الاثنين، 30 يوليو 2018

المسافة صفر- سيناء.. حروب التيه -ج1

المسافة صفر- سيناء.. حروب التيه -ج1
سيناء.. وثائق وشهادات حصرية تكشف مستور حروب التيه




ملخص التقرير
لا يكاد يمر أسبوع على قوات الأمن المصرية (جيشا وشرطة) في شمال سيناءدون وقوع قتلى ومصابين في صفوفها جراء هجمات تنظيم الدولة هناك، وصل عددها بين عاميْ 2014-2018 إلى ألف هجوم مسلح سقط خلالها ما لا يقل ألفيْ قتيل من الضباط والجنود وأكثر من ثلاثة آلاف مصاب، وهو متوسط الأرقام المذكورة في بيانات المتحدث العسكري المصري وتنظيم الدولة.
هذا ما توصل إليه برنامج "المسافة صفر" في تحقيق استقصائي بعنوان: "سيناء.. حروب التيه"، بُثت حلقته الأولى الأحد (2018/7/29) وتضمّنت وثائقَ سريةً وصورا وشهادات حصريةً من قلب العمليات العسكرية في سيناء.
وأثبتت هذه الوثائق والشهادات انشقاق أربعة ضباط منشآت أمنية من قوات العمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية وانضمامَهم إلى تنظيم الدولة في سيناء، مؤكدا أنهم انضموا للتنظيم أثناء تنفيذهم مهمة في سيناء تحت إشراف الجيش، رغم أنه يُفترض أن هؤلاء الضباط خضعوا لتأهيل فكري ضد التطرف، وهو ما يشير إلى وجود خلل كبير في المنظومة الأمنية المصرية في سيناء.
كما أورد التحقيق كشْف ضابطِ جيش يخدم في سيناء تجاهلَ غرفة عمليات الجيش لنداءات الاستغاثة عند وقوع بعض الهجمات على ثكنة عسكرية جنوبي رفح. وسلط الفيلم الضوء على مجموعات قبلية مسلحة شكلها الجيش في سيناء بالاستعانة بشخصيات ذات سوابق إجرامية أصبحت اليوم مقربة من النظام ولها معه مصالح اقتصادية كبيرة في سيناء، وصرح قيادي في هذه المجموعات بأن الهدف من تشكيلها كان حمايةَ تجارة التهريب مع قطاع غزة.

عرض التحقيق الاستقصائي الذي بثته الجزيرة تحت عنوان "سيناء.. حروب التيه" شهادات ووثائق متعلقة بالواقع الميداني في سيناء، وكشف النقاب عن بعض مسارات الحرب القائمة بين الجيش المصري وفرع تنظيم الدولة في سيناء، وأدوار المليشيات القبلية المقربة من الجيش، وطبيعة الصراع الدائر هناك.
وتواصل الفريق الذي أنجز التحقيق مع مصادر متعددة ذات اطلاع على بعض تفاصيل المشهد السيناوي المعقد، من بينها عسكريون بعضهم خدم في سيناء خلال السنوات الأخيرة، وبعضهم عناصر قبلية فاعلة في المليشيات القبلية المسلحة.
هل الجيش مخترق؟
طرح تحقيق الجزيرة أسئلة كبرى حول فرضية تمكن تنظيم الدولة في ولاية سيناء من اختراق الجيش المصري والأجهزة الأمنية العاملة هناك، وأورد العديد من الأمثلة والشواهد التي أثارت هذه الفرضية وأسهمت في تعزيزها.
وساق التحقيق عددا من الأمثلة والنماذج التي تؤيد هذه الفرضية، كما تحدث الصحفي والباحث المصري أبوبكر خلاف (خلال التحقيق) عن بعض الشواهد على ذلك، من بينها استهداف طائرة وزيري الداخلية والدفاع المصريين حين كانا في زيارة سرية للعريش، حيث قتل حينها في تلك العملية العقيد طيار محمد رفعت المندوه، وقتل معه أيضا المقدم إسماعيل الشهابي.
وساق أمثلة أخرى عديدة منها حالة عميد شرطة محمد سلمي السواركة، وهو من أبناء قبائل السواركة في سيناء، وتم استهدافه وقتله في 25 يوليو/تموز 2014 عندما كان عائدا من عمله، وكان بصحبته العميد عمرو صالح وهو عميد شرطة، وكانا في سيارة مدنية وتم استهدافهما وقتلهما.
وتوقف التحقيق مطولا عند عملية كمين البرث، باعتبارها مثلت الخيط الأول، والعملية التي فتحت بابا من الفرضيات حول قدرة التنظيم على استقاء معلومات دقيقة عن الجيش والشرطة ورسم خرائط داخلية لتلك القوات تمكنه من توجيه ضربات مباشرة ومؤثرة.
كما سلطت تلك العملية الضوء على فكرة تسليح بعض قبائل سيناء، التي لجأ إليها الجيش المصري لمواجهة تنظيم الدولة، على غرار تجربة الجيش الأميركي في العراق عام 2007 في تشكيل مجالس الصحوات.

انشقاقات
وأثبتت الوثائق والشهادات التي عرضت في التحقيق انشقاق أربعة ضباط منشآت أمنية من قوات العمليات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية وانضمامهم إلى تنظيم الدولة في سيناء.
وبينت هذه الوثائق أن المنشقين انضموا للتنظيم أثناء تنفيذهم مهمة في سيناء تحت إشراف الجيش، رغم أنه يُفترض أن هؤلاء الضباط خضعوا لتأهيل فكري ضد التطرف، وهو ما يشير إلى وجود خلل كبير في المنظومة الأمنية المصرية في سيناء.
كما أورد التحقيق أن ضابط جيش يخدم في سيناء كشف تجاهل غرفة عمليات الجيش لنداءات الاستغاثة عند وقوع بعض الهجمات على ثكنة عسكرية جنوبي رفح.
وقال أحد ضباط الجيش المصري الذين خدموا في سيناء لفريق التحقيق –مشترطا إخفاء هويته- إن أغلب الحالات التي سمعنا عن انضمامها للتنظيم كانت بدوافع كيدية وانتقامية، وردة فعل إما على فصل الضابط من وظيفته، أو نتيجة مشاكل وخلافات مع أحد مرؤوسيه، أو نحو ذلك، ولا يأتي في العادة بناء على قناعة بأفكار التنظيم.
وروى قصة أحد الضباط برتبة رائد اسمه وليد شرباص، تم اعتقاله من المخابرات الحربية وانتشر خبره وسط الأفراد والجنود، حين أثبتت التحريات أنه كان على علاقة بالمسلحين، ويسرب لهم معلومات عن أحد القادة الموجودين في الكتيبة ويدعى أحمد شعبان.
ونتيجة لتعاونه مع المسلحين تمكنوا -وفقا لهذا المصدر- من عمل كمين له وقتله وهو في طريقه للشيخ زويد. ولاحقا أثبتت التحريات أن "سبب تعاونه مع الإرهابيين يعود إلى خلافات له مع الضباط والمقدم أحمد شعبان.
وبينما رفض العديد من المتحدثين العسكريين الرد على أسئلة فريق التحقيق، نفى حسين عبد الرازق من سلاح المشاة في اتصال مع الجزيرة وجود حالات ظاهرة من هذا القبيل، ووصف الحديث عنها بالكلام الفارغ، وإن لم يستبعد وجود حالات فردية لاعتبارات متعلقة بظروف صاحبها.
المليشيات القبلية
وتوقف التحقيق عند المليشيات القبلية التي تشكلت في سيناء بدعم من الجيش لمواجهة مسلحي تنظيم الدولة في سيناء، حيث انتقل الجيش في أبريل/نيسان 2017 من الاستعانة بالعناصر القبلية كأدلاء ومساعدين إلى تأطيرهم ضمن مجموعات مسلحة على شكل مليشيا لمحاربة التنظيم.
وقال أبو سالم الترباني أحد العناصر القيادية في المجموعات القبلية المسلحة إن تأسيس القوات القبلية جاء في البداية كردة فعل على قيام تنظيم الدولة بحرق كميات كبيرة من السجائر تعود لتجار القبائل الذين يشتغلون في تهريبها إلى قطاع غزة.
وقال إن العمل في تهريب السجائر لم يكن مرحبا به من قبل تنظيم الدولة، حيث اقتحموا سوق السجائر (الدخان) وأحرقوا أطنانا من السجائر وسيارات ومركبات كانت محملة بالسجائر، وهذا ما أوجد حربا أطلق عليها حرب السجائر في حينها.
وكشف التحقيق أن من أبرز قادة المليشيات القبلية المسلحة في سيناء إبراهيم العرجاني، وهو صاحب تجارة تهريب في سيناء، وينتمي لقبيلة الترابين، وتربطه علاقات وطيدة بجهاز المخابرات، ومقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وظهر معه أكثر من مرة.
سالم لافي هو أحد أشهر المهربين في سيناء، ينتمي لقبيلة الترابين، ومحكوم عليه في عدة قضايا جنائية سابقة. القائد السابق للمليشيات القبلية المدعومة من الجيش، وقتل في هجوم مسلح لتنظيم الدولة جنوبي رفح.
ومن بين قادة هذه المليشيات القبلية أيضا موسى الدلح، الذي ينتمي لقبيلة الترابين، وهو مهرب وشريك رئيسي لإبراهيم العرجاني في عدة مشاريع لصالح الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية، ومحكوم عليه في عدة قضايا جنائية سابقة، وقاد المليشيات المسلحة بعد مقتل سالم لافي.
قتلى وعمليات
بحسب المعلومات الواردة في التحقيق، فقد تعرض الجيش المصري في سيناء خلال الفترة بين عامي 2014 إلى 2018 إلى نحو ألف هجوم مسلح، سقط خلاله نحو ألفين من الضباط والجنود، وأكثر من ثلاثة آلاف مصاب، وفقا لمتوسط الأرقام المذكورة في بيانات الجيش المصري وتنظم الدولة في سيناء.
وليست العملية الشاملة التي أطلقها الجيش في العام الجاري هي الأولى له في سيناء؛ فقد قام على مدار ثمانين شهرا بحملتين عسكريتين كبيرتين على مراحل زمنية مختلفة، كانت أولاهما عملية سماها "نسر" والتي انطلقت مرحلتها الأولى في أغسطس/آب 2011 بعد استهداف مسلحين -بينهم جهاديون من جماعة أنصار بيت المقدس- مقرات للشرطة المصرية وتفجير خطوط الغاز المصدر إلى إسرائيل.
وفي أغسطس/آب 2012، أطلق المرحلة الثانية من العملية ذاتها بعد هجوم مسلح على موقع عسكري مصري عند الحدود مع إسرائيل، وفي خضم تلك العملية أعلن تنظيم أنصار بيت المقدس مبايعة تنظيم الدولة في العراق والشام في نوفمبر/تشرين الثاني ،2014 وأصبح فرعا له في سيناء تحت مسمى ولاية سيناء.
ومع اشتداد المعارك بين الجيش المصري وتنظيم الدولة في سيناء؛ أطلق الجيش عملية عسكرية أخرى في سبتمبر/أيلول 2015 سميت "حق الشهيد"، ونفذت على أربع مراحل، وانتهت بإعلان الجيش في فبراير/شباط الماضي إطلاق "العملية الشاملة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق