الثلاثاء، 15 أبريل 2014

هل يمكن إنهاء وجود المجتمع المدني؟


  هل يمكن إنهاء وجود المجتمع المدني؟


أثار حديثي المتكرر عن أن السلطة الأولى في عالمنا المعاصر هي سلطة المجتمع المدني كثيرا من التعجب والاستياء، وعلى حين أن التعجب يدعو أصحابه إلى مزيد من التفكير ومراجعة الرأي وربما مزيد من الاقتناع به، فإن الاستياء ينذر بما يمكن وصفه بأنه إنذار شديد الخطورة.
وذلك لأن هذا الإنذار صدر خاصة عن سلطة عسكرية لا يمكن مناقشتها بأي حال من الأحوال (!) وليست على استعداد للرجوع فيما تعتمده من قرارات تصدرها بناء على مشورة ساسة فاسدين جلبوا لأوطانهم النكسة مرة أو مرتين، ولا يزالون يعملون من أجل تكرار النكسة وهم يحبونها ويسعون لها لأنها تخلق المجال الأمثل لإظهار حكمتهم ومهارتهم وقدرتهم المزعومة على التحليل الدقيق للمجتمع الدولي وإستراتيجية الأوضاع!

ثم الأهم من هذا أنها تهيئ لهم موقع الأهمية المتقدمة في العلاقة مع الخارج بكل مزايا هذا الموقع ماديا ومعنويا.
الهجوم الشرس على وجود المجتمع المدني ذاته من خلال التجني المتكرر والمتنوع على مؤسساته يتواكب معه وعي عميق لدى الأذكياء بضرورة وحتمية العمل الجاد على الحفاظ على المجتمع المدني وما يمثله
ومن حسن الحظ أن هذا الهجوم الشرس والمتوقع أن يتنامى على وجود المجتمع المدني ذاته من خلال التجني المتكرر والمتنوع على مؤسساته، يتواكب معه وعي عميق لدى الأذكياء بضرورة وحتمية العمل الجاد على الحفاظ على المجتمع المدني وما يمثله، ويصل هذا الفهم الجاد في بعض الأحيان إلى النصح بمحاولة إبعاد الضوء عن نجاحات المجتمع المدني حتى لا تكون بمثابة استفزاز أصفر للسلطة الحمراء أو الحمقاء.

وفيما بين هذا وذاك فإن الذين يثقون في حقائق التقدم الذي أحرزته البشرية يدركون بكل ثقة أن عجلة الزمن لن تعود إلى الوراء، وأن هذه المحاولات الرجعية المستميتة لا يمكن أن تؤول إلا إلى العدم.

وفيما بين هؤلاء الواجلين الخائفين على روح العطاء في المجتمع وهؤلاء الواثقين من أن الزمن كفيل بالانتصار على الرجعيين، يأتي أيضا دور الذين يحبون أن يتأملوا التجارب الحديثة ليستخلصوا منها رؤية حاكمة أو أملا في الفوز أو آلية للحماية.

وليس من قبيل المبالغة القول إن المجتمع المدني في العالم العربي والإسلامي نشأ مبكرا جدا، وإنه توالى في تجلياته عبر العصور والدول المختلفة، حتى إذا ما وجدت فكرة الدولة الحديثة فإن كيان المجتمع المدني عبّر عن نفسه على نحو منظم ومنتظم وفاعل وملتزم بالقانون والأخلاق والمجتمع والعلاقات الدولية.

وقد كان من أبرز سمات هذا المجتمع أنه استهدف في برامجه ونشاطه (على حد سواء) العمل الجاد من أجل قيم العطاء والإحسان والفضل، وقد تأكد هذا السلوك في الوقت الذي عرفت فيه بعض المجتمعات الغربية بعض منظمات المجتمع المدني التي لم تكن تستهدف خدمة المجتمع بطريقة مباشرة، وإنما كانت ترفع راية العمل على تحقيق مصالح أعضائها، والحصول لهم على وضع أفضل مما هم فيه، وهو ما يمكن تلخيصه في كلمتين تمثلهما ثنائية الحل والإحلال (أي حل المشكلات والإحلال الطبقي).

وقد ترسخ مفهوم العطاء المجتمعي المرتبط بالقيم في منظمات العالم العربي والإسلامي إلى الحد الذي عبر عن نفسه في التسمية التي تقبلها المجتمع لهذه الجمعيات وآثر إضفاءها على نشاطها وهي تسمية "الجمعيات الخيرية"، ومن الإنصاف أن نذكر أن التاريخ ينبئ بأن هذا المفهوم قد ترسخ وتأكد وظل بمثابة الراية المسيطرة والطابع المميز لأداء "الجمعيات" أو منظمات المجتمع المدني على مدى فترة طويلة من الزمان.

وفي مصر على سبيل المثال بلغ الاهتمام الشعبي بالجمعيات الخيرية حدودا غير مسبوقة، وكما كانت هناك جمعية خيرية إسلامية فقد كانت هناك جمعية قبطية مناظرة، وكان قانون الجمعية الخيرية الإسلامية يشترط لعضويتها مائة جنيه مصري كانت قيمتها في ذلك الوقت تقترب من نصف مليون جنيه بأرقام اليوم (حيث كان الجنيه الذهب يوازي 97% من الجنيه المصري).

وقد تمكنت هذه الجمعية بوقفياتها التي انتشرت في ربوع القطر أن تؤسس عددا كبيرا من المشروعات العامة التي لا تزال بعد مرور مائة عام تعطي وتغطي بخدماتها قطاعات عريقة وواسعة من أبناء الشعب وفي مقدمتها المستشفى العظيم على النيل في حي العجوزة، وهو المستشفى الذي لم تستطع الدولة أن توجد نظيرا له بمثل هذه الأريحية.
مع الاحتياج المفاجئ والشديد فإن الدولة لم تستعد دور المجتمع المدني ولا كانت راغبة في استعادته ولا في مجرد التفكير فيه، كما أن سياسة التأميم والمصادرة كانت قد منحت الدولة ما لم تكن لتفرط فيه
وربما يصل اندهاش القارئ إلى حد الصدمة حين يعلم أن مستشفى أبو الريش للأطفال الملحق بقصر العيني نشأ من خلال جهود أهلية، وأن هذا المستشفى الذي أنشئ في أواخر العشرينيات من القرن الماضي كان يتمتع بشبكة رفيعة المستوى من التكييف المركزي الكفيل بتقديم أفضل الخدمات لهذه الفئة الحساسة من المرض (على حد التعبير الطبي) وهي الشبكة التي لم تتوافر في قصور الحكام أنفسهم إلا بعد عقود من الزمان.

وتمتد هذه المظلة لتشمل مستشفيات ساحقة التفوق في معمارها وموقعها وتجهيزها وأدائها من قبيل المستشفى القبطي والمستشفى الإسرائيلي (على الجانب المقابل من شارع الملكة نازلي الذي أصبح الآن شارع رمسيس).

ومن الطريف أن مسار كوبري 6 أكتوبر قد حال دون الاتصال البصري بين هذين المستشفيين الكبيرين وإن كان الإسرائيلي أكثر فخامة وأكبر حجما، وإن كان قليلون الآن هم الذين يعرفون أن هذا هو المستشفى الإسرائيلي، ذلك أن لافتة المستشفى العسكري العام للعائلات مرفوعة عليه بكل قوة منذ صادرته الدولة المصرية.

أما مساجد مصر ومدارسها وكتاتيبها ومكاتب تحفيظ القرآن فيها فهي ناطقة بكل وضوح بالحديث عن الجمعيات الخيرية أو منظمات المجتمع المدني التي أنشأتها في الوقت المناسب في المكان المناسب، وقد ازدهر نشاط المجتمع المدني حتى كانت منظماته هي مجال العمل الأول لوزارة الشؤون الاجتماعية حين أنشأها علي ماهر في 1939.

كل هذا يدركه المصريون في سهولة ويسر لكنهم ربما كانوا ولا يزالون بحاجة إلى فهم التطورين الحاسمين اللذين أثرا بالسلب ثم بالتحول في نشاط المجتمع المدني في مصر.

فأما التطور الذي أثر بالسلب على هذا النشاط فقد كان هو نشأة الدولة الشمولية في العهد الناصري الذي لم يكن يستوعب ولا يرحب بفكرة أن يقوم أحد غير الدولة بما كان يعتقد أنه مهام الدولة.

ومن الثابت تاريخيا أن هذا المعنى تأكد من تلقاء نفسه بفعل ظروف دولية ازدهر معها العالم الثاني (أي الدول الاشتراكية التي لم تقبل هذه التسمية) وكان أبرز جمالياته وإنجازاته هو الحرص الشديد على تحقيق حدود عالية من الخدمات العامة وانتشارها إلى درجة تضاءل معها المجال المطلوب أن تشارك فيه الجمعيات الخيرية بعدما نجحت الدول الاشتراكية متنافسة ومتآزرة في خلق صورة الدولة ذات القدرة الفذة على تقديم الخدمات العامة على أوسع نطاق.

ومن الصحيح أن يقال إن هذه الدول سرعان ما ناءت بهذه المسؤولية لكنها كانت في كثير من الأحيان سرعان ما تتجه إلى الإصلاح وإلى محاولة إعادة النظم وإعادة السيطرة لا إلى إشراك المجتمع في دورها الذي اختصت نفسها به.

وقد حاولت الدولة الشمولية في مصر أن تتبنى هذا التوجه وتسير عليه، وقد بدا للعيان بفضل الدعاية القوية أنها نجحت في خطوات واسعة في طريقها هذا لكنها سرعان ما وجدت هزيمة 1967 تخذلها تماما وتحول بينها وبينه.
ما أصبحنا نعرفه الآن من طبيعة سياسات عبد الناصر التي لم يعرفها أحد في وقتها، أنه لم يستطع أن يفعل في أوقاف الكنيسة ما فعله في أوقاف المسلمين، وهكذا كانت الأغلبية تطالب بأن تعامل معاملة الأقلية!
ومع هذا الاحتياج المفاجئ والشديد فإن الدولة لم تستعد دور المجتمع المدني ولا كانت راغبة في استعادته ولا في مجرد التفكير فيه، فضلا عن هذا فإن سياسة التأميم والمصادرة كانت قد استولت للدولة على ما لم تكن على الاستعداد للتفريط فيه بأي صورة من أراض وعقارات بل ومنقولات.

وفي هذا الصدد يمكن لنا أن نشير إشارة خاطفة إلى ما أثارته جهود عبد الحميد بدوي باشا في استعادة بعض أوقاف الجمعية الخيرية الإسلامية من الدولة كي تموّل الجمعية أنشطتها، وقد نجح جزئيا حين استصدر من الدولة قرارا بأن تترك من كل وقفية من وقفيات الجمعية مائتي فدان للجمعية على حين كانت الدولة قد استولت على كل أراضي الجمعية ولم تترك لها إلا مائتي فدان فقط!

وعلى نحو ما أصبحنا نعرفه الآن من طبيعة سياسات عبد الناصر التي لم يعرفها أحد في وقته، فإنه لم يستطع أن يفعل في أوقاف الكنيسة ما فعله في أوقاف المسلمين، وهكذا كانت الأغلبية تطالب بأن تعامل معاملة الأقلية! ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أما التحول الثاني الذي أصاب منظمات المجتمع المدني فلعله أهم ما في الموضوع كله من وجهة نظر العسكريين والدولة الشمولية والدولة الأمنية جميعا، وهو قصة التمويل الأجنبي، وهي رواية طويلة لم يكن للعسكريين الأمنيين فيها حديث عن توجه ولا عن ديمقراطية ولا عن تحول ديمقراطي وإنما كان يهمهم هذا التعامل المفيد مع المال الذي وجدوه يمر من تحت ذقونهم إلى داخل المجتمع فيبدل الوضع من حال إلى حال.

لكن أحدا بالطبع لم ولن يتحدث هكذا على نحو صريح عن المال وإنما سنجد الحديث زاعقا صاعقا عن هذا "التدخل الأجنبي" الذي اتخذ صورة "التمويل الأجنبي".

ونجد حديثا زاعقا صاعقا عن هذا الاعتداء على السيادة الوطنية والقرار الوطني والأراضي المصرية والأمن القومي وإرادة الشعب.. وكل ما يستدعي استنفار قادة الجيش لأنفسهم من أجل أنفسهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق