الاثنين، 5 أكتوبر 2026

ما أَهْجُرُ إلا اسمكَ!

نقطة نظام 
ما أَهْجُرُ إلا اسمكَ!


موقِفٌ نرى فيه بيتًا نبويًّا لا تُلغى فيه المشاعرُ، ولا تُخجَلُ فيه العاطفةُ، بل تُفهَمُ وتُحتوى.

الغضبُ حاضرٌ، والرِّضا حاضرٌ، لكنَّ المحبّةَ أوسعُ منهما معًا!

إنَّه درسٌ بليغٌ في أنَّ القلوبَ إذا صدقتْ لا تحتاجُ صخبًا لتُفهَمَ؛ يكفي أن يكونَ بين روحينِ هذا القدرُ من الأُلفةِ حتى تُقرأَ المشاعرُ في نبرةِ قسمٍ، وفي اختيارِ اسمٍ.

هذا الحديثُ ليس وصفًا لموقفٍ عابرٍ بين زوجينِ، بل نافذةٌ نطلُّ منها على أدبِ الحُبِّ حين يكونُ طاهرًا، وعلى الفهمِ العميقِ حين يصبحُ القربُ معرفةً صامتةً.

روى مسلمٌ في صحيحهِ، والبخاريُّ في الأدبِ المفردِ، من حديثِ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت:

قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: إنِّي لأعرِفُ غضبَكِ ورِضاكِ!

قالت: قلتُ: وكيفَ تعرِفُ ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟

قال: إنَّكِ إذا كنتِ راضيةً قلتِ: بلى وربِّ محمّدٍ، وإذا كنتِ ساخطةً قلتِ: لا وربِّ إبراهيمَ!

قالت: قلتُ: أجلْ، لستُ أُهاجِرُ إلَّا اسمَكَ.

الحُبُّ الحقيقيُّ معرفةٌ قبلَ أن يكونَ عاطفةً. النبيُّ ﷺ لم يحتجْ إلى سؤالٍ ولا شكوى ليعرفَ حالَ عائشةَ رضي الله عنها، بل كان يقرأُ تغيُّرَ قلبِها من نبرةِ كلمةٍ.

هكذا تكونُ القُربى الصادقةُ: انتباهٌ رقيقٌ لتفاصيلَ لا يراها الغرباءُ. مَن أحبَّ إنسانًا حقًّا تعلَّم لغتَه الخفيّةَ، وفهم صمتَه كما يفهم كلامَه.

الغضبُ لا ينفي المحبّةَ!

عائشةُ تغضبُ، والنبيُّ ﷺ يبتسمُ ويلاحظُ، ولا يُحوِّل الغضبَ إلى معركةٍ.

المشاعرُ في البيتِ النبويِّ لم تكن مُلغاةً، بل مُهذَّبةً.

فالحياةُ الزوجيّةُ ليست غيابَ الخلافِ، بل حُسنَ إدارتِه.

والقلبُ الناضجُ لا يخافُ من الغضبِ، لأنَّه يعرفُ أنَّ المحبّةَ أعمقُ منه.

الأدبُ في الخلافِ علامةُ نُبلٍ.

عائشةُ رضيَ اللهُ عنها حين تغضبُ لا تهجرُ إلَّا الاسمَ، لا تهجرُ صاحبَ الاسمِ. 

تحفظُ الحدَّ الأعلى من الاحترامِ حتى في لحظةِ الانفعالِ. 

هذا درسٌ عظيمٌ: الخلافُ لا يُبيحُ القسوةَ، والغضبُ لا يُسقطُ الهيبةَ. مَن سقط أدبُه في غضبِه كشف حقيقةَ قلبِه.

البيوتُ تُبنى بالفهمِ لا بالقوانينِ.

النبيُّ ﷺ لم يُطالبها بتغييرِ مشاعرِها، بل احتواها كما هي.

فالأمانُ الحقيقيُّ في العلاقةِ أن يُسمحَ للقلبِ أن يتقلّبَ دون خوفٍ.

حين يشعرُ الإنسانُ أنَّه مفهومٌ يهدأُ من تلقاءِ نفسِه. الفهمُ أحيانًا أعظمُ إصلاحًا من ألفِ نصيحةٍ!

















































































































































سورية الجديدة بين مستقبل الياسمين وواقع الأشواك إضاءات توعوية نحو تحمّل راشد للمسؤولية

سورية الجديدة بين مستقبل الياسمين وواقع الأشواك
إضاءات توعوية نحو تحمّل راشد للمسؤولية

مضر أبو الهيجاء

أخطأ وأوهم غيره من اعتقد أن الغرب المتصهين سيسمح للشام بأن تنعتق من هيمنته السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأن تمضي في إقامة نهضة إسلامية رائدة، تلتحم بها مصر المقررة في تاريخ الأمة. 

فالمسألة بالنسبة إلى المشاريع الكبرى التي تحيط بالمنطقة ليست مجرد انتقال سياسي في سورية، وإنما تتصل بمآلات نهضتها واستقلال قرارها وقدرتها على بناء نموذج يعبّر عن هوية الأمة وسيادتها ومصالحها، وهو النموذج الذي تنتظره شعوب الأمة.

لم يكد شهر العسل بين الإدارة الأمريكية الترامبية والحكومة السورية الجولانية يبدأ حتى أخذ صفوه يتعكر، نتيجة لما أنتجته الثورة الشام المباركة من خيرية واسعة، جمعت العلماء الأبرار والمجاهدين الأحرار، وقد أسهمت هذه الخيرية المتجذرة في أهل الشام الكرام في عدم انجرار الحكومة السورية الانتقالية بالكامل إلى الوجهة التي أرادها المهندس الأمريكي للمنطقة، الأمر الذي جعل العلاقة أمام اختبار وتنغيص متكرر.

ولم يكن أمام الحكومة السورية في هذا السياق سوى مسارين: فإما أن تنقاد للسياسة الأمريكية انقيادًا كاملًا، فتتحول إلى فريسة سهلة تُبتلع، وإما أن تتوقف، وتتعامل بحكمة ورشد، مستندة إلى الانتماء لهذا الدين، ومنحازة إلى مصالح الشعب والأمة. 

وهذه المعادلة لم تنشأ من فراغ، وإنما فرضها حضور علماء الشام الكرام، وثوارها الأحرار، وشعبها الأصيل، والأوفياء الفاعلين في منظومة الحكم الحالية بعد التحرير.

ولا شك أن الإدارة الأمريكية تريد من الحكومة السورية أن تكون مرحلة انتقالية تقود في نهايتها إلى واقع تغريب وعلمنة سقيم. 

بينما يريد أهل الشام الكرام، ومؤيدوهم من مجاميع الأمة، أن تكون الحكومة السورية حالة انتقالية بالمعنى الحقيقي؛ أي أن تنقل الشام إلى وضع أفضل ومرحلة أكثر تقدمًا، تتجاوز مجرد البحث عن العلف إلى بناء إرادة سياسية مستقلة، تعبّر عن ثقافة الأمة ومصالحها، وتدفع عنها المضار، انطلاقًا من قراءة عربية وإسلامية، لا من منظور غربي بروتستانتي صهيوني.

ومن هنا، فإن من يظن أن الحكومة السورية، سواء أكانت انتقالية أم دائمة أم حتى ملكية، هي وحدها التي ستتحمل نتائج خياراتها، فهو مخطئ. 

فالشعب هو الذي يتحمل هذه النتائج ابتداءً، وسيظل يتحملها لاحقًا؛ إذ إن خيارات الدولة ستقوده إما نحو الياسمين، وإما إلى حقول الأشواك المرهقة والمدمرة.

ومهما استبد السلطان بالرؤية والقرار، فإن أحدًا لا يستطيع أن يستعبد شعبه ما دام هذا الشعب حرًا، ذا إرادة صادقة وسعي جاد. 

ولذلك فإن المسؤولية لا يمكن أن تبقى محصورة في الحكومة وحدها، بل يجب أن تتحملها عموم الشرائح الشعبية، والنخب المنتمية، والعلماء الربانيون، الذين يتصفون بشجاعة الموقف في زمن الجبن، ويدركون أن السكوت عن القضايا الكبرى لا يعفي صاحبه من نتائجها.

إن سورية تقترب، يومًا بعد يوم، من مفترق حاد؛ فإما أن تتجه نحو الصراط المستقيم ولا تحيد عنه، وإما أن تتشظى في اتجاهات متعددة تزيد من عذاباتها، ولا تنجيها.

ولعل حال دول الخليج العربي اليوم يمثل حجة واضحة على أولئك الذين لا يملكون تجربة سياسية كافية، إذ يرى العالم بأم عينيه أن إقليم الخليج العربي لم ينجُ من الشرور والسوء والمستقبل المجهول، رغم انقياده للغرب واستخذائه أمام الإدارات الأمريكية.

ومن هنا أعود وأؤكد: على الحكومة السورية اليوم أن تخرج من عقدة اللون الواحد إلى عقيدة المشاركة الواسعة. 

فالفسيفساء التي تشكلت في الوزارات ومجلس الشعب لا تعكس، في صورتها الحالية، حقيقة المشاركة؛ لأن ظاهر المشاركة قد يخالف جوهرها. 

أما المشاركة الحقيقية فهي التي تتلاقح فيها أفكار المنتمين من خارج الأطر الحزبية، وتتشارك العقول في بناء التصور، والمواقف في صناعة القرار، والرؤى في تحديد الاتجاه.

وإن ما يتوفر على أرض الشام من خامات وقامات بشرية وعلمائية ومجتمعية يكفي، بإذن الله ووفق سنن الله، لتجاوز حقبة الصعوبات الحالية. 

فهذه الصعوبات لن تخرج عن سنن الله في التدافع بين القوى، وهو تدافع سيثمر تحجيمًا للفساد، وحفاظًا على بيوت الله، وإقامة للصلوات، وعمرانًا للأرض، متى أحسن أهل الشام التعامل معه، وأدركوا مسؤوليتهم في هذه المرحلة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: 

هل تسهم الضربات الإسرائيلية المتعاقبة على سورية في دفع أصحاب الشهوات ومصالح ما بين الصرة والركبة إلى مراجعة الرؤية، وشد الحزام من جديد، واستعادة الشعور بالمسؤولية، وتحقيق اللحمة الوطنية على أرضية إسلامية تدرك حقيقة وزن وتأثير الأمة حين تقف خلف سورية ومع قادتها؟

أم ستبقى النظرة إلى مواجهة الصعاب محصورة في حدود ما تراه الأعين عند القدمين، غافلة عن وزنٍ من النوع الثقيل يحيط بسورية، ويرجّح كفة الميزان، وينتظر ريادتها، ولكن في الاتجاه الثابت والصحيح على الصراط المستقيم؛ بعيدًا عن الغش والتجميل والأوهام؟

مضر أبو الهيجاء، بلاد الشام المباركة 1/10/2026

ما الذي يربط الطائرة بتاريخ اليهود في جزيرة العرب؟

 ما الذي يربط الطائرة بتاريخ اليهود في جزيرة العرب؟

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com


شاهدنا كما شاهد العالم طائرة «فلاي دبي» التي هبطت اضطراريًّا في تبوك، وعلى متنها ركاب إسرائيليون، فاستوقفني اسم المكان قبل تفاصيل الحادث، فتبوك التي يعود إليها التاريخ كلَّما حاول الحاضر أن يفسِّر أحداثه في أكثر من منحى جغرافي في قراءة التواجد اليهودي القديم في جزيرة العرب وخصوصا شمالها.

ومن تبوك يأخذني التأمل في شمال الحجاز في صدر الإسلام، أعني إلى خيبر وقرى شمال الحجاز، حيث كانت العلاقة بين النبي ﷺ والجماعات اليهودية مليئة بالأحداث فمنها الصراع العسكري، ومنها العهود والصلح المؤقت وممارسات ما قبل الحرب وتسويات ما بعد المواجهة، فكانت المنطقة العربية ذات شأنٍ استراتيجي في ذاكرة اليهود، وتقع على طرق القوافل من الشام الى الحجاز، وتضم واحاتٍ ومراكز زراعية وحصونًا، وكان على الدولة الناشئة الاسلامية أن تبني أمنها وتحمي طرقها وتحدِّد علاقتها بالقوى المحيطة بها.

وعجيبٌ ما تكشفه أخبار تلك المرحلة من تكرار التوتر ونقض العهود بين النبي ﷺ وبعض جماعات اليهود في الجزيرة، فالعلاقة بدأت في المدينة بعهدٍ ينظّم الحقوق والواجبات، ويفتح باب التعايش بين مكوِّنات المجتمع العربي المسلم ومعهم اليهود في المدينة، لكن سرعان ما واجهت الدولة الناشئة أزماتٍ متتابعة، انتهت في كلِّ مرةٍ بإجراءٍ يناسب الواقعة والجماعة المعنية.

فبعد بدر، وقع الخلاف مع يهود بني قينقاع وانتهى بإجلائهم، ثمَّ جاءت أزمة يهود بني النضير، التي اتهمتهم الروايات بمحاولة قتل 
النبي ﷺ، فأُخرجوا من المدينة، وبعد ذلك، وفي أثناء غزوة الخندق، كان موقف يهود بني قريظة يمثل نقضًا للعهد في لحظةٍ كانت فيها المدينة تواجه حصارًا وخطرًا وجوديًّا أمام قريش، فالإسلام الذي دعا الى التعايش مع اليهود في الحجاز لم يقابله اليهود الا بالنكران والجحود والمؤامرات.

ثمَّ امتدَّ المشهد إلى شمال الحجاز، حيث كانت خيبر وواحاتها ذات أهمية زراعية واستراتيجية. وبعد فتحها، لم يُخرج 
النبي ﷺ سكانها اليهود فورًا، بل أُبقوا يعملون في الأرض على جزءٍ من غلتها، بينما اختلفت الترتيبات في وادي القرى وتيماء. 
وفي المقابل، أُبرمت عهود أمان وصلح مع جماعات يهودية في بعض قرى شمال الجزيرة العربية، وشملت حماية الأنفس والأموال وتنظيم الالتزامات، وهكذا لم تكن السياسة النبوية قرارًا واحدًا تجاه يهود ذلك الزمان، بل تفاوتت بين المواجهة والصلح، وفق الوقائع والعهود وموقف كل جماعة يهودية.

أمَّا الإجلاء الأوسع لليهود من الحجاز، فقد وقع في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد وفاة 
النبي ﷺ، استنادًا إلى ما سمعه منه في شأن إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.

تعز بين الحصار والصمود

تعز بين الحصار والصمود
 . حسن الرشيدي

لماذا تصعّد جماعة الحوثي هجماتها على تعز، وما الذي يجعل المدينة عصية على السقوط رغم الحصار والقصف وتفاوت الإمكانات؟ وهل يستطيع صمود أبنائها إفشال مخطط إخضاعها وتغيير مسار المعركة خلال المرحلة المقبلة؟

منذ الأول من أكتوبر يوم الخميس الماضي، تواجه مدينة تعز اليمنية هجومًا شرسًا ومتواصلا من جانب قوات الحوثي، يستخدمون فيه الطائرات المسيرة والقصف المدفعي بغرض إسقاط المدينة وإخضاعها لحكم تلك الميليشيا، حيث يأتي الهجوم عليها من خلال ثلاثة محاور: الشرقي والغربي والجنوبي.

وفق بعض المراقبين، فقد بلغت الهجمات التي شنها الحوثي أكثر من خمسين هجوما في محاولة مستميتة في أيام قليلة، مما يعكس الرغبة الشديدة لدى الحوثي لاحتلال المدينة.

وحتى الآن، لا يوجد مؤشر واضح حول استسلام المدينة أو قرب اندحار مقاومتها.

وهنا تبرز عدة أسئلة:

ما هو السبب الذي يدفع الحوثي لتكثيف هجومه المركز على تلك المدينة؟

ما هي طبيعة الهجمات الحوثية وكيف واجهته المقاومة؟ وإلى أين تتجه هذه المعركة؟

تعز الموقع والأهمية


لكي ندرك دوافع الحوثي لهذا الهجوم الشرس على

 تعز لابد من دراسة الجغرافيا الاستراتيجية لتلك

 المدينة.

تكتسب مدينة تعز أهمية بالغة واستثنائية نظرًا لعدة

 عوامل جغرافية، وسكانية، وعسكرية:

* موقع استراتيجي في منتصف الصراع: تربط تعز

 جغرافياً بين مناطق الشمال الخاضعة للحوثيين وبين

 الجنوب الذي تسيطر عليه القوات الحكومية.

* القرب من الممرات المائية الحيوية: تمتد المحافظة

 غرباً نحو ساحل البحر الأحمر لتضم مناطق مثل

 المخا وذباب القريبة من باب المندب، أحد أهم

 الممرات البحرية في العالم بين آسيا وأوروبا.

* ثقل سكاني وإنساني: تُعد مدينة تعز واحدة من أكبر

 المراكز السكانية في اليمن، وتستضيف أعداداً كبيرة

 من النازحين.

* رمزية سياسية وعسكرية: تحولت المدينة منذ

 سنوات الحرب إلى رمز للمعسكر المناهض

 للحوثيين، وتعتبر السيطرة عليها أو الضغط عليها

 بمثابة ضغط على ميزان القوى في اليمن كله وعلى

 خطوط الإمداد والطرق الرئيسية.

فمحافظة تعز هي الوحيدة في اليمن التي تجمع أربعة

 أنواع جغرافيا في محافظة واحدة: فهناك الجبال

 الشاهقة، فجبال تعز تزيد من أهميتها الاستراتيجية

 من خلال إشرافها وتحكمها في الممرات المؤدية إلى

 لحج والضالع والساحل الغربي وميناء المخا؛ لذلك

 تمثل هذه الجبال مواقع حاسمة للمراقبة والدفاع

 والقصف، وتجعل السيطرة على تعز أكثر صعوبة

 وكلفة.

ولكن محافظة تعز لا تحتوي على جبال شاهقة فقط،

 بل هناك ساحل مفتوح، في المخا وذوباب وباب

 المندب، وهناك صحراء ووديان في مقبنة

 والوازعية، وأيضًا تحتوي على غابة كثيفة في

 الأغبرة وامتداد كهبوب الى باب المندب. هذا التنوع

 الجغرافي لا يوجد في أي محافظة يمنية.

الهجوم الحوثي

أولا، من حيث جبهات الهجوم أو محاوره


بدأ الهجوم بشن عمليات متزامنة ومكثفة عبر ثلاثة محاور رئيسية بهدف تشتيت دفاعات المدينة ومنع دعم الجبهات لبعضها البعض:

* المحور الغربي (محور الشريان الحيوي): الهدف الرئيس هنا هو قطع المنفذ الوحيد للإغاثة والإمداد عن المدينة وتطويقها بالكامل.

* المحور الشرقي (محور المركز والتحصينات): يُستخدم للضغط على وسط المدينة وإشغال القوات المدافعة عن دعم الجبهات الأخرى.

* المحور الجنوبي والجنوبي الغربي: يهدف للالتفاف على أحياء تعز من الخلف ومحاصرة القواعد المتقدمة.

ثانيا، حجم القوات وتقسيمها


تُقدَّر عناصر رأس الحربة والموجات الهجومية الأولى القوات الحوثية المشاركة في الاقتحام المباشر بـ 3,000 إلى 5,000 مقاتل، تدعمهم حشود وإسناد مدفعي ولوجستي يتجاوز ذلك بكثير من المواقع الخلفية.
وتعتمد تكتيكات الهجوم بشكل رئيسي على تكتيك الموجات القتالية المتتابعة:
 

 تُصنف المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر، مما يفرض كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك الحصار الشامل. 


فهناك قوات الصف الأول: وتضم مجندين جُدداً وعناصر أقل خبرة، ويتم الدفع بهم في الموجات الأولى بهدف الاستطلاع، وكشف مواقع القناصة ودشم المقاومة، واستهلاك ذخيرة المدافعين، وتشكيل غطاء بشري يضغط على خطوط الدفاع.

ثم تجيء قوات النخبة (ويُطلق عليها كتائب التدخل السريع أو المغاوير)، وتضم عناصر مدربة تدريباً عالياً على حرب العصابات والتسلل الجبلي ومهارات الاقتحام المباشر، وتتلخص مهمتها في التحرك في الموجة الثانية أو الثالثة بعد إنهاك المدافعين، لاستغلال الثغرات التي أحدثها التمهيد الناري، وتنفيذ عمليات الالتفاف والسيطرة على التباب الحاكمة.

ثالثا، المعدات والأسلحة المستخدمة


اعتمد الهجوم الحوثي على المزيج بين الأسلحة الثقيلة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة: فقد تم الدفع بالطائرات المسيرة لغرضين: استطلاع وتحديد أهداف بدقة عالية، وكطائرات انتحارية (مذخّرة) لاستهداف غرف العمليات الميدانية، ومواقع القناصة، والتجمعات خلف خطوط التماس.

رابعا، الخطة العسكرية والتكتيكات الميدانية


تتلخص الخطة العسكرية الحوثية في هذا الهجوم

 المكثف عبر عدة تكتيكات:

* الصدمة والترويع الناري: البدء بتمهيد ناري مكثف

 وسريع باستخدام المدفعية والمسيّرات لإرباك خطوط

 الدفاع الأولى.

* التسلل الليلي: استغلال الطبيعة الجغرافية الوعرة

 والوديان للتسلل خلف مواقع المقاومة وتطويق التباب

 الحاكمة قبل العلن عن الهجوم الرئيسي.

* تكتيك الخنق والقطع: التركيز العسكري الأكبر لا

 يستهدف دخول أحياء تعز المكتظة فوراً (لأن تكلفة

 حرب المدن مرتفعة)، بل التركيز على إسقاط التلال

 التي تطل على طريق الضباب لقطع شريان الإمداد

 كلياً لإجبار المدينة على الاستسلام تحت وطأة

 الحصار الشامل.

القوات المدافعة عن تعز


يمكن تصنيف القوات المدافعة عن تعز إلى ثلاثة أنواع: المقاومة الشعبية، وقوات الجيش اليمني الأساسية، والفرق التي أنشأتها الحكومة الشرعية مؤخرا.

أولا، المقاومة الشعبية


تشير مراكز الأبحاث الغربية إلى المقاومة الشعبية في تعز بوصفها شبكات الدفاع المحلي والتجنيد الأهلي، حيث شكلت مع بدايات الاجتياح عام 2015 كتأسيس تلقائي مدني ومجتمعي لحماية المدينة.

لم يقتصر دور المقاومة الشعبية في تعز على الدعم الإسنادي، بل كانت وما زالت تشكل رأس الحربة والخط الدفاعي الأول الذي يتصدى للموجات الهجومية الحوثية في أشرس خطوط التماس، حيث يباشر أبناء تعز ومقاومتها القتال المباشر في الصفوف الأولى على المرتفعات والتباب الحاكمة، متسلحين بمعرفتهم الجغرافية لصد الاقتحامات، بينما تتولى ألوية محور تعز العسكري التابعة للجيش اليمني التغطية النارية والتنظيم التكتيكي لخطوط المعركة.

وتضم تلك المقاومة في صفوفها أبناء الأحياء من شباب الجامعات والقبائل المحيطة والمجتمع المحلي، إلى جانب مجندين وضباط انحازوا لمدينتهم.

ويبرز اسم الشيخ حمود سعيد المخلافي كشخصية قيادية مؤسسة للمجلس الأعلى للمقاومة الشعبية، حيث تُصنفه التقارير الدولية كعنصر حشد وتأثير اجتماعي وقبلي واسع النطاق يُمول ويُنظم خطوط الإسناد الأولى للقتال.

ثانيا، الهيكل العسكري الرسمي


​تُدار القوة الدفاعية التنظيمية من قبل الحكومة

 الشرعية في اليمن بواسطة المنطقة العسكرية

 الرابعة، بقيادة اللواء الركن خالد فاضل.

 وتوزع المهام العسكرية بناءً على خطوط التماس

 كالتالي:

​اللواء 22 ميكانيكي، يتولى حماية القطاع الشرقي

 وأحياء وسط المدينة، واللواء 17 مشاة، ينشط في

 تأمين المحور الغربي والشمالي الغربي، واللواء 35

 مدرع، يغطي القطاع الجنوبي والشرقي وفي مناطق

 الريف المفتوح، واللواء 145 مشاة وحدات الدفاع

 الجوي، تعمل كقوات إسناد سريع وتغطية نارية

 لتثبيت نقاط التماس المتقدمة.


ثالثا، القوات المساعدة والحديثة


على خلاف ما يُروَّج له إعلامياً، أثبتت واقعية الميدان غياب الدعم الفعلي من التشكيلات العسكرية الحديثة؛ فقوات العمالقة ذات الخلفية السلفية المدخلية تنحصر في مناطق الشريط الساحلي وتحكمها حسابات عقائدية وسياسية تمنعها من الانخراط في معارك تعز الداخلية. أما المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، فقد انحسر دورها كلياً وتضاعفت الشكوك حول فاعليتها عقب الانسحابات والتراجعات التي شهدتها مناطق الساحل والمخا، مما ترك الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بتعز في مواجهة منفردة ومستمرة ضد الآلة العسكرية الحوثية.

وفي إطار إعادة ترتيب أوراق الميدان، برز دور

 تشكيلات عسكرية وأمنية مستجدة؛ حيث تشكل قوات

 درع الوطن حائط صد استراتيجي في المحاور

 الجنوبية والشرائط الجبلية المتاخمة لتعز (في لحج

 والصبيحة) لضمان تأمين منافذ الإمداد ومنع أي

 تطويق خلفي للمدينة. وعلى خطوط التماس

 المباشرة، تلعب قوات الطوارئ والتدخل السريع دور

 القوة الضاربة لمواجهة تسللات الحوثي؛ إذ تُسند

 إليها مهام الاستجابة السريعة لاستعادة التباب

 الحاكمة، وحرب العصابات داخل الأحياء المفتوحة،

 وتطهير البؤر النارية لتثبيت نقاط الصمود الأولية،

 ولكن تلك القوتين لا يكاد يشعر يهما المدافعون عن تعز.

الشعور بالخذلان


يمكن تحليل حالة الاحتقان وشعور الخذلان لدى

 الشارع المدافع عن تعز عبر أربعة أسباب هيكلية:

١- فجوة التسليح النوعي


تشير التقارير إلى أن المقاومة والجيش يقاتلان بأسلحة تقليدية خفيفة ومتوسطة، في مواجهة هجمات حوثية مكثفة تستخدم الطائرات المسيرة الانتحارية والمدفعية الثقيلة وسلاح القنص الحراري.

٢- الحصار الإنساني والاقتصادي المستمر


تُصنف المنظمات الدولية تعز كأكبر منطقة حضرية تخضع لحالة خنق وتطويق بري مستمر، مما يفرض كلفة إنسانية باهظة دون وجود تحرك عسكري دولي أو حكومي حاسم لفك الحصار الشامل.

٣- تذبذب الدعم اللوجستي

يعاني المرابطون في الجبهات من عدم في وصول

 إمدادات الطعام والمواد الطبية والميزانيات التشغيلية

 اللازمة لإدارة المعارك طويلة المدى بشكل منتظم. 

٤- التجاذبات السياسية والحسابات الحزبية


يرى البعض أن الانقسامات الداخلية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بالإضافة إلى تحفظات إقليمية حول القيادات الشعبية في تعز، أدت إلى تهميش جبهة تعز وحرمانها من عملية تحرير شاملة ومكتملة الأركان.

مستقبل تعز

تبدو معركة تعز متجهة إلى جولة طويلة من

 الاستنزاف، لا إلى حسم سريع. فالحوثيون يملكون

 القدرة على فتح جبهات متعددة واستخدام القصف

 والطائرات المسيّرة للضغط على المدينة وطرقها،

 لكن السيطرة على مركز حضري محاط بالمرتفعات

 ومسنود بمقاومة محلية تظل عملية عالية الكلفة. لذلك

 يرجح أن يتوقف المسار المقبل على قدرة القوات

 المدافعة على الحفاظ على طرق الإمداد، وعلى مدى

 حصولها على دعم عسكري وسياسي منتظم. 


وحتى الآن، يظل صمود تعز قائمًا، لكن استمراره يرتبط بتحويل هذا الصمود من موقف دفاعي طويل إلى استراتيجية قادرة على منع الحصار واستعادة
المبادرة.


أهل تعز صمدوا سنينا تحت الحصار والنار، والحوثي

 حاول أن يكسر المدينة فما انكسرت.

تعز دفعت الثمن غاليا، وأهلها ما زالوا يرفضون


 يسلّمون مدينتهم رغم الخذلان والتآمر.




متى بدأ مشاهير التحامق ..!؟

متى بدأ مشاهير التحامق ..!؟

#ناصية

حين تصفّحت بعض كتب التراث - وبالذات كتابي "عقلاء المجانين" للنيسابوري، و"أخبار الحمقى والمغفّلين" لابن الجوزي - وجدت أنّ البعض يهرب من العقل والحكمة ويتجه إلى الحماقة والحمق ويمتهن

"التحامق".. لذلك اخترعت اسم #مشاهير_التحامق !

و تحت هذا الوسم "الهاشتاق" سأكتب بعض القصص عن "مشاهير التحامق" التي وردت في كتب التراث، وكيف أنّ بعض مشاهير "مواقع التواصل" يسيرون على نفس منهج مشاهير التحامق في كتب 📕 التراث!

يُقال أنّ "النعمان بن المنذر" كان يستخدم المضحكين، وعلى رأسهم "سعد القرقرة" لإضحاكه؛ وقد عُدّ في المستأكلين -طالبي الأكل- والمتطفّلين؛ أي من أهل "السلتحة"..

وقد استعان السادة والأشراف بالمضحكين أيضاً ليقصوا لهم القَصَص المضحك..

أما "القرقرة" فهي الضحك العميق؛ وقد لُقّب بها سعد "صانع الهزل" للنعمان بن المنذر ملك الحيرة.

والتحامق مهنة امتهنها البعض وهي مهنة قديمة ولها أسباب كثيرة سأذكرها في نواصٍ قادمة.

وهي مهنة اختيارية، وفي ذلك يقول الأحنف العكبري:

إذا كان الزمان زمان حمقى..

فإن العقل حرمان وشوم

فكن حمقا من الحمقى فإنّي..

أرى الدنيا بساحتهم تدوم!

وفي العصر العباسي أصبحت "مهنة التحامق" مهنة منظّمة ولها نقابة تُسمى "إمارة تنظيم الحمقى"، لأنّ التحامق يحتاج إلى تنظيم فهو يجلب لصاحبه

"الخيرات" مثل البغال والعبيد!

وقد وثّق سيرة هذا التنظيم الشاعر أبو العِجْل، الذي كان أمير تنظيم الحمقى حيث يقول:

أيَا عاذلي في الحمقِ دعني من العَذْلِ..

فإني رخيُّ البالِ من كثرةِ الشُّغلِ

فأصبحتُ في الحمقى أميراً مُؤمَّراً..

وما أحدٌ في الناس يمكنُه عزلِي

أما الشاعر الوطواط يقول مبيّناً سلبيات العقل ومادحاً فوائد الحمق:

لقد تعاقَلْتُ دهراً لا أرى فرَجا..

ومُذْ تحامَقتُ صارَ الناسُ يُدْنُونِي

#قاله_العرفج


أحمد العرفج
مشاهير التحامق
كتب التراث
عقلاء المجانين
أخبار الحمقى والمغفلين
العصر العباسي
سعد القرقرة