‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسن الرشيدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسن الرشيدي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

هل بدأت معركة تحرير اليمن؟

 هل بدأت معركة تحرير اليمن؟

 . حسن الرشيدي

هل ما تشهده اليمن من تطورات عسكرية بين الحكومة اليمنية الشرعية ومليشيا الحوثي هو معركة الحسم، أم أن الحرب بين الطرفين ما زالت سجالا، وما هي ظلال تلك التطورات إقليميا ودوليا؟



"تم اتخاذ القرار لتحرير صنعاء وحُسم الأمر"



هذا تصريح لمساعد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن

 سمير الصبري، تناقلته وسائل الإعلام، وتم بثه عبر

 التلفزيون الحكومي اليمني يوم الاثنين السابع من

 سبتمبر، ونُقل حرفياً في تقارير وكالات ومواقع

 إخبارية بصيغ متقاربة.

فمنذ عدة أيام تتوارد الأنباء عن هجوم على عدة

 محاور، يقوم فيها الجيش اليمني بتحرير المحافظات

 التي يسيطر عليها الحوثي وميليشياته العسكرية.

والغريب في الأمر أن الهجوم الذي قام به الجيش

 اليمني، كان قد سبقه هجوم شنه الحوثي على مدينة

 المخا ومحاولة الوصول إلى باب المندب والسيطرة

 عليه.

فهل جاءت هجمات الشرعية في اليمن كرد فعل على

 هجوم الحوثي؟ أم أن الأمر كان مخططًا له منذ عدة

 أسابيع، ومحاولة بسط الشرعية سيادتها على كامل

 أرجاء اليمن وتحريرها من سيطرة الحوثي، وقطع

 الذراع الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية، وعندما

 أدرك الحوثي بخطة التحرير تلك، أراد استباق

 الهجوم الذي كان يعد له، ويحدث خلخلة في حسابات

 المهاجمين؟

أم أن الأمر لا يعدو إلا أن ما جرى هو جولة قتال بين

 الطرفين، اعتاد اليمنيون عليها كل فترة وأخرى؟

هجوم المخا.. بداية المعركة أم محاولة 

لإجهاضها؟



لكي نعرف الأهداف التي كان يبتغيها الحوثي من الهجوم على المخا، لابد من استعراض تفاصيل ما حدث:

بدأ الهجوم الحوثي البري والصاروخي على محور المخا والتي تقع إداريا داخل محافظة تعز يوم الخميس 3 سبتمبر، وتطور خلال اليومين التاليين إلى أشرس اشتباكات في الساحل الغربي منذ سنوات، مع محاولة قطع طريق تعز–المخا والاقتراب من الميناء ومضيق باب المندب.

ونشر الإعلام العسكري الحكومي، بأن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً بالستياً استهدفت مدينة المخا ومديرية الخوخة (الحديدة)، مع تركيز على المخا.

وحاول الحوثيون التقدم عبر جبال مقبنة وغربي تعز نحو طريق المخا، في محاولة لقطع شريان الإمداد الاستراتيجي بين تعز والميناء.

ولا توجد أرقام رسمية موثقة لعدد المقاتلين الحوثيين المشاركين في الهجوم؛ التقارير المتوفرة تذكر فقط أن الهجوم واسع النطاق، وأنه الأول من نوعه منذ سنوات، مع استخدام مدفعية ثقيلة وصواريخ بالستية ومسيرات. بعض التقارير تشير إلى أن الحوثيين هاجموا من ثلاثة اتجاهات في منطقة البرح (قرب الحديدة/المخا)، ما يوحي بهجوم متعدد المحاور، لكن دون تفصيل عددي.

المكاسب التي حققها الحوثيون (وفق التقارير المتاحة)، أنه خلال 48–72 ساعة من بدء الهجوم، تمكّن الحوثيون من الاشتباك على محاور غربي تعز ومحاولة قطع الطريق إلى المخا، لكن معظم المصادر تؤكد أن القوات الحكومية صدت محاولات الاختراق الرئيسية واستعادت تلالاً ومواقع استراتيجية.

وخلال نحو 48 ساعة، انتقلت المعارك من تعز والساحل إلى تحريك نحو سبعة محاور بدرجات مختلفة في تحركات متزامنة تمتد من الجوف وحرض إلى مأرب وتعز والحديدة والبيضاء ولحج.

ولكن كان أخطرها محوران:



أولا:
الجوف، وهي أخطر تطور جديد. تقع شمال شرق صنعاء وملاصقة للسعودية، لكن الجزء الغربي منها يدخل مباشرة في عمق مناطق الحوثيين. وبعض الأنباء تتحدث عن سيطرة القوات الحكومية على معسكر اللبنات وتتقدم باتجاه الحزم، مركز المحافظة. إذا سقطت الحزم واستمر التقدم بعدها، فلن يعود الأمر مجرد استعادة أرض في الجوف، بل فتح ضغط حقيقي على الحوثيين من الشرق.

ثانيا: البيضاء، في وسط الخريطة تقريبا. وأهميتها أنها تقع بين صنعاء ومأرب وشبوة والجنوب؛ ولذلك هي عقدة جغرافية تربط عدة مناطق. لكننا ما زلنا أمام تقدم أولي وليس اختراقا عميقا للمحافظة.

بهذه التفاصيل نستطيع أن نستنتج أن الحوثيين عبر هجومهم الأخير باتجاه مدينة المخا سعوا إلى تحقيق هدف جيوسياسي مزدوج: إعادة فرض التهديد المباشر على مضيق باب المندب الممر المائي الأكثر أهمية إقليمياً ودولياً، وتشتيت كتل القوات التابعة للشرعية المتركزة في الساحل الغربي.

لقد راهن الحوثي على أن ضربة خاطفة في هذه المنطقة الاستراتيجية ستعيد ترتيب أوراق اللعبة وتفرض واقعاً تفاوضياً جديداً يمنحه اليد العليا.

​غير أن التحول الدراماتيكي لم يكن في الهجوم الحوثي ذاته، بل في طبيعة الرد الذي قدمته قوات الشرعية. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع الموضعي أو امتصاص الضربة في حدود جغرافية ضيقة، انطلقت عمليات معاكسة ومكثفة شملت محاور قتالية متعددة في مأرب، والجوف، والبيضاء، وتعز، ولحج. هذا الاتساع السريع في جبهات المواجهة ينفي فرضية العشوائية ويؤكد أننا أمام تحرك يتجاوز مجرد الاشتباك المحلي المحدود.

هل هي خطة جرى العمل عليها من شهور؟


قراءة التحركات الميدانية والعسكرية التي سبقت

 المعارك الأخيرة، تكشف عن إجراءات ووقائع مثبتة

 بقرارات رسمية وتغيرات على الأرض، تُظهر أن

 الحكومة الشرعية اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي كانا

 يعيدان بناء أدوات الحسم الشامل، والانتقال من

 وضعية إدارة الصراع إلى وضعية فرضه فرضاً.


تتلخص أبرز الوقائع والحقائق الموثقة التي

 سبقت المعركة في المحاور التالية:

أولاً: الوقائع العسكرية وتوحيد غرفة

 القيادة والسيطرة

١- تفعيل هيئة العمليات المشتركة:



فقد صدر قرار رئاسي بإنشاء وتفعيل هيئة العمليات

 المشتركة ومقرها العاصمة المؤقتة عدن تحت

 إشراف وزارة الدفاع. هدف هذا القرار دمج كافة

 التشكيلات العسكرية (الجيش الوطني، ألوية العمالقة،

 قوات المقاومة الوطنية، حراس الجمهورية، ألوية

 درع الوطن، والمقاومة التهامية) تحت هيكل قيادي

 وعملياتي موحد لإلغاء حالة التشتت الجغرافي

 والفصائلي.

 ٢-التوسع الميداني لقوات درع الوطن:


شهدت الأشهر السابقة انتشارات عسكرية متتالية لقوات درع الوطن (المشكّلة بقرار رئاسي وتتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة مباشرة). تضمنت العملية تسليم هذه القوات مقرات استراتيجية وتأمين الخطوط الواصلة بين عدن، لحج، والضالع، بالإضافة إلى فتح خطوط تماس جديدة مع الحوثيين ومساندة جبهات تعز والحديدة.

٣- المناورات وتكثيف التدريب وتخرج 

الدفعات النوعية:


شهدت المناطق العسكرية (الثالثة والرابعة والرئيسية في مأرب والساحل الغربي) تخرج عشرات الدفعات العسكرية المتخصصة في حرب العصابات، تكتيكات الاقتحام، وسلاح المدفعية والتأمين الخاطف، مع إجراء مناورات بالذخيرة الحية أُعلن فيها صراحة عن محاكاة اقتحام الجبال والسيطرة على المدن الكبرى (في إشارة إلى صنعاء).

٤- ربط مسار الساحل الغربي بمأرب 

والجوف:


تم فتح قنوات إمداد وتنسيق لوجستي مباشر وميداني بين قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي (بقيادة طارق صالح)، وبين قيادة الجيش الوطني في مأرب والجوف، مما سمح بربط محور الغرب بمركز الشمال عسكرياً لأول مرة منذ سنوات.

ثانياً: المعركة الاقتصادية (خنق شبكات

 الحوثي المالية)

١- قرارات البنك المركزي في عدن لنقل

 القطاع المصرفي:


أصدر البنك المركزي اليمني في عدن قرارات صارمة تلزم كافة البنوك التجارية والإسلامية بنقل مقراتها الرئيسية وعملياتها من صنعاء الخاضعة للحوثيين إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتبع ذلك حظر التعامل مع البنوك غير الملتزمة وإيقاف تحويلاتها عبر نظام سويفت الدولي.

٢- سحب البساط النقدي وإلغاء العملات القادمة:


استكمل البنك المركزي نقل المنظومة المصرفية وإلغاء التعامل بالعملات الورقية الصادرة عن سلطات الانقلاب، مما أدى إلى تجفيف شريان المعاملات المالية الضخمة التي كانت تستغلها الجماعة لتمويل مجهودها العسكري، وتسبب في أزمة شلل مالي للمؤسسات التابعة لها في صنعاء.

٣- سحب إيرادات المؤسسات السيادية:


اتخذت الحكومة الشرعية قرارات بوقف تحويل إيرادات شركة الطيران الوطنية اليمنية ومؤسسات الاتصالات والقطاعات الخدمية إلى الحسابات الخاضعة لسلطة الحوثي في صنعاء، وإلزام الشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية بالتعامل المباشر مع الوزارات والجهات التابعة للشرعية في عدن.

الحسابات الإقليمية



السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يريد الحوثي؟ وماذا تريد الشرعية؟ بل: ماذا تغير في البيئة الإقليمية حتى أصبح تحريك الجبهة اليمنية ممكنًا الآن بعد سنوات من الجمود؟

لفهم ما يجري في اليمن الآن، لا يكفي النظر إلى خطوط القتال الداخلية أو إلى تحركات الحوثيين والجيش التابع للشرعية بمعزل عن محيطهما الإقليمي. فقد ظل الصراع اليمني لسنوات قائمًا على توازن عسكري وسياسي بالغ التعقيد؛ الحوثيون يسيطرون على الجزء الأكبر من المناطق ذات الكثافة السكانية، والقوى المناوئة لهم تملك من القوة ما يكفي لمنعهم من حسم الحرب، لكنها لم تكن تملك الظروف اللازمة لقلب المعادلة بالكامل. وهكذا استقر الصراع عند حالة من الجمود، تتخللها جولات من القتال، دون أن يمتلك أي طرف القدرة أو الإرادة على الذهاب إلى معركة حاسمة.

لكن الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة غيّرت البيئة التي نشأت فيها هذه المعادلة. فقد دخلت إيران المواجهة وهي مطالبة بإدارة عدد من الجبهات والأذرع التي بنت عليها نفوذها الإقليمي، في وقت تعرضت فيه قدرتها على الحركة والرد لضغوط عسكرية مباشرة. ولم يعد اليمن بالنسبة إلى إيران جبهة منفصلة يمكن دعمها بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب؛ بل أصبح جزءًا من حسابات أكبر تتعلق بحجم الموارد المتاحة، وأولويات الرد، والحفاظ على ما تبقى من أدوات القوة الإيرانية في المنطقة.

وانعكس ذلك بصورة مباشرة على الحوثيين. فالقوة التي سمحت لهم بالحفاظ على مواقعهم طوال السنوات الماضية لم تكن ناتجة عن قدراتهم الذاتية وحدها، وإنما ارتبطت أيضًا بوجود بيئة إقليمية وفرت لهم قدرًا من الحماية والدعم والقدرة على المناورة. ومع تغير هذه البيئة، أصبح استمرار الوضع السابق أقل ضمانًا، وظهرت أمام خصوم الحوثيين فرصة لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة والدول الإقليمية أصبحوا أكثر اهتمامًا بإعادة ضبط الوضع في البحر الأحمر، خصوصًا بعد أن تحول الحوثيون إلى عنصر مؤثر في أمن الملاحة وفي الصراع الإقليمي الأوسع. ومن هنا اكتسب الساحل الغربي اليمني وباب المندب قيمة تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية؛ فإضعاف الحوثيين في هذه المنطقة لا يعني فقط استعادة أراضٍ يمنية، وإنما يعني أيضًا تقليص إحدى الأدوات التي يمكن لإيران استخدامها للتأثير في البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية.

وبذلك تكون الحرب الأمريكية الإيرانية قد وفرت عاملًا خارجيًا جديدًا أخلّ بالتوازن الذي أبقى الحرب اليمنية في حالة جمود. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة، أو أي قوة إقليمية قررت بالضرورة خوض معركة تحرير اليمن نيابة عن الشرعية، وإنما يعني أن الظروف التي كانت تجعل تغيير خريطة السيطرة صعبًا أصبحت أقل صلابة.

وقد تكون القوى الإقليمية المناوئة للحوثيين قد أدركت أن نافذة الفرصة التي فتحتها التطورات الإقليمية لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، فبدأت في استثمارها عسكريًا.

ويعزز هذا الطرح، الإعلان عن تحالف مكة الدفاعي، والذي أصبح عاملا محفزا للقوى الإقليمية المؤثرة للتدثر برداء قانوني، والدخول في صراع إنهاء ملف الحوثي في اليمن.

ومن هذه الزوايا، يصبح توقيت هجوم الحوثيين على المخا أكثر دلالة؛ إذ يمكن النظر إليه باعتباره محاولة للحفاظ على المبادرة العسكرية في لحظة بدأت فيها موازين القوى المحيطة باليمن في التحول.

كما يصبح الرد الواسع للشرعية مفهومًا بصورة مختلفة: ليس مجرد رد على هجوم حوثي، وإنما ربما استثمار للحظة إقليمية جديدة تسمح للمرة الأولى منذ سنوات بمحاولة تغيير قواعد اللعبة نفسها.

الأحد، 6 سبتمبر 2026

تحالف مكة بين الواقعية والفاعلية

 تحالف مكة بين الواقعية والفاعلية

 . حسن الرشيدي


فهل يمثل اتفاق مكة بدايةً لتشكيل نواة صلبة لقوة إقليمية مستقلة، تمتلك القدرة على حماية المنطقة وصناعة توازناتها بعيدًا عن المظلات الخارجية، أم أنه سيظل محكومًا بالسقف الذي ترسمه أدوات الهيمنة الدولية؟


لا يزال الإعلان الذي صدر في مكة عن تحالف يضم السعودية وباكستان وتركيا، يلقى بظلال من التفاعلات عالميا وإقليميا.

كما تتردد صداه داخليا، وعلى الصعيد الشعبي في البلاد العربية والإسلامية، بعد أن سيطر اليأس من إيجاد سبيل يخرج هذه الأمة من كبوتها، ويصحح الطريق ويعيدها إلى طريق الخيرية والقوامة، على سائر الأمم باعتبارها خير أمة أخرجت للناس.

ولكن يحتار البعض في هذه الاتفاقية ويتساءل: هل ستكون مثل غيرها من الاتفاقيات والتي حين تجيء لحظة التحدي أو قل ساعة الحقيقة، سنرى هذا التحالف وكأنه لم يكن؟

أم أن الأمر متروك للتجربة والاختبار ومعرفة هل كان الامر جديا؟ أم هو فعل إستراتيجي يتجه نحو صعود الأمة، وخروجها من حصار التبعية.

وللإجابة على هذه الأسئلة، يجب علينا أن نبدأ باتفاق مكة نفسه، وتقييم بنوده وخلفيات هذه البنود.

اتفاق مكة

لكي نحلل تحالف مكة وأهميته، يجب علينا تفكيك هذا الاتفاق، ونقارن بين ما ينص عليه قانونياً، وما يمكن أن يعنيه عسكرياً واستراتيجياً، ثم نحدد هل هو بالفعل نواة ناتو إسلامي، أم مجرد اتفاق دفاعي تقليدي.

هناك عدة مقاييس لإدراك قوة هذا الاتفاق:

المقياس الأول، هل نص الاتفاق على أن الاعتداء على دولة واحدة يُعّد اعتداءً على الدول الثلاث؟ ففي هذه الحالة، فهو قريب من منطق المادة الخامسة في حلف الناتو.

أم إذا نص الاتفاق على أن الدول الثلاث تتشاور وتنسق وتدعم بعضها في مواجهة التهديدات، فهو أقرب إلى اتفاق تعاون أمني.

وفقاً للبيان الرسمي المنشور عقب توقيع الاتفاقية في مكة المكرمة يوم 7 أغسطس 2026، فقد نصت وثيقة اتفاقية مكة للدفاع المشترك حرفياً على أن: "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع". 

هذا النص الصارم يحمل دلالات استراتيجية جوهرية، أبرزها:

عقيدة الأمن الجماعي، فهي كما في هذه الصياغة تحاكي بشكل مباشر المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي تُعد أساس الأمن الجماعي لدول الحلف.  

والقيمة الأساسية لهذا النص تتمثل أيضا في الردع الاستراتيجي؛ فالالتزام الجماعي يجعل أي دولة معتدية تدرك أن مهاجمة دولة واحدة سيتطلب منها مواجهة قدرات الدول الثلاث مجتمعة. 

وبالتالي، فإن الاتفاق يمثل انتقالاً فعلياً من فكرة التعاون والدفاع الوطني المنفرد، إلى ترتيبات متقدمة للدفاع الجماعي.

المقياس الثاني: من  يقرر أن هناك اعتداء؟

هذه نقطة أخطر مما تبدو.

حتى لو وجدت مادة للدفاع المشترك، يجب أن نسأل: من يقرر أن إحدى الدول تعرضت لعدوان؟

هل القرار: تلقائي؟ أم بالإجماع؟ أو بقرار سياسي؟

لأن الفرق كبير.

إذا كان الرد العسكري يتطلب موافقة الدول الثلاث، فإن الالتزام أقل من الناتو.

أما إذا كان هناك التزام تلقائي بالمساعدة العسكرية، فهنا يصبح الاتفاق أكثر أهمية بكثير.

بالاطلاع على نصوص الاتفاقية، لم تتضمن الاتفاقية نصاً صريحاً يفرض رداً عسكرياً "تلقائياً"، ولم تضع آلية تفعيل محددة مسبقاً. 

 

الاتفاقية بهذا الشكل المرن تحقق أقصى درجات الردع الممكنة بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ملزمة، فهي تبني حاجزاً صلباً أمام التهديدات المباشرة دون أن تصادر السيادة الاستراتيجية لأي من العواصم الثلاث.

فلم يتم الكشف في البيان المشترك عن آليات عملياتية دقيقة، والاتفاقية لم تؤسس لقيادة عسكرية مشتركة دائمة، أو قوات جاهزة، أو آلية تنفيذية تمتلك صلاحية الرد التلقائي بمعزل عن القرار السياسي المسبق لكل عاصمة. 

ولعل الإجابة الأدق جاءت على لسان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان. فقد صرّح بأن الالتزام بالدفاع المشترك "يماثل تقنياً" المادة الخامسة من ميثاق الناتو، ولكنه أضاف استدراكاً جوهرياً يحل هذه الإشكالية، وهو: أن الحلفاء سيحددون "عبر التشاور" حجم وشكل ونوع المساعدة المقدمة. 

ماذا يعني ذلك من الناحية الاستراتيجية؟

يعني أن القرار يخضع للتشاور السياسي وليس للرد الآلي العسكري. 

فعلى الرغم من أن الاتفاقية تلزم الدول بالتحرك إذا تعرضت إحداها لهجوم، لكنها تترك للدول حرية تقييم الهجوم، وتحديد طبيعة هذا التحرك عبر القنوات السياسية (قد يكون التحرك عسكرياً شاملاً، أو دعماً لوجستياً واستخباراتياً، أو إمداداً بالأسلحة كما تفعل باكستان وتركيا مع أطراف أخرى، أو حتى تفعيل حصار بحري).

وقد يرى البعض ان هذه الصياغة المرنة مقصودة من الأطراف الثلاثة لسببين: 

الغموض البنّاء: هذا الهيكل يربك حسابات الخصوم ويدفعهم للتفكير مرتين قبل أي اعتداء خوفاً من رد فعل ثلاثي غير محسوب العواقب. 

والسبب الثاني هو تجنب فخ التورط: فهذه الآلية تحمي الدول الثلاث من الانجرار الإجباري إلى حروب شاملة، قد لا تتطابق تماماً مع مصالحها القومية المباشرة في كل الجبهات. 

وبذلك نستطيع أن نفهم أن الاتفاقية تم تصميمها لتكون مظلة ردع سياسي واستراتيجي عالية السقف، توفر غطاءً للتعاون الصناعي والدفاعي المكثف، أكثر من كونها زرّ إطلاق نار آلي. 

ويبقى السؤال، هل اقتصار الاتفاقية على التشاور والردع دون وجود قيادة عسكرية مشتركة حقيقية، يقلل من قيمتها أمام التهديدات المباشرة التي تفرضها التحولات العنيفة في المنطقة؟

الإجابة التحليلية الدقيقة على هذا التساؤل هي: 

أن هذا الأمر، لا يقلل من قيمة الاتفاق الاستراتيجية، بل يُغيّر من طبيعة وظيفتها، لتتحول من أداة اشتباك تكتيكي، إلى مظلة توازن قوى، قادرة على إعادة هندسة الأمن الإقليمي.

فهناك عدة أبعاد استراتيجية يجب النظر اليها:

1. التحالفات في بيئة جيوسياسية شديدة الاستقطاب لا تُقاس فقط بوجود غرف عمليات عسكرية مندمجة، بل بقدرتها على تغيير حسابات القوة. مجرد إعلان تكتل يجمع بين القدرة المالية والطاقة (السعودية)، والعمق البشري والعسكري (تركيا)، والقدرات النووية (باكستان)، يفرز كتلة حرجة تُجبر الخصوم على إعادة تقييم سياساتهم واستراتيجياتهم. فالردع هنا يتحقق من خلال استعراض القدرات الكامنة أكثر من الجاهزية العملياتية الفورية.

2. ميزة الغموض الاستراتيجي

فآلية التشاور قبل الرد تخلق ميزة جوهرية وهي الغموض الاستراتيجي.

سنجد مثلا أن الخصم يدرك أن الهجوم سيقابل برد، لكنه لا يستطيع التنبؤ بدقة بحجم ونوع هذا الرد.

وهذا الغموض يربك أيضا الخصم: هل سيكون تدخلاً عسكرياً مباشراً، أم جسراً جوياً مفتوحاً للإمداد بالسلاح، أم ضغطاً اقتصادياً شاملاً، أم حصاراً جغرافياً؟

هذا الغموض في مصفوفة الاحتمالات، يُعقّد حسابات التكلفة والعائد لدى المهاجم ويزيد من مصداقية الردع، دون أن يدفع الحلفاء أنفسهم إلى فخ التورط غير المحسوب.

3. مراعاة الحسابات والضغوط الداخلية

بالنظر إلى التحليل السياسي الشامل، ندرك أن التهديدات الخارجية ليست العامل الوحيد الذي يحدد سلوك الدول، بل هناك قيود داخلية واقتصادية واختلافات في التهديدات العسكرية لكل دولة.

فتركيا لها مسارح اشتباك معقدة، وباكستان تواجه توتراً وجودياً على حدودها الشرقية، والسعودية تدير مشهداً معقداً في الخليج والبحر الأحمر.

فإذا كانت هناك قيادة عسكرية مشتركة صارمة (التي تفرض تدخلاً آلياً)، فإنها قد تتكسر تحت وطأة هذه الضغوط المحلية المتباينة.

لذلك، تأتي آلية التشاور السياسي لتعمل كصمام أمان، يسمح للقيادات بترجمة الضغوط الخارجية بما يتوافق مع قدراتها الداخلية، مما يضمن تماسك التحالف واستدامته على المدى الطويل.

خلاصة القول، الاتفاقية بهذا الشكل المرن تحقق أقصى درجات الردع الممكنة بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ملزمة، فهي تبني حاجزاً صلباً أمام التهديدات المباشرة دون أن تصادر السيادة الاستراتيجية لأي من العواصم الثلاث.

القيمة العسكرية للتحالف

سترتفع قيمة هذا التحالف إذا اشتمل التنسيق بين الدول الثلاث على جميع المراحل العسكرية المحتملة: تبادل معلومات، تدريبات مشتركة، تنسيق عملياتي، ربط أنظمة الإنذار، دفاع جوي وصاروخي مشترك، قيادة وسيطرة مشتركة.

فإذا توقف عند المرحلتين الأوليين، فنحن أمام تعاون دفاعي مهم، لكنه ليس تحولاً استراتيجياً كبيراً.

أما إذا وصل إلى تكامل الدفاع الجوي والصاروخي والقيادة والسيطرة، فهنا يصبح الأمر مختلفاً جذرياً.

وبالتالي فإن القيمة العسكرية الحقيقية للتحالف قد تكون في تجميع قدرات الإنذار والدفاع والردع، وليس في مجرد إنشاء قوة برية مشتركة.

اتفاق مكة والقدرة على الصمود

كيف نستطيع تقييم قدرة هذا التحالف على الصمود، إذا ما حاولت قوى كبرى ممارسة ضغوط معاكسة لتفكيكه أو اختراقه؟

تقييم صمود هذا التحالف يتطلب تفكيك مستويات الضغط المحتملة، فرغم أن مرونة الاتفاقية تمنع الانجرار العسكري، إلا أنها تفتح مسامات قد تستغلها القوى الكبرى لاختراقه.

يمكن تقييم القدرة على الصمود عبر الأبعاد التالية:

أولا العلاقة مع القوى الكبرى

من منظور علم العلاقات الدولية، ما زال للدول الكبرى تأثير كبير فعلى سبيل المثال، تعتمد دول المنطقة بنسب متفاوتة على التكنولوجيا العسكرية أو سلاسل الإمداد الغربية.  فمثلا يمكن للولايات المتحدة أن أرادت، استخدام ورقة حظر قطع الغيار أو تعليق الصفقات لتجفيف القدرات العملياتية للتحالف ببطء.

كما أنه يمكن لالتزامات تركيا الصارمة في الناتو، وعلاقات باكستان العميقة مع الصين، أن تحد من سقف تحرك هذا التحالف إذا ما تعارض بشكل حاد مع مصالح تلك القوى المهيمنة.

ثانيا: الاقتصاد

والذي يعتبر الخاصرة الرخوة التي يمكن للقوى الكبرى النفاذ منها لتفكيك التكتل:

فالتحديات الهيكلية في اقتصادات باكستان وتركيا تجعلهما أكثر عرضة لضغوط مؤسسات التمويل الدولية، أو لسياسات العقوبات التي قد تلوح بها قوى كبرى لفرض انسحاب غير معلن من الالتزامات المشتركة.

كما أن تركيز السياسة السعودية على مشاريع تنموية تتطلب دمجاً عميقاً في الاقتصاد العالمي واستثمارات أجنبية ضخمة، وأي تهديد بعزل مالي قد يدفع صانع القرار لإعادة موازنة التزاماته داخل هذا التحالف.

ثالثا: الصفقات المنفردة

تكمن خطورة تلك الصفقات، في تقديم عروض استراتيجية ثنائية ومغرية لدولة واحدة (كاستثمارات ضخمة لإنقاذ الاقتصاد، أو تنازلات جيوسياسية في ملفات حدودية) مقابل تجميد فاعلية الاتفاقية، مما يحول التحالف إلى هيكل صوري.

الخلاصة:

هناك آمال معقودة من شعوب العالم الإسلامي على هذا التحالف، حيث تأمل الشعوب في إيجاد كتلة قوية ومستقلة تفرض احترامها على الساحة الدولية ولا تخضع لإملاءات القوى الكبرى، وإنهاء حقبة التبعية، والتعامل مع الشرق والغرب من موقع الند للند.


الاثنين، 10 أغسطس 2026

تسليم سلاح حماس: مناورة أم استسلام!!

 تسليم سلاح حماس: مناورة أم استسلام!!


 

هل يعني تسليم سلاح حماس نهاية المقاومة أم بداية مرحلة جديدة من الصراع؟ خلف هذا السؤال تختبئ لعبة سياسية وعسكرية معقدة، تتقاطع فيها حسابات البقاء مع شروط الهدنة.


"وحتى لو تخلّت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدّة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع"

هذا ما ختم به الكاتب الصهيوني الشهير عاموس هرئيل مقاله في صحيفة هآرتس.

وأضاف هرئيل: "إن أوهام اليمين، بشأن الهزيمة الكاملة لحماس، وطرد الفلسطينيين من قطاع غزة، وإقامة مستوطنة جديدة مكانها بعيدة كل البعد عن التحقق. وحتى لو تخلت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع".

يأتي هذا المقال في خضم مرحلة خطيرة وحاسمة تمر بها القضية الفلسطينية، في أعقاب الهدنة المؤقتة التي يمر بها قطاع غزة في منذ بداية طوفان الأقصى، والتي مارس فيها الصهاينة حملة إبادة جماعية ضد أهالي القطاع، في محاولة لتهجيرهم من القطاع وعودة المستوطنات اليهودية مرة أخرى.

وعلى الرغم من تراجع أعداد الشهداء من الفلسطينيين بعد الهدنة أو ما يعرف بخطة ترامب لغزة، ولكن لا تزال حملة الصهاينة مستمرة ولم تتوقف، سواء في تصفية قادة المقاومة وأسرهم أم في هدم المنازل وتسويتها بالأرض.

ولكن الأهم والأخطر في هذه المرحلة، هو الوصول إلى لحظة تنفيذ استحقاق وافقت عليه المقاومة من بين شروط الهدنة، وهو تسليم سلاحها.

بينما شرعت جهات عديدة في انتقاد المقاومة لنيتها في تسليم سلاحها، دافع الكثير عن موقف المقاومة، وطلبوا من الجميع أن يتريثوا في الحكم على المقاومة بالتخاذل والاستسلام وأن الأمر مخالف لما يعتقدون.

فما حقيقة موقف فصائل المقاومة في غزة، من قضية تسليم سلاحها.

وما سبيلنا لفهم وإدراك موقف المقاومة الحقيقي؟

لفهم حقيقة موقف فصائل المقاومة من قضية تسليم السلاح، وما إذا كان ذلك يُعد مناورة أم استسلاماً، يجب تحليل المشهد من زوايا سياسية وعسكرية استراتيجية، بعيداً عن العاطفة أو الأحكام المتسرعة.

 

 يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة.

فالهدنة الحالية ليست مجرد وقف لإطلاق النار؛ بل هي مسرح لإعادة رسم خريطة القوى. والمقاومة التي تسلّم سلاحها دون ضمانات حقيقية تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ، والتي تتمسك به دون حساب للتكلفة قد تخسر القدرة على الاستمرار. لذلك، السؤال الحقيقي ليس هل ستسلم المقاومة السلاح؟ بل ما هي شروط وآليات أي ترتيب مستقبلي للسلاح؟ وهذا يحتاج بالضبط إلى إطار علمي لفهم ما يحدث.

طريق للفهم

هناك ثلاث خطوات نحاول تتبعها لكي تعيننا على فهم ما يحدث:

1 تحديد الفاعلين ومصالحهم الكبرى واستراتيجياتهم.

2    تحليل اللعبة ثنائية المستوى.

3  تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين.

ولنبدأ في شرح كل خطوة من هذه الخطوات:

الخطوة الاولى: الأطراف الفاعلة بين الأهداف والاستراتيجيات

تحديد الفاعلين الأساسيين وأهدافهم الوجودية والاستراتيجية يمثل حجر الزاوية لبدء التطبيق العملي للخطوة الأولى في التحليل:

1. المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)

 يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي الدائم لقطاع غزة.

ولذلك جاءت الاستراتيجية بإدارة كلفة الحرب عبر إبداء مرونة تكتيكية (قد تشمل السلاح الظاهر) مقابل حماية الحاضنة الشعبية، وتثبيت النفوذ السياسي والاجتماعي كفاعل رئيسي لا يمكن إزاحته من معادلة اليوم التالي.

2. المستوى السياسي والأمني الصهيوني

يصر الائتلاف الحكومي واليمين في أهدافه الكبرى، على تحقيق صورة الهزيمة الكاملة، والحفاظ على التماسك السياسي الداخلي، وتوسيع المساحة العازلة داخل القطاع.

 

تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي

ولذلك فإن استراتيجية المؤسسة الأمنية والعسكرية لدولة الكيان تتبلور حول تحييد التهديدات الهجومية، وتفكيك القوة الصلبة للمقاومة، مع الاستفادة من التهدئة لاستعادة الردع دون التورط المباشر في إدارة الحياة المدنية اليومية للسكان.

3. الوسطاء والفاعلون الإقليميون (مصر، قطر وتركيا)

 يتمثل الهدف الأمني، لمصر في منع التدفق السكاني القسري نحو الحدود، (الخط الأحمر المصري بشأن سيناء)، وفي نفس الوقت فإن الاحتفاظ بالمقاومة يعد الورقة الوحيدة في جعبة مصر لدور إقليمي متراجع.

بينما هدف قطر يتمحور حول الاحتفاظ بورقة المقاومة لضمان موقعا استراتيجيا في قلب المعادلات الدولية، ويحول دون تفرد خصومها الإقليميين بفرض سياسات تهمش دورها السيادي.

ويتلخص هدف القيادة التركية، في أن جزء من استقرار بنيتها الحاكمة وشرعيتها السياسية مبني على تمثيل الفضاء الإقليمي الإسلامي، فتفكيك المقاومة بالكامل يُقرأ داخلياً وخارجياً كهزيمة للمشروع الإقليمي التركي وكسر لتوازن القوى لصالح إسرائيل.

لهذه الأسباب قامت استراتيجيات الدول الثلاث الوسيطة على تثبيت الهدنة، وقيادة جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، والحفاظ على موقع الوسيط النافذ والمقبول من جميع الأطراف، والضغط على الوسيط الأمريكي لكي يقوم بدوره بإلزام الصهاينة بتطبيق الخطة، وفي نفس الوقت ترشيد استجابة المقاومة في تعاملها السياسي.

4. الطرف الدولي الضامن (الإدارة الأمريكية)

تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت الاستراتيجي، بتجنب التورط العسكري المباشر في حرب إقليمية واسعة تُعطل تفرغها لمواجهة الصين وروسيا.

لذلك جاءت الاستراتيجية الأمريكية لتحاول إيجاد صيغة حوكمة جديدة لقطاع غزة؛ تضمن الأمن للكيان، وتدمج أطرافاً عربية ودولية في إدارة المرحلة الانتقالية، مع الحد من الأعباء الدبلوماسية والتنفيذية للنزاع.

والخلاصة: دولة الكيان تهدف إلى تحويل خطة ترامب إلى تصفية سياسية وعسكرية كاملة للمقاومة، بينما تسعى المقاومة لتحويله إلى مجرد مناورة تنفذ انحناءً مرحلياً يحفظ الذات والنفوذ.

الخطوة الثانية: تحليل اللعبة ثنائية المستوى

يعتمد تحليل اللعبة ثنائية المستوى على المفهوم الذي طوره عالم السياسة روبرت بوتنام، على أن أي مفاوض أو صانع قرار يخوض معركة على جبهتين متزامنتين:

المستوى الأول (الخارجي الدولي)، حيث طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية للتوصل إلى صفقة أو اتفاق.

المستوى الثاني (الداخلي المحلي)، حين تتركز القدرة على تمرير هذا الاتفاق وإقناع الجبهة الداخلية (القواعد الشعبية، الأجنحة العسكرية، والائتلافات السياسية) بقبوله دون السقوط أو فقدان الشرعية.

لتطبيق هذه الخطوة على ملف تسليم السلاح وضوابط الهدنة في غزة، بالنسبة للمقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل) نجد الآتي:

1. الضغوط والالتزامات على المستوى الخارجي:

تتعرض قيادة الحركة لضغوط مكثفة من الوسطاء الإقليميين (مصر، قطر، تركيا) والضامنين الدوليين للتعاطي المرن مع شروط الهدنة، وصيغ إدارة قطاع غزة، بما في ذلك تقديم تنازلات إجرائية حول الترسانة العسكرية، والقبول بإدارة مدنية لتفادي الاستئصال وإيقاف نزيف الحاضنة الشعبية.

ولذلك تحاول حماس إظهار مرونة تفاوضية، لمنع التحلل من التزامات الهدنة الدولية وكسب الوقت لإعادة الإعمار والالتقاط الأنفاس.

2. القيود والخطوط الحمراء على المستوى الداخلي:

تتمثل الجبهة الداخلية للحركة في الجناح العسكري (كتائب القسام)، والقواعد التنظيمية الصلبة، والحاضنة الشعبية التي دفعت أثماناً باهظة.

فتسليم السلاح المادي بشكل مهين، أو دون مقابل سياسي ملموس (مثل مسار موثوق لإنهاء الاحتلال ودولة فلسطينية)، يُعد انتحاراً سياسياً وإستراتيجياً، وسيُقرأ داخل الحركة كاستسلام يفكك بنيتها ويُفقدها مشروعيتها الوجودية.

3. منطقة التوافق الممكنة لدى المقاومة:

هذه المنطقة تتبلور في نظر المقاومة، في الموافقة على صيغ تكتيكية بالمستوى الأول (مثل: تجميد السلاح الظاهر، أو تحويل إدارة بعض المظاهر الأمنية لهيئة توافق وطني) شريطة ألا يمس ذلك البنية الكامنة للمقاومة، لضمان تسويقها في المستوى الثاني كانحناءة مرحلية لحماية الشعب، وليس كتجريد تام من القوة.

الخلاصة: القضية ليست مجرد نص يُوقع، بل مدى قدرة كل طرف على صياغة جمل تسمح للمقاومة بالحفاظ على بنيتها الثلاثية (المستوى الثاني)، بينما تمنح الوسطاء والخصم نصاً يستجيب لمتطلبات الهدنة (المستوى الأول).

الخطوة الثالثة: تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين

يستند تقدير توازن الإنهاك، إلى مفهوم في علم السياسة يطلق عليه "الجمود المؤلم المتبادل"؛ وهو اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن كلفة استمرار القتال المباشر باتت تتجاوز أي مكاسب استراتيجية متوقعة.

ففي جانب المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)، تتنوع مؤشرات الإنهاك، وحجم النزيف:

فهناك الإنهاك المجتمعي، مثل الضغط الهائل الناتج عن الكلفة البشرية غير المسبوقة للحاضنة الشعبية، والتدمير الشامل للبنية التحتية، وخطر الانهيار المجتمعي والتهجير.

وهناك أيضا الإنهاك العسكري، من استنزاف جزء كبير من الترسانة الصلبة (خاصة الصاروخية والثقيلة)، وفقدان العديد من الكوادر والقيادات التنظيمية، وصعوبة خطوط الإمداد.

وهذان الانهاكان، أدى إلى أمرين:

الأمر الأول، أن كلفة استمرار القتال بالشكل الحالي، يعني المخاطرة بالفناء الكامل للحاضنة الشعبية، وتحقق مخطط التهجير القسري وتصفية الوجود التنظيمي.

والأمر الثاني، أن كلفة المرونة التفاوضية وبالذات التعاطي مع بند السلاح، يؤدي الى القبول بتنازلات مؤلمة لإيقاف الحرب، مقابل المكسب الأكبر وهو البقاء على الأرض، وحفظ النواة التنظيمية، وتجنب التصفية الوجودية.

أما في جانب الاحتلال الصهيوني، هناك أيضا مؤشرات إنهاك:

أولها الإنهاك العسكري والاقتصادي مثل تآكل قوات الاحتياط، واستنزاف الذخائر والمعدات، والكلفة المالية الباهظة للحرب الممتدة، والانكماش الاقتصادي.

وهناك أيضا الإنهاك السياسي والدبلوماسي، مثل اتساع العزلة الدولية، والملاحقات القانونية للقيادات، وتزايد الانقسام الداخلي الحاد، وفقدان الردع الشامل.

فباتت كلفة استمرار القتال، معناها التورط في حرب استنزاف وحروب عصابات طويلة المدى، دون القدرة على تحقيق حسم سياسي أو عسكري ناجز، وأظهر عجزا عن تحقيق هدف الهزيمة الكاملة لحماس، مما يُظهر حدود القوة الصهيونية، ويُهدد الاستقرار السياسي للحكومة.

الخلاصة: قضية تسليم السلاح في حسابات التكلفة ليست استسلاماً مجانياً، بل هي نتاج وصول الطرفين إلى نقطة تناقص العوائد الاستراتيجية من القتال المباشر؛ حيث تحاول المقاومة دفع أثر الإنهاك عن جمهورها عبر تنازل شكلي أو تكتيكي، بينما يحاول الاحتلال تسويق هذا التنازل للداخل كإنجاز يغطّي على عجزه عن إحراز هزيمة كاملة للمقاومة.