‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسن الرشيدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسن الرشيدي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 10 أغسطس 2026

تسليم سلاح حماس: مناورة أم استسلام!!

 تسليم سلاح حماس: مناورة أم استسلام!!


 

هل يعني تسليم سلاح حماس نهاية المقاومة أم بداية مرحلة جديدة من الصراع؟ خلف هذا السؤال تختبئ لعبة سياسية وعسكرية معقدة، تتقاطع فيها حسابات البقاء مع شروط الهدنة.


"وحتى لو تخلّت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدّة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع"

هذا ما ختم به الكاتب الصهيوني الشهير عاموس هرئيل مقاله في صحيفة هآرتس.

وأضاف هرئيل: "إن أوهام اليمين، بشأن الهزيمة الكاملة لحماس، وطرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وإقامة مستوطنة جديدة مكانها بعيدة كل البعد عن التحقق. وحتى لو تخلت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع".

يأتي هذا المقال في خضم مرحلة خطيرة وحاسمة تمر بها القضية الفلسطينية، في أعقاب الهدنة المؤقتة التي يمر بها قطاع غزة في منذ بداية طوفان الأقصى، والتي مارس فيها الصهاينة حملة إبادة جماعية ضد أهالي القطاع، في محاولة لتهجيرهم من القطاع وعودة المستوطنات اليهودية مرة أخرى.

وعلى الرغم من تراجع أعداد الشهداء من الفلسطينيين بعد الهدنة أو ما يعرف بخطة ترامب لغزة، ولكن لا تزال حملة الصهاينة مستمرة ولم تتوقف، سواء في تصفية قادة المقاومة وأسرهم أم في هدم المنازل وتسويتها بالأرض.

ولكن الأهم والأخطر في هذه المرحلة، هو الوصول إلى لحظة تنفيذ استحقاق وافقت عليه المقاومة من بين شروط الهدنة، وهو تسليم سلاحها.

بينما شرعت جهات عديدة في انتقاد المقاومة لنيتها في تسليم سلاحها، دافع الكثير عن موقف المقاومة، وطلبوا من الجميع أن يتريثوا في الحكم على المقاومة بالتخاذل والاستسلام وأن الأمر مخالف لما يعتقدون.

فما حقيقة موقف فصائل المقاومة في غزة، من قضية تسليم سلاحها.

وما سبيلنا لفهم وإدراك موقف المقاومة الحقيقي؟

لفهم حقيقة موقف فصائل المقاومة من قضية تسليم السلاح، وما إذا كان ذلك يُعد مناورة أم استسلاماً، يجب تحليل المشهد من زوايا سياسية وعسكرية استراتيجية، بعيداً عن العاطفة أو الأحكام المتسرعة.

 

 يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة.

فالهدنة الحالية ليست مجرد وقف لإطلاق النار؛ بل هي مسرح لإعادة رسم خريطة القوى. والمقاومة التي تسلّم سلاحها دون ضمانات حقيقية تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ، والتي تتمسك به دون حساب للتكلفة قد تخسر القدرة على الاستمرار. لذلك، السؤال الحقيقي ليس هل ستسلم المقاومة السلاح؟ بل ما هي شروط وآليات أي ترتيب مستقبلي للسلاح؟ وهذا يحتاج بالضبط إلى إطار علمي لفهم ما يحدث.

طريق للفهم

هناك ثلاث خطوات نحاول تتبعها لكي تعيننا على فهم ما يحدث:

1 تحديد الفاعلين ومصالحهم الكبرى واستراتيجياتهم.

2    تحليل اللعبة ثنائية المستوى.

3  تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين.

ولنبدأ في شرح كل خطوة من هذه الخطوات:

الخطوة الاولى: الأطراف الفاعلة بين الأهداف والاستراتيجيات

تحديد الفاعلين الأساسيين وأهدافهم الوجودية والاستراتيجية يمثل حجر الزاوية لبدء التطبيق العملي للخطوة الأولى في التحليل:

1. المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)

 يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة.

ولذلك جاءت الاستراتيجية بإدارة كلفة الحرب عبر إبداء مرونة تكتيكية (قد تشمل السلاح الظاهر) مقابل حماية الحاضنة الشعبية، وتثبيت النفوذ السياسي والاجتماعي كفاعل رئيسي لا يمكن إزاحته من معادلة اليوم التالي.

2. المستوى السياسي والأمني الصهيوني

يصر الائتلاف الحكومي واليمين في أهدافه الكبرى، على تحقيق صورة الهزيمة الكاملة، والحفاظ على التماسك السياسي الداخلي، وتوسيع المساحة العازلة داخل القطاع.

 

تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي

ولذلك فإن استراتيجية المؤسسة الأمنية والعسكرية لدولة الكيان تتبلور حول تحييد التهديدات الهجومية، وتفكيك القوة الصلبة للمقاومة، مع الاستفادة من التهدئة لاستعادة الردع دون التورط المباشر في إدارة الحياة المدنية اليومية للسكان.

3. الوسطاء والفاعلون الإقليميون (مصر، قطر وتركيا)

 يتمثل الهدف الأمني، لمصر في منع التدفق السكاني القسري نحو الحدود، (الخط الأحمر المصري بشأن سيناء)، وفي نفس الوقت فإن الاحتفاظ بالمقاومة يعد الورقة الوحيدة في جعبة مصر لدور إقليمي متراجع.

بينما هدف قطر يتمحور حول الاحتفاظ بورقة المقاومة لضمان موقعا استراتيجيا في قلب المعادلات الدولية، ويحول دون تفرد خصومها الإقليميين بفرض سياسات تهمش دورها السيادي.

ويتلخص هدف القيادة التركية، في أن جزء من استقرار بنيتها الحاكمة وشرعيتها السياسية مبني على تمثيل الفضاء الإقليمي الإسلامي، فتفكيك المقاومة بالكامل يُقرأ داخلياً وخارجياً كهزيمة للمشروع الإقليمي التركي وكسر لتوازن القوى لصالح إسرائيل.

لهذه الأسباب قامت استراتيجيات الدول الثلاث الوسيطة على تثبيت الهدنة، وقيادة جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، والحفاظ على موقع الوسيط النافذ والمقبول من جميع الأطراف، والضغط على الوسيط الأمريكي لكي يقوم بدوره بإلزام الصهاينة بتطبيق الخطة، وفي نفس الوقت ترشيد استجابة المقاومة في تعاملها السياسي.

4. الطرف الدولي الضامن (الإدارة الأمريكية)

تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي، بتجنب التورط العسكري المباشر في حرب إقليمية واسعة تُعطل تفرغها لمواجهة الصين وروسيا.

لذلك جاءت الاستراتيجية الأمريكية لتحاول إيجاد صيغة حوكمة جديدة لقطاع غزة؛ تضمن الأمن للكيان، وتدمج أطرافاً عربية ودولية في إدارة المرحلة الانتقالية، مع الحد من الأعباء الدبلوماسية والتنفيذية للنزاع.

والخلاصة: دولة الكيان تهدف إلى تحويل خطة ترامب إلى تصفية سياسية وعسكرية كاملة للمقاومة، بينما تسعى المقاومة لتحويله إلى مجرد مناورة تنفذ انحناءً مرحلياً يحفظ الذات والنفوذ.

الخطوة الثانية: تحليل اللعبة ثنائية المستوى

يعتمد تحليل اللعبة ثنائية المستوى على المفهوم الذي طوره عالم السياسة روبرت بوتنام، على أن أي مفاوض أو صانع قرار يخوض معركة على جبهتين متزامنتين:

المستوى الأول (الخارجي الدولي)، حيث طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية للتوصل إلى صفقة أو اتفاق.

المستوى الثاني (الداخلي المحلي)، حين تتركز القدرة على تمرير هذا الاتفاق وإقناع الجبهة الداخلية (القواعد الشعبية، الأجنحة العسكرية، والائتلافات السياسية) بقبوله دون السقوط أو فقدان الشرعية.

لتطبيق هذه الخطوة على ملف تسليم السلاح وضوابط الهدنة في غزة، بالنسبة للمقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل) نجد الآتي:

1. الضغوط والالتزامات على المستوى الخارجي:

تتعرض قيادة الحركة لضغوط مكثفة من الوسطاء الإقليميين (مصر، قطر، تركيا) والضامنين الدوليين للتعاطي المرن مع شروط الهدنة، وصيغ إدارة قطاع غزة، بما في ذلك تقديم تنازلات إجرائية حول الترسانة العسكرية، والقبول بإدارة مدنية لتفادي الاستئصال وإيقاف نزيف الحاضنة الشعبية.

ولذلك تحاول حماس إظهار مرونة تفاوضية، لمنع التحلل من التزامات الهدنة الدولية وكسب الوقت لإعادة الإعمار والالتقاط الأنفاس.

2. القيود والخطوط الحمراء على المستوى الداخلي:

تتمثل الجبهة الداخلية للحركة في الجناح العسكري (كتائب القسام)، والقواعد التنظيمية الصلبة، والحاضنة الشعبية التي دفعت أثماناً باهظة.

فتسليم السلاح المادي بشكل مهين، أو دون مقابل سياسي ملموس (مثل مسار موثوق لإنهاء الاحتلال ودولة فلسطينية)، يُعد انتحاراً سياسياً وإستراتيجياً، وسيُقرأ داخل الحركة كاستسلام يفكك بنيتها ويُفقدها مشروعيتها الوجودية.

3. منطقة التوافق الممكنة لدى المقاومة:

هذه المنطقة تتبلور في نظر المقاومة، في الموافقة على صيغ تكتيكية بالمستوى الأول (مثل: تجميد السلاح الظاهر، أو تحويل إدارة بعض المظاهر الأمنية لهيئة توافق وطني) شريطة ألا يمس ذلك البنية الكامنة للمقاومة، لضمان تسويقها في المستوى الثاني كانحناءة مرحلية لحماية الشعب، وليس كتجريد تام من القوة.

الخلاصة: القضية ليست مجرد نص يُوقع، بل مدى قدرة كل طرف على صياغة جمل تسمح للمقاومة بالحفاظ على بنيتها الثلاثية (المستوى الثاني)، بينما تمنح الوسطاء والخصم نصاً يستجيب لمتطلبات الهدنة (المستوى الأول).

الخطوة الثالثة: تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين

يستند تقدير توازن الإنهاك، إلى مفهوم في علم السياسة يطلق عليه "الجمود المؤلم المتبادل"؛ وهو اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن كلفة استمرار القتال المباشر باتت تتجاوز أي مكاسب استراتيجية متوقعة.

ففي جانب المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)، تتنوع مؤشرات الإنهاك، وحجم النزيف:

فهناك الإنهاك المجتمعي، مثل الضغط الهائل الناتج عن الكلفة البشرية غير المسبوقة للحاضنة الشعبية، والتدمير الشامل للبنية التحتية، وخطر الانهيار المجتمعي والتهجير.

وهناك أيضا الإنهاك العسكري، من استنزاف جزء كبير من الترسانة الصلبة (خاصة الصاروخية والثقيلة)، وفقدان العديد من الكوادر والقيادات التنظيمية، وصعوبة خطوط الإمداد.

وهذان الانهاكان، أدى إلى أمرين:

الأمر الأول، أن كلفة استمرار القتال بالشكل الحالي، يعني المخاطرة بالفناء الكامل للحاضنة الشعبية، وتحقق مخطط التهجير القسري وتصفية الوجود التنظيمي.

والأمر الثاني، أن كلفة المرونة التفاوضية وبالذات التعاطي مع بند السلاح، يؤدي الى القبول بتنازلات مؤلمة لإيقاف الحرب، مقابل المكسب الأكبر وهو البقاء على الأرض، وحفظ النواة التنظيمية، وتجنب التصفية الوجودية.

أما في جانب الاحتلال الصهيوني، هناك أيضا مؤشرات إنهاك:

أولها الإنهاك العسكري والاقتصادي مثل تآكل قوات الاحتياط، واستنزاف الذخائر والمعدات، والكلفة المالية الباهظة للحرب الممتدة، والانكماش الاقتصادي.

وهناك أيضا الإنهاك السياسي والدبلوماسي، مثل اتساع العزلة الدولية، والملاحقات القانونية للقيادات، وتزايد الانقسام الداخلي الحاد، وفقدان الردع الشامل.

فباتت كلفة استمرار القتال، معناها التورط في حرب استنزاف وحروب عصابات طويلة المدى، دون القدرة على تحقيق حسم سياسي أو عسكري ناجز، وأظهر عجزا عن تحقيق هدف الهزيمة الكاملة لحماس، مما يُظهر حدود القوة الصهيونية، ويُهدد الاستقرار السياسي للحكومة.

الخلاصة: قضية تسليم السلاح في حسابات التكلفة ليست استسلاماً مجانياً، بل هي نتاج وصول الطرفين إلى نقطة تناقص العوائد الاستراتيجية من القتال المباشر؛ حيث تحاول المقاومة دفع أثر الإنهاك عن جمهورها عبر تنازل شكلي أو تكتيكي، بينما يحاول الاحتلال تسويق هذا التنازل للداخل كإنجاز يغطّي على عجزه عن إحراز هزيمة كاملة للمقاومة.

الخميس، 30 يوليو 2026

تفكيك العلمانية في تركيا

 تفكيك العلمانية في تركيا

هل تشهد تركيا نهاية قرن من الإرث الكمالي؟، حيث يجري في الداخل التركي معركة عنيفة صامتة لإعادة تشكيل هوية الدولة والمجتمع، عبر تفكيك البنية العلمانية بخطوات متدرجة لكنها في الوقت نفسه قومية وحاسمة.

منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في ديسمبر ٢٠٠٢، وهو يخطو الخطى نحو إعادة تموضع تركيا في العالم، واستعادة دورها القديم وماضيها العثماني، والذي ظل ما يقرب عدة قرون يتبوأ المكانة العالمية الكبرى.

صحيح أن الخطى بطيئة ولكنها على أية حال تتقدم، وكما يقول المثل الانجليزي بطيء ولكنه أكيد.

وسلك زعماء الحزب وعلى رأسهم رجب طيب اردوغان، طريقين للوصول إلى تلك الغاية: مسار خارجي وآخر داخلي.

في المسار الداخلي، والذي نحن بصدده، فقد تنوعت الاستراتيجيات التي رسمها الحزب في سبيل استعادة الدور العثماني لتركيا، وكان أبرزها: استراتيجية تفكيك العلمانية في المجتمع التركي على مختلف الأصعدة.

ولكي نفهم تلك الاستراتيجية ونقيم مساراتها، وامكانيات نجاحها، لابد لنا من معرفة تاريخ وجذور تغلغل العلمانية داخل تركيا، وكيف تمكنت من السيطرة على مفاصل الدولة التركية، ثم نعرج على محاولات تفكيكها ومواجهتها من قبل الأتراك الرافضين لذلك التوجه.

علمانية على النموذج الفرنسي!

من الناحية العلمية والسياسية، نجد أن العلمانية التركية لم تتبنَّ النموذج الأنجلوسكسوني، والذي يكتفي بوقوف الدولة على مسافة واحدة من الأديان، بل تبنت النموذج اليعقوبي الفرنسي والذي يطلق عليه مصطلح اللائكية، والذي يقوم على هندسة اجتماعية تهدف إلى إخضاع الدين لسيطرة الدولة وتهميشه في الفضاء العام.

وبتتبع جذور تلك العلمانية، نجد أنها قد نمت في تركيا مع مرحلة تاريخية عرفت باسم حقبة التنظيمات العثمانية، والتي بدأت من عام 1839 وامتدت إلى عام 1876، وجاءت كرد فعل على تراجع الإمبراطورية العثمانية أمام أوروبا، حين ظن سلاطين آل عثمان أنهم بحاجة للتحديث لتجنب الانهيار.

ومثلهم مثل بعض العرب في ذلك التوقيت، ظنوا أن التحديث لا يتطلب استيراد النظم العسكرية والمجالات المدنية المادية فقط، ولكن صاحبه استيراد أفكار الغرب.

فتم استيراد قوانين تجارية وجنائية أوروبية، وإنشاء المحاكم النظامية المدنية إلى جانب المحاكم الشرعية. كما تم تأسيس مدارس عسكرية وطبية وهندسية بخبرات ومناهج غربية، مما اوجد جيلاً جديداً من النخب العسكرية والمدنية التي لا تخضع لسلطة المؤسسة الدينية (العلماء).

وفي مرحلة ثانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تشبعت النخب العثمانية الشابة المبتعثة إلى أوروبا بالفلسفات الغربية، فقام المفكر التركي البارز ضياء كوك ألب بنقل أفكار إميل دوركايم مؤسس علم الاجتماع الغربي، وأسس لنظرية تفصل بين الثقافة التي يجب أن تكون قومية تركية، والحضارة التي يجب أن تكون أوروبية غربية، مقترحاً حصر الإسلام في المجال الروحي والشخصي فقط.

وبعدها انتقلت تركيا إلى المرحلة الثالثة وهي الأخطر، فيما عرف بالثورة الكمالية، والتي امتدت من عام 1923 إلى عام 1938.

فبعد تأسيس الجمهورية، استخدم مصطفى كمال أتاتورك سلطته والشرعية التي اكتسبها من حرب الاستقلال، لتنفيذ جراحة جذرية في بنية الدولة والمجتمع. وتوالت الإجراءات والتي أرست دعائم العلمانية.

 فكان إلغاء السلطنة عام 1922، ثم الخلافة في عام 1924.

 ثم أتبعه بقانون توحيد التعليم عام 1924، حيث جرى بموجبه إغلاق المدارس الدينية وتم احتكار التعليم تحت مظلة وزارة التربية العلمانية.

وعلى نفس المنوال، تم إلغاء المحاكم الشرعية ومجلة الأحكام العدلية، واستبدالها بالقانون المدني السويسري في عام 1926.

وفي عام ١٩٣٧، جرى النص رسمياً على العلمانية كأحد المبادئ الأساسية للدولة في الدستور.

وكانت الخطوة التنفيذية الأهم، هي وضع آليات للسيطرة على مفاصل الدولة، لكي تضمن النخبة الكمالية بقاء وتجذر هذه المفاهيم في مجتمع محب للإسلام بطبعه.

فقام النظام التركي الجديد ببناء شبكة معقدة من الآليات للسيطرة على مفاصل الدولة أهمها:

السيطرة على المجال الديني، وعلى رأسها رئاسة الشؤون الدينية.

فبدلاً من ترك الدين حراً، ألغت الجمهورية وزارة الأوقاف وأسست رئاسة الشؤون الدينية عام 1924، وأُلحقت هذه المؤسسة برئاسة الوزراء مباشرة، وبعدها أصبحت الحكومة هي التي توظف الأئمة، وتدفع رواتبهم، وتوحد خطب الجمعة. هذه الآلية تمنع ظهور أي مرجعية دينية مستقلة أو شبكات تمويل إسلامية خارج سيطرة وعين الدولة العلمانية.

وأعقب ذلك خطوة مهمة تمثلت في إغلاق الزوايا والتكايا الصوفية عام 1925، لتفكيك أي تجمعات دينية أهلية ذات نفوذ سياسي أو اجتماعي.

ثم استدارت الدولة إلى المؤسسة العسكرية، فجعلتها كضامن وحارس لتلك العلمانية المتوحشة.

وجرى صياغة العقيدة القتالية للجيش التركي بحيث لا يكون مهمته فقط حماية الحدود الجغرافية، بل حماية هوية الجمهورية العلمانية من التهديدات الداخلية، والتي أطلق عليها الرجعية الدينية.

وتُرجم هذا عملياً عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية العنيفة أو الناعمة، في أعوام (1960، 1971، 1980، 1997)، قامت بها المؤسسة العسكرية، كلما شعرت أن السياسيين المنتخبين يميلون نحو تقديم تنازلات للمد الديني أو يحيدون عن المبادئ الكمالية.

ثم انتقل فرض العلمانية إلى المؤسسة القضائية.

فتم إنشاء المحكمة الدستورية ومحكمة النقض، كجناح مدني موازٍ للجيش في حراسة العلمانية.

وتحولت المحكمة الدستورية إلى مقصلة للأحزاب السياسية. حيث تم إغلاق وحظر العديد من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي مثل: حزب النظام الوطني، حزب السلامة الوطني، حزب الرفاه، وحزب الفضيلة، بمجرد استخدامها لخطاب يتعارض مع العلمانية المتطرفة للدولة.

وعلى مسار آخر تم التحكم الصارم في الوظائف الحكومية والترقيات في الجيش والجامعات والقضاء؛ حيث كان إبداء أي تعاطف ديني علني بمثابة عائق للترقي أو سبباً للفصل.

وفي هذا الاتجاه جرى فرض حظر صارم على ارتداء الرموز الدينية مثل الحجاب في الجامعات والمؤسسات الحكومية والبرلمان لعقود طويلة، تكريساً لمبدأ أن الفضاء العام يجب أن يكون علمانياً صرفاً.

بهذه الشبكة المتشابكة (قضاء حازم، جيش متحفز، بيروقراطية وتعليم موجه، وسيطرة تامة على تعيين ورواتب الأئمة والمساجد)، تمكنت العلمانية من السيطرة التامة على هيكل الدولة التركية لعقود طويلة.

تأجج الصراع بين العلمانية والإسلام

منذ محاولة فرض العلمانية في تركيا مع عشرينات القرن الماضي، سعت النخب المتدينة إلى مقاومة تلك الحملة العلمانية.

ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح مع القبضة العسكرية الأمنية للأتاتوركيين، وغياب المؤسسية للمتدينين في مواجهة العلمانية الحكومية.

ولكن مع منتصف التسعينات، أدرك الجناح الشاب في حركة أربكان (بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول) أن الصدام مع البنية العلمانية للدولة ينتهي دائماً بخسارة السياسي أمام العسكري والقاضي.

لذلك عند تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، تم تغيير الاستراتيجية جذرياً، فتم تبني أسس ثلاثة:

1. إعادة تعريف العلمانية (اللعب بقواعد الخصم):

لم يهاجم الحزب العلمانية، بل تبنى التفسير الأنجلوسكسوني لها (وقوف الدولة على حياد تجاه كل المعتقدات) رافضاً التفسير الفرنسي (تدخل الدولة لمنع التدين في الفضاء العام). هذا التكتيك جرد المحكمة الدستورية من مبررات حظر الحزب.

2. توظيف المعايير الأوروبية لتقليم أظافر الجيش:

استخدم الحزب بذكاء بالغ ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وبموجب معايير كوبنهاغن الديمقراطية، تمكنت الحكومة المدنية من تمرير إصلاحات هيكلية قلصت دور العسكر، مثل: إخراج ممثلي الجيش من المؤسسات المدنية (كالمجلس الأعلى للتعليم والإذاعة والتلفزيون)، وتقليص صلاحيات محاكم أمن الدولة. في حين لم يستطع الجيش الاعتراض بشدة لأن الانضمام لأوروبا كان حلماً أتاتوركياً بالأساس.

3. الهندسة المؤسسية المضادة (السيطرة على القضاء):

للقضاء على فيتو المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة، لجأ الحزب إلى أداة الاستفتاءات الشعبية، فعبر استفتاء عام 2010، تم تغيير طريقة تعيين القضاة وزيادة عددهم، مما سمح للحكومة بتعيين قضاة محافظين، لتنتهي بذلك هيمنة النخبة العلمانية المتصلبة على أعلى هرم قضائي.

وبذلك التدرج، نجح أردوغان وحزبه في تحييد أدوات العلمانية الخشنة.

تسريع التفكيك الكلي للعلمانية

لم تعد استراتيجية السلطة في تركيا تقتصر على المطالبة بحرية التدين كما كان الحال قبل عقدين، بل تحولت في الشهور الأخيرة إلى مسار هيكلي يهدف لتجريد الدولة من طابعها العلماني المرجعي، ولضمان استمرار الفكر المحافظ حتى لو تغيرت القيادة السياسية لاحقاً. 

فأصبح الهدف لما يجري الآن هو جعل التحول الفكري من العلمانية الكمالية الصارمة إلى العثمانية الجديدة عملية غير قابلة للعكس.

تتجلى هذه التسارعات في عدة مسارات إجرائية ومؤسسية حدثت مؤخراً:

أولا الهندسة الاجتماعية في مجال التعليم

ويعد تطبيق المنهج التعليمي الجديد المعروف بنموذج (معارف قرن تركيا) هو أخطر وأهم الإجراءات مؤخراً، والذي بدأ تطبيقه التدريجي في المدارس اعتباراً من العام الدراسي 2024 - 2025. 

فالمنهج الجديد يقلص بشكل واضح المساحة المخصصة لتدريس المبادئ العلمانية لمؤسس الجمهورية أتاتورك. في المقابل، تم تضخيم السردية التي تمجد الماضي العثماني والتاريخ السلجوقي على حساب تاريخ الجمهورية الحديثة. 

كما تم تهميش تدريس بعض النظريات العلمية الجدلية (كنظرية التطور) لصالح تعزيز الحصص الدينية، وإدراج مفاهيم مثل الجهاد كقيم مركزية في بعض المقررات التعليمية.

وهذا يمثل انتقالاً صريحاً من فكرة حياد الدولة إلى استخدام آليات الدولة لإنتاج جيل متدين.

ثانيًا الاندفاع نحو دستور جديد خالٍ من الإرث العلماني

ففي أواخر 2025 وبدايات 2026، كثف التحالف الحاكم ضغوطه السياسية لصياغة دستور جديد بالكامل، حيث صرح رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن الهدف هو إقرار هذا الدستور خلال الفترة بين عامي 2026 و 2027).

ورغم أن التبرير الرسمي هو التخلص من دستور انقلاب ١٩٨٠ العسكري، إلا أن الأوساط السياسية والقانونية المعارضة ترى فيه محاولة لتفكيك المواد الأربعة الأولى المحصنة في الدستور الحالي، والتي تنص صراحة على علمانية الدولة غير القابلة للتعديل. 

ثالثا، محاولات تفكيك المعارضة

فلحماية وتسريع هذا التحول، استمرت وتيرة استخدام أجهزة الدولة لتحجيم المعارضة العلمانية التي قد تعيق هذا المشروع. وفي أواخر 2025، ومارس 2026، تم تكثيف الضغوط القانونية والقضائية بشكل استثنائي على شخصيات المعارضة البارزة، وعلى رأسهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، عبر لوائح اتهام موسعة تصل عقوباتها لمدد طويلة. والهدف الوظيفي من ذلك هو تفريغ الساحة السياسية من أي تحدٍ جدي قد يعيق مشروع الهندسة الدستورية والاجتماعية القادم.

كذلك كان هناك دور خفي للحكومة في تحريك الخلافات والانقسامات داخل أكبر حزب علماني ويحمل إرث أتاتورك وهو حزب الشعب.

الخلاصة

يبدو أن حزب العدالة التركي يتجه بالبلاد في خطوات سريعة لتمتين وضعه الداخلي بالتوازي مع التطورات المتصاعدة في المنطقة، والتي يطمح فيها الحزب إلى الدفع بتركيا لتكون اللاعب الأقليمي الأكبر.

الأحد، 19 يوليو 2026

لغز العلاقات الإيرانية الأمريكية

لغز العلاقات الإيرانية الأمريكية


 . حسن الرشيدي

هل تكشف محطات العلاقة الأمريكية الإيرانية خلال خمسة عقود أن الصراع المعلن أخفى تفاهمات براغماتية أعادت تشكيل توازنات المنطقة وأثرت في مستقبل التحالفات والأزمات الإقليمية حتى اليوم بعيدًا عن الشعارات والخطابات السياسية المتداولة بين الطرفين؟




أثار التصعيد الأخير بين أمريكا وإيران والذي تطور إلى قصف مركز أمريكي على أنحاء إيران.. أثار جدلا موسعًا حول طبيعة العلاقات بين تلك الدولتين، وما يعتريها من صراع وتجاذبات طيلة ما يقرب من خمسين عاما، وبالتحديد بعد استيلاء الآيات على حكم طهران في ثورتهم عام ١٩٧٩.

هل العلاقة بين الطرفين كما يبدو في العلن طوال تاريخها هي علاقة عداء فقط؟ أم كان هناك نمط آخر في العلاقة لم يكن مخفيا، ولكن لم يتم تسليط الضوء عليه كثيرا إعلاميا؟

لذلك للخروج من تلك الحيرة ولفهم ما يجري، وتوقع مآلاته، لابد من تتبع ما يدور بين الدولتين، ومحددات وخصائص العلاقة بينهما، في ضوء الأخبار المثبتة وتصريحات مسؤولي الدولتين طيلة الخمسين عاما الماضية، عبر المحطات الرئيسة في تاريخ تلك العلاقة المبهمة.

أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية

بدأت تلك الأزمة في نوفمبر 1979، أي بعد نجاح الثورة الإيرانية بعدة شهور، حين اقتحم طلاب ثوريون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 دبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً، احتجاجاً على استقبال واشنطن للشاه المخلوع وتخوفاً من ترتيب انقلاب مضاد.

وفي أبريل 1980، أمر الرئيس كارتر بتنفيذ عملية عسكرية لإنقاذهم، عرفت باسم مخلب العقاب. صُممت العملية كاختراق جوي معقد، لكنها انتهت بفشل كارثي؛ إذ تسببت عاصفة رملية وأعطال فنية في إلغاء المهمة، وتفاقمت المأساة باصطدام مروحية بطائرة شحن أثناء الانسحاب، مما أسفر عن مقتل 8 جنود أمريكيين، وتدمير عدة طائرات قبل الوصول لطهران.

منحت هذه الخيبة الخميني بروباجندا قوية لترسيخ سلطته وتصوير الحادثة كمعجزة إلهية، وانتهت الأزمة بوساطة جزائرية، وأُفرج عن الرهائن في يناير 1981 (تزامناً مع تنصيب رونالد ريغان لإذلال كارتر سياسياً)، مقابل تعهد أمريكي بعدم التدخل في شؤون إيران والإفراج عن أرصدتها المجمدة.

بالنسبة لأمريكا: تركت الأزمة جرحاً غائراً في الكبرياء القومي وصورة الدولة العظمى، خاصة مشهد الدبلوماسيين معصوبي الأعين، الأمر الذي يتجاوز المصالح الاستراتيجية لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

هذه الأزمة أحدثت عقدة في النفسية الأمريكية من إيران، صبغت علاقتها بها بنظرة فوقية حتى في محطات التعاون والتقاء المصالح، فتحولت المسألة الإيرانية في واشنطن إلى ورقة للمزايدة الداخلية بين الحزبين؛ حيث يتنافس الديمقراطيون والجمهوريون في إظهار الشدة والصرامة تجاه طهران لخطب ود الناخبين. وهذا ما سيصيب صانع القرار الإيراني بالخيبة والحسرة، في المحطات التي سنراها فيما بعد.

بالنسبة لإيران أثبتت هذه المحطة أن الصراع مع أمريكا بالنسبة لإيران هو حاجة حيوية للبقاء الداخلي وليس مجرد خيار دبلوماسي:

​فأصبح النظام الإيراني يحتاج دائماً إلى عدو خارجي ضخم، لتبرير الأزمات الاقتصادية، وتوحيد الجبهة الداخلية، وقمع المعارضة تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت معركة مواجهة الاستكبار العالمي.

فضيحة إيران - كونترا (إيران جيت)


في عام ١٩٨٥، وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية، والعداء الإعلامي المستعر، قامت إدارة الرئيس ريجان ببيع أسلحة سراً لإيران (عبر الكيان الصهيوني)، مقابل مساعدة إيران في الإفراج عن رهائن أمريكيين في لبنان.

لم تكن هذه المحطة الأولى في التعاون، فقد سبقها تعاون بين إيران والكيان الصهيوني قبل ذلك بأربع سنوات، عندما تعاونا البلدان في قصف منشأة العراق النووية، وفي عقد صفقات تسليح استراتيجية في السر.

كشف هذا الحدث ثلاث خصائص جوهرية للغز العلاقة بين البلدين:

أولا البرجماتية التي تمتاز بها العلاقة الإيرانية الأمريكية، بينما كان أركان السلطة في طهران يتصدرون الجموع في الشوارع بهتاف الموت لأمريكا، وعلى الجانب الآخر بينما تصنف أمريكا إيران دولة راعية للإرهاب؛ تلاقت مصالحهما في الغرف المغلقة. فإيران أرادت صواريخ تاو ومعدات أمريكية لإنقاذ جبهتها في حربها ضد العراق، وأمريكا أرادت تحرير رهائنها في لبنان وتمويل مقاتلي الكونترا في نيكاراغوا سراً.

كذلك كشفت الأزمة قدرة الطرفين على نسج شبكات معقدة من الوسطاء (شملت تجار سلاح دوليين وحكومة الكيان) لإبقاء التعاون سرياً.

هذه الشبكة المعقدة تضمن الحفاظ على الإنكار المقبول أمام شعبيهما في حال كُشفت اللعبة.

كما أثبتت المحطة أن العداء العلني لا يمنع التنسيق العملياتي الواسع، عندما يتعلق الأمر بملفات وجودية (كحاجة إيران العسكرية لبقاء نظامها، وحاجة إدارة ريجان لإنقاذ سمعتها السياسية داخلياً).

باختصار، صاغت "إيران جيت" القاعدة الذهبية الممتدة لليوم: الخطابات النارية للجماهير لتغذية الهوية الثورية، والصفقات الباردة خلف الكواليس لتحقيق المكاسب الواقعية.

الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق

بعد هجمات 11 سبتمبر، قدمت إيران معلومات استخباراتية حاسمة لأمريكا وسمحت بفتح مجالها الجوي لدعم الغزو الأمريكي لأفغانستان وإسقاط نظام طالبان (العدو المشترك للطرفين).

وبعدها بعام ونصف، عاد الطرفان للتعاون بينهما، حين أسقطت أمريكا نظام صدام حسين (العدو التاريخي الأكبر لإيران)، بتعاون معها.

كشف هذا التعاون عدة خصائص في العلاقات الأمريكية الايرانية:

منها: ما يعرف بالبرجماتية بالوكالة وتجنب البصمات المباشرة:

هنا ظهرت إيران في إدارة تعاونها (وكذلك صراعها فيما بعد) مع أمريكا عبر وكلاء محليين. هذا الأسلوب يمنحها ميزتين: تضمن تحقيق مصالحها وبناء نفوذها خاصة في العراق الجديد، وفي نفس الوقت تحافظ على طهارة خطابها الثوري في الداخل (الموت لأمريكا)؛ لأن من ينسق في العلن مع أمريكا هم عراقيون وليسوا إيرانيين بشكل مباشر.

​ولكن تلك المحطة أيضا أظهرت الصدمة الإيرانية من الإنكار الأمريكي:

هذه المحطة تحديداً هي التي رسخت عقدة النظرة الفوقية الأمريكية التي تحدثنا عنها سابقاً.

كيف كان ذلك؟


إيران عندما سهلت سقوط كابول وبغداد، وهذا ما عبر عنه نائب الرئيس الإيراني علي أبطحي في مؤتمر في أبي ظبي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بعدة أشهر فقال " لولا طهران ما سقطت بغداد ولا كابول"، كانت تتوقع من أمريكا مكافأة جيوسياسية والاعتراف بها كشريك إقليمي، وربما كوكيل لها في المنطقة.

لكن عقلية المحافظين الجدد في إدارة بوش استغلت هذا التعاون، وبعده أدارت ظهرها لإيران، بل وصنفتها في محور الشر.

​هذا الخذلان الأمريكي بعد قمة التعاون الميداني في عامي ٢٠٠١، و٢٠٠٣، ما لبث أن أصبح سمة أساسية للعلاقة بين البلدين.

الاتفاق النووي وبعدها الانسحاب منه


في عام ٢٠١٥، عقدت أول مفاوضات علنية ومباشرة ومكثفة بين مسؤولي البلدين منذ عقود في عهد الرئيس أوباما، أفضت إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

ولكن بعدها بثلاث سنوات وفي عهد الرئيس ترامب، جرى الانسحاب من الاتفاق واغتيال قاسم سليماني.

وبالرغم من أنه ولأول مرة يحدث اشتباك عسكري مباشر وعلني، ولكن الأهم هو طبيعة الرد. فقد أبلغت إيران أطرافاً بضربتها مسبقاً لتقليل الخسائر البشرية الأمريكية، وقبل ترامب الرد لاحتواء الموقف. فبدا الأمر وكأنه لعبة حافة الهاوية المتقنة؛ كلاهما يضرب ليردع، لا ليشعل حرباً.

ضربة 28 فبراير

لقد كانت السمة الأبرز للعلاقات الأمريكية الإيرانية، أنها لم تأخذ شكل الحرب مطلقا في فترات التصعيد والتوتر بينهما.

لذلك لما جاء التصعيد في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، عندما تم اغتيال المرشد خامنئي وقيادات الصف الأول في الجيش والحرس الثوري، وأعقبه القصف الأمريكي الصهيوني، كان ذلك التصرف يخالف أغلب التوقعات والتي رأى فيها المتابعون للعلاقات الأمريكية الإيرانية شيئا مختلفا وغير مألوف في تاريخ الصراع بينهما.

فتاريخياً، كان ضرب العمق الإيراني خطاً أحمر تتهرب منه الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ خوفاً من سيناريو حرب بلا نهاية. وعندما كُسر هذا الأمر في جولات التصعيد الأخيرة، تطلع العالم ترقباً لشكل النظام الإقليمي الجديد.

لكن التراجع السريع والعودة للضربات المحدودة، أصبح بمثابة اعتراف أمريكي ضمني بمدى جدوى استخدام القوة، وإقرار بأن آليات إدارة الصراع القديمة هي الخيار الأقل سوءاً.

وهنا يتم طرح سؤال هل يمكن اعتبار أن أمريكا بتوقفها عن الحرب وعودتها إلى الآليات السابقة في التعامل الأمريكي مع إيران، يرجع إلى شعورها بأن المنطقة مقبلة على فراغ قد يملأه تحالف سني جديد؟

هذا لا شك فيه، فالاستراتيجية الأمريكية لا تقوم على محو الخصوم تماماً، بل على إدارتهم. وإذا سقطت إيران بالكامل، سينشأ فراغ جيوسياسي مرعب بالنسبة لواشنطن لعدة أسباب استراتيجية:

منها الحاجة لفزاعة لضمان التبعية الأمنية.

ومنها الخوف من نشأة تحالف سني جديد مستقل بدأ يلوح في الأفق.

ومنها كابوس الفوضى وبروز فواعل من غير الدول يهدد المصالح الأمريكية.

ومنها أن زوال إيران كتهديد للدول العربية، سيدفع العرب بعيدا عن التطبيع والدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية، الأمر الذي يهدد أمن الكيان الصهيوني ومشاريعه في المنطقة.

الخلاصة

أمريكا تلعب دور ضابط الإيقاع؛ فهي تريد إيران في نزيف دائم، محاصرة، ومقلمة الأظافر لكي لا تتغول، لكنها في الوقت نفسه لا تريدها ميتة، حتى لا تفقد المبرر الاستراتيجي لوجودها وهيمنتها على المنطقة، ولكي لا تسمح بظهور قوة إقليمية بديلة: سواء كانت تحالفاً سنياً مستقلاً، أو فوضى جماعات متطرفة (وفق التعريف الأمريكي).


الأربعاء، 15 يوليو 2026

مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

 مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

لقد أصبح مضيق هرمز حلبة الصراع الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، فالأخيرة تسعى للهيمنة على المضيق وهو ما يعد نقلة استراتيجية لها بعيدة ويعد عنوان نصرها، في حين تسعى الولايات المتحدة إن سحب تلك الورقة من يد الجمهورية الطامحة


"الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز"

هكذا نقل أحد المواقع الإيرانية هذه التصريحات عن قيادي في الحرس الثوري الإيراني، وأضاف سوف يكون المضيق مقبرة لترامب.
ولكن على الجانب الآخر، نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين: 
نتوقع أن تصدر إيران بيانا بفتح مضيق هرمز بعد اجتماع السبت في سلطنة عمان، وستكون هناك عواقب قاسية إن رفضت طهران إصدار البيان.

وهنا الحيرة، هل توقعات القيادي في الحرس الثوري الإيراني صحيحة؟

أم أنها جزء من البروباجندا الإيرانية المعتادة، والدعاية المعروفة في زمن الحرب؟

ولماذا الإصرار الأمريكي على فتح المضيق بدون قيد أو شرط؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب معرفة أهمية ذلك المضيق، ولماذا تحول إلى بؤرة صراعات وحروب، ظهرت إلى السطح خاصة في أعقاب الضربات الأمريكية الصهيونية على إيران في نهاية فبراير الماضي.

هرمز بين الجغرافيا والسياسة



المضائق البحرية بصفة عامة هي ممرات مائية طبيعية ضيقة، تصل بين مسطحين مائيين كبيرين، وتفصل بين كتلتين يابستين.

تُعد المضائق من أهم نقاط الاختناق الجيوبوليتيكية في العالم؛ حيث تتحكم في خطوط الملاحة التجارية وحركة الأساطيل العسكرية، مما يجعلها مصدرا للنزاعات الدولية، وأوراق ضغط استراتيجية بيد الدول الساحلية المطلة عليها.

وفي حالة مضيق هرمز، تنبع أهميته المطلقة من كونه المنفذ البحري الوحيد لمنتجي النفط الكبار مثل العراق، والكويت، والبحرين، وقطر، والممر الرئيسي لمعظم صادرات السعودية والإمارات.

يعبر هذا المضيق يومياً أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام (ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي)، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. هذا الأمر يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلاً برفع أسعار الطاقة العالمية فوراً، وتكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة.

أما عن تسميته، فتتعدد الروايات التاريخية: أبرزها ارتباطه بمملكة هرمز التاريخية التي كانت مركزاً تجارياً مزدهراً، أو نسبةً إلى جزيرة هرمز. ويرجح البعض أن الاسم يعود لجذور فارسية محرفة عن اسم أهورامزدا أو لأسماء ملوك فرس.

وقد بدأ الاهتمام الاستراتيجي بهذا الممر منذ آلاف السنين؛ حيث استخدمته الحضارات القديمة كمعبر تجاري لسلع الشرق. وفي العصر الحديث، تصارع عليه البرتغاليون ثم البريطانيون للتحكم في طرق التجارة نحو الهند. 
ولكن الأهمية الاستراتيجية المعاصرة التي نراها اليوم تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين، مع اكتشاف النفط بكميات هائلة في منطقة الخليج العربي، ليتحول المضيق من مجرد ممر تجاري إلى صمام أمان لاستقرار الاقتصاد الصناعي العالمي.

ولكن بالتوغل في تفاصيل جغرافية المضيق، سنكتشف أن تلك الجغرافية عامل مهم في تأجيج الصراع حوله.

يبلغ العرض الإجمالي لمضيق هرمز في أضيق نقطة له بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية نحو 33 كيلومتراً (حوالي 21 ميلاً بحرياً). وبموجب القانون الدولي للبحار، تمتد المياه الإقليمية لأي دولة إلى 12 ميلاً بحرياً (نحو 22 كيلومتراً) من ساحلها. ونظراً لأن عرض المضيق أقل من 44 كيلومتراً، فإن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان تتداخل، مما يعني أن السفن تعبر المضيق بموجب ما يعرف بحق المرور العابر الذي يكفل حرية الملاحة.

يبلغ العرض الإجمالي للممر الملاحي النشط 9 كيلومترات فقط، ويتم تقسيمه إلى ممر للدخول (باتجاه الخليج) بعرض 3 كيلومترات، وممر للخروج (باتجاه المحيط) بعرض 3 كيلومترات، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض 3 كيلومترات لمنع تصادم الناقلات.

ونظرا لضحالة المياه نسبياً بالقرب من الساحل الإيراني والتضاريس القاعية غير المنتظمة، تم تخطيط الممرات الملاحية العميقة القادرة على استيعاب ناقلات النفط العملاقة، لتكون أقرب بكثير إلى الساحل العُماني.

ولذلك فإنه من الناحية العملية، فإن ممرات الدخول والخروج تقع في مجملها داخل المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، بمحاذاة الرأس الصخري لشبه جزيرة مسندم.

ورغم أن الممرات في مجملها تقع في المياه العُمانية، إلا أن الجغرافيا، والطمع السياسي منحت إيران تفوقاً نوعيا، يجعلها قادرة على تهديد هذه الممرات وإحداث اشتباكات، وذلك لعدة أسباب:

أهمها، الجزر التي تتحكم فيها إيران، وهي سلسلة من الجزر الصخرية التي تمثل نقاط ارتكاز عسكرية متقدمة تطل مباشرة على الممرات العمانية، ومن أهمها جزيرة قشم (أكبر جزرالخليج)، وجزيرة لاراك، وجزيرة هرمز في قلب مدخل المضيق.


وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتحويل هذه الجزر إلى قواعد عسكرية محصنة تضم شبكات رادار متطورة، ومنصات إطلاق صواريخ مضادة للسفن مخبأة في الكهوف الجبلية، والأهم من ذلك، العديد من الزوارق الهجومية السريعة. 

هذه الزوارق تستغل قصر المسافة للقيام بعمليات اعتراض، أو مضايقة، أو احتجاز للسفن التجارية خلال دقائق، ثم العودة سريعاً إلى قواعدها المموّهة.


كذلك تحتل إيران الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى)، هذه الجزر والتي تقع على مدخل المضيق الغربي، تعمل كخط إنذار مبكر ونقاط تحكم إضافية تخنق مسار الناقلات حتى قبل وصولها إلى نقطة هرمز الضيقة.

إيران والمضيق


أحدثت التطورات الاستراتيجية التي أعقبت الضربة الأمريكية-الصهيونية المزدوجة في 28 فبراير شرخاً عميقا في مبادئ الاستراتيجية الإيرانية، مما دفعت إيران إلى إعادة تقييم أدواتها الرادعة. ولذلك فإن التصريحات المتعلقة بأن الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز، وأن المضيق سيكون مقبرة لترامب، لا يُعد مجرد تصعيد كلامي معتاد، بل يمثل تحولاً جذرياً يعبر عن تحول كبير في الإدراك الإيراني، وتقييم المخاطر، وتغيير في حسابات التكلفة والعائد.
فقبل الحرب الأخيرة، لم تكن إيران تفكر فعلياً في الإغلاق التام للمضيق، بل استخدمته كأداة للردع الكلامي، وكساحة تحارب لعمليات منع مرور (مثل احتجاز الناقلات أو مضايقتها بالزوارق السريعة).

فإيران كانت تعتقد أن إغلاق المضيق يعني خنق الاقتصاد الإيراني ذاته، باعتباره شريان تصدير النفط الإيراني، ويعني في الوقت نفسه استدعاء حرب شاملة ومباشرة مع الولايات المتحدة.

ولكن ضربة 28 فبراير غيرت المعادلة. إذ استشعرت القيادة الإيرانية أن تلك الحرب كما هو كان معلنا، تستهدف تغيير النظام، ومنعها التام من تصدير النفط، وليس مجرد عقاب محدود، لذلك فإنه يجب عليها تفعيل ما يطلق عليه الخيار شمشون، والذي يعني إغلاق المضيق باعتباره الورقة الأخيرة المتبقية لفرض شلل كامل في سلاسل الإمداد العالمية، وإجبار القوى الكبرى على التدخل لوقف التصعيد لمنع انهيار الاقتصاد الكلي العالمي.

كذلك فإن هدف التصعيد الإيراني في هرمز كما ظهر في تصريحات قيادات الحرس الثوري يحمل اعترافا ضمنيا، بأن معادلات وتوازنات الجمهورية الأولى والتي تأسست عام 1979، واعتمدت على تصدير الثورة والميليشيات الوكيلة، قد استُنزفت أو تعرضت لضربة قاصمة.

ولذلك لضمان بقاء النظام، تحتاج القيادة إلى صدمة تأسيسية جديدة تعيد توحيد الجبهة الداخلية، وتعيد صياغة شرعية النظام على أسس عسكرية جديدة في مواجهة تهديد وجودي مباشر.

وفي هذا الخطاب، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي أو نقطة اختناق جغرافية، إلى قدر ساخن بتوليفة سياسية وعسكرية، يُعاد فيه صياغة شكل الدولة الإيرانية ومكانتها الإقليمية. فالمعركة هناك وفق التصور الإيراني أصبحت حرب استقلال ثانية، وليست مجرد اشتباك حدودي. وهناك أمر ثالث في تصريحات قيادة الحرس الثوري وهو وصف تلك الحرب بأنها باتت مقبرة ترامب.

فتلك الإشارة المباشرة إلى ترامب تعكس فهماً إيرانيا دقيقاً لنقاط الضعف في السياسة الأمريكية.

فإيران فهمت أن الإدارات الأمريكية، وخاصة تلك التي تركز على الاقتصاد الداخلي وحركة الأسواق، شديدة الحساسية تجاه أي صدمات تتعلق بارتفاعات في أسعار الطاقة.

فإيران باتت تخطط نظرياً لرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للضربة المزدوجة إلى مستوى لا يمكن للإدارة الأمريكية تحمله داخلياً، من خلال نشر الألغام البحرية، واستخدام أسراب الطائرات المسيرة، وبطاريات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن انطلاقاً من جبال قشم ولاراك، لتحويل الممر الذي يبلغ عرضه 3 كيلومترات إلى فخ مميت للقطع البحرية والناقلات.

فالهدف هنا ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إحداث هزيمة اقتصادية استراتيجية للولايات المتحدة تطيح بأي مكاسب استراتيجية تحققت من ضربة 28 فبراير.

فالنظام الإيراني، وفي القلب منه الحرس الثوري أصبح يدرك أن بقاء النظام بات يتطلب أدوات ردع صفرية لم تُستخدم من قبل.

الإصرار الأمريكي


عند التأمل في المهلة الأمريكية الصارمة التي تنتهي يوم السبت، لإعلان فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، والتي ترافقت مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه آلاف الصواريخ نحو أهداف إيرانية تحسباً لأي تصعيد، تمثل ذروة حافة الهاوية بين أمريكا وإيران.

هذا الإصرار الأمريكي القاطع على فتح المضيق دون قيد أو شرط، وعدم قبول أي مساومات، لا ينطلق من فراغ، بل يحكمه محددان حاسمان:

1. إسقاط سلاح الابتزاز الاستراتيجي الإيراني، خاصة أنه قبل الحرب لم تكن إيران تفكر اساسا في إغلاق المضيق.

فالولايات المتحدة تدرك أن إيران تسعى لاستغلال المضيق كورقة مساومة لفرض شروطها وحماية أذرعها في المنطقة، مثل وقف الحرب في لبنان، والحفاظ على برنامجها النووي، أو إجبار السفن على دفع رسوم واتباع بروتوكولات إيرانية.

وقبول أمريكا من هذه الزاوية بفتح المضيق بالشروط الإيرانية، يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن إيران تمتلك سيادة التحكم في هذا الشريان العالمي.

هذا التنازل من شأنه أن يدمر المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الهيمنة الأمريكية العالمية وهو ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية، ويشجع قوى أخرى (مثل الصين في بحر الصين الجنوبي) على استنساخ نفس التكتيك.

2. وقف النزيف الاقتصادي وحسابات الداخل الأمريكي

فالأزمة وإغلاق المضيق تسبب في أشد اضطراب لسلاسل الإمداد في التاريخ الحديث، حيث يحتجز المضيق خلفه 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. ومع طول أمد الأزمة، بدأت الأسواق العالمية تشهد اختناقات حادة في إمدادات الطاقة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. الأمر الذي أحدث ركوداً اقتصادياً بسبب أزمة طاقة، مما يجعل عامل الوقت حرجاً للغاية ويستوجب حسماً فورياً وليس تفاوضاً ممتداً.

في المحصلة، الإصرار الأمريكي ليس مجرد عناد سياسي، بل هو قرار حاسم بكسر استراتيجية الردع غير التقليدية الإيرانية في مهدها؛ لأن نجاح إيران في فرض شروطها لفتح المضيق سيعني تغييراً أبدياً في توازن القوى بالشرق الأوسط لصالحها.

السبت، 11 يوليو 2026

سوريا وتشكيل الشرق الاوسط

سوريا وتشكيل الشرق الاوسط 

 حسن الرشيدي 




هل تصبح نقطة الارتكاز التي يُعاد من خلالها رسم  خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط؟ ولماذا يعود دونالد ترامب إلى الرهان على دمشق في هذه   المرحلة أكثر من أي وقت مضى؟ وما حدود قدرة  أحمد الشرع على المناورة بين الضغوط الأمريكية   والإسرائيلية                                          


"لقد أصبحت سوريا مستقرة للغاية. ففي فترة قصيرة جداً، شهدت استقراراً كبيراً...

ونحن فخورون بذلك، لأن سوريا جزء مهم من الشرق الأوسط....
لقد كانت سوريا تتمتع بإحدى أعرق الحضارات، وكان فيها أساتذة جامعات ومحامون وأطباء، وكانت من أكثر الدول ثراءً من الناحية الثقافية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على مستوى العالم.... شكراً جزيلاً، سيادة الرئيس"

هكذا ختم الرئيس الأمريكي ترامب كلمته أثناء لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا في أنقرة، شاكرا إياه.

فمنذ دخوله دمشق في ديسمبر ٢٠٢٤، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع استعادة الدور الطبيعي الذي يمكن أن تقوم به الدولة السورية في المنطقة.

وقد تنبهت الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب إلى أهمية ذلك الدور، فعملت على تحقيق مصالحها وإعادة تشكيل الشرق الأوسط انطلاقا من توطيد علاقتها بالنظام السوري الجديد.

وقد استخدم المبعوث الأمريكي توم باراك مصطلح تشكيل الشرق الأوسط ودور سوريا فيه، في أعقاب اللقاء الذي تم في أنقرة، وجمع بين وفد قيادات الكونجرس والرئيس الشرع، حيث كتب باراك في حسابه على اكس بالحرف الواحد في نهاية تغريدته:

"تحمل هذه اللحظة ثقلاً تاريخياً، إذ تُبرز الدور المحوري لسوريا في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط".

فباراك يتحدث عن تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، والدور السوري في هذا التشكيل.

والسؤال المهم في هذا السياق، ما هو الشرق الأوسط الذي ترغب الولايات المتحدة في تشكيله؟

وما أهمية سوريا؟ والدور الذي تطمح أمريكا في سوريا أن تلعبه؟


والى أي مدى يمكن أن يذهب الشرع في هذا الدور تجاوبا مع الطموحات الأمريكية؟

ملامح الشرق الأوسط الذي ترغب واشنطن في تشكيله

هناك ثوابت ثلاثة تحرك العقل الاستراتيجي الأمريكي وهي: النفط والكيان الصهيوني ومكافحة الإرهاب.

وما يتغير بالنسبة للولايات المتحدة هو فقط الهندسة السياسية، والوسائل التي تتبعها كل إدارة لحماية هذه الغايات الثلاث بأقل خسائر مادية وبشرية ممكنة.

​١-النفط

فالغاية الأمريكية هنا لم تعد الحصول على النفط لسد الحاجة المحلية؛ فالولايات المتحدة تحولت بفعل ثورة النفط الصخري إلى أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز في العالم.

لذا الغاية الحقيقية هي التحكم في سلاسل التوريد وحرية الملاحة وضمان استقرار الأسعار في السوق العالمي.

وأيضا​فالسيطرة على تدفق النفط تمنح أمريكا قدرة غير مباشرة على خنق أو إنعاش الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية. فالهدف هو النفوذ والتحكم، وليس الاستهلاك.

​2. أمن الكيان الصهيوني

​تلتزم أمريكا عقائديًا وسياسياً بضمان ما يسمى بالتفوق العسكري النوعي للدولة الصهيونية في المنطقة كغاية ثابتة لا تتغير بتغير الإدارات.

​وهناك نية للانتقال بالكيان الصهيوني من مرحلة الدولة المحاطة بالخصوم والتي تحتاج إلى حماية عسكرية أمريكية مباشرة، إلى مرحلة العنصر العضوي المدمج إقليمياً، عبر اتفاقيات التطبيع والتحالفات الأمنية والاقتصادية.

كما ان تحويل الكيان إلى ركيزة أمنية وتكنولوجية أساسية تدير المصالح الغربية في المنطقة كشريك محلي قوي، يسمح لأمريكا بتقليص وجودها العسكري المباشر دون الإخلال بميزان القوى لصالح خصومها.

​3. مكافحة الإرهاب

​بدأت هذه الغاية كأولوية قصوى بعد أحداث 11 سبتمبر، وتطورت عبر عقود من الحروب المفتوحة.

​الغاية الحقيقية الحالية، هي تحييد أي تهديد قبل أن يمتلك القدرة على ضرب العمق الأمريكي أو مصالح الحلفاء الحيوية.

​حيث يتم تحويل ملاحقة التنظيمات العابرة للحدود إلى ملف استخباراتي تكتيكي (ضربات دقيقة ومسيّرات) بدلاً من حملات عسكرية كبرى، مع تدوير الكلفة الأمنية على الأنظمة المحلية.

ولذلك نجد أن المسارات والاستراتيجيات التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية ليست سوى الترجمة العملية لتحقيق هذه الأهداف الكبرى الثلاثة:

أولاً: هدف النفط

الاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف: تتمثل في تأمين الممرات البحرية وحرية الملاحة، وتحشد أمريكا التحالفات البحرية وتركز ضرباتها الردعية لحماية مضيق هرمز وباب المندب، لضمان عدم تعرض أسواق الطاقة لأي صدمات ترفع معدلات التضخم العالمي أو تهدد الاقتصاد الأمريكي وحلفاءه.

ومنها أيضًا، بناء الكتل الاقتصادية وتوسيع مظلة التكامل، من خلال دعم ممرات اقتصادية جديدة (مثل ممرات الربط اللوجستي بين الخليج وأوروبا). فالولايات المتحدة تهدف إلى إبقاء شرايين الطاقة والتجارة تحت المظلة الاستراتيجية الغربية، وقطع الطريق على الطموحات الصينية للسيطرة على هذه التدفقات عبر مبادرة الحزام والطريق.

ثانياً: هدف الكيان الصهيوني

فالاستراتيجيات الأمريكية الموظفة لخدمة هذا الهدف، تتمحور حول تفكيك الجغرافيا السياسية للمحاور المناهضة لتصب مباشرة في مصلحة الكيان الصهيوني.

فالتوجه الأمريكي لقطع خطوط الإمداد الإيرانية عبر استغلال التحولات في سوريا (في ظل إدارة الرئيس الشرع) يهدف بالأساس إلى عزل الساحة اللبنانية، وتجفيف منابع الدعم اللوجستي للفصائل المسلحة، مما يحيد أكبر التهديدات الوجودية المحيطة بالكيان.

كما تحاول أمريكا تأسيس نظام إقليمي يتم فيه استبدال حالة العداء التاريخية بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية البراغماتية، بهدف دمج الكيان الصهيوني عضوياً في نسيج المنطقة، ليتحول من عبء أمني يتطلب حماية أمريكية دائمة، إلى شريك إقليمي فاعل في إدارة الاستقرار.

ثالثاً: هدف مكافحة الإرهاب

فالاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف حاليًا في عهد ترامب تريد خصخصة الأمن الإقليمي وتقاسم الأعباء.

لم تعد أمريكا ترغب في إرسال جيوشها لمحاربة التنظيمات المتطرفة (في المفهوم الأمريكي) أو إسقاط الأنظمة. فالاستراتيجية هنا هي نقل هذه المهمة للقوى والأنظمة المحلية. من خلال المقايضات (مثل وعود رفع العقوبات أو تقديم دعم سياسي)،

وهنا باتت أمريكا مستعدة للتعاون الأمني والاستخباراتي الدقيق مع أي نظام - مهما كانت طبيعته - طالما أنه قادر على تحييد التهديدات العابرة للحدود قبل أن تصل إلى المصالح الأمريكية أو الغربية.

بهذا التكييف، نرى أن كل تكتيك دبلوماسي أو تحرك عسكري أو اقتصادي أمريكي في الشرق الأوسط، يصب في النهاية في قمع الإرهاب، أو حماية تدفقات الطاقة، أو تأمين التفوق والمكانة للكيان الصهيوني، بأقل تكلفة ممكنة للولايات المتحدة.

ولكن كيف تنظر إدارة ترامب لموقع النظام السوري في هذه المسارات الاستراتيجية

سوريا في الاستراتيجية الأمريكية

الرئيس ترامب لا يرى الدول عبر أبعاد تاريخية أو عاطفية، بل يراها ككيانات جغرافية وظيفية يجب أن تدفع ثمن استقرارها عبر تقديم خدمات استراتيجية متبادلة.

تحديداً، يقع النظام السوري الجديد في قلب العقل الاستراتيجي لإدارة ترامب كأداة حاسمة لتحقيق الأهداف الثلاثة وفق الرؤية التالية:

1. ففي ملف الكيان الصهيوني

ترى إدارة ترامب أن التحول الجذري في دمشق وإنهاء التحالف السوري الإيراني هو الفرصة الأثمن لتأمين الكيان الصهيوني على المدى الطويل، وتتمحور النظرة الأمريكية هنا حول نقطتين:

خنق الوكلاء جغرافياً، ومحاولة حث حكومة الشرع باعتبارها صمام الإغلاق الذي يمكنه قطع الشريان البري الممتد من طهران إلى بيروت نهائياً. فإذا منعت سوريا تدفق السلاح والتمويل عبر أراضيها، فإنها ستقوم بالعبء الأكبر في تحييد خطر حزب الله على حدود الصهاينة الشمالية دون أن تضطر أمريكا أو الكيان الصهيوني لخوض حروب استنزاف مفتوحة.

كما تتوقع إدارة ترامب من النظام الجديد أن يكون سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط جبهة الجولان، ومنع أي فصائل غير نظامية من استخدام الأراضي السورية كمنصة استهداف، مقابل منح سوريا الاعتراف السياسي والشرعية الدولية.

2. في ملف الإرهاب

حيث تعتمد عقيدة ترامب وفق مبدأ أمريكا أولاً، والتي تعني تقليص وجود القوات الأمريكية شرق الفرات وإنهاء كلفة الحماية المباشرة. وهنا يأتي موقع النظام السوري كبديل أمني على الأرض مؤهل لتولي ملف مكافحة بقايا تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى.

وترى الإدارة الأمريكية في العقوبات وقائمة الدول الراعية للإرهاب أوراق ضغط تفاوضية، وليست مواقف أبدية. لذلك، هي تنظر للنظام السوري كطرف يمكن تحفيزه؛ فكلما أظهر الشرع حزماً أكبر في تفكيك الخلايا الإرهابية (من وجهة النظر الأمريكية) وضبط الأمن الداخلي، كلما تحركت واشنطن لتخفيف القيود الاقتصادية والسماح ببدء تدفق أموال إعادة الإعمار.

3. في ملف النفط

على الرغم من أن سوريا ليست دولة نفطية كبرى بالمقاييس الخليجية، إلا أن إدارة ترامب تنظر لأهمية سوريا من زاوية ما بات يعرف بالجغرافيا السياسية للممرات.

لأن استقرار سوريا يعني استقرار الجوار الجغرافي لأكبر حقول النفط وممرات التدفّق في العالم (الخليج والعراق). وترامب يرى أن أي فوضى مستدامة في سوريا ستهدد أمن الأنابيب ومشاريع الربط اللوجستي المستقبلية في شرق المتوسط.

بالمحصلة، لا تنظر إدارة ترامب إلى النظام السوري الجديد كحليف أيديولوجي، بل كشريك أمني ضروري وجاد، يمتلك موقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه إذا أرادت واشنطن صياغة شرق أوسط مستقر بكلفة أمريكية تقترب من الصفر.

ولكن إلى أي مدى تكون سوريا قادرة على تلبية هذه التوقعات الأمريكية العالية، دون أن تفرط في سيادتها، أو ايديولوجياتها أو تثير حفيظة القوى الإقليمية الأخرى؟

الشرع والتعامل مع المنظور الأمريكي

تعتبر مبادئ السياسة الشرعية، وفقه الموازنات، مفاهيم تمنح صانع القرار في النموذج الإسلامي، مساحة هائلة من المناورة التكتيكية، والمرونة، لحماية الدولة، وتحقيق الغايات الاستراتيجية الكبرى.

ففي ملف تحجيم النفوذ الإيراني، حيث المطلب الأمريكي الأبرز، فإن تفكيك الجغرافيا السياسية لإيران وعزل حزب الله لا يشكل عبئاً سياسياً أو تنازلاً منهجيا بالنسبة للشرع، بل يتطابق تماماً مع أهدافه الكبرى وعقيدته السياسية.

فرؤية القيادة السورية الجديدة تعتبر إيران خصماً استراتيجياً، ومشروعها في المنطقة يتصادم جذرياً مع رؤية النظام الحالية.

وبالتالي فإن تقديم الشرع لترامب خدمة إغلاق الممر البري، وتجفيف منابع الدعم الإيراني، ليس ارتهاناً للرغبة الأمريكية، بل كضرورة أمنية سورية لتوطيد أركان حكمه ومنع أي اختراق أمني لأراضيه. هذا التعاطي يحقق له مكسباً مزدوجا: التخلص من النفوذ الإيراني، والتوافق الأمريكي الذي يُترجم إلى دعم اقتصادي وشرعية سياسية.

أما في ملف الكيان الصهيوني والجولان، هنا يكمن الاختبار الحقيقي للمرونة.
كيف يتعاطى قائد بخلفية الشرع مع المطالب الأمريكية بضمان أمن الكيان الصهيوني الإقليمي؟

لكن المنهجية التي ينطلق منها الشرع تسمح بعقد الهدن والاتفاقيات الأمنية طويلة الأمد في حالات الاستضعاف وبناء الشوكة، استناداً إلى مبدأ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ولذلك لن يذهب الشرع باتجاه تطبيع سياسي أو سلام دافئ على غرار ما تطلبه أمريكا من دول أخرى، لأنه يعلم أن شرعيته الداخلية جزء منها مبني على رمزيته. لكنه سيتعاطى بمرونة مطلقة مع الترتيبات الأمنية. بحيث يضمن تجميد جبهة الجولان بالكامل، وسيمارس احتكاراً صارماً للسلاح يمنع أي فصيل من استخدام الأراضي السورية لتهديد الكيان.

بالنسبة لترامب، هذه النتيجة العملية (أمن الحدود) هي كل ما يهم، وبالنسبة للشرع، هذا يجنب دولته الهشة حرباً مدمرة تطيح بمشروعه.

أما في ملف مكافحة الإرهاب واحتكار العنف، فالاستراتيجية الأمريكية القائمة على خصخصة الأمن الإقليمي تجد صدى إيجابياً جداً لدى الشرع.

فهدف الشرع الأكبر حالياً هو ترسيخ سلطة الدولة المركزية، بالقضاء على التنظيمات العابرة للحدود (مثل خلايا تنظيم الدولة أو الميليشيات المنفلتة)، فهو في حقيقته هدف سوري داخلي قبل أن يكون مطلباً أمريكياً.

والشرع حريص لتقديم أوراق اعتماده كشريك موثوق قادر على ضبط الجغرافيا السورية، مما يسحب من واشنطن أي مبرر لإبقاء قواتها، أو الإبقاء على سيف العقوبات مسلطاً على الاقتصاد السوري.

الخلاصة

يدرك أحمد الشرع أن منطلقاته الفكرية هي بوصلة تحدد الاتجاه العام.

لذلك سيبيع للأمريكيين ما هو في الأساس مصلحة سورية (طرد النفوذ الإيراني، ضبط الحدود، القضاء على الفوضى الأمنية)، ليشتري في المقابل الوقت، والاعتراف، وإخضاع جميع الأراضي السورية للحكومة المركزية، وتوفير الأموال اللازمة لتحقيق هدفه الحالي: بناء دولة سورية قوية ومستقلة ومركزية.