السبت، 19 أبريل 2014

حول مقال الدكتور راغب السرجاني


حول مقال الدكتور راغب السرجاني

د.محمد عباس

أكن للأستاذ الدكتور احتراما كبيرا. وقد كنت محتاارا كيف أتناول مقالته بأرق ما يكون دون أن أتجاوز قدري مع عالم جليل مثله، خاصة عندما تكون المفردات سليمة لكن تجميعها خاطئ ككتاب اختلت صفحاته فقلبت معانيه أو كمن يركب جهاز كمبيوتر من أجزاء سليمة لكن الخطأ في التركيب .
في أحيان كثيرة تكون كل المعطيات سليمة ما عدا واحد لكنه أساسي .. والخطأ في الأساسيات يكون اخطأ فادحا، لذلك فإن كل ما يبنيه عليه بعد ذلك خطأ مهما كانت باقي المعطيات صحيحة.
هذا الإحساس مارسناه في الطب كثيرا مع أساتذنا، وما زلت أذكر ذلك الأستاذ الكبير وهو يستعرض أشعات مريض ليؤكد لنا أن التشخيص هو تضخم في البروستاتا، ليندفع إليه أحدنا هامسا:
- سيدي الأستاذ : إنها مريضة وليست مريضا.. امرأة وليست رجلا.!!!
كانت كل المعطيات أمام الأستاذ الكبير صحيحة إلا معطى واحدا أدى إلى خطئه الشنيع: هل المريض رجل أم امرأة.


***
أخشى أن يكون الأمر مع شيخنا وأستاذنا أصعب وأشد.. فقد وقع في خطأين في الأساسيات وليس خطأ واحدا .. مما ضاعف من خطأ ىالتناول والتشخيص والعلاج.
الخطأ الأول أنه اعتبر أن ما حدث فتنة غم فيها الحق من الباطل ..
والخطأ الثاني أنه اعتبر أن أصل المشكلة الآن المسارعة في القصاص أو تأجيله.
كلا الأمرين كان خطأ فادحا.
***
الأمر الذي أذهلني وأسعدني هو درجة وعي القراء ما هذا الشموخ والعمق والوعي والغضب لله والقدرة على الإفصاح والإبانة.. وياويل الكتاب عندما يتفوق قراؤهم عليهم أو على الأقل يضاهونهم ويناقشونهم بقوة ويكون من أحدهم من ينطلق ليهمس: سيدي: إن المريض امرأة وليس رجلا.
***
بعد مطالعتي لإجابات القراء فكرت أن أتنحى عن مناقشة شيخنا الجليل مكتفيا - وسعيدا بما قالوه- والذي ينسف رأيه بقوة بل بقسوة لم أكن أجرؤ عليها معه. والحقيقة أن ما قالوه كان كافيا ورائعا وعميقا.. لكنني لم أحب أن أخلف وعدي معكم.
***
أحد الردود التي ينسف مقال الدكتور السرجاني كله أن الأمر ليس فتنة تغم على الناس بل إن الحق أبلج والباطل لجلج وأننا أمام مجموعة من الخوارج والبغاة وليس أمام طائفة مختلفة.
الأمر الثاني الذي ينسف المقالة من أساسها أن الصحابة لم يولوا قتلة سيدنا عثمان الخلافة!!
الأمر الثالث أن الخلاف بين سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا معاوية غفر الله له لم يكن على صلب الإسلام وجوهره ورغم أن الصواب كان مع سيدنا علي بلا جدال إلا أن سيدنا معاوية لم يتحالف مع بابا النصارى لخلعه (لم يسع لخلعه أصلا) ولا هو حين استولى على الحكم نكل بالمسلمين لمجرد أنهم مسلمون ولا قرب الراقصات والشواذ ومنحهم أوسمة المثالية، ولم يأمر بحصار المساجد وحرقها وذبح الآلاف .. و... و.... و... ومحاولة الحصر مستحيلة 
لذا نكتفي بالأمثلة السابقة لكننا نذكر شيخنا الجليل بما قاله معاوية رضي الله عنه وغفر له لملك الروم عندما عرض عليه أن يرسل له جيشا يعاونه على سيدنا علي.. حين رد عليه ردا صاعقا أنت تعرفه وتعلمه لنا.
والحقيقة يا شيخنا الجليل أنك أسأت إلى سيدنا معاوية إساءة كبرى حين شبهت الانقلابيين به.. أو على الأقل بمعسكره.
***
ثم ماذا كنت تتوقع أن يكون رد فعل الصحابة جميعا لو أن قتلة سيدنا عثمان رضي الله عنه وضعوا ابن سبأ على مقعد الخلافة.. وأن ابن سبأ هذا كان متواطئا ومتآمرا ومتفقا مع اليهود والروم والمشركين على هدم الإسلام حجرا حجرا ونقض عراه عروة عروة!!.
فهل كنت ترى شيخنا الجليل أن هذه فتنة وأنه يجب السكوت عليها حفاظا على الدولة؟
وهل كانت في مثل هذه الحالة تكون دولة؟
***
ثم نأتي إلى العمود الفقري لمقال شيخنا الجليل وأورده بنصه حتى أستطيع مناقشته..
يقول شيخنا الجليل:
هذا ما نعيشه الآن..
كلنا متفقون أن المتمردين على الدكتور مرسي -حفظه الله- ظلموه وظلموا حكومته، وانقلبوا عليه انقلابًا فيه خيانة ظاهرة، ومارسوا بلطجة على رأي الشعب، وهم من الظلمة المفسدين، لا يختلف على ذلك العلماء من شتى الاتجاهات والمدارس، لكن آليات التعامل مع الموضوع بعد وقوع الظلم ستكون مختلفة بين العلماء؛ لأن المسألة فتنة، والرؤية ضبابية في كثير من الأحيان، وقد يرى بعض العلماء أن الإقدام أولى، ويرى حتمية التعجيل بردِّ الحق الآن، بينما يرى آخرون أن مفاسد الإقدام أعلى من الانسحاب، فيقدم الانسحاب، ومحاولة تخفيف المضار، إلى أن يأتي وقت يمكن فيه الانتقام من الظالمين، بينما يرى فريق ثالث التوسط بين هذا وذاك بشكل أو آخر، ومن المؤكد أن هناك فريق رابع لايدري على وجه الحقيقة ماذا ينبغي أن نفعل، ولذلك لا يتجرأ على إعلان رأي قد يكون فيه مخالفة شرعية من وجه أو آخر..

انتهي ما قاله شيخنا الجليل وأجدني مضطرا للاقتراب في خجل لكي أهمس في أذنه:
- شيخنا وأستاذنا: لا يمكن أن تكون البروستاتا فالمريض امرأة.!!
وأنا أعتقد أن خطأ الشيخ الجليل بني على هذه الفكرة الخاطئة المخطئة..
فبعد خطئه الأول في الصمت على أن قتلة سيدنا عثمان قد استولوا على مقعد الخلافة وتآمروا مع الروم واليهود والمشركين لهدم الإسلام.. أقول بعد خطئه الأول هذا وقع في الخطأ المروع الآخر الذي أعجب كيف وقع فيه.. ولكن جل من لا يخطي.
لقد حصر الشيخ الجليل والأستاذ والعلامة المشكلة في حق الدكتور مرسي وحكومته الذي سلب ظلما وما وقع عليهم من ظلم وكيفية التعامل مع هذا الظلم بعد وقوعه.
وهنا أجدني أصرخ فيه بكل ما أوتيت من قوة وبجبال الألم التي ينوء بها كاهلي:
أصرخ فيه بل تصرخ فيه كل خلية من خلاياي بصرختها الخاصة منتحبة بنحيبها الخاص:
- والله ما أبالي أن يرتقي الدكتور محمد مرسي شهيدا هو وكل حكومته والإخوان جميعا إذا ما استطعنا بدمائهم ودمائنا المحافظة على الإسلام وإعلاء شرع الله.
المشكلة يا سيدي وشيخي وأستاذي - ولست أدري كيف غفلت عنها- ليست مشكلة الإخوان ولا مشكلة الحكم.. بل مشكلة الإسلام نفسه..
مشكلة الإسلام نفسه..
يحاولون ذبح الإسلام نفسه..
يحاولون إطفاء نور الله
يحاولون نصر الكفر على الإسلام..
والشذوذ والعهر على العفة..
والظلم على العدل..
والشر على الخير..
أخرج الإخوان من المعادلة تماما..
واجعل الانقلابيين يعرضون فكرتهم عن الإسلام وليطبقوه على أي نحو ومذهب من مذاهب السنة والجماعة وبعدها لن نطالبهم بشيء آخر.
***
كيف وقعت في هذا الخطأ يا شيخنا الجليل..
هل المشكلة فعلا كما قلت الحرص على عقابهم عاجلا أم آجلا..
إن هذا الموضوع لم يطرح بهذا الشكل أبدا..
المطروح هو القصاص ولو بعد أعوام..
المطروح هو إزالة قتلة عثمان من على كرسي الخلافة..
المطروح ألا يضع لنا حدود إسلامنا خالد يوسف وإلهام شاهين وثروت الخرباوي وسما المصري وعلى جمعة وعمرو خالد.
المطروح هو إعادة الإسلام المحاصر والمحبوس لا إعادة الدكتور مرسي والإفراج عن المعتقلين.
الأمر لا يتعلق بخلاف بين طائفتين مسلمتين..
بل بطائفة تحاول القضاء على الإسلام مستعينة بالأقليات في الداخل والأعداء في الخارج..
***
اغفر لي يا شيخنا الجليل جرأتي وتجاوزي..
التشخيص كله خطأ..
كله خطأ..
كله خطأ
وقد ترتب على هذا أن العلاج كله خطأ.
وأنا واثق أنك على درجة من النبل والتجرد والأستاذية التي تدفع رجاعا للحق مثلك أن يعترف بخطئة فزلة العالِم يزل بها عالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق