ربّ إني لِمَا أنزلْتَ إليَّ مِنْ خيرٍ فقيرٌ.. منطرحاً أمام بابك الكبير.. أصرُخُ في الظلام أستجير: ياراعي النِّمالِ في الرِّمالِ، وسامِعَ الحصاةِ في قرارةِ الغدير.
صرختي الأولى كانت إليك، وندائي الأولُ، ونَغْنَغَتي ومُناجاتي.. وجودي.. بشريَّتي.. ضعفي.. خوفي.. حُزني.. فرحي.. كلُّها تقودني إليك.
ذاتَ مساءٍ كنْتُ بينَ خيَّان الأَثْل في حاجةِ أمي.. كانَ الظلامُ بيني وبينكَ، وكانت السماءُ أبعدَ في نظري، والخوفُ أقربَ في قلبي، والطريق إلى النور طويل..
وعندما وصلْتُ مسحَتْ أُمي على رأسي و قالت: يا ولدي.. الطريقُ إليه آمن.. انتبه أن تتوقّف.
ثم أشارت إلى الأعلى.. ومُنذُ ذلكَ الوقْتِ وأنا أحاوِلُ الصُّعودَ إليكَ، وكلَّما اقتربْتُ منكَ وجدْتُكَ أقربَ إلى قلبي وأبعد من خيالي!!
كانوا يعقدون التّسبيحَ بِأصابِعِهم: (سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر..) وأنا طفلٌ صغيرٌ إلى جوار والدي، بدأت أعد 1، 2، 3، 4 حتى المِئة.. ابتسم لي والدي و أخبَرَني بالمعنى.. مِنْ يومِها أدركْتُ أنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ أعظمُ من تلك الأرقام!!
يارب.. يأتي اسمُك مُجَلْجِلَاً على لسانِ أحدِهم فأخاف، وَضَعَ الحواجزَ دونَك والسُّدودَ والحُفَرَ، وعندما أَفَقْتُ من تلك الوَحشة؛ أتاني نداؤُك الأجملُ: يا عبدي.. وأجبْتُكَ: يارب..
أحببْتُكَ قبْلَ أن أخافَكَ.. وكلَّما سمعْتُ اسمَكَ صِرْتُ به أكثرَ ثَراءً..
يأتي اليقينُ بعدَ الشَّكِّ.. يأتي مُنثَالاً بجمال ما أودعْتَهُ وأبدعْتَهُ في أعماقِ المُحيطات وأجوازِ الفَضاء..
في ألمِ الأمهات.. وعجْزِ الأسئلة.. ومرارةِ الفَقْد؛ يأتي التَّضرُّعُ باسمك..
في وَهَنِ الجسدِ.. وضياعِ الرُّوح.. وقسوةِ الخسارة؛ يأتي التَّبتُّلُ إليك..
يارب.. كنْتَ معي في ظُلمةِ الرَّحِمِ.. في طفولتي وأحلامي.. في تفاصيلي الصغيرة..
كنْتَ معي في الإخفاقِ والنّجاح.. في مُواجهة الحياة.. في الانطلاق والنّهاية.. أمامَ ألسِنَةٍ جارِحةٍ وخلفَ مخالِبِ الظلام..
يارب.. وأنتَ الجميلُ الذي خلقْتَني جميلاً، وأردْتَ لي أن أكونَ كما خلقْتَني؛ أبقِني على فطرتكَ بعيداً عن تشويه ذاتي..
يارب.. وكُلُّ نَفَسٍ يُقرِّبُني إليك.. وكل صباحٍ أستفتِحُ فيه بذكرك؛ امنحني القُوَّةَ أنْ لا تتعثَّرَ خُطايَ في مسيري إليكَ..
انسَ العين التي عميت عن بياضك، الأذن التي صُمّت عن شكواك، الكتف التي خذلت ضعفك، المرآة التي أعادت لك وجهاً لا يُشبهك، اللسان الذي يبس يوم أن شوهوك، انسَ الذي وهبته عمراً ووهبك حزناً أبديّاً.
يا ولدي.. الذاكرة وعاء مثقوب على القلب كلما نزفت غرق القلب.
يا رب.. هبه نعمة النسيان كما وهبتني نعمة الذاكرة، وامنحه جناحين يرفرفان عالياً عن غول الذاكرة..
استجاب الله دعوتك يا أبي، نسيت ألم رحيلهم وخطأهم ووجع خيانتهم، الكلمة الجارحة، الأمكنة الضاجة بهم، نسيت سر المجلس وبوح الصديق، الفشل والسقوط، نسيت حبك الجامح، كلماتك العذبة، عينيك المتقدتين، نسيتك.. نسيت طلقة الرحمة أنت طالق، وهمسك الأول، وتفاحة قضمناها سوياً.
يتصدر فيديو الشيخ سلمان العودة "#أكملي_الحكاية" قائمة الأكثر تداولا عالميا على منصة اليوتيوب، وفيه يرثي الشيخ أسرته التي فقدها في يناير/كانون الثاني الماضي، ويعزي نفسه بذكراهم وبطيفهم الذي يجول في عقله.
ويصور الفيديو لحظات حزن شديد، إذ بدأ العودة بالسلام على أرواح ابنته وابنه وزوجته: "السلام على روحك هيا.. السلام على روحك هشام.. السلام على روحك أسماء الشعلان.. كانت لحظة غروب".
وقدّم العودة -خلال برنامجه #وسم على يوتيوب- حلقة في مواساة وسلوان النفس الإنسانية، فيها عبرة لكل مكلوم أو مفجوع بقريب وغال، وحقق الفيديو قرابة مليون ومئة ألف مشاهدة خلال 48 ساعة، بنسبة متابعة مرتفعة جدا.
واستعرض العودة اللحظات التي مرَّ بها بعد فراق أحبابه ودفنهم تحت التراب، وتأثير فقدانهم عليه وعلى حياته، واستعرض الفراغ الذي خلفوه بجولة في منزله، يتذكر ما تفعله زوجته، وهو من أكثر مشاهد القصة تأثيرا لدى المتابعين.
القصة الحزينة استعرض فيها الشيخ هوايات زوجته الراحلة ورسوماتها وما كانت تفعله، وكذلك طريقة تربيتها لأبنائها، واستعرض أخيرا رسالة أصغر بناتها لها بعد رحيلها.
"أكملي الحكاية.. كانت الحكاية عن الجمال: كان يا ماكان في قديم الزمان، عصافير محبوسة في القفص، فجأة فتح الباب، طارت الأم ولحقها أحد صغارها.. كانت الأم تقف كل صباح على الشرفة تغرد لصغارها.. عن العالم الفسيح عن الفضاء عن الجمال هناك".