بيني وبينك .. في مَدِيح الظّلّ

د. أيمن العتوم
آيةٌ من آياتِ الله، وعلامةٌ على عَظَمَتِه، وإشارة إلى قُدرته في تصريف الأمور. وجَعَلَه الله عندَ الحديثِ عنه مُفتَتَحًا بقوله: «ألم ترَ» .
ولم تُقَلْ هذه الافتِتاحَةُ إلاّ في موضع الحديث عن العَظَمة وحَثِّ الإنسان على التّفكّر والتّأمل والتّدبّر، لأنّ ما يتبعُها لا يُمكن لعقلٍ أنْ يُحيطَ به إلاّ إذا كان ينظرُ بغير العقل الّذي ينظر به النّاس.
وهو مُرتبطٌ بآيةٍ أخرى كبيرة وهي الشّمس، فقد كانتْ دليلاً عليه، يطول ويقصر ويتغيّر ويتبدّل بتغيرّ حركتها، وبدورانها، وما دامتْ قائِمةً إلى أنْ تكونَ الغاشية، يومَ تتناثر في الفضاء، فهذا يعني أنَّ آيةَ الظّلّ قائِمةٌ إلى ذلك اليوم. والعجيبُ أنّ النّاس لإلفِهِم لها لا يرونَها على النّحو الّذي يجب.
ومن الشّرور الّتي تُصيب فؤادَ الإنسان وعقلَه إِلْفُه الخارقَ للعادة لتكرّره فيحسبُ أنّه أمرٌ هَيّن، وما هو بذاك.
والظّلّ مأوى الأنبياء، ومَلجَؤهم حينَ يكونُ التّعب والرّهَق والحُزْن قد بلغَ منهم مبلغًا كبيرًا، ففيه يرفعون أيديهم إلى السّماء فيطلبون، وتُفتَح لهم أبوابُها:
(ثُمّ تولّى إلى الظّلّ فقال ربّ إنّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيّ من خيرٍ فقير).
والظّل في الآخرة مُستقرّ ومُستودَع.
ومكافأة على ما مرّ في الفانية من عَنَتٍ، فإذا كانتْ لهم الجائزة الطُولى كانت في السّعةِ فيه، وفي مُبالغته، وفي ديمومته، وفي تراكُبه وتراكمُه؛ لقوله تعالى: (ونُدخِلهم ظِلاً ظليلاً) .
وجَعَلَه من النّعيم الدّائم مثلَ بقيّة النِّعَم، فقال: (أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها). فإذا كان بقوله هذا مستمرًّا في الزّمان، فإنّه جعله مستمرًّا في المكان، بقوله: (وظِلٍّ مَمْدُود).
والمقارَنات بين نعيم أهل الجنّة وجحيم أهل النّار في القرآن كثيرة، وقد بُسِطَتْ في مواضع مُتعدّدة، ومن المألوف أنْ يُقارَن بين الحالَتين في الطّعام: (وفاكهةٍ مِمّا يتخيّرون وَلَحْمِ طيرٍ مِمّا يَشْتَهُون)، مع (إنّ شجرةَ الزّقومِ طعامُ الأثيم) وفي الشّراب وفي اللّباس وفي الحركة كذلك، ولكنْ أنْ يدخل الظّلُّ في المقارنة فهذا يدلّ على مكانته في الإشارة إلى النّعيم وضِدّه، قال: (ولا الظّلّ ولا الحَرور).
والظّل في النّفسِ كما في الطّبيعة. وإذا كان ضوءُ الحقيقة ساطِعًا كان ظلّه في النّفس أشدّ، فتسكُن، وتسلكُ درب الحِكمة.
وكما يُعرَف بالظّلّ أوقاتُ الزّمان ومواقيت الصّلاة، وأعمار النّاس والأيّام، يُعرَف بظلّ النّفس عُمرُها وتردّدها، وتقلّبُ أحوالِها، وأنّها لا بُدّ يومًا أنْ تنطفِئَ فينطفِئُ معها ظِلُّها؛ فإذا أوَتْ إلى ظلّ لغيرِ ضوء الحقّ والحقيقة ضلّت. وإذا أوتْ إليه مُدّ لها فيه حتّى حماها من كلّ لافِحة.
والظّلّ خَلقٌ من خلقِ الله، أشدُّه له خُضوعًا، يسجدُ طوعًا إذا سجدَ الإنسان طوعًا وكَرْها: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
والظّلّ الحدّ الفاصل بين النّور والعمى، وبين حقيقتَين متباعِدَتَين كالموت والحياة، والجنّة والنّار، والوجود والعَدَم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق