير المُسلم-، وها هي العادات الاجتماعيَّة وأنماط الحياة (لايف ستايل) قد انطبقتْ علينا. والعجيب أنَّنا قد قبلنا كلَّ عيوبهم -التي يسمُّونها أخلاقًا- فقط، ولمْ ننجح في إدراك هذا الحُلم من التقدُّم الذي ورد على ألسنة مُثقَّفينا المُتغرِّبين أبدًا!

في خلال عرض “المسيري” للمجتمع الأمريكيّ نجد كثيرًا من الوصف الذي قد لا يكون موجودًا الآن -ليس لديّ من المعرفة ما أجزم به- من حياة اجتماعيَّة؛ خاصةً تلك التي تتناول المُجريات الروتينيَّة في حياة الأمريكيّ، فالباحث كان يصف الستينات والسبعينات من القرن العشرين. لكنْ نجد وصفًا آخر لأُطُر ثابتة في الحياة الأمريكيَّة لمْ تتغيَّر حتى لحظتنا. ألِّخصها فيما يلي:

1-المجتمع الأمريكيّ مُجتمع استهلاكيّ بامتياز، على خلاف ما يُصدَّر لنا دومًا. بل إنَّ إنتاج السِّلَع واستهلاكها هُما طريق الخلاص الذي يقترحه النموذج الرأسماليّ المُسيطر على البلاد.

2-الإنسان الأمريكيّ إنسان مَحليّ جدًّا؛ حيث ينصبُّ اهتمامه على أضيق نطاق يعيش فيه.

3-المجتمع الأمريكيّ من أكثر المجتمعات تأثُّرًا بالإعلام ووسائله. وبالقطع امتلاك أمريكا لكُلِّ هذه المنظومة الإعلاميَّة يجعل أوَّل استهدافاتها المواطن الأمريكيّ. لكنَّ الإعلام الأمريكيّ إعلام محليّ أيضًا؛ حيث نجد الجرائد المحليَّة التي تنتمي لكُل ولاية ومدينة، والتي بدورها تركِّز على أخبار المدينة أو الولاية على حساب أخبار البلاد وعاصمتها، فضلًا بالقطع عن بقيَّة العالَم. وكذا الإعلام المُتَلْفَز إعلام محليّ؛ ينقل لنا “المسيري” أنَّ أخبار العالَم فيه أوَّل دقيقتَيْن، ثُمَّ أخبار الولاية بقيَّة دقائق النشرة الخَبَريَّة. وبالقطع نرى كمْ من اليسير التحكُّم في هذا الكائن المُدجَّن اللطيف!

4-الإعلام الأمريكيّ مُسَيْطَر عليه ومُوجَّه من قِبَل الشركات التجاريَّة؛ لخدمة أهدافها الترويجيَّة. وقد ذكر مثالًا لسيطرة الشركة الشهيرة “جونسون آند جونسون” على الصحيفة المحليَّة في إحدى الولايات. فما بالنا بالوسائل الإعلاميَّة القوميَّة -أيْ التي تشمل الدولة جميعَها-! وما بالنا بالوسائل الدوليَّة -فيما بعد عصر تدوين الكتاب-!

الخطأ القاتل في المنظومة الأمريكيَّة


وأكبر الأخطاء التي يركِّز عليها “المسيري” في التجربة الأمريكيَّة هي عدم نجاح فكرة “العقد الاجتماعيّ”، أو ما سمَّاه “أتون الصَّهر”. وتتمثَّل الفكرة في أنَّ أمريكا دولة جامعة لكثير من الأعراق والأجناس -لأنَّها لمْ تكُن دولة أصلًا منذ قرون خمسة فقط-، وقد أراد الحالِمون لهذا الحُلم الأمريكيّ أنْ يكون فردوس الأرض الذي يجمع الكُلَّ تحت رايته العُظمى المُوحَّدة.

لكنَّ هذا المجتمع مُصاب بالتشظِّي؛ ويتمثَّل هذا التشظِّي في أنَّ كلَّ عرق أو جِنس يتمحور حول نفسه، ويتعلَّم تاريخه الخاصّ، ويتداول لُغته الأصيلة أو مُفردات منها في كلامه، ويحتفل بأعياد قومه فوق الأعياد الأمريكيَّة المُستحدَثَة. فالجميع يرفض من أعمق أعماقه فكرةَ التخلِّي عن أصله، والاستلاب لصالح التجربة الأمريكيَّة؛ خاصةً تلك الأجناس التي لا تلقى من هذه التجربة إلا السُّوء. فنجد الخُلاصة في مجتمع مُخلخَل البنية الاجتماعيَّة الظاهرة والعميقة؛ مِمَّا يدعونا للشكّ في أنَّه “مُجتمع” أصلًا!

وفي الأمريكيِّيْنَ السُّود خير مثال على هذا الفشل لأتون صهر الأعراق في الحُلم الأمريكيّ. فهُم تابعون لأنفسهم، مُتمحورون حولها، متجمِّعون في أماكن مخصوصة؛ كما كان اليهود أيضًا في “الجيتُّوْ” سابقًا. وكذا الأمريكيون الأيرلنديُّون فهُم كاثوليك -المذهب الغالب على أمريكا هو البروتستانت”- مُحيون لتقاليد دينهم (لعلَّ المُشاهد يرى هذا في فيلم أمريكيّ شهير اسمه “الأيرلنديّ” صدر 2019م؛ حيث نجد الجميع يعرف أنَّ هذا أيرلنديّ الأصل، وذاك إيطاليّ الأصل و… بل لعلَّه يُفسِّر ما يجري في الفيلم واسمه).

وما جاء تقويض هذا الحُلم بالاجتماع حول راية الحُلم الأمريكيّ إلا من سلوك الأمريكيِّيْنَ تجاه بعضهم؛ فمأساة الأمريكيِّيْنَ ذَوِيْ البشرة السوداء، ومُجانبتهم للمجتمع لمْ تأتِ منهم، بل من رفض الضمير الأوربيّ وأبنائه الذين أتوا إلى أمريكا لفكرة المساواة مع هذا الأسود الحقير -من وجهة نظرهم- الذي أتى من مَجاهل أفريقيا معهم! وبالقطع للأمر أبعاد أخرى كثيرة حول مسألة لماذا فشل الحُلم الأمريكيّ.

مُقاومة النموذج الأمريكيّ من الداخل



ويذكر “المسيري” الكثير من أوجه الاعتراض على المجتمع الأمريكيّ ونموذجه. منها حركة “اليسار الأمريكيّ” -الذي ينتمي فكريًّا بالعموم للتجربة الشيوعيَّة، وفي الأمر تفصيل- وما تعرَّض له من مُقاومة ضخمة وترويع وقمع؛ حتى صار حركةً مُدجَّنةً مَقموعةً، وحينها سمحتْ له السلطات الأمريكيَّة بالتواجد في الجامعات وغيرها بعد أنْ قلَّمتْ أظافره.

ومن صور الاعتراض على أمريكا حركة “الهِيْبِيْ” (الهِيْبِيز) التي اكتسحتْ العالَم بنموذجها في تلك الفترة (وستجد لها آثارًا واضحة في السينما المصريَّة واللبنانيَّة في أفلام تلك الحقبة، وعلى بعض فاقدي العقول الذين ساروا على سيرهم في المجتمعات العربيَّة). وحركة “الهيبي” حركة شباب تعمَّدوا أنْ يخالفوا المُجتمع، ونموذج النجاح العصاميّ (الذي صُدِّر لنا في التسعينات، ونراه جليًّا في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي”، في شخصيَّة “عبد الغفور البرعي” التي أدَّاها نور الشريف). فكان فشلهم هو تعبير اعتراضهم على فكرة النجاح في المجتمع الذي رأوه مريضًا.

وهناك أيضًا الكثير من حركات الاعتراض في تكوينات دينيَّة، وتنظيمات شعائريَّة وعَقَديَّة مثل جماعة “أهل يسوع”، وغيرها الكثير من تلك الحركات التي ترتكز على فكرة جُزئيَّة، أو عقيدة فرعيَّة وتُعظِّمها بعد لوم المجتمع على عدم اهتمامه بها. لكنَّ حركات الاعتراض الاجتماعيَّة والدينيَّة تتميَّز بالتقوقع حول نفسها، والاكتفاء بالخلاص الجُزئيّ، وعدم الخروج بحيِّز الدعوة إلى المجتمع كُلِّه. ومن هُنا ظلَّتْ صيحاتٍ في طريق، لا مُغيِّرات له.

النِّسويَّة في التجربة الأمريكيَّة

سنجد في الكتاب بابًا قد خصَّصه “المسيري” لإيراد الكثير من الحديث حول الاتجاهات النِّسْوِيَّة -النسبة هنا للنِّساء؛ لذا النون مكسورة- التي ظهرتْ في أمريكا في ذاك العصر. وستجد تشابُهات واسعة النطاق حول ما هو مسطور من عشرات السنين وما نجده يظهر في بلادنا المُسلمة الآن من طغيان لهذا الاتجاه، ومن محاولة شرعنته على جثَّة الحقيقة. ومن تطرُّفات ما ذكره “المسيري” اتجاه المنظمات النِّسويَّة إلى شرعنة وتشجيع فعل “الإجهاض”، واحتقار الرجُل كفكرة، والنَّيْل منه ومن دوره، بل يمتدُّ الأمر إلى محاولة حثّ التجارب العلميَّة على ضرورة فكّ الارتباط بين الإنجاب وبين علاقة الرجل بالمرأة؛ أملًا في إنجاب من علاقة أُحاديَّة بين امرأتَيْن!

التشابهات بين التجربتين الأمريكيَّةوالصهيونيَّة


من أفكار الكتاب الرئيسيَّة فكرة التشابُه بين التجربتَيْنِ: الأمريكيَّة والصُّهيونيَّة؛ بل إنَّ “المسيري” استهدف إبراز هذا التشابُه وتصديره للقارئ. ويمكنني أنْ أصوغ أوجه التشابُه التي تتبعثر في الكتاب في البنود الآتية:

أ‌-التشابهات بينهما:

1-كلاهُما يؤمن بـ الفردوس الأرضي، وسعى ويسعى في إنجاحه.

2-كلاهُما يتبع “البرجماتيَّة” في النموذج الفلسفيّ العامّ، و”الرأسماليَّة” في إدارة المُجتمع.

3-كلاهُما يشترك في أحلام الصُّهيونيَّة: إمَّا بالأصالة عند اليهود المُؤمنين بها، وإمَّا بالتبعيَّة في طائفة “البيُورِيْتانِيُّون” أو التطهُّوريُّون. وهُم طائفة من الدين البروتستانتيّ لمْ ترضَ عن النموذج البروتستانتيّ الذي غلب في أوربا، واتهمتْه بعيب عدم الانفصال التامّ عن العقائد الكاثوليكيَّة. وهُم مُتَّفِقون مع اليهود في حُلم الألفيَّة وعودة المسيح -بالنسبة للمسيحيِّين، فاليهود ينتظرون المسيح الذي لمْ يأتِ بعدُ في نظرهم-. هاجر أبناء هذه الطائفة إلى الأراضي الجديدة (أمريكا) ليحاولوا إقامة “صهيون” جديدة على تلك الأراضي. وتمثِّل هذه الطائفة كثيرًا من مُؤسِّسي الولايات المتحدة الأوائل.

4-كلاهُما يؤمن أنَّه صاحب رسالة عُليا، بل أعلى من الجميع؛ لذا يجب على الجميع الخضوع لهما.

5-كلاهُما يتبع فكرة “الرِّيادة”. وهي الفكرة القائلة بأنَّ الإنسان -الصهيونيّ أو الأمريكيّ- أتى لأرض لا أهل لها ولا شعب فيها، وأنَّه رَادَهَا لأوَّل مرَّة؛ فصار “رائدها”.

6-كلاهُما يؤمن بفكرة الأمر الواقع المفروض بالقوَّة، التي من الممكن أنْ نتصوَّرها في نموذج “الكاوبويّ” في أفلام الغرب الأمريكيَّة. فهو النموذج الذي يُطلق الرصاص على مَن أمامه أسرعَ، ويحوز الغنيمة على جثث الآخرين. ويسجِّل “المسيري” هنا إعجاب الصهاينة بهذا النوع من الأفلام.

7-كلاهُما بدأ بالخُطَّة نفسها؛ وهي إنشاء مُستعمرات عسكريَّة زراعيَّة لتأسيس لشرعيَّة وجوده على الأراضي الجديدة التي غزاها.

8-كلاهُما يفشل في إحياء هذا الفردوس الأرضي؛ فكما رأينا في مشكلة المجتمع الأمريكيّ، نجد أنَّ “الكيان الصهيونيّ” غير مُقنع بالنسبة لليهود؛ فغالبُهم يعيش في أمريكا أو ف


1-قد صرَّح بالنصّ أنَّ الفارق بين الاثنتَيْن “أنَّ الأُولى ذات تاريخ صغير وجغرافيا كبيرة، بينما الثانية لها تاريخ كبير وجغرافيا صغيرة”.

2-الفارق في الرؤيتَيْنِ البرجماتيَّتَيْنِ أنَّ الأمريكيَّة لا تؤمن بالانتصار الأزليّ الذي لا تبديل له، الذي تؤمن به الصُّهيونيَّة.

ب‌-الاختلاف بينهما:

ما بين التجربتَيْن اليهوديَّة والإسلاميَّة

وقد عقد “المسيري” فصلًا خاصًّا قارَنَ فيه بين نموذجَيْن من ديانتَيْنِ مُختلفتَيْنِ: “بودورتز” اليهوديّ و”مالكوم إكس” المُسلم” في محاولة كُلٍّ منهما التعامُلَ مع الثقافة الأمريكيَّة، والنموذج الأمريكيّ في تصوُّر النمط الأفضل في الحياة أو “الفردوس الأرضي”. من خلال استقراء السيرة الذاتيَّة التي دوَّنها كلٌّ منهما. ومن الممكن أنْ أنقل أهمَّ ما في المقارنة في الآتي:

أ‌-نورمان بودورتز: يهوديٌّ من شرق “أوربا” -وينوِّه إلى أنَّ أبناء الشرق الأوربيّ هُم الفاعلون الحقيقيُّون في دعم الكيان الصهيونيّ من أمريكا-. عاش فقيرًا مُحدَّدَ النطاق لكونه يهوديًّا، أرادتْ أمُّه أنْ يتعلَّم تعليمًا يهوديًّا مُنضبطًا. والتعليم اليهوديّ لا ينصبُّ على زيادة حصيلة معرفيَّة أو تنمية مهارات الطالب، بل ينصبُّ على تنمية فكرة “الجذر اليهوديّ” فيه. لكنَّ “بودورتز” لمْ يكن من مَحدودِيْ الطموح؛ لذا ذهب إلى مدارس الأغيار -الأغيار هُم غير اليهود في الشريعة اليهوديَّة-، وتعلَّم التعليم العلمانيّ مع التعليم اليهوديّ. وبدأ يتنكَّر لأصله ولديانته ليكتسب عُلُوًّا في المجتمع.

ثُمَّ تواتيه الفرصة ليدخل جامعة “كولومبيا” وينتقل من حيّ “بروكلين” الممتلئ باليهود إلى حيّ “مانهاتن” المسيحيّ. واستطاع هذا الرجل أنْ يُحقِّق النجاح الخاصّ به -أو ما اعتقده نجاحًا- من خلال التحوُّل إلى كائن علمانيّ مُنكِر لدينه أو مُتجنِّب له في أخفّ مظهر. والالتحاق بعالَم الثروة والمال والسلطة من خلال التشبُّه بهم، والتعوُّد على لكنتهم في الحديث. وعلى حدّ قول “المسيري”: اكتسب مظاهر الهُوِّيَّة الجديدة، لأنَّ الهُوِّيَّة نفسها لا تُكتسب.

“بودورتز” هذا نموذج للنجاح الرأسماليّ البرجماتيّ العصاميّ الذي يبدأ من الصفر، ويرى كلَّ النجاح في إحراز المال والارتقاء المظهريّ الاجتماعيّ، والذي يعبد “رَبَّة النجاح” -على حد تعبير “المسيري”-. وكانت النتيجة أنْ تحوَّل هو نفسه إلى كائن بلاستيكيّ، وسلعة مثل كلّ السِّلَع في عالَم السِّلَع الكبير المُسمَّى “أمريكا”. ولا شكَّ أنَّ هذا النموذج الأمريكيّ ذو دلالة عميقة في التعبير عن حقيقة أمريكا؛ فكأنَّ خليط الاضطرابات والتناقضات في شخصيَّة الرجل هي “أمريكا” مُصغَّرة.

ب‌-مالكوم إكس: أمريكيّ ذو بشرة سوداء، شهير جدًّا. وقد اتخذ “المسيري” من سيرته بعض الفُسحة للتعريف بعُمق غُربة الأمريكيِّيْنَ السُّود، وظُلمة تصوُّرهم لهذا المُجتمع الذي يُصرُّ على لَفظِهِم خارجَه، ومُعاملتهم لا على أنَّهم غرباء عنه، بل على أنَّهم مُحتَقَرون -فقد يكون الغريب شريفًا-. ولذلك نجدهم يحاولون صُنع خلاصهم الخاصّ بهم عن طريق استخدام الرقص والموسيقى في كنائسهم البروتستانتيَّة. وأثر هذا العامل في تشكيل “مالكوم” الذي كان مسيحيًّا ثُمَّ أسلم.

رأى “مالكوم” في الإسلام حُلم الخلاص من ثنائيَّة “الأبيض والأسود”، والمجتمع مُتعدِّد الطبقات، ومُتنافر الطبقات. تعرَّف على الإسلام في سجنه؛ فبدأ يرفض أكل الخنزير، ويعتاد على الوضوء. وانضمَّ إلى جماعة “أُمَّة الإسلام” أو “المُسلمين السُّود”. وقد سافَرَ إلى الحجّ فأسره أنْ وجد ناسًا لا يتعاملون معه من مُنطلق لون بشرته! وبالقطع مثل هذه القصص وغيرها كثير تُحطِّم لنا فكرة أمريكا أرض الحُرِّيَّات التي ما زال أراذل القوم يُدخِلونها في أدمغتنا بالغصب حتى اللحظة.

أعجب “مالكوم” في الإسلام -فوق تجاوز العُنصريَّة- خُلُوص فكرة الإله؛ هذا الإله خالق الجميع، على خلاف المسيح الذي يُصوَّر دومًا في صورة رجُل أبيض البشرة أشقر الشَّعر، رغم أنَّ المسيح لمْ يكُن كذلك. هذا الإله الذي لا تصوُّرَ له، وقد رفَضَ ما شاعَ في جماعة “أُمَّة الإسلام” من تصوير الإله بصورة رجلٍ نصفُهُ أبيضُ والآخرُ أسودُ. هذا الإله الذي بعث نبيًّا بشرًا لا يفضل غيره إلا بفضل الرسالة، خاليًا من أيَّة سمة إلهيَّة. كما أعجبه جهودُ الإسلام في تحرير العبيد، وعُلوُّ مكانة العبيد في الإسلام، وكذلك فضيلة التجمُّع والجماعة في الصلاة الإسلاميَّة.

أمَّا عن نموذج “الفردوس” عند “مالكوم”؛ فيكفي أنْ نعرف أنَّ الشخص الذي قال:

الدولة تستطيع أنْ ترسل إنسانًا إلى الفضاء الخارجيّ، لكنَّها لا تعرف كيف تتعامَل مع البشر.

لمْ يقُده حَنقه على المُجتمع إلى التدمير والتخريب أو إلى التقوقع حول الذات. بل استطاع بعد إسلامه أنْ يحاول تغيير الواقع بشكل فعليّ مُشارِك، واقتراح نموذج تفاعُليّ يستطيع جذب الأشخاص من خلال إقناعهم الداخليّ به.

رسالة الكتاب الكليَّة

لعلَّنا لا نجد هذه الرسالة في أيٍّ من مواضع الكتاب؛ لكنَّي أستطيع أنْ أصوغها بعد استشفافها في أنَّ الحُلم بالتغيير يجب أنْ يُراعي مُعطيات الواقع والتاريخ؛ حتى لا يتحوَّل إلى مُجرَّد حُلم فردوسيّ أرضيّ لنْ يكون محلَّ نجاح أبدًا. وأنَّ الأفكار في الواقع الفعليّ تختلف عن الأفكار في الحيِّز الذهنيّ الخالص؛ فعندما تُطبَّق تتلبَّس بالواقع، ولهذا التلبُّس عمل فيها لا بُدَّ أنْ نراعيه. وأنَّ المَقاييس التي نقيس بها الفعل البشريّ لا تصلح أنْ تكون مقاييس فردوسيَّة؛ سواء في رؤيتنا لتاريخنا أو تاريخ الغير، وفي مُحاكمتنا لتاريخنا وواقعنا.

الجمعة، 18 سبتمبر 2020

نادر وجديد..للتاريخ عبدالوهاب المسيري

نادر وجديد..للتاريخ
الدكتورعبدالوهاب المسيري يتنبأ ويستشرف واقع الصراع العربي-الصهيوني قبل 26 سنة!.
فتاة متحمسة ومشاكسة تنقد المسيري وتطالبه بترك التنظير وعقد المؤتمرات؛ من أجل الجهاد ضد العدو الصربي والصهيوني على حدٍ سواء! وقتذاك.



الجمعة، 5 يوليو 2019

عبد الوهاب المسيري.. رؤية فلسفية فريدة للعالم والإنسان


عبد الوهاب المسيري.. رؤية فلسفية فريدة للعالم والإنسان

سامح عودة

"الله هو الركيزة الأساسية لكل شيء، الركيزة الأساسية

للتواصل بين الناس، لضمان أن الحقيقة حقيقة، فإن نُسِي 

الله: فإن ركيزة الكون كلها ستنتهي"

(عبد الوهاب المسيري)
  في أكتوبر/تشرين الأول من العام 1938م، وتحديدا في بلدة دمنهور بمحافظة البحيرة، كانت عائلة "المسيري" العريقة على موعد مع مولودها "عبد الوهاب" الذي، وعلى خلاف المسار التجاري لوالده، بدا منذ صباه مؤثرا سبيل العلم والثقافة على ما سواه، فإذا هو يمضي في دراسته الابتدائية والثانوية ببلدته -مرحلة التكوين والبذور على حد وصفه[1]- ليرتحل بعدها إلى الإسكندرية، ويبدأ في كلية الآداب مساره الطويل مع الأدب والفكر، فيُعيّن -بعد أربع سنوات من التفوق الدراسي- معيدا بها عام 1959م، ويسافر إلى الولايات المتحدة، بعد أربع سنوات أخرى، لدراسة الماجيستير بجامعة "كولومبيا"، ثم يعود بعد ذلك بالدكتوراة في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن من جامعة "ريتجرز" عام 1969م[2].

          

وفي مصر، شغل الدكتور "عبد الوهاب المسيري" بعد عودته منصب رئيس وحدة الفكر الصهيوني بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام[2]، وهو المنصب الذي دعّم معرفته ودراسته للحركة الصهيونية وألقى بظلاله على نتاجه الفكري في موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية"، ثم انتقل بعد ذلك إلى منصب المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك[2]، لتتسع علاقاته بالساسة والمفكرين في الشرق والغرب وتتاح له الفرصة لدراسة المجتمع الغربي عن قرب واختلاط.

            

ثم يختتم بعد ذلك مسيرته الوظيفية من حيث بدأ، في كلية الآداب، ليشغل منصب أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعات "عين شمس" بمصر، و"الملك سعود" بالسعودية، و"جامعة الكويت"، وجامعة ماليزيا الإسلامية بـ"كوالالامبور" على الترتيب، وهي الفترة التي شغل فيها -بجانب عمله الأكاديمي- منصب عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بـ"ليسبرج"، بولاية "فرجينيا" بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا[2]، وهي مرحلة الثمر كما أطلق عليها في مذكراته بعد ذاك[1].         


وقد شكل "المسيري" من خلال فلسفته حالة "متميزة وفريدة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي المعاصر، حالة ترتقي إلى حد الاستثنائية، ليس فقط بالنظر إلى شمولية اهتماماته المعرفية في مجالات الأدب والنقد وفلسفة التاريخ والعمل الموسوعي والترجمة، ولكن بالنظر أساسا إلى أصالته الإبداعية في مجال التنظير الأكاديمي والاجتهاد المنهجي والتجديد الاصطلاحي والمفاهيمي"[3].



فقد كان الرجل "صاحب رؤية فلسفية حضارية تؤمن بتعدد أبعاد مشروع التأسيس الحضاري في مجالات العلم والمعرفة والأخلاق والقيم والسياسة والاجتماع"، مما جعله يؤسس مشروعا فكريا تجديديا فيما يتعلق بالإنسان، الذي دافع عن إنسانيته في كثير من مؤلفاته "بما يمتلكه من أدوات وآليات صياغة"[3]، بالإضافة لأثره التجديدي في الفكر الإسلامي/الإيماني، وصقله للهوية الإسلامية بفلسفة عميقة، وهي الهوية التي وُهِب بذورها من تنشئته الإنسانية في دمنهور، ودعّمت جذورها رحلته في البحث عن الإيمان.
             
بين التراحم والتعاقد
وفي دمنهور، يروي المفكر "عبد الوهاب المسيري" عن طفولته وشبابه الناشئين في بيئة تراحمية، يغمرها التسامح والود الشعبي، بما ساهم كثيرا في تشكيل أفكاره عن الحياة وحمايته من الافتتان بمادية الغرب حين سافر إليه، إذ يقول، فيما يرويه عن نشأته: "كانت مدينة دمنهور تجارية حديثة تسود فيها العلاقات التعاقدية التي تسود في المجتمعات والمدن الحديثة، ولكن تحت القشرة الحديثة كان هناك مجتمع تقليدي، جماعة مترابطة متراحمة، لم تكن العلاقات فيها مبنية على المنفعة واللذة فحسب، إذ كانت هناك حسابات أخرى غير مادية، وغير أنانية، تشكل مكونا أساسيا في هذه العلاقات"[1].



ففي دمنهور، وكما يقول المسيري[1]، كان الإنسان إذا ما حصل على هدية، فإنه لا يفضّ غلافها، فهي قيمة إنسانية بذاتها ولا يهم محتواها، لكن في أميركا كانوا يشيرون بضرورة فض غلاف الهدية وإظهار الإعجاب بها مباشرة أمام المُهدي، وهو، حسب "المسيري"، كان يحول الهدية من قيمة إنسانية بذاتها إلى ثمن محدد، ويخرجها من الإطار التراحمي الذي تكتسب فيه الهدية قيمة إنسانية، إلى الإطار التعاقدي الذي يبني قيمة الهدية على ثمنها وكميتها وقدرها.



بهذه الأفكار التراحمية، غُرسِت بذور الإنسانية الأولى في نفس الفتى "عبد الوهاب"، وهي البذور ذاتها التي ستحكم فكر "المسيري" الباحث عن الإنسان؛ حتى تهديه إلى الإيمان العميق بالله، فيقول، في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان": "إذا كان اكتشاف الشر في النفس البشرية قد قادني بعيدا عن الإيمان، فإن اكتشاف الخير فيها قد عاد بي إلى عالم الإنسانية والإيمان. هكذا، فبدلا من الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلتُ إلى الله من خلال الإنسان".
             

وهو بذلك يوضح أن الإنسان الذي يتكون من ثنائية المادة 

والروح، ويتنازع بداخله الخير مع الشر، لا يمكن أن تفسره قوانين العلم المادي التي تفسر الظاهرة الطبيعية، بل لا بد له من مصدر فوقي/إلهي يستقي منه المعتقدات والأخلاق والتفسيرات المعنوية لكل ما يعجز عنه العلم، كالغاية من الوجود ومصير العباد بعد الموت، وإلا فإنه سينكر حقيقته الإنسانية ويختزل نفسه في شكل معادلة فيزيائية خالية من الروح[1].



من هنا يبدأ "المسيري" فلسفته العميقة التي تشعر معها "وكأنك تقرأ شعرا أو خاطرة"، فهي "روح إنسانية عذبة ومحبة تنساب بين السطور، لتقيم معك ألفة تنمو كلما ازددتَ قراءة، وينمو معك نهم شديد لالتهام كل ما يجود به "المسيري"، كما تنمو معك سعة أفق وحكمة، وتعود لتعلن إيمانك مرة ثانية: وهو هذه المرة إيمان أكثر هدوءا، ورسوخا وجمالا.. إيمان بإله لطيف بعباده، هو الضامن لإنسانيتنا والضامن لكل جميل فينا وفي الكون والطبيعة أيضا"[4]، فبوجود الله يؤمن الإنسان بأنه أسمى من الجمادات وأرقى من الحيوانات، وهو الإيمان الذي بلغه "المسيري" بعد عناء روحاني شاق مع أفكار شبابه المادية وشبهات الإلحاد.



  الفكر والتحولات       

"إن الإيمان لم يولد داخليا إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة، ولذا فإنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية"
(عبد الوهاب المسيري)
 



كموج يهدأ بعد الصراعات، يرى "المسيري" رحلته المتنقلة بين الأفكار، والتي بدأت بانضمام في الصغر لجماعة "الإخوان المسلمين"، تبعه تمرد ثوري حمله إلى "الماركسية"، على خطوات بسيطة من الإلحاد على حد وصفه، ليستقر في النهاية، وبعد سنوات من البحث الفكري، إلى العودة الاختيارية نحو الإيمان. وذلك لما رآه من عجز الأفكار المادية، التي كان يتبناها، عن تفسير الكثير من السلوك الإنساني ورغباته وعواطفه.



وهو في ذلك يروي قصة زواجه من الدكتورة "هدى حجازي" كمثال للفارق بين النموذجين: الإيماني الذي يرى الإنسان جسدا وروحا، والمادي الذي لا يستوعب كثيرا من الجوانب النفسية للإنسان[1]، فيقول إنه حين أراد الزواج منها كان عضوا في الحزب الشيوعي، وكانت هي من طبقة اجتماعية مدنية وميسورة الحال، فاستشار أحد أصدقائه من داخل الحزب في أمرها، ليخبره صديقه باستحالة نجاح زيجة كتلك بسبب الفروق الأيديولوجية والفكرية بينهما، فهو ماركسي يدافع عن طبقة العمال وهي فتاة من أسرة برجوازية (طبقة المُلّاك وأصحاب رأس المال).



ذلك الرأي الذي لم يعجب "المسيري" كثيرا، مما اضطره لاستشارة والدته، للمرة الأولى بحياته، في أمره هذا، لتسأله هي بدورها سؤالا بسيطا ومباشرا حول شعوره العاطفي تجاه تلك الفتاة، وهو السؤال الذي استوقفه بشدة ليكتشف حينها أنه كان مكبلا بأفكار مادية تحسب الأمر بشكل جامد وتغفل جانبا محوريا في الارتباط كالمشاعر والعاطفة، ويقرر من وقتها أن الإنسان لا يصح له -أبدا- التضاؤل إلى هذه الدرجة، وكانت تلك -على حد وصفه- المرة الأولى التي يختل فيها النموذج المادي ويتبين له اختزاله وعجزه عن فهم وتفسير الإنسان.




غير أنه، وفي خضم هذه التحولات التي انتقل فيها بين الإيمان ونقيضه، "لم يتحول سلوكيا وقيميا، فهو شخص محافظ مستقيم حتى في فترة شيوعيته"[3]، فيقول عن نفسه، فيما يرويه عن هذه الفترة: "بدأت مسيرة الإلحاد، ورغم أنني في ذلك الوقت لم أكن أؤمن بالله، إلا أنني كنت أؤمن بالقيم المطلقة للإنسان والقيم المطلقة للأخلاق، وكان هذا الإيمان بالمطلقات يتنافى مع الإلحاد الكامل، وهو إيمان بثوابت ومطلقات لا يمكن أن تستند إلى عالم المادة وعالم الطبيعة، ولكنها تستند إلى الله، ويمكن القول إن هذه الفترة يمكن أن نسميها مرحلة التساؤل العميقة"[5].



فهو يرى، وعلى الرغم من حدة الانتقالات التي مر بها، أنه حافظ على "الالتزام بالقيم الثابتة مثل الحق، والخير، والإيمان بأن الإنسان كائن غير مادي، وضرورة إقامة العدل في الأرض"، ثم، وعلى مدى رحلة فكرية استغرقت أكثر من 30 عاما، يعود مرة أخرى إلى الإسلام "لا كعقيدة دينية وحسب ولا كشعائر، وإنما كرؤية للكون وللحياة"[6].



وهو الإيمان الذي عاد بالرجل مرة ثانية إلى تساؤلاته حول ثنائية الإنسان (المادة والروح)، ليخرج من السؤال إلى نظرية معرفية، ستقوده في كل تحليلاته حول الإنسان، فيقول إنه استطاع، من خلال كل هذا، الوصول للحقيقة حول الإنسان والطبيعة، وأنهما ليسا جوهرا واحدا، بل يفترق الإنسان عنها بما لديه من القيم الروحية والأخلاقية، ويخلص كذلك إلى ضرورة تفسير الإنسان بوصفه كائنا مركبا من (مادة/جسد) و(روح/إيمان)، وليس من مادة فقط كالطبيعة [1].




بهذا الفكر الجديد، الجامع بين وحي السماء ومخلوق الأرض، يبدأ المسيري في نحت منهجه الاجتهادي، فيضع قواعده في التحليل، ويشكل نموذجه الإدراكي الذي طور من خلاله "النماذج التفسيرية والتحليلية، سواء في أبحاثه في الصهيونية أو أبحاثه في العلمانية أو دراسته في النقد الأدبي"[4]، حيث تميزت المدرسة الفكرية المسيرية عن غيرها من المدارس بإعادة النظر في طرق التفكير السائدة، من أجل تطوير النظريات التفسيرية للواقع الذي نحياه، لنفهمه بكل أبعاده دون اختزال[4].


بين التلقي والاجتهاد.. النموذج كأداة للتفسير

"يمكن اعتبار الحالة التي يمثلها المسيري رحمه الله ظاهرة بحد ذاتها"

(سلمان بونعمان)
             


في تعريفه لمنهج التفسير الاجتماعي، يصف "ريمون آرون" تصور "دوركايم" لعلم الاجتماع، قائلا إنه لكي تخضع ظاهرة ما لتفسير علم الاجتماع، فإنها بحاجة لتوفر شيئين أساسيين بها: أولهما أن يكون موضوعها خاضعا لتفسير علم الاجتماع فقط ومتميزا عن مواضيع العلوم الأخرى، وثانيهما أن يكون في مقدورنا ملاحظة هذا الموضوع، وتفسيره بطريقة منهجية مشابهة للطريقة التي تفسر بها العلوم الأخرى[7].



ومن رحم هذا التعريف خرج "الاتجاه الفينومينولوجي" في التحليل الاجتماعي الذي يرى أن التعامل مع العلوم الاجتماعية لا بد وأن يختلف عن التعامل مع العلوم الطبيعية، فلا يمكن معاملة الظاهرة الإنسانية بقوانين ثابتة كما تتعامل الفيزياء مع الطبيعة[8]، وهي الرؤية التي تقترب كثيرا مع تصورات "المسيري"، أو تحولاته الفكرية، الثلاث حول تحليل الظواهر الاجتماعية والإنسانية.



فيرى -فيما ذكره في مذكراته[1]- أن الانتقال الأول في فكره التحليلي كان انتقاله من الموضوعية الفوتوغرافية، أو المتلقية، إلى الموضوعية الاجتهادية، ثم يشرح الفرق بين الاثنين قائلا إن الأولى كانت تعتمد نموذجا في التحليل يرى المعرفة البشرية بوصفها تراكما لأكبر قدر ممكن من المعلومات -كأنها فيزياء- فتنقل للقارئ "تفاصيل الواقع (المادي) كما هو تقريبا بصورة فوتوغرافية وإدراجها في البحث والدراسة دون ربط بين المعلومات"[4]، ودون محاولة استخلاص نتائج متقاربة منها.

           

 وهو الأمر الذي رأى "المسيري" فيه ضعف قدرته على التحليل، إذ إن الموضوعية الاجتهادية، على العكس من ذلك، "هي ألا ينقل الإنسان الواقع بحذافيره وكأنه ببغاء أو آلة تصوير بلهاء، وإنما يُعمِل عقله وخياله فيربط بين التفاصيل، ويجرد منها أنماطا متكررة تساعده على فهم الواقع بطريقة أعمق وأشمل"[1]، وهو ما استعمله "المسيري" في تحليل العلمانية والصهيونية بشكل كبير.

               

ثم كان الانتقال الثاني، الذي يشرحه "المسيري"، حين تحول عقله من عقل سلبي (متلق) إلى عقل توليدي (مجتهد)، فهو يرى أهمية تفاعل فكر الإنسان مع ما يصله من المعلومات؛ ذلك لأن عقل الإنسان "ليس مجرد مخ مادي، أو صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزونة في الوعي واللاوعي"[1].




ومن هنا ينتقل مفكرنا إلى تحوله الثالث، فيخرج من الرصد المباشر، السطحي، للأحداث، إلى تبني مفهوم "النموذج" كمنهج عميق للتحليل والتفسير. ومفهوم "النموذج"، وفق "المسيري"، هو أداة ثورية، لا ترصد ما هو قائم وحسب في الواقع، وإنما ترصد ما هو كامن فيه أيضا[10] بمعنى أنه يجمع المعلومات والتفاصيل والإحصاءات الخاصة بالظاهرة، ثم يربط بين تفاصيلها ويبحث فيما يختبئ وراءها من المعاني والمفاهيم، ثم يخرج في النهاية بتفسير كلي جامع لكل التفاصيل (الظاهرة والكامنة) ولكن في صورة نظرية تفسر السبب من اجتماع كل هذه التفاصيل في هذه الظاهرة، تماما كما يجمع صانع الثياب قطع القماش المتناثرة ويخرج منها بثوب مكتمل ومتناسق.



لذلك فإننا عندما نتحدث عن النموذج فإننا "لا نتحدث عن الواقع في حد ذاته، بل الواقع كما يدركه صاحب النموذج، والنموذج بهذا المعنى يشبه إلى حد كبير الصورة المجازية، أو المجاز اللغوي، فكلاهما يستخدم في تفسير الواقع رغم أنه لا يعكسه بشكل فوتوغرافي مباشر"[1]، فالنموذج والمجاز وجهان لعملة واحدة يفهم من خلالها المفكر الواقع، فإن كان النموذج هو أداة تحليل الأحداث والظواهر، فإن المجاز هو أداة تحليل الخطاب المستعمل في هذا الواقع وما يكمن وراءه من تلميحات وأفكار.


المجاز عند "المسيري".. اللغة كأداة للتحليل

"الصور المجازية ليست مجرد زخارف وإنما وسيلة إدراكية لا يمكن للمرء أن يدرك واقعه دونها، أو حتى أن يعبر عن مكنون نفسه إلا من خلالها، وهي بالتالي مرتبطة تمام الارتباط بالنماذج المعرفية والإدراكية ورؤية الكون وخير وسيلة للتعبير عنها"

(عبد الوهاب المسيري)
             
أما عن الصور المجازية واللغة، فقد طور "المسيري"، أيضا، تصورا تفسيريا بخصوصها؛ ليضمها إلى أدواته في التحليل، فهو يرى أن اللغة والمصطلحات التي يستعملها الساسة والمفكرون لا يصح إدراكها بشكل سطحي دون البحث عن الرابطة بين الدال (اللفظة) والمدلول (المعنى الكامن وراءها)؛ ذلك لأن الصور المجازية اللغوية "يمكن استخدامها كوسيلة لتمرير التحيزات وفرضها بشكل خفي"[11].



فالمجاز يقوم بنقل رؤية معينة، وإذا ما درسنا الخطاب السياسي الغربي وجدنا أنه يستخدم صورا مجازية كثيرة تعبر عن الرؤية الغربية للعالم، ولكنها تبدو كما لو كانت محايدة، "فحينما يشيرون إلى العالم العربي باعتباره (الشرق الأوسط) أو حتى (المنطقة)، وحينما يتحدثون عن (الفدائيين) باعتبارهم (إرهابيين)، فإنهم في واقع الأمر يفرضون صورا مجازية تجسد مفاهيمهم، فبدلا من (العالم العربي)، المصطلح الذي يستدعي التاريخ والتراث والهوية، نجد أن مصطلح (المنطقة) ينقل إلى وجداننا صورة أرض ممتدة بلا تاريخ أو تراث"[11].



فالمجاز هنا، حسب "المسيري"، أداة للتعبير وللإفصاح عن رؤية الإنسان للكون، "واستخدام الصورة المجازية قد يكون واعيا، فيحاول المتحدث أن يتحكم في الصورة المجازية"، وقد يكون غير واع، "فتهزمه الصورة، بل تفضحه، إذ إن منطقها الداخلي قد يعبر على عكس ما يرمي المتحدث إليه"[11] أو عكس ما يحاول إظهاره. وبهذا التصور عن اللغة والمجاز، يرى "المسيري" الفلسفة الغربية في التعامل مع الإنسان.


وعلى ذلك، يذهب إلى أن الفكر المادي -على سبيل المثال- يرد كل شيء، بما في ذلك الإنسان وكل منتجاته الحضارية، إلى المادة وقوانينها، "فالمفكر الفرنسي الاستناري "كابانيس" يؤكد أن الدماغ يفكر كما تهضم المعدة، وكما تفرز الكبد الصفراء" أي أن الصورة المجازية الأساسية هنا هي أن العالم العقل كالمعدة، فالتفكير الإنساني عملية كيميائية مادية، "ولا يوجد فارق جوهري بين العملية الفكرية والعملية الهضمية (أي بين الفكر والمادة وبين الجسد والروح)"[12].


ثم قام "نيوتن" بمقارنة العالم كله -بما في ذلك الإنسان- "بآلة دقيقة: ساعة تدور دائما وعلى نفس الوتيرة دون تدخل إلهي أو إنساني". وقد اكتشف "لوك" أن "الآلة التي توجد خارجنا توجد داخلنا أيضا، فقارن العقل بالصفحة البيضاء التي يتراكم عليها كل ما يصلنا من معطيات"، ثم تتحد هذه المعطيات آليا من تلقاء نفسها فتتكون الأفكار[12]، وقد أدى كل هذا إلى ظهور الصورة التي يطرحها "آدم سميث" للإنسان الذي يعيش في عالم تنظمه قوانين العرض والطلب الآلية التي قارنها باليد الخفية، تنظم كل شيء ولا يراها أحد"[12

فمن خلال هذا التأمل الفكري وراء اللغة المستخدمة والصور المجازية، يضم "المسيري" المجاز، جنبا إلى جنب، مع النموذج؛ لفهم الأفكار بشكل عميق لا يغفل ما وراءها، وليتمكن كذلك من تحليل التصور الغربي للإنسان، وكذلك لتفسير الرؤية الصهيونية للوطن العربي واستعمالها لنصوص ومفردات تجعل من الصهيوني شيئا هاما ومن العربي شيئا خلاف ذاك.
           
الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة

"كان المسيري شاهدا على انتصار الإيمان والفطرة، فلم تكن له حسابات مع أنظمة سياسية أو قوى اجتماعية، ولكن حساباته كانت لصالح ما يؤمن به: الإيمان والإنسان"
(خيري منصور)
          
كيف تجمع بين التفاصيل المتناثرة؟


هنا يجيبنا "المسيري" بنماذجه التفسيرية وبتأمل المجاز، واضعا تاريخ البشرية الحديث على مقياسه التحليلي، فيخرج بنموذجين رئيسيين لتفسير الرؤية الغربية الحديثة للإنسان: أولهما هو نموذج "الحلولية الكمونية" الذي يرى بأن الإله والإنسان والطبيعة مكون من جوهر واحد، فلا فرق حقيقي -حسب هذا النموذج- بين الإنسان والطبيعة[13].



ونموذج "العلمانية الشاملة" الذي يختلف عن العلمانية الجزئية في كونه لا يعزل فقط السياسة عن القيم الدينية، بل يعزل الحياة بأسرها عن أي تفسير ديني، ويرى أن العقل والحواس الخمس -فقط- أشياء كافية لتفسير الكون دون الحاجة إلى الدين والعقيدة والثوابت الأخلاقية والإيمانية[10]، فالعالم مرجعية لذاته -حسب هذه الرؤية- ولا يحتاج لشيء خارجه. وهما النموذجان اللذان يشرح من خلالهما "المسيري" كيف أنتجت الحداثة إنسانها الحديث، واستبدلت عقائده الأخلاقية والدينية بعقلانيتها وماديتها بعد ذلك.

فهو يرى أن مرحلة الحداث

ة[*] قد بشرت بما أسماه "وحدة الوجود المادية"، وهي المرحلة التي يُستغنى فيها عن اسم الإله، فيحل الخطاب المادي محل الخطاب الروحي، وتُفسّر الظواهر الإنسانية بقوانين المادة والحركة، وتقر بأن كل تغير طرأ على البشرية، وسيطرأ عليها، خاضع لمسار تاريخي حتمي تفرضه عليها طبيعتها المادية[1] كما هو الحال في الماركسية التي افترضت أن الرأسمالية مرحلة تاريخية "حتمية" لن تلبث أن تنتهي وتسيطر بعدها الطبقة العاملة على مصادر الإنتاج والثروة، وكأن الحياة البشرية تسير بقوانين فيزيائية لا اعتبارات فيها إلا للحسابات الرياضية.



فالظاهرة الإنسانية -هنا- كالظاهرة الطبيعية تماما: كلاهما يخضع لقوانين المادة. ويلخص "المسيري" هذه المتتالية (متتالية وحدة الوجود المادية) في خمس حلقات متتابعة جعلت من الإنسان الغربي الحديث كائنا تعاقديا ماديا أحادي البعد (أي لا يعطي الاعتبارات العاطفية والدينية اعتبارا كبيرا)، واختزلته في جانب واحد "مادي" وغيّبت جانبه "الروحي" الآخر، فكيف رأى "المسيري" حقيقة هذه التطورات وأثرها على الإنسانية جمعاء؟
             
لكي تخضع ظاهرة ما لتفسير علم الاجتماع، يجب أن يكون موضوعها خاضعا لتفسير علم الاجتماع فقط، وأن يكون في مقدورنا ملاحظته وتفسيره بطريقة منهجية مشابهة للطريقة التي تفسر بها العلوم الأخرى
 


يعلن "المسيري" عن تقسيماته الخمسة، في كتابه "قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى" الذي لخص فيه رؤيته لهذا النموذج، بادئا بمرحلة التمركز حول الإنسان، أو ما يسميه "الواحدية الإنسانية/الهيومانية"، وهي المرحلة التي أتت بها الحداثة مباشرة، وفيها تمركز الإنسان حول إنسانيته بدلا من تمركزه حول الدين، في أوربا المسيحية أثناء العصور الوسطى؛ فالإنسان، في هذه المرحلة، وحده هو المركز ومصلحته هي الغاية من الوجود.



ثم، وطبقا لمتتاليىة التحديث الغربي للإنسان، تمضي الإنسانية، وفق "المسيري" أيضا، إلى مرحلتها الثانية المسماة بـ"الواحدية الإمبريالية/الاستعمارية"، إذ يتحول فيها إنسان الغرب من تمركزه حول مصلحة الإنسانية في العموم إلى تمركزه حول مصلحة بني أمته فقط، فتظهر النزعات العنصرية التي تحول باقي الأمم إلى وسائل تخدم مصالح أمته، وهي المرحلة التي يُعزي "المسيري" إليها قيام حركات كالنازية والفاشية والصهيونية، أو حتى حركات التحرر النسوية "الفيمنيزم" التي أطلق عليها حركات التمركز حول الأنثى في مقابل الذكر.



ومع الانطلاق التحديثي السريع، يجد "المسيري" البشرية عند المرحلة الثالثة المسماة بـ"ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة"، وهنا حيث كان الصراع على أشده بين نموذجين: نموذج الواحدية الإنسانية المتمركز حول الإنسان، ونموذج "الواحدية الطبيعية" الذي سيدخل الصراع، واضعا الطبيعة/المادة في مركز الكون بدلا من الإنسان؛ ليصبح الإنسان بعدها مجرد كائن لا اعتبار مميز له، مما يعني فصل أي قيمة أخلاقية/دينية/عاطفية عن العلم والمعرفة المادية[14]، فتظهر أشياء كالإباحية وغيرها التي ترى الإنسان -في مجموعه- كائنا يخدم مصالح مادية كغيره من الكائنات، دون النظر لأي اعتبارات دينية أو أخلاقية[15]
.

تلك "الواحدية الطبيعية" لن تلبث أن تنتصر في صراعها مع "الواحدية الإنسانية"، لتحل محلها تماما، ويظهر إنسان العصر الحديث المنفصل عن القيمة، والذي سيمضي باستسلام إلى آخر مراحلة: "الواحدية السائلة"، التي يعتبرها "المسيري" نتاجا طبيعيا لارتفاع معدلات استبدال كل القيم الدينية بالقيم المادية، وتفكيك الإنسان وعلمنة القيم[15]، فتصبح كل الأمور مقدسة بصورة سائلة لا يمكن معها تحديد الثوابت الحقيقية للإنسان[10]، فحق الشذوذ مقدس، وحق الإباحية مقدس، وحق التعري مقدس، وحق أي إنسان في فعل أي شيء مقدس في ذاته حسب هذا النموذج العلماني المتخاصم مع القيمة الدينية للأفعال.
               
لكن.. هل نجحت هذه المتتالية المادية في احتواء الإنسان واستيعابه؟ هذا ما لا يراه "المسيري" من أي جانب إذ يراها قد حولته إلى أداة مجردة من كل ميزة إنسانية، فقيمة كالتضحية، مثلا، قد فقدت الكثير من معناها مع هذه الرؤية للإنسان، وهو يسوق ذلك -كمثال- على ما لحق بوظيفة الأم في هذا العصر، إذ اختفت أهمية الأم وتلاشت أمام المرأة العاملة، فأصبحت المرأة لا تعتبر عملها في التربية أو تنشئة الإنسان عملا حقيقيا ذا قيمة؛ لأنه لا يدر الربح المادي مغفلة القيمة المعنوية والتربوية للأم في صناعة الإنسان[16]، وأصبحت كذلك العلاقات البشرية محكومة بفكرة العقد أكثر منها خاضعة للتراحم، مستدلا على ذلك بأمثلة كثيرة كمثال الهدية -المذكور سلفا- في الفرق بين المجتمع الإنساني والمجتمع المادي[1].
            
وهذا النموذج العلماني ينتقده "المسيري" بشدة ويرى قصوره الشديد عن فهم الإنسان، ويرى، بدلا منه، أهمية الدفاع عن الثنائية البشرية (المادة/الروح) التي تنشأ نتيجة للإيمان بالله، فيتجاوز الإنسان عالم الطبيعة إلى عالم الروح، ويحقق التوازن بينهما عن طريق السعي في الدنيا والإيمان بالحقائق التي يشرحها الدين ويفسرها، كالحقائق الأخلاقية والتراحمية، وهي الأمور التي لا نجد لها محلا في التفسير المادي/العلماني، مما يجعل "المسيري" يصفها بفلسفة تفكيك الإنسان[3]، وهي الفلسفة التي زارت الشرق عن طريق العولمة و(الاستهلاكية) التي أضحت قيمة في ذاتها وسلطة استعمارية من نوع جديد تُخضع لها الأفراد دون سلاح[1]، واقتحمته أيضا من طريق آخر اسمه "الصهيونية".
           

الصهيونية والجماعة الوظيفية
في سبيله لتفسير العالم وظواهره، يضع "المسيري" نموذجه التحليلي الثالث في موضع النظر، ويفعّل رؤيته حول "الجماعات الوظيفية" كنموذج لتحليل الحركة الصهيونية، وارتباطها بالغرب العلماني الراغب في بسط نفوذه على الشرق، فيُعرّف هذه الجماعات على أنها "مجموعات بشرية تستجلبها مجتمعات إنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم (الأقليات)، ثم يوكل لأعضائها وظائف لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة، من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، لذا يوكل لبعض الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا - البغاء) أو المتميزة (القضاء - الترجمة - الطب) التي تتطلب الحياد والتعاقدية"[13]. 

ثم، ولتبقى هذه الجماعات على كفاءة لتأدية دورها، فإن عددا من المعايير لا بد وأن يتوفر بها، ولها، وبتطبيق التعريف أعلاه على الحركة الصهيونية -كجماعة وظيفية لخدمة مصالح الغرب الاستعماري في الشرق- فإن أول هذه المعايير سيكون إنشاء علاقة تعاقدية، بين هذه الجماعات وبين السلطة التي تنتفع من وجودها، ينظر فيها كل طرف إلى الآخر باعتباره دورا يُلعب ووظيفة تؤدّى ومادة تافهة[9].
          
في حين كان المعيار الثاني هو عزل الجماعة الوظيفية عن السلطة التي تستخدمها حتى لا تتضرر بأعمالها المشينة؛ لذا فإن الجماعة المستفيدة (الغرب) ستقيم وطنا خاصا للجماعة الوظيفية (الصهيونية) في الوسط الذي تريد اختراقه (فلسطين/الأمة الإسلامية) لخلق هذه المسافة[9]، وترجع أهمية هذه المسافة لكونها تبعد عن الغرب الشبهات التي ستصنعها حولها الحركة الصهيونية في الوطن الجديد بفلسطين.
         
فالدولة الوظيفية "هي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية ولكن على مستوى الدولة، وتتخذ الدولة الوظيفية مجموعة من الأشكال المختلفة"[13]، فتعد الدولة الاستيطانية دولة وظيفية، وهي دولة يتم نقل سكانها من موطنهم الأصلي إلى وطن جديد يقومون فيه بخدمة الدولة الاستعمارية الراعية لعملية النقل، وهي الدولة التي أسهمت بدورها في تمكين المستوطنين الجدد وقمع السكان الأصليين"[9]. وهو الأمر الذي ينطبق تماما على الكيان الصهيوني داخل إسرائيل "فاليهود مادة استيطانية نافعة تُنقَل من أوربا إلى فلسطين، أما العرب فهم مادة بشرية لا نفع لها، ولذا فهي تُطرَد من فلسطين"[17].
              
فمن الصورة المجازية والنموذج الإدراكي ينطلق "المسيري" لشرح رؤيته الفكرية للعالم، ومن الحلولية الكمونية، إلى العلمانية الشاملة، ينتهي إلى نموذج الجماعات الوظيفية في نظم منسجم لنماذجه التي طوّر من خلالها إدراكه للواقع المادي وما يكمن فيه من أفكار، وأفرد لها سلسلة من المقالات واللقاءات والكتب الموسوعية، باللغتين العربية والإنجليزية، لا تكاد أن تحصى، فضلا عن الدراسات الدائرة حول فكره، بخلاف التكريمات والتقديرات المتباينة؛ ليترك لنا كل هذا ويودع عالمنا، راحلا عنه في الثالث من يوليو/تموز عام 2008م[1]، بعد 70 عاما من الحياة التي بدأت رحلاتها الفكرية مبكرا ولم تنته حتى رمقها الأخير، وبعد عقود من البحث عن الإنسان الذي غيّبته المادة ناضل المفكر الأديب لتحريره من استعمار العلمانية وسيطرة الحلولية الكامنة.

     
[*]:"الحداثة مرتبطة تماما بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، وأنه لايحتاج إلا إلى عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر، مصدر المعنى والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته".
(عبد الوهاب المسيري، الحداثة ورائحة البارود)

المصادر

  • 1عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكرية في البذور والجذور و الثمر
  • 2السيرة الذاتية، موقع المسيري.
  • 3سلمان بونعمان، عبد الوهاب المسيري: مفكر القرن الخالد
  • 4هشام المكي، من العقل السلبي إلى العقل المبدع
  • 5حوار مع عبد الوهاب المسيري، مجلة مراجعات، العدد2، شتنبر2000
  • 6عبدالوهاب المسيري، في آخر حواراته المنشورة على موقع إسلام_أولاين
  • 7محمد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية
  • 8طاهر حسو الزيباري، أساليب البحث العلمي في علم الاجتماع
  • 9عمرو نورالدين، دور نماذج_المسيري التفسيرية في منهجية تحليل الظاهرة_السياسية
  • 10عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
  • 11عبد الوهاب المسيري، اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود
  • 12عبد الوهاب المسيري، في الصور المجازية والنماذج الإدراكية
  • 13عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
  • 14عبد الوهاب المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان
  • 15عبد الوهاب المسيري، الحداثة المنفصلة عن القيمة والإله الخفي
  • 16عبدالوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى
  • 17سلمان_بونعمان، الرؤية المعرفية بين العلمانية والإمبريالية من خلال كتابات_المسيري