الأربعاء، 25 يوليو 2018

هاشم الرفاعي.. ثاني الشعراء الذين قتلتهم ثورة يوليو


هاشم الرفاعي.. 
ثاني الشعراء الذين قتلتهم ثورة يوليو



د. محمد الجوادي
مفكر سياسي
لا شك في أن الشاعر هاشم الرفاعي (المتوفى 1959) هو أشعر شعراء جيله، ولا يزال بعض بقايا جيله مشاركا في الحياة العامة، مات وهو في عمر الزهور قبيل تخرجه من كلية دار العلوم فصٌدم الشعراء والمثقفون والعرب جميعا لوفاته المفاجئة، وكان شعره قد عرف على نطاق عربي واسع كما أنه كان قد وجد فرصة نادرة حين واكب بإبداعه الشعري الفذ موسم الاحتفاليات الشعرية التي انطلقت مع إعلان مصر وسوريا وشهدت تألقه وتألق شعره ونشاطه.


بيد أن الرفاعي بثقافته ونقائه لم يكن من المخدوعين بما يراه ولم يكن من المنشدين التقليديين، وإنما كان مثقفا أصيلا وكان صاحب رؤية وذائقة وفهم ووعي، وقد ترك أكثر من قصيدة عصماء في تقييم عبد الناصر (وأبياتا أخرى يصعب طباعتها على الورق) ولخص بأبيات هذه القصائد ملامح عهد عبد الناصر. وكان من الطبيعي أن يتخلص نظام 23 يوليو من الشاعر هاشم الرفاعي سريعا وهو ما حدث بالفعل وأحست به نفس الشاعر الشفافة وعبرت عنه فيما سنرويه بإذن الله في مدونة قادمة.
لا يعجبن قارئ من خوف نظام بوليسي مستقر من شاعر مثل هاشم الرفاعي بعد أن انتشرت له قصائد دافقة بالحرارة والحماسة والفكر الحر السوي
وقد جاء الخلاص من حياة هاشم الرفاعي بطريقة ديكتاتورية مبتكرة تخفي وتظهر في الوقت أصابع النظام التي أرتكبها بدهاء وقسوة ونذالة، فقد كان الشاعر هاشم الرفاعي يقضي الإجازة الصيفية في قريته إنشاص، وكان في ذلك اليوم يمضي بعض الوقت في منتدى صغير يرتاده أهل القرية العاديون من مختلف الأعمار والاهتمامات ويمثل بالنسبة لهم متنفسا تقليديا، وفجأة نشبت مشادة مفتعلة لم يكن الشاعر هاشم الرفاعي نفسه طرفا فيها لكن السكين الغادر امتدت إليه بيد أحد الأشقياء فقضت عليه.
ولا يعجبن قارئ من خوف نظام بوليسي مستقر من شاعر مثل هاشم الرفاعي بعد أن انتشرت له قصائد دافقة بالحرارة والحماسة والفكر الحر السوي لخص فيها الشاعر الموهوب مبكرا كل ما أحسه تجاه سياسات عبد الناصر السلبية في ميادين القضاء والبرلمان ومجلس الدولة، وازدواج الهوى والبغي والغي وتقييد الحرية ونشر شريعة الغاب وسيادة الطغيان والظلم البين وهوان الحياة وخداع الرأي العام ....الخ عاقدا مقارنات ذكية بين عبد الناصر وبين فرعون والشيشكلي ونيرون والملك فاروق، ووصل بصياغته الشعرية إلى أن قال بيته المنطقي الشهير والذائع في لعنة عبد الناصر:
* يبدأ هاشم الرفاعي بالإشارة إلى ما شهده عهد جمال عبد الناصر من غياب القانون وسيادة شريعة الغاب:
جـــلادَ مـصــرَ ويا كـبـيـر بـغاتـهـا  
مـهلا فــأيــامُ الــخــلاصِ دوانــي
مــن أيِّ غـاب قــد أتـيـتَ بِـِشِـْرعـة  
مـا إنْ يُسـاس بهـا سـوى الحـيـوان
وبــأي قـانـون حـكـمـت فـلــم تــدع  
 شـيـئـا لـطـاغـيـة مــــدى الأزمــــان
أ بـرأيـكـم؟ والله يــشــهــد أنــــــه 
 فــيــه الــهــوى والــغــيُّ يلـتـقـيـان


* ثم هو يتحدث عن أن الشعب المكبل قد أصبح كالزوج المخدوع لا يعلم الحقيقة إلا متأخرا: 

 أم ذاك رأيُ الشـعـب وهـــو مـكـبـَّلٌ 
 فـحـيـاتــه والـــمـــوت يـسـتــويــان
 قـد بـات مثـل الـزوج مخدوعـا متـى  
يـعـلــم فـبــعــد تــحــدث الـجــيـران


* وهو يذهب إلى القول بتشابه بد الناصر مع فرعون واستحقاقه الاقتران به لو كان عهده قد سبق بعثة النبي عليه الصلاة والسلام:
لـو كان عهـدُك قـبـل عـهـد محـمـدٍ  
 لَلُعِـنْـتَ يــا (فـرخ) فرعونُ فـي الـقـرآن

* ويمضي هاشم الرفاعي ببيان متألق يلخص خطوات الدكتاتورية المتتالية في عهد عبد الناصر:
فــي ظــل فـتـرة الانتـقـال بـنــا إلـــى  
 دار الـبــقــاء ورحــمـــة الــديــان
هجـر القضـاء الحـر مجـلـس دولــةٍ  
قــد نــام مـــلء الـعـيـن والأجـفــان
وأُضـيـع دسـتـورُ الـبــلاد وحـقـهـا  
 فــــي بـرلـمــان ثــابـــت الأركـــــان
نـيـرونُ لـــو قـيـسـت بـكــم أفـعـالُـه  
سـيـكـون ربَّ الـخـيـر والإحــســان
يــا رُبَّ مغـلـوب يـنــام عـلــى الأذى  
 لــكـــنْ بـمـقـلـة ســاهــر يـقـظـان
لا يُغْـريَـنَّـكُـمُـوا بــضـــرب رقـابــنــا  
 هــــــذا الــســكـــونُ فـــإنــــه لأوان

* ثم هو يتوقع للعواصف أن تقلع هذا النظام معولا على ما يعرفه من حقائق الطبيعة في البراكين والقطر والسيل:
ومن العواصـف مـا يكـون 
بـعــد الــهــدوء وراحــــة الــربــان
إن احتـدامَ النـار فـي جـوف 
 أمــــر يـثــيــرُ حـفـيـظــةَ الـبــركـان
وتَـتَـابُـعُ الـقـطــراتِ يـَـنــزل 
 ســيــلٌ يـلــيــه تــدفُّــقُ الـطـوفــان
كــم مـن قـــويٍّ ظـالــم قــد 
 مـن شعبـه مـا ليـس فـي الحسـبـان
* وهو يبشر عبد الناصر بمصير أسلافه فيقول:
فـتـَّشــتُ لــــم أر مـسـتـبـدا نـاجــيــا 
 دمـــعُ الضـحـايـا فـاحـشُ الأثـمـان
عرف الشيشكلي قبلكـم فـي سُورِيَـا 
مـــاذا وراء الـصـمـت والإذعــــان
فـاروقُ لـم يـكـن الخـيـالُ يــراه فــي 
يــومِ الـخـروج يـجـرُّ فــي الأحــزان
مـــا كــــان فـيـنــا حــالــمٌ بـنـزولــه 
عــن عـرشـه فــي لحـظـة وثـــوان
لـكـنــه ظـلـمُ الـطـغـاةِ شعـوبـَهــا 
جـعـلَ الحـيـاة تــدبُّ فــي الجـثـمـان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق