جمال خطاب
جزر المالديف
في مشهدٍ يلخص 9 قرون من التحول الحضاري، احتفل سكان جزر المالديف، الأحد 13 سبتمبر، بالذكرى الـ900 لدخول الإسلام إلى هذا الأرخبيل المتربع على مياه المحيط الهندي.
لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة دينية عابرة، بل لحظة تستعيد فيها البلاد جذورها العميقة، وتؤكد من جديد أن الإسلام لم يكن يومًا طارئًا على هويتها، بل الإطار الذي تشكلت داخله الدولة والمجتمع والثقافة منذ القرن الثاني عشر.
فمنذ اعتناق الملك دهويمي الإسلام عام 1153م، تحولت المالديف إلى واحدة من أكثر البلاد تجانسًا في العالم، حتى باتت تعرف نفسها رسميًا بأنها «جمهورية المالديف الإسلامية»، وتعلن أن جميع مواطنيها، بلا استثناء، مسلمون بحكم القانون.
ومرور 9 قرون على هذا التحول يمنحنا فرصة نادرة لإعادة قراءة قصة الإسلام في هذه البلاد:
كيف بدأ؟ وكيف ترسّخت أقدامه؟ وكيف استطاعت العقيدة أن تصوغ ملامح أمة كاملة، من اللغة إلى العمارة، ومن السياسة إلى الذاكرة الجماعية؟ والأهم من كل ذلك؛ كيف حافظت المالديف على هذا الإرث الديني المتجذر رغم التحولات العالمية العاصفة؟
هذه الأسئلة تشكّل جوهر هذا المقال، الذي يسعى إلى تتبّع المسار التاريخي والثقافي والسياسي الذي جعل المالديف اليوم أمة مسلمة بنسبة 100%.
مرافئ الملح وبذور العقيدة
لم تكن جزر المالديف، المعزولة في ظاهر المحيط الهندي، بعيدة عن شرايين التجارة العالمية؛ إذ انفتحت مرافئها مبكراً على حركة الملاحة بين الشرق والغرب، ومنذ حل القرن التاسع الميلادي، كانت السفن العربية المحملة بالبضائع تقصد هذه الشواطئ للتزود بالماء العذب والسلع النادرة، وتؤكد الدراسات المنشورة في موسوعة أكسفورد أن هؤلاء البحارة والتجار لم يحملوا معهم بضائع الشام واليمن فحسب، بل حملوا سلوكاً وعقيدة ولغة جديدة، وعبر المعاملة التجارية والتواصل اليومي المباشر، غرس التجار المسلمون النواة الأولى للإسلام في نفوس السكان دون إكراه، متمثلين الوصية النبوية الداعية للتبليغ «بلغوا عني ولو آية»، ليدخل الدين الجديد برفق إلى الوجدان المالديفي قبل أن يستقر في قصور الحكم.
اللحظة الفاصلة
شهد عام 1153م انعطافة تاريخية غيّرت مجرى الأرخبيل بأكمله، ففي ذلك العام، أعلن الملك البوذي دهويمي اعتناقه الإسلام على يد العالم والداعية المسلم أبو البركات يوسف البربري، وبحسب ما وثقته ألواح «لوامافانو» النحاسية التاريخية، تسمى الملك باسم السلطان محمد العديل، ليؤسس أول سلالة إسلامية حكمت البلاد طوال 8 قرون متواصلة.
لم يكن هذا التحول مجرد حدث ديني في البلاط الملكي، بل كان إعادة هندسة شاملة للبنية السياسية والديمجرافية للجزر؛ حيث أُلغيت المعابد البوذية، وشيدت المساجد، وأُدخلت الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للحكم والتشريع، استجابة للرؤية القرآنية التي تجعل الحاكمية والمشروعية لله وحده، لتتشكل بذلك سلطنة إسلامية مركزية أزاحت المظاهر الدينية القديمة كلياً.
هوية مصونة بقوة القانون
مع استقرار الدولة المعاصرة، تجسد هذا الموروث في صلب «جمهورية المالديف الإسلامية»؛ إذ ينص دستور عام 2008م على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويشترط أن يكون رئيس الدولة ومواطنوها مسلمين، حاسماً بقوة القانون منع ممارسة أو إظهار أي شعائر لدين آخر، هذا التجانس الصارم جعل المالديف إحدى 4 دول فقط في جنوب آسيا تتمتع بأغلبية مسلمة مطلقة، حيث باتت العقيدة الشرط الأول والمحوري لنيل المواطنة.
شرايين الحياة
تتجاوز الآثار الإسلامية في المالديف حدود الدساتير لتنغرس في تفاصيل الحياة اليومية للناس، فاللغة «الديفيهية» امتلأت بمئات المفردات والمصطلحات العربية، وظلت تكتب بالحروف العربية حتى منتصف القرن العشرين، وعلى صعيد العمران، تجسد المساجد التاريخية، وفي مقدمتها مسجد الجمعة القديم تحفة هندسية فريدة؛ حيث حفرت الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية بدقة متناهية على حجارة المرجان البحري.
وامتص المجتمع المالديفي أحكام الشريعة في شؤون الزواج والميراث والمعاملات، وتوجهت علاقات الجزر الخارجية تاريخياً نحو العواصم والموانئ الإسلامية في اليمن وعُمان والساحل الشرق أفريقي؛ ما صبغ ثقافة الأرخبيل بصبغة إسلامية خالصة.
ذاكرة تستعصي على الاندثار
تنفرد المالديف بين دول المنطقة بأنها لم تحتفظ بأي أثر ديني بوذي أو هندوسي نشط بعد تحولها الشامل، إذ ذابت تلك الآثار في الذاكرة الجماعية لحساب الموروث الإسلامي، ولا تزال الذاكرة الوطنية تحرس هذا الإرث عبر ضريح «أبو البركات البربري» في العاصمة المالديفية ماليه، والسجلات الملكية النادرة، والمساجد العتيقة التي تذكر الجيل الجديد بمسار تحول بلادهم.
حصن السيادة وروح الأمة
في المالديف اليوم، لا ينظر إلى الإسلام باعتباره مجرد شعائر عبادية، بل ركيزة أساسية للأمن القومي والسيادة الوطنية، تشرف وزارة الشؤون الإسلامية على ضبط الخطاب الديني وتوجيهه، بينما تشكل المناهج الإسلامية الأساس التربوي للناشئة في جميع المراحل الدراسية، ولعل هذا ما يعكسه تصريح الرئيس المالديفي السابق مأمون عبدالقيوم حين أشار إلى أن الإسلام في المالديف ليس مجرد عقيدة، بل هو روح الأمة والعمود الفقري لهويتها.
إن المالديف اليوم تدرك أن عبور 9 قرون على اعتناق الإسلام لم يكن محطة عابرة، بل كان ولادة ثانية لأمة أعادت صياغة وجودها وهويتها بالكامل، لتظل هذه الجزر المرجانية شاهداً حياً على تجربة حضارية فريدة تحولت فيها العقيدة إلى هوية وطنية جامعة بنسبة 100%.
اقرأ أيضاً
جمهورية المالديف الإسلامية.. ونصرتها للقضية الفلسطينية
هذه الأسئلة تشكّل جوهر هذا المقال، الذي يسعى إلى تتبّع المسار التاريخي والثقافي والسياسي الذي جعل المالديف اليوم أمة مسلمة بنسبة 100%.
مرافئ الملح وبذور العقيدة
لم تكن جزر المالديف، المعزولة في ظاهر المحيط الهندي، بعيدة عن شرايين التجارة العالمية؛ إذ انفتحت مرافئها مبكراً على حركة الملاحة بين الشرق والغرب، ومنذ حل القرن التاسع الميلادي، كانت السفن العربية المحملة بالبضائع تقصد هذه الشواطئ للتزود بالماء العذب والسلع النادرة، وتؤكد الدراسات المنشورة في موسوعة أكسفورد أن هؤلاء البحارة والتجار لم يحملوا معهم بضائع الشام واليمن فحسب، بل حملوا سلوكاً وعقيدة ولغة جديدة، وعبر المعاملة التجارية والتواصل اليومي المباشر، غرس التجار المسلمون النواة الأولى للإسلام في نفوس السكان دون إكراه، متمثلين الوصية النبوية الداعية للتبليغ «بلغوا عني ولو آية»، ليدخل الدين الجديد برفق إلى الوجدان المالديفي قبل أن يستقر في قصور الحكم.
اللحظة الفاصلة
شهد عام 1153م انعطافة تاريخية غيّرت مجرى الأرخبيل بأكمله، ففي ذلك العام، أعلن الملك البوذي دهويمي اعتناقه الإسلام على يد العالم والداعية المسلم أبو البركات يوسف البربري، وبحسب ما وثقته ألواح «لوامافانو» النحاسية التاريخية، تسمى الملك باسم السلطان محمد العديل، ليؤسس أول سلالة إسلامية حكمت البلاد طوال 8 قرون متواصلة.
لم يكن هذا التحول مجرد حدث ديني في البلاط الملكي، بل كان إعادة هندسة شاملة للبنية السياسية والديمجرافية للجزر؛ حيث أُلغيت المعابد البوذية، وشيدت المساجد، وأُدخلت الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للحكم والتشريع، استجابة للرؤية القرآنية التي تجعل الحاكمية والمشروعية لله وحده، لتتشكل بذلك سلطنة إسلامية مركزية أزاحت المظاهر الدينية القديمة كلياً.
هوية مصونة بقوة القانون
مع استقرار الدولة المعاصرة، تجسد هذا الموروث في صلب «جمهورية المالديف الإسلامية»؛ إذ ينص دستور عام 2008م على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، ويشترط أن يكون رئيس الدولة ومواطنوها مسلمين، حاسماً بقوة القانون منع ممارسة أو إظهار أي شعائر لدين آخر، هذا التجانس الصارم جعل المالديف إحدى 4 دول فقط في جنوب آسيا تتمتع بأغلبية مسلمة مطلقة، حيث باتت العقيدة الشرط الأول والمحوري لنيل المواطنة.
شرايين الحياة
تتجاوز الآثار الإسلامية في المالديف حدود الدساتير لتنغرس في تفاصيل الحياة اليومية للناس، فاللغة «الديفيهية» امتلأت بمئات المفردات والمصطلحات العربية، وظلت تكتب بالحروف العربية حتى منتصف القرن العشرين، وعلى صعيد العمران، تجسد المساجد التاريخية، وفي مقدمتها مسجد الجمعة القديم تحفة هندسية فريدة؛ حيث حفرت الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية بدقة متناهية على حجارة المرجان البحري.
وامتص المجتمع المالديفي أحكام الشريعة في شؤون الزواج والميراث والمعاملات، وتوجهت علاقات الجزر الخارجية تاريخياً نحو العواصم والموانئ الإسلامية في اليمن وعُمان والساحل الشرق أفريقي؛ ما صبغ ثقافة الأرخبيل بصبغة إسلامية خالصة.
ذاكرة تستعصي على الاندثار
تنفرد المالديف بين دول المنطقة بأنها لم تحتفظ بأي أثر ديني بوذي أو هندوسي نشط بعد تحولها الشامل، إذ ذابت تلك الآثار في الذاكرة الجماعية لحساب الموروث الإسلامي، ولا تزال الذاكرة الوطنية تحرس هذا الإرث عبر ضريح «أبو البركات البربري» في العاصمة المالديفية ماليه، والسجلات الملكية النادرة، والمساجد العتيقة التي تذكر الجيل الجديد بمسار تحول بلادهم.
حصن السيادة وروح الأمة
في المالديف اليوم، لا ينظر إلى الإسلام باعتباره مجرد شعائر عبادية، بل ركيزة أساسية للأمن القومي والسيادة الوطنية، تشرف وزارة الشؤون الإسلامية على ضبط الخطاب الديني وتوجيهه، بينما تشكل المناهج الإسلامية الأساس التربوي للناشئة في جميع المراحل الدراسية، ولعل هذا ما يعكسه تصريح الرئيس المالديفي السابق مأمون عبدالقيوم حين أشار إلى أن الإسلام في المالديف ليس مجرد عقيدة، بل هو روح الأمة والعمود الفقري لهويتها.
إن المالديف اليوم تدرك أن عبور 9 قرون على اعتناق الإسلام لم يكن محطة عابرة، بل كان ولادة ثانية لأمة أعادت صياغة وجودها وهويتها بالكامل، لتظل هذه الجزر المرجانية شاهداً حياً على تجربة حضارية فريدة تحولت فيها العقيدة إلى هوية وطنية جامعة بنسبة 100%.
اقرأ أيضاً
جمهورية المالديف الإسلامية.. ونصرتها للقضية الفلسطينية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق