‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة المجتمع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجلة المجتمع. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

رسالة للنبي محمد

 رسالة للنبي محمد

د. عبدالحليم عويس

د. عبدالحليم عويس

 
في كل يوم نرسل إليك -بألسنتنا- السلام ورحمة الله وبركاته.

كما لا يجاوز القرآن حناجر أكثرنا.. كذلك لا يجاوز ذكرك الحناجر.. وكلما ذكر اسمك ارتفعت أصواتنا -بينما عقولنا شاردة- بالصلاة والسلام عليك.

إننا نعترف.. بأنك أصبحت بعيدًا عن قلوبنا ووعينا.. لقد جَذَبَتنا المادية إليها، فأصبحنا ندور في فلكها.. وحتى في صلاتنا وحجّنا.. تكون أقوالنا وحركاتنا في واد.. وقلوبنا وعقولنا في واد آخر..

ولعدة قرون -وهي فترة غيبوبتنا عن حقائق ديننا وهبوطنا إلى درك التخلف والهزيمة النفسية- كنا هكذا منشطرين على أنفسنا، فكلامنا وأفعالنا في طريق.. وعقولنا وقلوبنا.. بعيدة عنك وعن كتاب ربنا.. في طريق آخر.

لقد تركنا طريقتك.. وهجرنا سنَّتك.. وأصبح الاحتفال بمولدك ليس صيامًا وعبادةً وحياةً مع سيرتك.. 
كما كُنتَ تحتفل في كل أسبوع حين تصوم كل يوم اثنين؛ لأنه اليوم الذي ولدتَ فيه.. بل أصبح تهريجًا يغلب عليه الفسق والقبائح، وتضيع منه معانيك العظيمة وأنوارك الطاهرة.. وتغلب العادة فيه على العبادة.. ونأكل الحلوى الموروثة من أيام الباطنية الفاطميين.. الذين استبدلوا بالإسلام الصحيح الطعامَ المليح، واستبدلوا بالمضامين والحقائق الأشكالَ والمبتدعات.. حتى تاه وعينا.. فأصبحنا أضحوكة الناس، وانفصلنا عن فقه القرآن والسُّنة والإجماع والقياس.

فافْتح ذراعيك يا رحمة الله للعالمين.. يا من حنوت على الحيوانات والجمادات.. وربتَّ بيديك الشريفتين على الجذع الذي حنَّ وأنَّ... فالتقطت أشعتك القلبية حنينه وأنينه.. فَرَبتَّ عليه حتى سكن.. وسكت.. فاستقبِلنا.. كما استقبلت الجمل الذي جاءك حزينًا يشكو ظلم صاحبه، وكما استقبلت الجذع الذي بكى.. فسمع قلبك بكاءه حين تركت الصعود للخطبة عليه وارتقيت المنبر.. استقبِلنا.. فنحن أحوج إلى شفاعتك وحبك.. أكثر من الجمل وجذع النخلة.. وسل الله لنا المغفرة واستغفر لنا ليغفر الله لنا..

وقريبًا سنلتقي بك.. بسنَّتك.. بقلوبنا وعقولنا وليس بألسنتنا وحركاتنا!

وسلام الله عليك.. في الأولين.. وفي الآخرين.. وإلى يوم الدين.

 

المصدر
من أرشيف مقالات المفكر المصري الراحل د. عبدالحليم عويس.
.







الجمعة، 24 يوليو 2026

بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم

 بعد عقود من الغياب.. سر عودة اليهود إلى دمشق لترميم مقابرهم


بدأت مؤسسة سورية/أمريكية، يقودها يهودي سوري أمريكي، عملية ترميم المقبرة اليهودية الرئيسة في دمشق، ضمن مساعٍ لإعادة إحياء ما تبقى من إرث الطائفة اليهودية في سورية في يوليو 2026م.


وتُشرف مؤسسة «موزاييك» على تنفيذ المشروع الذي يستهدف واحدة من أبرز المقابر اليهودية في سورية، وتضم مئات القبور التي يعود بعضها إلى عقود طويلة.

ويأتي هذا بالتوازي مع تحركات رسمية ومجتمعية شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية شملت تأسيس أول منظمة مرخصة لحماية التراث اليهودي، وزيارات متكررة ليهود سوريين مقيمين في الخارج إلى أماكن العبادة والمقابر والأحياء التي عاشوا فيها.

وتعمل مؤسسة «موزاييك» بين سورية ونيويورك، ورئيسها هو اليهودي السوري الأمريكي جوزيف جاجاتي، وقد بدأت أعمال تنظيف المقبرة وتدعيم عدد من القبور المتهالكة، وترميم السور الخارجي، وتركيب منظومة إنارة وكاميرات مراقبة.

وتُعرف نفسها بأنها منظمة غير ربحية تُعنى بالحفاظ على التراث الثقافي والديني السوري، وتسعى إلى توثيق وحماية المواقع التاريخية، وتعزيز الحوار بين مكونات المجتمع السوري، وبناء جسور بين السوريين داخل البلاد وخارجها.

وسبق أن أثارت زيارات المؤسسة واتصالاتها داخل سورية، إلى جانب مشاركة مؤسسها في مبادرات لإحياء التراث اليهودي السوري، اهتمامًا إعلاميًا وتساؤلات حول طبيعة نشاطها وهويتها، وهل تعمل لحساب أي حكومة أو جهاز استخبارات أو جهة سياسية.

وكانت «وكالة الأنباء الفرنسية» نقلت عن اليهودي السوري الأمريكي جاجاتي أن المقبرة لم تتضرر جراء الحرب التي شهدتها سورية منذ عام 2011م، وأن آخر عملية دفن فيها جرت قبل نحو عام ونصف عام لنقص أعداد اليهود بسورية.


وانقطعت زيارة اليهود لها خلال العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تبدأ وفود من اليهود السوريين المقيمين في الخارج بزيارة سورية بعد التغيرات السياسية الأخيرة، لتفقد أملاكهم ودور العبادة وقبور أسلافهم.


وبحسب الحاخام السوري الأمريكي هنري حمرا، فإن المنظمة التي أسسها عدد من أبناء الجالية اليهودية السورية في الخارج تهدف إلى توثيق الأملاك اليهودية، ومتابعة استعادة ما صودر منها خلال حكم النظام السابق، إضافة إلى حماية الكنس والمزارات اليهودية وترميمها وإتاحتها للزيارة.


تاريخ المقبرة اليهودية


وتقع المقبرة اليهودية الرئيسة في حي الأمين داخل البلدة القديمة بدمشق، بالقرب من باب شرقي، وتُعد أكبر وأهم مقبرة يهودية تاريخية في سورية، وتضم قبورًا يعود تاريخ بعضها إلى مئات السنين لعدد من كبار الحاخامات والعلماء اليهود الذين عاشوا في دمشق.


وهي ضمن الحي اليهودي التاريخي في دمشق، الذي كان يتركز بين حي الأمين وحارة اليهود قرب باب شرقي، وتمثل أبرز معالم الوجود اليهودي التاريخي في دمشق، وقد أصبحت مقصدًا لزوار يهود من أصول سورية، بعد السماح لهم بزيارة سورية، وتضم شواهد قبور مكتوبة بالعبرية والعربية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة تاريخ يهود دمشق.


رغم تراجع عدد اليهود في سورية إلى أعداد قليلة جداً خلال العقود الأخيرة، لا تزال المقبرة قائمة، وخضعت لأعمال ترميم وصيانة محدودة في السنوات الأخيرة، كما زارها بعض أفراد الجالية اليهودية السورية المقيمين في الخارج بعد سقوط نظام بشار الأسد وبدء انفتاح نسبي على الزيارات الدينية والتراثية.


الوجود اليهودي في سورية


ويعود الوجود اليهودي في سورية، وفق المؤسسة، إلى أكثر من 2500 عام، وتركز تاريخيًا في 3 مدن رئيسة هي دمشق وحلب والقامشلي، وازدهرت الجالية خلال العهدين العثماني والانتداب الفرنسي، حيث امتلكت معابد ومدارس ومؤسسات خيرية وأسهمت في التجارة والصناعات والحرف.


وقبل قيام «إسرائيل» عام 1948م، كان عدد اليهود في سورية يُقدر بنحو 30 ألف نسمة، ثم بدأ العدد يتراجع بصورة حادة بعد حرب 1948م، وما تبعها من توترات وقيود على السفر والملكية، وصولًا إلى السماح لليهود بمغادرة البلاد عام 1992م، في عهد الرئيس حافظ الأسد، فهاجر معظم من تبقى منهم إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مع حظر السفر إلى «إسرائيل» في ذلك الوقت.


وتشير أحدث التقديرات، الصادرة عامي 2025 و2026م، إلى أن عدد اليهود المقيمين داخل سورية يتراوح بين 5 و7 أشخاص فقط، وجميعهم تقريبًا من كبار السن ويقيمون في دمشق، بينما لا توجد حياة دينية منظمة أو حاخام مقيم أو مؤسسات يهودية فاعلة داخل البلاد، ما يجعل الوجود اليهودي في سورية شبه منعدم.

وبعد التغيير السياسي في سورية أواخر عام 2024م، بدأت السلطات اتخاذ خطوات لإحياء التراث اليهودي والحفاظ عليه، شملت تسهيل زيارات يهود سوريين من المهجر، وإطلاق مبادرات لترميم المعابد والمقابر اليهودية، والنظر في إعادة بعض الممتلكات التاريخية، في إطار جهود أوسع للحفاظ على التنوع الديني والثقافي في البلاد.


  اقرأ أيضاً   


الأربعاء، 15 يوليو 2026

الخندق الآمن

الخندق الآمن

بقلم: أ.د. جمال عبدالستار
الأمين المساعد للاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين


تتداعى الأمم على أمتنا، وتتشابك القضايا، وتتقاطع المصالح، وتتعدد الرؤى والمسالك، ويتطلع المسلمون إلى مسار، وتشرئبُّ أعناقهم إلى خندقٍ يحتمون فيه من لهيب المعركة، وطوفان التجريف الذي يتهدد الأمة في أي لحظة من ليلٍ أو نهار.

طوفانٌ يقسم الأمة إلى معسكر إيمانٍ لا نفاق فيه، ومعسكر نفاقٍ لا إيمان فيه، يتمايز فيه أهل الحق من الباطل، ويُفصل فيه الخبيث عن الطيب، فيهلك من هلك عن بينةٍ، ويحيى من حيَّ عن بينةٍ، وفق قانونٍ قرآنيٍّ مطردٍ لا استثناء فيه، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17).

في هذا الوقت العصيب، تتطلع الأمة إلى خندقٍ يحتمي فيه المؤمن من غارات الكفر المتلاحقة، ومكره المتنوع، ونيرانه الحارقة، ومخططاته الماكرة، فمتى تجد هذا الخندق؟ وأين عساه أن يكون؟

خندق الاستسلام للكفر والطغيان

إن خندق الأمان لن يكون عند تلك الراية التي تنادي بالتماهي مع مخططات الأعداء، والاستسلام للواقع البئيس، وعدم الوقوف في وجه العاصفة، والرضا بالحد الأدنى من الوجود على هامش الحياة، أو على الأكثر الانخراط داخل منظومته لمحاولة تحقيق أي صورة من صور الإصلاح ولو كانت ضئيلة! لأن هذا مهادنةٌ للظلم حذَّرنا الله تعالى من الحد الأدنى منها، فقال سبحانه: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 113)، وهو جهلٌ بمصير هذا الطوفان؛ لأنه مهما طال به المقام فهو إلى بوارٍ وخسران، قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء: 81).

وقد وصف الله تعالى عاقبة قوم سارعوا إلى التماهي مع معسكر الكفر والطغيان، وحذَّرنا من مصيرٍ محتومٍ يلاقيهم، وسيعاقب به كل من سار على نهجهم في كل العصور والأزمنة، فقال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة: 52).

و«عسى» في القرآن لحتمية التحقق وليست للرجاء، وكأن الله تعالى يُخبرنا أن مصير هذا المسار أنه سبحانه سيأتي بالفتح يقينًا، أو يجري حوادث مخالفةً لتوقعاتهم وتطلعاتهم، فيندموا بعد فوات الأوان، ويُكشف ما انطوت عليه نفوسهم الخبيثة من مرضٍ وجُبنٍ وخور.

خندق النفاق والمداهنة

إن خندق السلامة لن يكون كذلك بالانتساب لثلة المنافقين من أنظمة الاستبداد والطغيان الجاثمة على صدور الأمة، تهدر ثرواتها، وتُغلق أفواهها، وتُغير هويتها، وتَسلب إرادتها، وتَحرمها حريتها، وتستعبدها لخدمة المنظومة الدولية المارقة عن شرع الله ودينه، المعادية لمنهج الإسلام وقيمه، المحاربة لشريعته، المُغيِّرة لفطرته.

لن يكون بالتماهي مع منظومة النفاق في المنطقة حلاً ولا مخرجًا، بل سيكون إمعانًا في السقوط، وتماديًا في الهبوط، ومزيدًا من الخيبة والإخفاق، واستمرارًا لدفع مزيدٍ من أبهظ الأثمان، فلا أمان معهم، ولا صديق لهم، ولا مستقبل لوجودهم، فالله تعالى وعد بكشف أمرهم وفضح باطلهم، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۖ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9).

وقد حذَّرنا الله تعالى من مسلكهم حيث تحيط بهم العقوبة، ويُحجب عنهم النصير، قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء: 145)، وعاقبتهم ستكون بجمع سكان خندقهم ومن انتسب إليهم مع خندق الكفار ومن لاذ بهم في النار، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) (النساء: 140).

خندق الإلحاد

لا أعتقد أن الهروب إلى خندق الإلحاد يقوم به عاقلٌ أو ينصح به راشد، فهو خندق الانتحار بمخالفة الفطرة والتمرد على رب الكون، والتنكر لقوانين الكون ودلائل الإيمان القاطعة، فيظن في أول أمره أنه نجا بمعزلٍ عن الآلام، ولكنه لم يدرك أنه سقط في الضنك الذي لا غنى بعده، والهمِّ الذي لا فرج بعده، والحزنِ الذي لا فرح بعده، والاضطرابِ الذي لا استقرار بعده، فيفقد طمأنينة الحاضر، ويتلظى بنيران الخوف من المستقبل، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ۖ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه: 124)، وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31).

خندق الانسحاب

وهو خندق الانسحاب من ميدان التكريم بالاستعمال إلى خندق الانشغال بحظوظ النفس والصرف والاستبدال، والهجرة إلى حيث الدعة والتراخي، والبحث عن ترف الحياة والاستمتاع بها، معرضًا عن حمل الرسالة وتبليغ الأمانة وإقامة الدين، وعدم الاضطلاع بمهمة الاستخلاف الذي خلقه الله من أجلها، وسخَّر له ما في الكون لإعانته على النجاح في أدائها!

الهروب إلى خندق الانسحاب سماه القرآن تهلكة، حيث ورد أن بعض الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قالوا فيما بينهم خفيةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها! فأنزل الله الخبر من السماء: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، ونَدَع الجهاد، فلم يكن الانسحاب أمانًا لأحد قط، قد قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24).

خندق الأمان

اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، لا أمان في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، وهذا يقتضي أن نعضَّ على معالم الإيمان في قلوبنا بدوام التزكية القلبية وصدق التوكل على الله تعالى، منطلقين من قوله سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) (إبراهيم: 12).

خندق الأمان يكمن في تجديد البيعة مع الإسلام بصدق الانتساب إليه، فيعلنها السالك بكل وضوحٍ وقوةٍ وصلابةٍ ومحبةٍ واعتزاز: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: 72)، بل يسأل ربه في كل وقت: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)، ويكون شعاره: سأعيشُ معتصمًا بحبلِ عقيدتي وأموتُ مبتسمًا ويَحيا ديني.

المساهمة في صنع السفينة

إن الطوفان الذي يهدر بأمواجٍ من الفتن كالجبال ينادي الأمة بوجوب انحيازها لصناعة سفينة النجاة دون ترددٍ أو تلكؤ.

إن صناعة السفينة واجب الوقت وأمان المستقبل، شريطة أن يكون النص القرآني حاضرًا مع نوحٍ عليه السلام: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود: 37).

فأول الأمر يتطلب صدق التوكل على الله والاستعانة به (بِأَعْيُنِنَا)، وثانياً أن تُبنى السفينة وفق منهج الله وشرعته (وَوَحْيِنَا)، وليس وفق تبعياتٍ للفلسفات الأرضية والتوجهات الدولية والتطلعات الحزبية.

فعلى السالكين أن ينحازوا لأهل السفينة؛ فقائمٌ يخطط أول ملامحها على الأوراق، وعاملٌ ينحت، ومهندسٌ يرسم، وصاحب مالٍ ينفق، وعابدٌ يدعو، وعالمٌ يغرس المفاهيم، ونجارٌ يغرس المسامير، ومحترفٌ يضبط حركة الألواح، فإن لم تكن من صناع السفينة فكن من المنتسبين إليها أو الداعمين لها أو القائمين على حراستها أو صيانتها أو توفير الطعام لأهلها، ومن لم يبذل في صناعة السفينة جهده إعدادًا، فلن يُستخدم يوم الطوفان جهادًا.
وأخيراً أقول: لا تستصغر عملاً، لا تتردد في غرس كلمة الإسلام في روع طفلٍ ناشئ، ولا أن تُربي على منهج الإسلام جيلًا صاعدًا، ولا أن تنحاز لقيم الإسلام في مجتمعٍ ناشز، ولا أن تنشر الأمل بكلمة صدقٍ في مجتمعٍ بائس، انطلق وأعلنها بكل وضوحٍ دون تردد: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۗ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56)، وتيقن أنك بالانحياز لخندق الإيمان قد فُزت بالوعد الرباني (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: 141).


الثلاثاء، 16 يونيو 2026

لماذا يقدس الإيرانيون «الشاهنامة» بكائية القومية الفارسية؟

 لماذا يقدس الإيرانيون «الشاهنامة» 

بكائية القومية الفارسية؟

جمال خطاب


ولد في القرن الرابع الهجري (بين عامي 324 - 329

 هـ) التاسع الميلادي، في طوس الإيرانية، رجل

 فارسي يدعى المنصور الحسن لأسرة إقطاعية

 فارسية اعتنقت الإسلام، إلا أنها ظلت متأثرة بالتراث

 الفارسي الوثني.

أولع المنصور بالتاريخ وبالشعر الملحمي الفارسي،

ولقب بأبي القاسم الفردوسي، ولا ندري لماذا لم يلقب

 بلقب فارسي وهو من ألف الملحمة العنصرية المسماة

 «الشاهنامة» أو «الشاه نامة»

 (كتاب الملوك أو كتاب التيجان).

عاش الفردوسي في مرحلة شهدت تحولات سياسية

 بارزة، عاصرت ظهور وانقراض الأسرة السامانية

 في عهد الخلافة العباسية؛ وهي الأسرة التي ينتسب ملوكها إلى القائد الساساني بهرام جوبين، وكانوا يبدون

 رغبة عارمة في إحياء التراث الفارسي والسنن

 والآداب القديمة لمملكة فارس البائدة، من هذا

 المخاض ولدت «الشاهنامة»، التي تحولت بمرور

 القرون إلى ما يشبه «قرآن القومية الفارسية»!

وبتدليس وكذب فج ومبالغ فيه لأقصى حدود المبالغة،

 يرفض الفردوسي الفتح الإسلامي لبلاد فارس، وينكر

 آثاره الدينية والحضارية التي لا تنكر على إيران؛ إذ

 يصف الفتح الإسلامي بأنه غزو!

يقول: «العقيدة -الزرادشتية- أُعدِمت، ونُحِر كسرى، وأخذوا الحكم من الأكاسرة، ليس بالشجاعة، بل بالخديعة، وبها استولوا على الحكم، وبالقوة أخذوا

 زوجات الرجال والغنائم والبساتين، فتصور البشاعة

 التي حملها هؤلاء الأوغاد -العرب- إلى العالم، وهي

 بشاعة لا مثيل لها، هؤلاء العرب الغزاة جعلوا عالمنا

 يغادر، وكل ما أراه نماذج من الفاقة»!

ومع ذلك يحظى هذا الكتاب بنوع من التقديس في

 إيران اليوم، على الرغم من احتوائه على هجاء

 صريح للعرب والمسلمين؟

يقول أستاذ الأدب العربي بجامعة أصفهان د. محمد

 خاقاني، في ندوة أقامتها السفارة الإيرانية في الكويت

 عام 2017م تحت عنوان «الشاهنامة: 

ملحمة الفردوسي الخالدة»: إن «ملحمة الشاهنامة

 المكونة من 60 ألف بيت من الشعر واحدة من أهم

 الآثار الأدبية في التاريخ الإنساني حيث قضى الحكيم

 أبو القاسم الفردوسي 30 عاماً في نظمها جامعاً ما

 استوعب من تاريخ الفرس في كتاب خلده على مدى

 الدهر».

وهنا نقوم بتفكيك بنية الوعي الإيراني المعاصر،

 وكيف تُستغل هذه الملحمة كأداة للتعبئة الفكرية

والمذهبية والسياسية.

أولاً: البنية النصّية لـ«الشاهنامة».. نزعة الاستعلاء وهجاء الفتح الإسلامي:

تنضح ملحمة «الشاهنامة» في العديد من مواضعها

 بنظرة استعلائية وشوفينية واضحة تجاه العرب

 والمسلمين؛ إذ صيغت الملحمة كبكائية قومية تندب سقوط العرش الساساني أمام الفتوحات الإسلامية، وتتجلى هذه الإساءات والتهجمات الصريحة في محاور رئيسة:

1- الاستعلاء على نمط الحياة والبيئة:

يتجلى ذلك في أشهر الأبيات الشوفينية في الأدب الفارسي الكلاسيكي، التي جاءت على لسان القائد الساساني رستم فرخزاد قبيل معركة «القادسية»، حيث يقول الفردوسي ما ترجمته: بعد شرب لبن الإبل وأكل

 الضب، بلغ طموح العرب أقصاه، فقد طمحوا في تاج

 الملوك الكيانيين (الساسانيين)؟ فتباً لك أيها الزمان

 وسحقاً!

وهذه هي الأبيات ذاتها التي ترجمها د. محمد علي آذر

 شب، الملحق الثقافي الإيراني الأسبق في دمشق

 وأستاذ الأدب العربي بجامعة طهران.

ولا يخفى ما تحمله من تحقير مباشر لنمط حياة العربي

 واستكثاراً لقيادته وحكمه للمنطقة، وهذا أيضاً يغفل

 أثر الإسلام الذي ارتفع بأخلاق العرب إلى أعلى عليين.

2- مقارنة تنم عن وضاعة وغل:

في موضع آخر، يورد الشاعر الفارسي الفردوسي بيتاً

 يصف فيه تدني حال العربي مقارنة بالحيوانات في

 الحواضر الفارسية، يقول: «الكلب في أصفهان

 يشرب الماء البارد، بينما العربي في الصحراء يقتات

 على أكل الجراد»!

هكذا يضع الشاعر الفارسي البذيء العربي في مرتبة

 أدنى من الكلاب التي تعيش في المدن الإيرانية لإبراز

 الفوارق المادية والمدنية.

3- امتداح تمزيق رسالة النبي:

وتبلغ وضاعة الفردوسي أسفل سافلين عندما يتناول

 سيرة ملك الفرس برويز (خسرو الثاني) وتمزيقه

 لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فيمتدح هذا العمل

 القبيح، الذي ينتقص من الصحابي مبعوث النبي

 الصحابي الجليل عبدالله بن حذافة السهمي متهكماً

 على هيئته: «لما جاء ذلك المرسال الخوار الذي كان

 أعور العين، ولم يكن يمتلك فرساً أصيلة، بانت شفرة

 السيف الحادة بين رقبته وقميصه»!

4- وصم الفاتحين بالجهل والبربرية:

في سياق البكاء على سقوط العاصمة الساسانية

 «المدائن» ودخول المسلمين إليها، ينزع الفردوسي

 الصفة الحضارية والإيمانية عن الفتح الإسلامي،

 واصفاً الصحابة والتابعين بالمخربين، يقول:

 «لقد استولى هؤلاء الأعراب الحفاة على دواوين

 الحكمة، وحطموا تيجان الملوك، واستبدلوا الجهل

 والخراب بعلم الفرس العظيم»!

5- وصف العرب بالشياطين:

في أواخر الملحمة، يطلق الفردوسي أوصافاً مباشرة

 تعتبر دخول المسلمين لبلاد فارس لعنة حلّت

 بالطبيعة: «لقد خرجت تلك الشياطين من الصحاري

 القاحلة، كعاصفة سوداء لا تبقي ولا تذر، فدنسوا

 أرض الأحرار، وغطى السواد تيجان النور».

ثانياً: موقف نظام «الجمهورية الإسلامية» من تلك الملحمة البذيئة:

على الرغم من الشعارات الإسلامية والأممية التي

 يرفعها النظام في طهران، فإنه يتعامل مع الفردوسي

 و«الشاهنامة» باعتبارهما خطاً أحمر ورمزاً للأمن

 القومي الإيراني، ويتضح هذا التناقض الصارخ من

 خلال مواقف، نبرز منها:

على المستوى الداخلي: 

في أبريل 2005م، وخلال احتفال أقيم لدراسة أعمال

 الفردوسي، أدلى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي

 الأسبق محمد حسين صفار هرندي بتصريح قال فيه:

 «إن الإساءة للفردوسي مقدمة للإساءة والعدوان على

 إيران، وعلى الشعب الإيراني التزود بحماسة

 الفردوسي لمواجهة الأعداء».

الموقف الدبلوماسي الخارجي: 

في مارس 1999م، وخلال زيارته للفاتيكان، قدم

 الرئيس الأسبق محمد خاتمي ديوان الفردوسي كهدية

 إلى البابا يوحنا بولس الثاني، واصفاً الإيماءة بأنها

 تعبير عن حسن النوايا وترويج لمشروعه الشهير

 «حوار الحضارات»!

وعندما زار خاتمي العاصمة الطاجيكية دوشنبه، في

 مايو 2013م، ألقى هناك محاضرات ركزت على

 إرث الفردوسي، الذي لم يعرف له عمل آخر غير

 ملحمة «الشاهنامة»!

ثالثاً: «الشاهنامة» في المناهج الدراسية الإيرانية:

لا تقف «الشاهنامة» عند حدود الرفوف الأدبية، بل يتم

 تحويلها داخل المنظومة التعليمية الرسمية في إيران

 (من الابتدائي إلى الثانوي) إلى أداة للتعبئة النفسية

 والفكرية وبناء جدار من الكراهية والاستعلاء من

 خلال أربعة أبعاد ممنهجة:

1- البعد الثقافي والاجتماعي.. ربط العربي بالبداوة والتخلف:

تستلهم المناهج الإيرانية روح «الشاهنامة» في

 المراحل التعليمية المبكرة حيث تصم العرب بصفات

 الجفاء والبدائية؛ ففي مناهج المرحلة الابتدائية (مادة

 الجغرافيا والتاريخ) ورد: «إن البيئة التي عاش فيها

 العرب امتازت بفقر الطبيعة وقساوتها، وهي التي

طبعت الشخصية العربية بصفات الجفاء، واختزلت

 حياتهم في التنقل والعيش داخل الخيام ورعي الإبل».

وفي مناهج المرحلة الإعدادية (تاريخ صدر الإسلام)

 يُقرر النص ما يلي: «كان الأعراب يعيشون في

تخلف مستمر، يحتكمون إلى السيف لحل مشكلاتهم،

 ويمارسون وأد البنات، وقطع الطرق، ومعاقرة

 الخمور، ولم يكونوا يمتلكون أي مقوم من مقومات

 المدنية أو الحضارة».

2- العقدة التاريخية.. الفتح الإسلامي لبلاد فارس:

إضافة إلى تصوير الفتح الإسلامي في مناهج التاريخ

 للمرحلة الثانوية باعتباره عدواناً مدمراً، يُجبر

 الطلاب في كتاب الأدب الفارسي على حفظ أبيات

 «الشاهنامة» كجزء من المفاخرة القومية.

ومن «الشاهنامة» وفي سياق معركة «القادسية»، يُلقن

 الطلاب حواراً يصف الاستعلاء الساساني؛ حيث

 يخاطب رستم، سعد بن أبي وقاص بقوله: 

«لقد جئتم إلينا حفاة عراة، بلا ثقل ولا رحل، وطمعتم

 في تيجان ملوك العجم الأكابر».

وهكذا فإن تقديس الإيرانيين لـ«الشاهنامة» ليس مجرد

 احتفاء بأثر أدبي قديم، بل هو خيار إستراتيجي تتداخل

 فيه القومية الفارسية مع الأيديولوجيا المذهبية

 المعاصرة.

المنظومة التعليمية والسياسية في طهران تستخدم

 نصوص الملحمة الكاذبة البذيئة، مضافاً إليها

 السرديات التاريخية في المناهج، كأداة تعبئة نفسية

 وفكرية مُحكمة، ولا شك أن هذه التعبئة يمكن أن تبني

 جداراً سميكاً من الكراهية والشعور بالفوقية العرقية

 تجاه المحيط العربي، وهو ما يفسر استخدام الأدب

 الكلاسيكي كوقود للمعارك السياسية والجيو-

إستراتيجية الحالية في المنطقة، ويقف عائقاً بنيوياً أمام

 بناء علاقات حسن جوار حقيقية.