‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد الظرافي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد الظرافي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 مارس 2026

رمضان وفتح الأندلس: ثلاثة أعوام صنعت التاريخ!

رمضان وفتح الأندلس: ثلاثة أعوام صنعت التاريخ!

باحث في التاريخ الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي

  • أحداث رمضانية مصيرية على ضفتي خليج الزقاق

في أشهر رمضان من أعوام 91هـ، و92هـ، و93هـ، كانت ضفتا خليج الزقاق، ذلك الشريان المائي الضيق الذي يفصل بين عدوتي المغرب والأندلس، على موعد مع العديد من الأحداث الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ في هذه المنطقة.

وفي مقدمتها تاريخ هذا الخليج الذي صار يدعى منذ ذلك التاريخ: "مضيق جبل طارق" إلى اليوم.

كان يوليان يكره لذريق ملك القوط، ويرغب في تقويض نظامه وهدم مملكته لأشياء نقمها عليه. ومن أجل ذلك حسّن للمسلمين فتح إسبانيا، وقدم لهم السفن اللازمة لعبور المضيق إليها

عبور سرية طريف الاستكشافية

في رمضان سنة 91هـ، كان عبور طريف بن مالك خليج الزقاق على رأس السرية الاستكشافية التي بعث بها القائد الفاتح موسى بن نصير، أمير أفريقية والمغرب، إلى الأندلس.

وكان عبور طريف من عدوة المغرب إلى عدوة الأندلس في أربعمائة مقاتل، معهم مائة فرس، على ظهر أربعة مراكب. فنزل طريف مع جنوده في الموضع الذي نسب إليه، والذي لا يزال يعرف باسمه حتى اليوم: "طريف"، وهي جزيرة صغيرة على ساحل الأندلس الجنوبي.

ومن هذا الموضع أغار طريف على الجزيرة الخضراء ونواحيها، وقام ببعض العمليات العسكرية السريعة هنا وهناك في نطاق المهمة الموكلة إليه تنفيذها، ثم عاد إلى طنجة بالسبي الكثير والمال الوفير، محققا النجاح المطلوب.

وتأتي أهمية هذه السرية في كونها أول خطوة عملية على طريق العبور إلى إسبانيا، تنفيذا للخطة التي رسمها القائد الكبير موسى بن نصير بدقة وبراعة، فضلا عن امتحانها الدور الذي كان يوليان، حاكم سبتة، يقوم به، ومدى إخلاصه وجديته في التعاون مع المسلمين في إنجاز هذا المشروع الكبير.

وكان يوليان يكره لذريق ملك القوط، ويرغب في تقويض نظامه وهدم مملكته لأشياء نقمها عليه. ومن أجل ذلك حسّن للمسلمين فتح إسبانيا، وقدم لهم السفن اللازمة لعبور المضيق إليها.


وذلك بعد أن عقد لنفسه ولأصحابه عهدا مع موسى بن نصير رضي به واطمأن إليه.

وأيا كان الأمر، فإننا من خلال سرية طريف هذه نرى أن فتح المسلمين إسبانيا لم يكن منذ البداية مغامرة حربية ارتجالية، كما يزعم المستشرقون، بل كان فتحا منظما وفق خطة محكمة موضوعة من قبل، أعدت لها وسائلها ومقدماتها وأهدافها وطرق تنفيذها.

يذكر المؤرخون أن طارق بن زياد، عندما رأى المعركة تشتد ضراوة يوما بعد يوم، ورأى أن تطاولها ليس في صالح المسلمين نظرا لقلة عددهم، جعل الوصول إلى لذريق هدفه

معركة وادي لكة الحاسمة

وفي رمضان سنة 92هـ خاض المسلمون معركة وادي لكة ضد الجيش القوطي بقيادة لذريق، ذلك الملك القوطي الجرماني الذي كان مشهورا بظلمه وفسقه وإجرامه.

فبعد أن تأكد موسى بن نصير من ملاءمة ظروف إسبانيا الداخلية للفتح، أعد لهذه المهمة الخطيرة جيشا قوامه سبعة آلاف مقاتل، وقدم عليه طارق بن زياد، حاكم طنجة، ثم أمده بعد ذلك بخمسة آلاف.

وذلك بعد أن كان موسى قد جهز السفن اللازمة للعبور بالتنسيق مع يوليان حاكم سبتة.

ونزل طارق في الجبل الذي لا يزال يعرف باسمه حتى الآن: "جبل طارق".

ولما وصل لذريق خبر نزول المسلمين في الجزيرة الخضراء، أقبل متبخترا على رأس جيوشه الجرارة، والتقى بجيش طارق عند مجرى نهر وادي لكة بجنوب غربي إسبانيا، حيث دارت المعركة الفاصلة بين المسلمين والقوط.

وقد استهلها طارق بخطبته الشهيرة: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم العدو بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا قوت إلا ما تستخلصونه من عدوكم".

وقد بدأت المعركة يوم الأحد 28 رمضان سنة 92هـ، واستمرت ثمانية أيام، وانتهت بهزيمة ساحقة للقوط.

ويذكر المؤرخون أن طارق بن زياد، عندما رأى المعركة تشتد ضراوة يوما بعد يوم، ورأى أن تطاولها ليس في صالح المسلمين نظرا لقلة عددهم، جعل الوصول إلى لذريق هدفه.

وعندما لاحت له الفرصة وثب عليه كالليث الضاري، وأطاح به من فوق سريره، وبمقتله تداعت صفوف القوط وولوا الأدبار هاربين، تاركين جثث قتلاهم تغطي ميدان المعركة.

وقد فتح هذا الانتصار الكبير أبواب إسبانيا كلها أمام المسلمين، ففي أعقابه تتابع سقوط مدنها بأيديهم، وعلى رأسها العاصمة طليطلة، وغنم الفاتحون المسلمون ما فيها من ذخائر وكنوز.

من أجل هذا الهدف أيضا عبر مع موسى بن نصير من عبر من التابعين، فكانوا مقاتلين ودعاة إلى الله، وشهودا على العقود والاتفاقيات التي تبرم مع أمراء المدن المسيحيين، ومشرفين على بناء المساجد في هذه المدن

عبور موسى بن نصير وفتح إشبيلية

وفي رمضان سنة 93هـ كان عبور موسى بن نصير إلى الأندلس على رأس 18 ألف مقاتل، معظمهم من العرب، نجدة لطارق بن زياد ولاستكمال فتح المدن والمناطق التي لم يمر بها طارق.

وكان تصرف موسى هذا متفقا مع تخطيط رزين هدفه الإفادة القصوى من الفرصة التي أتيحت للمسلمين.

فقد كان عبوره تعزيزا للجيش الإسلامي وسدا لمحاولات قطع الطريق عليه من قبل قوات القوط التي لجأت إلى التحصن في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من إسبانيا، وإتماما لخطة الفتح المرسومة.

ومن أجل هذا الهدف أيضا عبر مع موسى بن نصير من عبر من التابعين، فكانوا مقاتلين ودعاة إلى الله، وشهودا على العقود والاتفاقيات التي تبرم مع أمراء المدن المسيحيين، ومشرفين على بناء المساجد في هذه المدن، ومسؤولين عن قسمة الغنائم.

وتأكيدا على هذا الهدف السامي، كان أول عمل يقوم به موسى بن نصير بعد نزوله في الجزيرة الخضراء، وهي أول مدينة افتتحت في الأندلس، إنشاء مسجد الرايات في المكان الذي اجتمع فيه أصحاب الرايات المسلمون للتشاور بصدد السبيل الأمثل لاستكمال الفتح.

ولم يلبث موسى بن نصير حتى استأنف المسير، سالكا طريقا آخر غير الطريق الذي سلكه طارق من قبل، وفتح في طريقه هذه مدنا إسبانية لا تقل عظمتها وأهميتها عن التي فتحها طارق، مثل شذونة وقرمونة.

ثم توج موسى فتوحاته الظافرة بفتح إشبيلية، وكانت هي الهدف الرئيس في خطته، إذ كانت يومئذ أكبر مدن إسبانيا بعد طليطلة.

ثم اتجه موسى بعد ذلك صوب مدينة ماردة الواقعة إلى الشمال الغربي من إشبيلية.

جاء ذلك في الوقت الذي كان فيه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير قد استكمل فتح الجنوب الغربي من إسبانيا.

الخميس، 15 يناير 2026

27 رجب ذكرى تحرير القدس من الصليبيين

27 رجب ذكرى تحرير القدس من الصليبيين 


27 رجب ذكرى تحرير القدس والأقصى من الصليبيين، وهي ذكرى تجدد الأمل كل عام، بأن يوم تحريرهما من اليهود الغاصبين آتٍ لامحالة، وأن المسألة مسألة وقت فقط.


بعد أن نجح صلاح الدين في استكمال بناء الجبهة الإسلامية من الموصل إلى مصر، على مدى 14 عامًا من العمل الدائب (569-583هـ) ، بادر بالدعوة إلى الجهاد، فتدفقت الجيوش إلى معسكره بدمشق، من سائر إمارات الدولة، فاجتمع حوله، ثلاثين ألف مقاتل، وجموع غفيرة من المتطوعين.

وفي نهار الجمعة 14 ربيع الآخر583هـ، زحف على رأس جيوشه باتجاه فلسطين، وعسكر بالقرب من طبرية، الواقعة بمنتصف الطريق بين دمشق والقدس، بينما احتشد الصليبيون قرب الناصرة عند قرية صفورية، وكانوا قد جمعوا أكبر جيش منذ مجيئهم إلى الشام، قوامه بين 30- 60 ألفا، فعمل صلاح الدين على استدراجهم إليه في طبرية، بحيث يصلون إليها، وقد قطعوا مسافة طويلة وأنهكهم التعب. ولنجاح هذه الحيلة، زحف على مدينة طبرية، ودخلها عنوة، الأمر الذي أثار فزع الصليبيين، لكون طبرية خط الدفاع الرئيسي عن المملكة الصليبية. وتحرّك الصليبيون نحو طبرية، في ظروف سيئة، نتيجة لحرارة الجو وقسوة الطريق وندرة الماء.

وعندما سمع صلاح الدين بذلك، استبشر خيرًا، وقال: "جاءنا ما نريد"، وأسرع بالتحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكر في تل بغربي طبرية، عند قرية "حطين". وبعد مسيرة يومين وصل الصليبيون إلى طبرية وضربوا معسكرهم على سطح الجبل المشرف على تل حطين، وكانوا منهكين، والعطش قد استبد بهم، لشدة الحرارة وركود الهواء في ذلك اليوم، وقضوا ليلتهم فوق سطح الجبل يئنون، والمسلمون تحتهم يهللون ويكبرون، وفي خلال الليل أخذ الهواء يتحرك باتجاههم، فأمر صلاح الدين، بإشعال النار في الأعشاب والأشواك التي تكسو الجبل، فحمل الهواء الدخان وحرارة النار إلى أفواههم الملتهبة من العطش، فزاد ذلك نكدا على نكد، وباتوا بشر ليلة، وبات المسلمون بخير ليلة.


المعركة


عندما أشرقت شمس يوم 24 ربيع الآخر 583هـ، أمر صلاح الدين بالهجوم الكبير على الصليبيين، واصطدم الجيشان في معركة طاحنة، وكان المسلمون قد وطنوا أنفسهم على أن لا خيار لهم اليوم إلا النصر أو الشهادة، ولذلك فقد قاتلوا باستماتة، وصيحاتهم "الله أكبر"، تشق الفضاء، وعندما حمي النهار، تراجعت القوات الصليبية نحو بحيرة طبرية للتزود بالماء، ولكن الجيش الإسلامي حال بينهم وبينها، وكبدهم خسائر فادحة، فأخذوا يتراجعون باحثين عن مخرج، وقد بلغ بهم الانهاك والعطش كل مبلغ، لكنهم كانوا يجابهون بحملات ضارية من المسلمين أينما توجهوا، فقد كان الحصار حولهم محكمًا.

 

وبعد شهرين من معركة حطين كان جيش المسلمين، يحيط بمدينة القدس، فأدرك الصليبيون، أن مقاومتهم لهذا الجيش ستكون عبثية، فرأوا أن من الخير لهم الإذعان للصلح

وكانت سهام المسلمين تهوي نحوهم كالجراد المنتشر، فكثر جرحاهم، واكتظت الأرض بقتلاهم، ولم يبق أمامهم ملجأ إلا قمة الجبل، فصعدوا إليها، يتقدمهم ملكهم، والمسلمون يطاردونهم، وحناجرهم لاتزال تصدح بالتكبير، مزعزعة قلوب الصليبيين،

وفي غضون ذلك سقط أسقف عكا صريعًا، ووقع من يده صليب الصلبوت، الذي يزعمون أن المسيح صلب عليه، وكانوا يعدوه ضمانة نصرهم، فاستولى عليه المسلمون، فأصاب ذلك الصليبيين بالإحباط، وأيقنوا بالهلاك، واستمروا في صعود الجبل والقتال بيأس، وصلاح الدين مستمر في الدفع بجموع المسلمين لمطاردتهم، وكان وجوده بينهم، أكبر حافز لهم على متابعة القتال دون هوادة، ومازال القتل والأسر يعملان في الصليبيين، حتى كانت المعركة الأخيرة عند خيمة ملك الصليبيين في قمة الجبل، التي لم تلبث جموع المسلمين أن تكاثرت عليها حتى أسقطتها، ورمت بقية القوات الصليبية المدافعة عنها أسلحتها على الأرض، واستسلمت، وكان ذلك ما ينتظره صلاح الدين بفارغ الصبر، فلما سقطت الخيمة أيقن أنه النصر، وسجد شكرًا لله وبكى من الفرح. وانتهى أمر الجيش الصليبي كله، بين قتيل وأسير وعلى رأسهم ملكهم وجل قادتهم.

 

الطريق إلى القدس


بعد هزيمة الصليبيين في حطين، لم يتوجه صلاح الدين إلى القدس مباشرة، ورأى أن الطريق إليها يمر بمدن الساحل، وذلك للأسباب التالية:

1. قطع شرايين الاتصال التي تربط الصليبيين في هذه المدن بوطنهم الأم وراء البحار، ومنع تلقيهم لأي مدد عن طريقها من الغرب الأوروبي، وبالتالي، تضييق الخناق على بقية الغزاة في القدس.

2. تأمين الاتصال البحري بين هذه المدن الساحلية، وبين مصر، لاستقبال المدد منها عند اللزوم عبر الأسطول المصري، وبخاصة عسقلان وعكا.

3. أنه لو بدأ بتحرير القدس، لربما أخذت النشوة الجيوش الإسلامية، وفتر حماسهم، وتكاسلوا عن تحرير هذه المدن بعد ذلك، وربما عادوا إلى بلدنهم، بعد أن قرت أعينهم بتحرير القدس والأقصى.

4. أنه لو بدأ بتحرير القدس، فلن يستطيع بعد ذلك استثارة حماس المسلمين في الداخل لنجدته، لتحرير هذه المدن، على عكس عندما يكون الأمر متعلقًا بتحرير المدينة المقدسة.

وقد تداعت مدن الساحل في السقوط في يد صلاح الدين إحداهما بعد الأخرى، مثل عكا وقيسارية وحيفا وصيدا وبيروت وجبيل وعسقلان وغزة وغيرها. ولم يتبقَ من الموانئ التابعة لمملكة بيت المقدس سوى صور التي لجأ إليها الناجون من المعركة، والتي أيضًا وصلتها نجدة بحرية.

 

وأمر صلاح الدين جنوده بألا يقتلوا أحدا، ولا يهاجموا بيتاً، واتخذت الإجراءات لخروج الصليبيين منها سلمياً، فأغلقت جميع أبواب المدينة، ووضع بها الحراس والأمناء للإشراف على خروج الصليبيين

وبعد شهرين من معركة حطين كان جيش المسلمين، يحيط بمدينة القدس، فأدرك الصليبيون، أن مقاومتهم لهذا الجيش ستكون عبثية، فرأوا أن من الخير لهم الإذعان للصلح، فأرسلوا أحد قادتهم ويدعى "باليان"، للتفاوض مع صلاح الدين حول شروط التسليم، وتم الاتفاق على أن يخرجوا من المدينة بأموالهم وممتلكاتهم في مـدة أربعـين يومًا، على أن يدفع الرجل منهم عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والولـد اثـنين.


تحرير القدس


وتسلّم صلاح الدين المدينة من قادة الصليبيين، ظهيرة الجمعة 27رجب583هـ الموافق (2 أكتوبر1187م.)، وكان بها 60 ألف صليبي، من المقاتلين والنِّساء والولدان، وكانوا قد تجمعوا بها من سائر النواحي القريبة من القدس، فاكتظت بهم الكنائس والشوارع.

وأمر صلاح الدين جنوده بألا يقتلوا أحدا، ولا يهاجموا بيتاً، واتخذت الإجراءات لخروج الصليبيين منها سلمياً، فأغلقت جميع أبواب المدينة، ووضع بها الحراس والأمناء للإشراف على خروج الصليبيين، وقبض الفدية المقررة، فخرج الصليبيون من المدينة في ثلاث قوافل، إحداها لفرسان المعبد، والثانية لفرسان الاسبتارية، والثالثة يقودها البطريرك.

وكلها خرجت في حراسة القوات الإسلامية، ومعهم أموالهم، دونما إراقة قطرة دم واحدة. فكان هذا المشهد مناقضاً للمشهد الذي شهدته القدس عندما دخلها الصليبيون قبل 90 عاما، بل إن صلاح الدين، أعفى كثيرا من الصليبيين الفقراء وكبار السن من الفدية، وسمح للنصارى الأصليين في المدينة من العودة إلى مساكنهم، كما سمح بشراء المواد التي عرضها الصليبيون للبيع، قبل خروجهم. وخرج الصليبيون باتجاه الإمارات الصليبية في طرابلس وصور وإنطاكية، ولكنهم وجدوا أبوابها مغلقة دونهم.

واهتم صلاح الدين، بتطهير الأماكن المقدسة من دنس وأقذار الصليبيين، وإعادتها إلى سابق عهدها قبل عدوانهم عليها، ونالت منطقة الحرم القدسي الشريف اهتمامًا خاصًا منه، فقد كان الصليبيون قد أقاموا كنيسة وقاعة للطعام ومساكن لفرسان المعبد ومستودعا لأسلحتهم، واسطبلا لخيولهم، في المسجد الأقصى، فأزيلت كل هذه المباني والمساكن ونظف المسجد وساحاته من الأقذار والمخلفات، كما أمر صلاح الدين، بإزالة الصور والرسوم من قبة الصخرة، وإزالة الصليب المزروع فوقها، وعين أمامًا للأقصى وأقيمت فيه صلاح الجمعة في 4 شعبان، بحضوره وخطب فيها القاضي محيي الدين بن الزكي، خطبة بليغة طويلة مؤثرة خالدة.


الخميس، 18 ديسمبر 2025

البانيا المسلمة.. كابوس الماضي وغموض المستقبل

البانيا المسلمة.. كابوس الماضي وغموض المستقبل

تشغل ألبانيا الجزء الغربي من شبه جزيرة البلقان، بمساحة قدرها 29 ألف كيلومتر مربع، وتحدها شمالاً كوسوفا والجبل الأسود، وجنوباً اليونان، وشرقاً مقدونيا، وغرباً بحر الأدرياتك، وهو يفصلها عن إيطاليا بمسافة 45 دقيقة فقط بالطائرة. 

وقد عرفت ألبانيا باسمها الحالي منذ نهاية القرن الرابع عشر، نسبة لقبيلة «ألبانوي» القاطنة حتى الآن في الشمال، ويسميها الألبان شكيبريا، وهي تعني «عش النسور»، وعدد سكانها حوالي ثلاثة ملايين ومئتي ألف نسمة، 70% منهم مسلمون، والبقية نصارى (20% أرثوذكس، 10% كاثوليك)، وغالبية سكانها يعملون في الزراعة، برغم محدودية الأراضي الزراعية حيث إن أغلب البلاد مرتفعات، وهي تعتبر من أصغر وأفقر بلدان أوربا، وشعبها من أكثر الشعوب بؤساً في العالم، فنصفه عاطل عن العمل، وغالبيته تحت خط الفقر، ونصف شبابها تحدوهم الرغبة للرحيل عنها إلى أوربا، وذلك برغم أنها غنية بمواردها من نفط وغاز ومعادن شتى.

الاستقلال والثمن الفادح

بدأ الألبان يدخلون في الإسلام منذ منتصف القرن الرابع عشر، وصارت بلادهم جزءاً من الدولة العثمانية، منذ أواخر القرن الخامس عشر، وظلت كذلك حتى عام 1912م، حيث انفصلت عنها نتيجة لهزيمة تركيا في حرب البلقان، ومطالبة الحركة القومية الألبانية، التي عُرفت باسم «رابطة بريزرن»، بالاستقلال الذاتي عن الأتراك، لتتحول بعدها إلى مسرح للجيوش الأوربية المتقاتلة في الحرب الكبرى (1914-1918م). 
وفي نهاية الحرب تم تقطيع أوصال ألبانيا، لأن أوربا رأت فيها مصدراً للخطر الإسلامي المزعوم، وأيضاً عقاباً لشعبها على اعتناقه الإسلام قبل خمسمئة عام، فتم منح إقليم كوسوفا لصربيا، ومنح جزء آخر منها لمقدونيا، وثالث للجبل الأسود، ورابع لليونان، وهكذا تقلصت مساحة ألبانيا من 80 ألف كيلومتر مربع، إلى 29 ألف كيلومتر، ولكي تعترف دول أوربا بما تبقى من ألبانيا، بحدودها السياسية الحالية، فقد اشترطت عليها شروطاً قاسية ومذلة منها: 
أن تكون دويلة محايدة ذات دستور علماني وفقاً للمعايير الأوربية، وأن تكون خاضعة للرقابة الأوربية الجماعية، وأن تستبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وأن تقطع علاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي، وأن تنحي الدين جانباً. 
وهكذا صارت الغالبية العظمى من المسلمين الألبان عبارة عن أقليات ضعيفة ومضطهدة في البلدان التي توزعوا فيها، في حين انخفضت نسبة المسلمين في الأراضي المتبقية من ألبانيا إلى أقل من النصف تقريباً، مقابل ارتفاع نسبة الأقلية النصرانية، وكان هذا هو المطلوب، لإزالة الصبغة الإسلامية عنها.
 وفي عام 1920م انضمت ألبانيا إلى عصبة الأمم، واعترف العالم بحدودها السياسية الحالية، إلا اليونان التي لا تزال غير معترفة بهذه الحدود حتى اليوم. وفي مقابل ذلك الاعتراف الدولي تم إلزامها بتقديم تقرير سنوي لعصبة الأمم حول وضع الأقليات بها، ومدى تمتعها بحقوقها العرقية والدينية، في حين فرض عليها مبدأ الرئاسة الجماعية تحت مسمى «المجلس الأعلى للدولة»، الذي يتألف من أربع شخصيات تمثل الطوائف الموجودة في ألبانيا 
(الإسلام السني، والبكتاشية، والأرثوذكسية، والكاثوليكية)، بحيث صارت المناصب الحساسة توزع على هذه الفئات الأربع، وهذا يعني أن المسلمين في أجهزة الدولة صاروا أقلية، فإذا علمنا أن من كانوا يمثلون المسلمين سياسياً وإدارياً كانوا من القوميين العلمانيين اتضح لنا أن المسلمين بالمفهوم السني خرجوا عملياً من دائرة الحكم منذ هذا التاريخ. وفي عام 1924م أعلنت الجمهورية برئاسة أحمد زوغو الذي لم يلبث أن أعلن نفسه ملكاً على البلاد عام 1928م، فحاول التقرب من الغرب بمحاربة الهوية الإسلامية، وتبنى سياسة علمانية تغريبية متشددة، لجعل ألبانيا جزءاً من أوربا، وذلك على غرار ما فعله أتاتورك، وفي عام 1939م غزا موسوليني ألبانيا، وضمها لإمبراطوريته، ومع احتدام الحرب العالمية الثانية لمع نجم أنور خوجا، البكتاشي الباطني، والشيوعي المتخرج من جامعات فرنسا، بوصفه قائداً للمقاومة الألبانية، ضد قوات المحور الغازية، ودخل «تيرانا» زعيماً لجبهة التحرير الوطنية، التابعة للحزب الشيوعي الألباني، خريف عام 1944م، وبعد تباعد ستالين وتيتو عام 1949م سارع بالانحياز إلى ستالين، وبذلك أفلت من طموح تيتو لضم ألبانيا ليوغسلافيا، وبعد موت ستالين عام 1953م، انحاز إلى ماو وثورته الثقافية عام 1960م، وفي عام 1978م أعلن مقاطعة الصين لانفتاحها على أمريكا، فأوقفت الصين مساعداتها الاقتصادية والعسكرية لألبانيا، وسحبت خبراءها منها، وصارت ألبانيا في عزلة عن العالم، فصدئت المصانع القديمة ولم تستكمل الجديدة، وصبت المئات من الأقبية الخرسانية وسط الحقول على طول البلاد وعرضها كمتاريس لكي تستخدمها المقاومة «البروليتارية» في مواجهة هجوم «إمبريالي» محتمل على ألبانيا «المحسودة». وقد استمر أنور خوجا في السلطة حتى وفاته عام 1985م برغم مرضه العضال في سنواته الأخيرة، ليعقبه نائبه «رامز غاليا»، وفي عام 1991م وعلى إثر انهيار سور برلين، خرج آلاف المتظاهرين في شوارع تيرانا، وأسقطوا تمثال الصنم أنور خوجا، ومنذ ذلك الحين أعيد فتح المساجد والكنائس، وتم بناء بعض المساجد الجديدة من قبل أهل الخير الخليجيين.

جناية أنور خوجا على ألبانيا


إن جناية أنور خوجا على الشعب الألباني لا تعني فقط سياسة الإرهاب والبطش، التي مارسها ضده طوال فترة حكمه الطويلة، وخصوصاً ضد المسلمين، فهذه توابع لا أصول، ولكن جنايته تتمثل في إيمانه الجنوني الخيلائي بذاته، وفي احتكاره للحقيقة والرؤية الصائبة في كل شيء، وفرض نمط تفكيره على أمة بأسرها بالسلاح والبطش، وبقوة الدستور والقانون، وحبس هذه الأمة في قفص هواجسه وأنانيته المفرطة وعبادته لذاته، ومن ثم تطبيقه لنظام الحكم المركزي الشمولي البيرقراطي بشكل صارم، واستئثاره بالسلطة فيه بصورة مطلقة. ومن مظاهر جنايته تلك، والتي تعنينا هاهنا، أنه منع التحدث باللغة العربية منعاً باتاً، وكان من ضبط وهو يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أو «الحمد لله»، يقضي في السجن عشر سنوات، وشمل الحظر الأسماء العربية، وكان على الأب الذي يرزق بمولود، عندما يذهب لتسجيل اسم مولوده، أن يختار اسماً من قائمة محددة أعدتها السلطات لتسمية المواليد، كما أنه جعل الإلحاد العقيدة الرسمية للدولة بنص الدستور، واعتبر الممارسة الدينية إسلامية أو مسيحية جريمة يعاقب عليها القانون، وهدم المساجد والكنائس أو حولها إلى متاحف ومخازن ومراقص، وذلك في عام 1967م، وأعلن الألبانوية ديناً جديداً للألبان، ومارس سياسة الخلط المبرمج عن طريق الزواج بين أتباع الديانات، ولم يكتفِ بذلك، بل إنه أقام متحفاً للإلحاد في شكودرا، كبرى مدن الشمال، كان هو الوحيد في العالم. واستعمل مع التيار الإسلامي في ألبانيا أدوات قمعية لم يستخدمها ستالين، ولا ماو، ولا أتاتورك، ولا بورقيبة، ولا القذافي، ولا حافظ الأسد، وكان المسلمون في الاتحاد السوفيتي، وفي يوغسلافيا، وفي الصين، في نعمة مقارنة بحال إخوانهم في ألبانيا خلال فترة حكم هذا الطاغية البكتاشي، والشيوعي الغوغائي، والفرنكفوني الثقافة، المصاب بجنون العظمة، والذي جمع كل ما في أولئك الحكام من شطحات، وغلو، وانتهازية، واستكبار، وشدة بطش، وإجرام، وعاهات مرضية مزمنة، وقد أدت هذه السياسة إلى انقطاع المسلمين بالكامل عن دينهم، وتراثهم، وتاريخهم. ولكي تعرفوا أي داهية دهياء أصيب بها المسلمون في ألبانيا على يدي هذا البكتاشي، والعقود الحالكة التي عاشوها في ظل حكمه، والوضع المأساوي الذي وصلت إليه البلاد في آخر أيامه، أحيلكم إلى الخبر التالي، الذي نشرته مجلة الوطن العربي في عدد يناير 1985م، أي قبيل وفاته بأشهر قليلة:

«الاشتراكية الألبانية، التي يرى زعيمها ومؤسسها وراعيها مدى الحياة أنها الاشتراكية الوحيدة في العالم. سيد شكيبريا.. ورفيقاه الحميمان مرض السكري وداء باكنسون.. ترتجف يدا حاكم عش النسور، ولا تقويان على القبض، بل يرتجف كله كله.. بقوة. 
همومه انحصرت كلها منذ استلم السلطة في هم واحد: 
التطبيق التام للمبادئ الماركسية - اللينينية - الستالينية في كل صغيرة وكبيرة. في بلاده فقط يتقارب مرتب المهندس والعامل العادي، ويغيب أي أثر للملكية الفردية، حتى ليبدو الاتحاد السوفيتي قلعة برجوازية ليبرالية رجعية قياساً إلى شكيبريا».

والحقيقة أن الشيوعية المطلقة، التي تلي الحقبة الاشتراكية في المفاهيم الماركسية، استعجلها أنور خوجا، وأراد أن يحقق أقصى ما يستطيع منها في دولة صغيرة. 
نصب نفسه قاضياً اشتراكياً، وبدأ يقيس كبار قادة الاشتراكية في العالم بمسطرة ماركسية - لينينية - ستالينية مستقيمة جداً. 
ماذا كانت النتيجة؟ 
أحد أوفى رفاقه الشيوعيين «جوزيف بروز تيتو» سقط في الامتحان سقوطاً مريعاً، وحتى ستالين اكتشف خوجا أنه لين جداً في ستالينيته في العام 1948م، فقطع علاقته معه. 
وانتظر حتى العام 1960م، يومذاك أعلنت موسكو أن «ماوتسي تونج» تحريفي، فأعلن حاكم ألبانيا براءة الزعيم الصيني من التهمة.
لكن حدث في الصين ما دعي بـ«الثورة الثقافية»، فأصدر القاضي الألباني حكماً يدين رفيقه بالانحراف عن الخط الماركسي - اللينيني - الماوي. أغلق أبواب ألبانيا أمام أي هبة رأسمالية أو «تحريفية» قد تأتيه من البعيد أو يوغسلافيا القريبة أو من اليونان أو إيطاليا.

وسجن نحو 40 ألف ألباني يتوزعون على 18 مخيم اعتقال، وستة سجون كبرى، وسبعة معسكرات للأشغال الشاقة، وقضى على 4000 من مناوئيه، وحرم السفر على الألبانيين.

الهدف الرئيس هو الإسلام


نحن لسنا مع أولئك الذين يقولون إن أنور خوجا استطاع بسياسته الميكافيلية أن يحافظ على ألبانيا مستقلة بعيداً عن طموح تيتو وأطماع اليونان وإيطاليا، ونرى أن الذين ساعدوا أنور خوجا للوصول إلى السلطة، وهم بريطانيا وأمريكا والسوفيات ويوغسلافيا، تركوه على حاله لأنه كان يقوم بالواجب، بل كان يقوم بما لم يقدروا هم أن يقوموا به في بلدانهم في سحق الإسلام وأهله، فلا نبالغ إذا قلنا إن الهدف الرئيس من تلك السياسات الشديدة القسوة التي طبقها البكتاشي الشيوعي أنور خوجا ضد الأديان، كان الهدف الرئيس منها هو الإسلام، لقطع صلة المسلمين بماضيهم وتراثهم، وطمس هويتهم الإسلامية، وإجبارهم في نهاية المطاف على التحول إلى النصرانية. 
وأما تحويلهم إلى ملاحدة وتنشئة أطفالهم في ظل الدعوة إلى الإلحاد فلم يكن الهدف منه الإلحاد ذاته، إذ لم يكن هذا الإجراء سوى إجراء مرحلي تمهيداً لإعادة تنصير أولئك الملحدين في مرحلة تالية، ومن الأدلة على كل ذلك:

أن أنور خوجا اتخذ من الزعيم الألباني السفاح إسكندر بيه، الذي انشق عن العثمانيين عام 1443م، وأعلن الارتداد عن الإسلام إلى النصرانية، بطلاً قومياً لألبانيا، وبنى باسمه قلعة في قمة كروبا، تكريماً له، واسترضاء لسكان الجنوب النصارى ومن ورائهم اليونان، واستفزازاً لمشاعر سكان الشمال المسلمين المغلوبين على أمرهم، وأيضاً توجيه أنظار الألبان نحو عدو واحد، ألا وهو الأتراك ودينهم الإسلام.

أن الجنوب النصراني ظل يتمتع خلال فترة حكمه بمزايا لم يكن يتمتع بها الشمال المسلم، بما في ذلك تمتع الجنوب بوجود بعض الكنائس، التي ظل النصارى يمارسون فيها عبادتهم وطقوسهم، ولم يتم تفريغ الجنوب سوى من المساجد، بدليل أن مدينة ساندرا الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة، بشهادة من زارها، تنتشر فيها الكنائس بكثرة، في حين لا يوجد فيها سوى مسجد واحد، وهو مهدوم، علماً بأنه حيل بين الجمعيات العربية وبين إعادة بنائه مؤخراً.

أن أنور خوجا عندما فكر في إقامة متحف الإلحاد، وهو المتحف الوحيد من نوعه في العالم، فكر في إقامته بعيداً جداً عن الجنوب، معقل النصارى، وعن اليونان الجارة الجنوبية النصرانية رافعة راية الأرثوذكسية، فقد أقامه في مدينة شكودرا الشمالية ذات الأغلبية المسلمة، بل إن الشمال هو المعقل الرئيس للمسلمين.

أن هناك حالياً جهوداً مكثفة للتنصير في أوساط الملحدين الألبان، الذين لم يعرفوا سوى الإلحاد ديناً لهم بعد خمسة عقود من فرضه في البلاد، وذلك بغية إدخالهم في العقيدة النصرانية، فجذب الملحد إلى النصرانية أسهل وأقل تكلفة بكثير من جذب المسلم إليها، هذا إذا تنصر المسلم ويستحيل أن يتنصر المسلم الصحيح الإسلام.

على أن سياسة محاربة الأديان في ألبانيا، وإن نسبت للرئيس البكتاشي الشيوعي أنور خوجا، فمن المؤكد أنه لم يكن المسئول الوحيد عنها، ولا شك أن هناك من كان يحرضه ويشجعه عليها من صفوف حزبه الشيوعي، والذي كان يمثل نصارى جنوب ألبانيا، والقريبين من اليونان عقيدة وإثنية، فهؤلاء كانوا ملتفين حول أنور خوجا بكثافة، وكانت بأيديهم المناصب الحيوية في الحزب والدولة، بدليل أنه في محضر الاجتماع الذي كشف عنه مؤخراً، حول الزيارة التي قام بها أنور خوجا لستالين في موسكو سنة 1949م، كان غالبية أعضاء الوفد الثمانية المرافقين له من الأرثوذكس، وأيضاً بدليل أنهم، أي نصارى الجنوب، هم ورثة الحزب الشيوعي، بعد أن صار اسمه اليوم الحزب الاشتراكي.

الهجمة التنصيرية التغريبية الشرسة


منذ انهيار الشيوعية عام 1991م وألبانيا تتعرض لهجمة شرسة من قبل المنظمات التنصيرية، التي تكالبت عليها من أرثوذكسية وكاثوليكية وبروتستانتية، واستخدم المنصرون وخاصة الأرثوذكس إغراءات السفر للعمل بالخارج لتحويل الشباب المسلم عن دينه، مشترطين عليهم تغيير أسمائهم الألبانية لأخرى يونانية، إضافةً لتغيير ديانتهم رسمياً، في مقابل إعطائهم تأشيرة سفر لليونان، ومنحهم الإقامة بها، وتوفير فرص عمل لهم. وهناك عشرات الآلاف من الشباب المسلم الألباني تنصروا فعلاً لهذا الغرض، وهذا فضلاً عن النشاط التنصيري الواسع والمكثف في الداخل، حيث تنتشر تلك المنظمات التنصيرية في صفوف المجتمع الألباني المسلم الفقير، وتمارس عمليات التنصير بوسائل مختلفة، دون حسيب أو رقيب، مقابل فتات المساعدات أو الخدمات التافهة التي تقدمها للناس البؤساء، وامتد نشاطها إلى كل مدينة وقرية ألبانية، وبنيت الكنائس في كل مكان. وليس المهم التنصير في ذاته، ولكن المهم هو إبعاد المسلمين عن دينهم وتغريبهم وطمس هويتهم، بما في ذلك نشر الأفكار الإباحية والهدامة في مجتمعاتهم، وهناك العديد من القنوات الفضائية التي أنشئت خصيصاً لهذا الغرض الدنس، ولذلك ليس غريباً أن تنتشر الدعارة في البلاد، وأن تصبح ألبانيا مصدراً لتصديرها إلى الخارج. وعلاوة على ذلك، فهناك علاقة مشبوهة بين البابا وزعيم البكتاشية في ألبانيا، التي أشار لها البابا على أنها مثال للعيش السلمي بين المسيحيين والمسلمين، وذلك خلال زيارته لها في سبتمبر 2014م، حيث يبدي البابا اهتماماً مبالغاً فيه بزعيم البكتاشية بشكل خاص، وبألبانيا بشكل عام، وكذلك تفعل إيران عن طريق سفارتها ومراكزها الثقافية هناك، والتي تعتبر مراكز لتصدير الثورة ولبث المعتقدات الرافضية، ولعل من أسباب ذلك أن البكتاشية تمزج بين العقائد النصرانية والشيعية، وأن العدو الإستراتيجي لها هو الإسلام بمفهومه السني، ولذلك فهي تتحالف مع الكنائس النصرانية للوقوف صفاً واحداً لمنعه من الانتشار في ألبانيا، ويشكل أتباعها حوالي 15% من مسلمي ألبانيا. 
ولكي تعرفون المدى المفزع الذي وصل إليه النشاط التنصيري في ألبانيا، نحيلكم إلى هذا الخبر الذي نشرته مجلة «السنة» العدد 26 جمادى الأولى 1413هـ 1992م عن حصول جماعة مسيحية أصولية على حق إدارة جميع دور الأيتام في ألبانيا. وقد نشرت «الإندبندت» خبراً بالخط العريض في 18/10/1992م عن الموضوع ذاته تحت عنوان: «معمدانيون أمريكان ينافسون المسلمين في سوق الدعوة»، وتحت عنوان ثانوي: «الأيتام الألبانيون أسرى للتربية المسيحية». وقد منحت المؤسسة النصرانية من قبل الحكومة الألبانية حق تأجير دور الأيتام لمدة 49 سنة، مقابل تنازل ذوي الأيتام عن كافة حقوق الأيتام للمؤسسة، التي ستقوم على تربيتهم وتأمين الصحة والغذاء لهم. 
وقد علق ناطق باسم المؤسسة قائلاً: 
إن مؤسسته تؤمن بالحاجة إلى نشر تعاليم الإنجيل. وفي رد على سؤال عن ماذا سيحدث للتربية الدينية لأيتام المسلمين، قال الناطق: «إنه من غير المرجح أن تعنى المؤسسة بهذا الأمر». 
ويلقن الأطفال الذين يعيشون في عزلة عن العالم الخارجي «الصفات التي يكون عليها الخلق الذين سيدخلهم حبهم ليسوع الجنة، ويحفظون أناشيد تعبر عن حبهم ليسوع»، وتقول إحدى العاملات في المؤسسة: «إن السر وراء كسبنا للعقد هو سعينا إليه».

ومع كل ذلك، نجد النصارى هم الأعلى صراخاً والأكثر ضجيجاً في التحذير من خطر الإسلام على ألبانيا، وهم الأكثر جرأة في محاربته والطعن فيه، وهذا ما فعله الرئيس الألباني النصراني ألفرد مويسيوي، في كلمة ألقاها خلال مشاركته في مؤتمر دولي عن التسامح بلندن في 9 نوفمبر 2005م فقد قال: «إن مسلمي ألبانيا في الواقع يحتضنون العقيدة المسيحية داخلهم، لأن خمسة قرون من عمر الإسلام في ألبانيا لا تكفي لمسح 15 قرناً من عمر المسيحية بها». وأضاف: «التسامح الديني المعروف عند الألبان لم يأت مع دخول الإسلام إلى ألبانيا، وإنما كان موجوداً منذ انتشار المسيحية في ألبانيا». 
وقد استفزت هذه التصريحات مسلمي ألبانيا، وطالبوا رئيسهم بالاعتذار عنها، ولكنه أصر على موقفه، واعتبر خلال لقاء عقده مع «سليم موتشي» رئيس المشيخة الإسلامية الألبانية في 20 نوفمبر 2005م أن ما قاله «حقائق تاريخية لا يمكن التراجع عنها معرباً في الوقت نفسه عن تقديره للمسلمين في البلاد».

عودة الحزب الشيوعي


بعد انهيار الحكم الشيوعي عام 1991م، ومع فوز الحزب الديمقراطي، ذي التوجه القومي العلماني، في انتخابات أبريل 1992م، صار رئيسه صالح بريشا رئيساً لألبانيا، وأعيد انتخابه عام 1996م، وخلال فترة حكمه قام ببعض الإصلاحات المهمة، وحاول الانفتاح على العالم الإسلامي، كما أنه أبدى اهتماماً بقضية الأقليات الألبانية في الدول المجاورة. 
ولكن كل هذا أدى لتورم أنوف قادة المعارضة، التي كان يتزعمها الحزب الاشتراكي، وريث الحزب الشيوعي، الخاضع لسيطرة النصارى الأرثوذكس، والذي أيضاً تعتبر قيادته ألعوبة بيد اليونان، فقد استغل هذا الحزب، الذي كان يرأسه في ذلك الوقت «فاتوس نانو»، الأرثوذكسي اليوناني الأصل، والشيوعي السابق؛ انهيار شركات توظيف الأموال في عام 1996م، ما أدى إلى ضياع مدخرات مئات الآلاف من الألبان، ما أثار عاصفة غضب ضد الحزب الديمقراطي الحاكم، وزعيمه صالح بريشا، برغم أن المتسبب في حدوث ذلك الانهيار هو المافيا المتفشية في الحياة السياسية والاقتصادية، التي كانت ترعاها اليونان، والتي أيضاً تشارك فيها مشاركة فعالة قيادات متنفذة في الحزب الاشتراكي، وفي تلك الفترة اشتعل التمرد في الجنوب النصراني، وخرج عن سيطرة الحكومة وعمت فيه الفوضى، ولعبت الكنيسة اليونانية دوراً كبيراً في استفحال تلك الاضطرابات، لنفوذها الهائل هناك، ولم تهدأ الأمور إلا بعد أن قامت الأمم المتحدة بإرسال قوات أوربية بقيادة إيطاليا إلى هناك من جهة، وبعد الإطاحة بالرئيس صالح بريشا من جهة أخرى. وفي الانتخابات المبكرة عام 1997م فاز الحزب الاشتراكي، وبفوزه عاد الشيوعيون إلى السلطة من جديد في ألبانيا، وصار «فاتوس نانو» النصراني زعيم الحزب الاشتراكي رئيساً للوزراء، فأظهر حقده الدفين على الإسلام وكل ما يرمز له، فقد دعا إلى طرد العرب من ألبانيا، وفي مقدمتهم الجمعيات الخيرية، متهماً إياها بالإرهاب، ومتهماً صالح بريشا بفتح أبواب البلاد للجماعات الإسلامية الأصولية، التي اتخذت البلاد قاعدة لأنشطتها الإرهابية في البلقان وأوربا، بحسب زعمه، وطالب الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية بمساعدته في طرد الجالية العربية من ألبانيا وإنقاذ بلاده من زحف التيار الإسلامي عليها، وحذر من إعادة نشر الديانة الإسلامية فيها، واستجابت الإدارة الأمريكية، التي كانت مخابراتها قد اتخذت من ألبانيا قاعدة لها، بسرعة لطلبه، وبدأت تمارس الضغوط لطرد الجمعيات الخيرية العربية من ألبانيا، حتى تبقى الساحة الألبانية مفتوحة على مصراعيها للنشاط التنصيري والإباحي الهدام فقط، لدرجة انسحاب ألبانيا من منظمة المؤتمر الإسلامي. 
ولم يكتف هذا اليوناني الصليبي الحاقد بذلك، بل إنه تعاون أيضاً مع ميلسوفتش الزعيم الصربي الصليبي المجرم في حربه الاستئصالية على مسلمي كوسوفا، وكانت ثمرة هذا التعاون اغتيال «حازم حيدري»، الأمين العام للحزب الديمقراطي، لقطع اليد التي كانت تقدم الدعم لجيش تحرير كوسوفا، الأمر الذي أثار ثائرة المسلمين في الشمال (مؤيدي الحزب الديمقراطي)، فقاموا باقتحام مبنى رئاسة الوزراء ومبنى التلفزيون، كما قاموا بالاستيلاء على الأسلحة الثقيلة، وتسليم جزء منها إلى جيش تحرير كوسوفا، فتدخلت أوربا وتم استبدال «نانو» لتورطه في عملية الاغتيال تلك، بالتعاون مع ميلسوفتش، وبذلك تم امتصاص غضب المسلمين واحتواء الموقف، لكن الحزب الاشتراكي ظل متشبثاً بالسلطة، حتى سقط في انتخابات 2005م، بعد أن أوصل البلاد إلى حافة الهاوية، ليخلفه الحزب الديمقراطي، لكن الحزب الاشتراكي عاد مجدداً إلى الحكم في 2013م، ثم فاز في انتخابات 2017م أيضاً، وهو الحزب الحاكم اليوم، وكل جهوده منصبة على الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وهو يقتات على الترويج لهذا المشروع، ويوظفه للهيمنة على البلاد، ويزايد عليه في دعايته أثناء الانتخابات، وفي الوقت نفسه يستخدمه ستارة للحرب على الإسلام، ولعزل ألبانيا عن العالم الإسلامي، تاركاً أبواب البلاد مفتوحة على مصراعيها للجماعات التنصيرية والماسونية والإباحية الغربية. وإذا كانت الحكومات الأوربية لا تعتبر ألبانيا دولة إسلامية، وتتعامل مع شعبها ككتلة إسلامية في محيط أوربي، فإن قيادة الحزب الاشتراكي الألباني، وكذلك الكنائس الغربية المختلفة، تتعامل مع تلك الكتلة الإسلامية على أنها مسلمة في الظاهر نصرانية في الباطن، وعلى هذا الوتر يعزفون، محاولين إقناع المسلمين الألبان بهذه الفكرة السخيفة، التي كذبوها فصدقوها، وذلك لكي ينهوا الوجود الإسلامي في ألبانيا، بل في دول البلقان كلها.

الخميس، 20 نوفمبر 2025

السمح بن مالك الخولاني: من إصلاح الأندلس إلى فتح نربونة

 السمح بن مالك الخولاني: من إصلاح الأندلس إلى فتح نربونة

الخميس، 26 يونيو 2025

المد الربويّ والاحتلال العسكري للبلاد الإسلامية

المَدّ الربويّ والاحتلال العسكري للبلاد الإسلامية

تُفيد المعلومات أن الجزائر في القرن الثامن عشر، أي: قبل أن تحتلها فرنسا، كانت تملك اقتصادًا نشطًا، ولديها فائض في الإنتاج الزراعي، وخاصةً من الحبوب،       وكانت هي البلد الدائن، وفرنسا كانت هي البلد المدين.

كان الربا في جاهلية العرب منتشرًا بلا حدود أو قيود، وخاصةً في مكة، وكان مصدرًا آخر لثراء المجتمع المكي، بجانب التجارة، ولكنه كان، في الوقت نفسه، مصدر شقاء للكثيرين، وعندما جـاء الإسـلام، حرَّم الربا تحريمًا مطلقًا، وأنذر مَن يستمر في تعاطيه بحربٍ من الله ورسوله؛ فقال تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﯓ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: ٢٧٨- ٢٧٩].

وقد ظل المسلمون متمسكين بتعاليم الإسلام القاضية بتحريم الربا، حتى القرن التاسع عشر عندما بدأت رءوس الأموال الأوروبية تتدفق على بلدان العالم الإسلامي، على شكل قروض بفائدة لحكام المسلمين، وأيضًا على شكل رؤوس أموال باحثة عن فرص أفضل للاستثمار، من خلال الإقراض بفائدة.

الربا والديون والاستعمار

في تلك الفترة، قامت الدول الأوروبية الرأسمالية، بمنح قروض عديدة لدول معينة في الشرق؛ لضمان الحصول على الموادّ الخامّ منها وتصدير منتجاتها إليها، وأيضًا لزيادة معدل الربح من خلال أسعار الفائدة المرتفعة التي كان يحصل عليها رأس المال الأجنبي، مقارنةً بما كان يحصل عليه في موطنه الأصلي، وتولَّت القيام بذلك المصارف الكبرى التي تحوَّلت من مجرد وسيط بين المدخرين والمستثمرين إلى أصيل يندمج بداخله رأس المال المصرفي في رأس المال الصناعي، ويقوم بخَلْق النقود خلقًا.

وكانت الدول الغربية تستخدم هذه القروض الربوية وسيلةً للتدخُّل في شؤون البلدان الشرقية المدينة، ومِن ثَمَّ، فَرْض سيطرتها العسكرية عليها؛ عندما تعجز عن سداد القروض وفوائدها المُركَّبة. ولقد وقعت في هذا الفخّ عدد من الدول الإسلامية، آنذاك، والتي لجأ حُكّامها لعقد صفقات القروض الربوية مع البنوك الأجنبية، التي كان أغلبها يملكها يهود، وذلك بغرض الخروج من الضوائق المالية التي كانوا يُعانون منها، بحسب اعتقادهم؛ نتيجةً لعدم اكتفائهم بما يحصلون عليه من وسائل دخلٍ عديدة -ومنها الضرائب والرسوم الجمركية-؛ لإشباع ملذاتهم، وكان مستشاروهم الأوروبيون يُشجّعونهم على الاقتراض، ويخدعونهم باسم الإصلاح؛ لأنهم كانوا يحصلون على نسبة من القرض.

وقد تم تأسيس العديد من البنوك الأجنبية في بلاد المسلمين، آنذاك، لتكون قريبة من الحكام المسلمين، فيكون ذلك أسهل في أن يقترضوا منها، حينما شاءوا.

وكانت هذه البنوك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي سلاحًا فتّاكًا بيد القوى الاستعمارية. وفي بعض الأحيان كانت حكومات هذه الدول الإسلامية تقترض من أموال المُرابين الذين صار لهم وجود ماليّ وتجاري في بلدانهم، وتكون هذه الحكومة الأوروبية أو تلك، والتي يحمل جنسيتها المُرابي، هي الواسطة بين الطرفين، ويرتهنون إحدى وسائل الدخل المهمة عند الحكومات المقترضة -مثل الجمارك-؛ لضمان الوفاء بمبالغ هذه القروض وفوائدها.

وعندما كان يحدث تأخُّر في السداد، كانت تلك الحكومات الأوروبية تتدخل لصالح المرابين الحاملين لجنسيتها، ولذلك في حالات كثيرة كان يتم إضافة دخل مورد ثانٍ وثالث بجانب المورد الأول؛ ضمانًا لسداد الديون وفوائدها.

ثم ماذا كانت النتيجة؟

الجواب: النتيجة كانت كارثية، فقد كانت هذه القروض الربوية، وبالاً على أولئك الحكام، وعلى شعوبهم وأُمّتهم، ولم يجنوا من ورائها سوى الفقر والعار وضياع استقلال البلدان الإسلامية، وإيقاعها فريسةً للاستعمار الرأسمالي الغربي، ورهن إمكانياتها وموارد الدخل فيها للوفاء بهذه الديون وفوائدها، وجَعْلها تَصُبّ في خزائن الحكومات الاستعمارية، فما استعمرت إنجلترا مصر إلا عن طريق الديون، وما احتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب إلا عن طريق الديون، وما بسطت الدول الغربية نفوذها على دولة الخلافة العثمانية، في أواخر أيامها، إلا عن طريق الديون.

والشيء نفسه حدث تقريبًا في الهند الإسلامية، فكل هذه الدول أو الحكومات استدانت من الأجانب، ثم عجزت عن سداد القروض الذي تضاعفت قيمتها بالفوائد المركبة الرهيبة، فكان أن طلبت قرضًا أكبر، بفوائد أعلى، وعجزت أيضًا عن السداد، ومع توالي القروض وتضاعف الفوائد والأعباء المترتبة عليها؛ أخذت هذه البلدان تتحوَّل شيئًا فشيئًا إلى مزارع أوروبية، يكدّ العمال المحليون في العمل فيها ليلاً ونهارًا، ويذهب خَيْرها إلى وراء البحار لتُسهم في رفاهية المجتمعات الأوروبية، وإن أدَّى ذلك إلى افتقار الشعوب في هذه الدول أو حتى أكلوا التراب والحصى، ثم انتهى الأمر بضياع الاستقلال، وارتهان إمكانات البلد ومَرافقه للمصارف الربوية الأجنبية التي بدَوْرها أسلمت البلد المدين لجيوش الاستعمار.

الربا والاحتلال الإنجليزي لمصر

على الرغم من أن محمد عليّ باشا، كان يَعتبر مصر ملكيةً خاصةً له ولأبنائه، وبالرغم من طموحه في تحديث هذا البلد على غرار النموذج الأوروبي؛ إلا أنه كان حَذِرًا من رأس المال الأجنبي، ولكن بعد وفاته عام ١٨٤٩م كان أولاده صيدًا سهلًا للمُرابين الأجانب. الأمر الذي أدَّى إلى دخول مصر في دوَّامة الهيمنة الخارجية، ووقوع الاقتصاد المصري في قبضة المرابين الأجانب الجَشِعين، وشيوع الترف واللهو والخمر والنساء. وأصبح أحد الأهداف الأساسية للإدارة الاقتصادية توليد الدخل الكافي لسداد الديون وفوائدها، والتي نَمَت نموًّا خياليًّا حتى بلغت ٩٥ مليون جنيه إسترليني عام ١٨٧٥م، نتيجةً لارتفاع سعر الفائدة، حتى إن الرسوم الجمركية لميناء الإسكندرية، ومبيعات القطن المصري طويل التيلة المشهور، وإيرادات قناة السويس، لم تعد تكفي لسداد القروض وفوائدها، فقررت الدول الأوروبية التدخل لصالح المرابين، لضمان الوفاء بديونهم، فجاءت بعثة كييف ١٨٧٥م، واقترحت إنشاء مصلحة للرقابة على مالية مصر، وأن يخضع الخديوي لمشورتها، ولا يَعقد قرضًا إلا بموافقتها.

الرقابة الأجنبية على مصر.. البداية من صندوق الدَّيْن إلى حكومة الاحتلال

وأُجْبِرَ الخديوي إسماعيل في هذا العام، وبعد أن سفح بالأموال يمينًا وشمالًا، بدعوى تحديث مصر على غرار النموذج الأوروبي، وطلبًا للزينة والترف والبذخ؛ أُجْبِرَ على بيع أسهم الحكومة المصرية في قناة السويس، إلى الحكومة البريطانية، لقاء دفع أربعة ملايين جنيه فورًا، ساعدت على تأجيل الانهيار المالي مؤقتًا.

وفي عام ١٨٧٦م أُنشئ صندوق الدَّيْن لتسلُّم المبالغ المخصَّصة للديون من المصالح المحلية، ويتولَّى إدارته مندوبون أجانب، فكانت هناك حكومة أجنبية داخل الحكومة المصرية، وسُلطتها فوق سلطة الحكومة المصرية.

وفي نفس هذه السنة أيضًا أُنشئ نظام الرقابة الثنائية على مالية مصر، فكان هناك مُراقب إنجليزي لمراقبة الإيرادات، ومراقب فرنسي لمراقبة المصروفات، وكانت سلطة كلٍّ منهما مُطلقةً، ثم تطورت الرقابة الثنائية إلى تأليف حكومة مختلطة يدخلها وزير إنجليزي لوزارة المالية، وآخر فرنسي لوزارة الأشغال. وعندما حاول الخديوي إسماعيل مقاومة ذلك تم خلعه ١٨٧٩م؛ فحلَّ محله الخديوي توفيق. وكان فرض هذين الوزيرين الأجنبيين في الحكومة المصرية، بالقوة والقهر، أحد أسباب وَثْبَة الجيش المصري بقيادة عرابي، فكان أن استعان الخديوي توفيق بالإنكليز، مما أفضى إلى وقوع مصر تحت الاحتلال الإنجليزي ١٨٨٢م.

الربا والاحتلال الفرنسي للجزائر وتونس

تُفيد المعلومات أن الجزائر في القرن الثامن عشر، أي: قبل أن تحتلها فرنسا، كانت تملك اقتصادًا نشطًا، ولديها فائض في الإنتاج الزراعي، وخاصةً من الحبوب، وكانت هي البلد الدائن، وفرنسا كانت هي البلد المدين.

وفي هذا الصدد نشير إلى ثلاث معاهدات جزائرية-فرنسية، تشير إلى اعتراف فرنسا بقروضها من الجزائر: المعاهدة الأولى أُبرمت ١٧٩٦م، وتشير إلى أن الجزائر قدَّمت لفرنسا قرضين؛ الأول عبارة عن قمح لم تكن فرنسا تملك تسديد ثمنه آنذاك، وتحديدًا في العام ١٧٩٣م، والقرض الثاني نقدًا وقيمته ٥ ملايين فرنك ذهبي في سنة ١٧٩٦م بدون فائدة (لأن الفائدة ربا، والربا حرام في الشريعة الإسلامية).

وهناك معاهدة ثانية بينهما أُبرمت عام ١٨٠١م، ومعاهدة ثالثة أُبرمت في عام ١٨٢٠م، تُجدِّد فيهما فرنسا اعترافها بهذه الديون للجزائر. وكانت المعاهدة الأخيرة قبل الغزو الفرنسي للجزائر واحتلالها للجزائر العاصمة بعشر سنوات. فقد دار الزمان دورته بسرعة؛ وذلك أن الباي (لَقَب يُطلَق على الحاكم في الجزائر وتونس)، دخل في علاقات مالية مع اثنين من المُرابين من يهود فرنسا، كانا يقدِّمان له القروض في مقابل صفقات تجارية، وكان الباي يتأخر في السداد أحيانًا، فكان اليهوديان يلجآن إلى القنصل الفرنسي في الجزائر، فكان هذا القنصل يتدخل دائمًا لصالح الربا وأهله، فتدخل أيضًا هذه المرة لصالح اليهوديَّيْن بصلافةٍ، فكان ما كان من حادثة ضَرْبه بالمروحة مِن قِبَل الباي، والتي جعلت فرنسا منها شماعة لفرض الحصار البحري على الجزائر، تمهيدًا لغزوها واحتلالها سنة ١٨٣٠م.

وفي هذا الوقت كانت الدول الأوروبية، قد اتجهت إلى الاستعمار؛ لوضع يدها على منابع المواد الخام، وضمان أسواق واسعة لتصريف البضائع التي تنتجها مصانعها. وتمثلت محصّلة ذلك في وقوع الجزائر تحت الاحتلال العسكري الفرنسي المباشر، واعتبارها جزءًا من الأراضي الفرنسية.

الاستدانة ثم الانهيار.. السيناريو المتكرر للاستعمار الفرنسي في المغرب العربي

وفي تونس اتجه الباي هناك للاستدانة من أوروبا، وخاصةً من جارته الشمالية (فرنسا)، التي كانت قد احتلت الجزائر، وفي أقل من سبع سنوات بلغ الدَّيْن وفوائده (١٥٠) مليون فرنك فرنسي، فاتخذت الدول الأوروبية الدائنة، وخاصةً فرنسا، ذلك حُجةً للتدخُّل في شؤون تونس الداخلية، واقترحت فرنسا تشكيل لجنة مالية، ووافقتها إنجلترا وإيطاليا، وصدر مرسوم من الباي سنة ١٨٧٠م بتشكيلها من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين تحت رئاسة موظف فرنسي، وجعلت مهمة هذه اللجنة المالية: توحيد الدَّيْن، وتحديد الفوائد، وإدارة المرافق التي خُصِّصت لسداد هذا الدَّيْن، وعن طريق هذا الدَّيْن، وصل الفرنسيون إلى استعمار تونس سنة ١٨٨١م. وقل مثل ذلك عن الاحتلال الفرنسي للمغرب بعد ذلك.

الربا وضياع الهند الإسلامية

بعد أن قضت إنجلترا على التمرُّد الأكبر في الهند، والذي اندلع في سنة ١٨٥٨م، ثبت للسياسيين البريطانيين، أن المقاومة الحقيقية للاستعمار البريطاني تمثلت في مقاومة المسلمين لهذا الاستعمار، وخاصةً سلاطين دلهي مع حلفائهم من رجال نظام حيدر أباد، فكان أن استقر رأي البريطانيين على إعلان الحرب على الإسلام وأهله في الهند، فبدأت بتحريض ودعم الهندوس والسيخ ضدهم، بجانب تدابير أخرى، ولم ينفع بريطانيا شيءٌ في مجال القضاء على المقاومة الإسلامية في الهند، كما نفعتها القروض الربوية من المصارف الإنجليزية؛ لأن نظام حيدر أباد ورجال دولته، ظنّوا أنهم ينفعون دولتهم إذا هم اقترضوا المال من تلك المصارف الإنجليزية؛ وذلك لتمويل الجيوش وشراء الأسلحة الحديثة، التي سيتم بها محاربة الإنجليز الغزاة، وطردهم من الهند، وأيضًا للدفاع عن أنفسهم وحماية مدنهم من تعديات الهندوس والسيخ، وما لبث أن خاب ظنهم؛ لأن صُنّاع السلاح وتُجّاره كانوا، ومازالوا، حلفاء للمرابين والمستعمرين.

صحيح أن جزءًا كبيرًا من تلك الأموال المقترضة بالربا، قد ذهبت لشراء السلاح الحديث، ولكن بأثمان خيالية، فالبندقية التي كان ثمنها -إذ ذاك- خمسة جنيهات إنجليزية، بِيعَت للمسلمين بخمسين جنيهًا مقترضةً من بنك إنجليزي، بيد أنهم -أي تجار السلاح- كانوا يقتصدون أو يُسوّفون في بيع الذخيرة لهم، وفي وقتٍ من الأوقات، وتحديدًا عند اندلاع المعارك الحاسمة بين المسلمين والإنجليز، أوقف تجار السلاح بيع الذخيرة للمسلمين، فأصبحت البنادق والمدافع التي اشتروها بأغلى الأثمان وبأموال تلك القروض الربوية، مجرد حديد خردة بلا قيمة!

ومن هنا، وبجانب عوامل أخرى، فقد انفتح الطريق أمام التدخل الاستعماري الإنجليزي للهند دون مقاومة. وهكذا ضاعت الهند الإسلامية.

الربا وسقوط الخلافة العثمانية

بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، صارت الدولة العثمانية مسرحًا واسعًا لتنافس البنوك الأجنبية؛ حيث راح كل واحد منها، يحاول التركيز على هذا السوق المصرفي البِكْر، لتصريف العملات، وتوظيف الرساميل، ونهب المواد الأوليّة لتشغيل مصانعهم فيما وراء البحار.

وكانت هذه البنوك تُسهِّل للدولة العثمانية قروض التمويل الربوية للحروب، وتشترط عليها أن يكون سداد الدَّيْن خلال فترة محددة، تُدْرك هذه البنوك سلفًا، أن الدولة، غير قادرة على السداد فيها، وكانت تضع على ذلك ضمانات من الموادّ الأوليّة اللازمة للصناعة، كالقطن والحرير والأخشاب، التي كانت من أهم مصادر الدخل للدولة العثمانية، وتحوّلت القروض الربوية التي كانت تمنحها تلك البنوك للدولة العثمانية إلى إحدى الوسائل المهمة لتغلغل القوى الأجنبية وعملائها، في أحشاء الحكومة، والهيمنة على اقتصاد البلاد، والتحكم في الإدارة وأجهزة الحكم، وإحكام الطوق على الدولة العثمانية سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.

الأمر الذي أدَّى إلى تعميق فقرها وجهلها وتفكُّكها، فضَعُفَتْ موارد البلاد، وقلّت مداخيلها، وكثُرت نفقاتها؛ فلم تجد الدولة من خيار أمام الحاجة والضرورة سوى الإمعان في الاستقراض بالربا؛ إذ إن هذه هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامها؛ لإنقاذ نفسها من شبح الإفلاس والانهيار.

وبدلًا من إنفاق هذه القروض على تحسين موقعها الإنتاجي والاقتصادي؛ أقدمت الحكومة على إنفاقها ضمن قنواتٍ تزيد من حالة الإفقار والتجويع؛ حيث أنفقتها على الحروب، وعلى قمع الثورات التي كان الغرب نفسه هو مَن يثيرها ضدها، كما أنفقتها على بذخ السلاطين والأمراء، وأيضًا على دفع الفوائد، وتسديد القروض السابقة، التي عجزت عن الوفاء بها في حينه! فسارت الدولة من ضعفٍ إلى ضعفٍ، ووقعت فريسة ليهود الدونمة.

ولهذا الموضوع تفاصيل كثيرة ومثيرة، يشيب لها شعر الصبي؛ لأنه يتعلق بدولة خلافة إسلامية كبرى، كانت تهيمن على ثلث الكرة الأرضية، وكانت سيّدة البر والبحر.

المصدر

مجلة البيان، العدد:٤٥٦

أحمد بن صالح الظرافي