‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 يوليو 2025

أهداف ترامب في أفريقيا

 أهداف ترامب في أفريقيا

كاتب في العلاقات الدولية

للوهلة الأولى قد يبدو للمهتّمين بدراسة النزاعات أن اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه في العاصمة واشنطن بين رواندا والكونغو الديمقراطية- أواخر يونيو/حزيران 2025 سعيًا لإنهاء واحدة من أطول الحروب في القارة الأفريقية- وكأنه امتداد للنهج الذي أعلن الرئيس ترامب تبنيه في تصفية النزاعات حول العالم وإحلال السلام.

ودون التقليل من أهمية هذا الاتفاق على المستوى الأمني والإنساني، ومع تثبيت الجهود القطرية الكبيرة التي بُذلت للتوصل إليه، ولكن التعمق في واقع السياسة الأميركية تجاه القارة، وفي تتبع قصة الوصول لنقطة التوقيع بين البلدين سيُبيّن أن الأمر معقد أكثر مما يبدو عليه في الظاهر، وأن الدوافع والأسباب التي تقف وراء استضافة الولايات المتحدة الأميركية حفل التوقيع تلخص جوهر الاهتمام الأميركي بالقارة الأفريقية في عهد الرئيس ترامب في دورته الجديدة.

فجمهورية الكونغو وجارتها زامبيا تمثلان نقطة التقاء التنافس الأميركي الصيني على الموارد والمعادن النادرة، إذ إن الكونغو وحدها تنتج 75% من معدن الكوبالت الذي يُستخدم في صناعة السيارات الكهربائية، بجانب موارد أخرى لا تقل أهمية كالنحاس واليورانيوم، وقد كان لافتًا ما ورد على لسان الرئيس ترامب بعد التوقيع على الاتفاقية حين قال: (ستحصل الولايات المتحدة على الكثير من حقوق المعادن في الكونغو).

والأسئلة التي تُطرح هنا هل سينجح الاتفاق الحالي في نشر السلام وطي صفحة حرب الثلاثين عامًا، خاصة أن أكثر من 10 اتفاقيات سابقة انتهت إلى الفشل، ولماذا يسود التفاؤل بنجاح هذه المحاولة؟

والإجابة المباشرة عن هذا السؤال تتعلق بتدخل الولايات المتحدة بثقلها الكبير في هذا الملف مدفوعة بنظرة الرئيس ترامب لأفريقيا حيث تحكم سياسته فيها ثلاثة عوامل هي:

تحويل العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية من بند المساعدات إلى بند التجارة.

التركيز على المصالح المباشرة التي تعود على الولايات المتحدة بالنفع السريع، ولا سيما المواد الخام والمعادن ثم محاصرة النفوذ الروسي والصيني، والذي تمدد في القارة في السنوات الأخيرة.

أخيرًا الانشغالات الأميركية الخاصة بمحاربة الجماعات الإرهابية وخاصة في الصومال ودول الساحل الأفريقي بجانب تأمين مسارات الهجرة غير الشرعية وغلق منافذها في القارة الأفريقية.


ترامب وأفريقيا: هل من جديد؟

لفهم أكثر عمقًا وواقعية للعلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والقارة الأفريقية خلال إدارة ترامب الحالية يجب النظر إلى عاملين رئيسين هما تجربة ترامب مع أفريقيا إبان ولايته الأولى، ومشروعه الانتخابي الذي يمكن اختصاره في ثلاث نقاط رئيسية هي:

التركيز على جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، والانحياز إلى تيار العزلة النسبية مع التنازل عن نزوع التوسع والهيمنة الذي تتبناه تيارات أخرى داخل الحزب الجمهوري.

كما أن ترامب وأنصاره غير متحمسين تمامًا لمشاريع الجمهوريين التي تسعى (لنشر الديمقراطية) والقيم الأميركية الأخرى حول العالم.

فقد ورد في أجندة 2025 التي تكشفت بين يدي الحملة الانتخابية وتبنتها جهات متنفذة حول ترامب ما يلي: "على واشنطن أن تتوقف عن الترويج للسياسات الأميركية الضاغطة على الحكومات الأفريقية لاحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والحقوق السياسية والمدنية والديمقراطية التي لا تتقبلها الدول الأفريقية، لأنها تشعر أن ذلك تدخل في شؤونها الداخلية، ويجب على واشنطن التركيز على المشاركة الاقتصادية".

اعتماد سياسة خارجية قائمة على الصفقات التي يعود ريعها سريعًا على الخزينة الأميركية المرهقة بالعجز والدين الداخلي، وذلك وفقًا لسياسة (مجهود أقل وعائد أكبر)، مع تجفيف المساعدات الأميركية للدول الأفريقية وغيرها، وتحويلها ما أمكن إلى التجارة واستغلال المعادن.

فقد ورد في أجندة 2025 مقترحات تدعو إلى تحويل جميع منح المساعدات الأجنبية للمستفيدين الأفارقة إلى قروض، وإلغاء جميع برامج مساعدات التنمية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص الأميركي في القارة الأفريقية.

حرصه على تسويق صورة شخصية تجمع بين الحزم والقوة، وفي نفس الوقت صورة رجل السلام الذي يعمل على إطفاء الحرائق الدولية وتسوية النزاعات بين الدول.

وهو ما لخّصه ترامب بعبارة: (السلام عبر القوة)، وفي ذلك يروج أنصاره أنه يستحق جائزة نوبل للسلام لجهوده الكبيرة في منع وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان، ودوره الأخير في الحرب الإسرائيلية الإيرانية.

وبالنظر لهذه المرتكزات الأساسية وتقييم اهتمامات ترامب خلال الأشهر القليلة التي مضت من عمر ولايته الحالية، والقرارات التي اتخذها بحظر دخول رعايا سبع دول أفريقية، قبل أن يتبعها بتعميم شمل 25 دولة من أصل 36 تطلب منها الولايات المتحدة التدقيق بشأن إجراءات الهجرة وإلا واجهت مصيرًا مشابهًا لتلك السبع.

هذا يؤكد أن إدارة ترامب لا تأبه كثيرًا بأي ردة فعل من دول القارة الأفريقية، ويأتي كل ذلك مقروءًا مع النهج الذي اتبعه في ولايته الأولى مع أفريقيا، والذي اتسم بالإهمال والازدراء.

ولذلك لا يبدو أن القارة الأفريقية تمثل أولوية لإدارته إلا بقدر ما تمثله من أهمية لسياساتها المتعلقة بالبحث عن الفرص التجارية، ومحاصرة النفوذ الروسي والصيني، أو بمكافحة الإرهاب والمخاطر الأمنية التي ترى فيها الأجهزة الأمنية الأميركية خطرًا ماثلًا.

يفسر هذا، دعوة الرئيس دونالد ترامب لقمة مصغرة تشارك فيها دول: موريتانيا، والغابون، وغينيا بيساو، وليبيريا، والسنغال، والتي أثارت تساؤلات كثيرة حول المعايير التي تم بها اختيار هذه الدول الصغيرة وغير المؤثرة في اقتصاد القارة وسياستها.

ولكن التمعن في المشتركات التي تجمع هذه الدول يبدد تلك التساؤلات؛ فكلها تطل على المحيط بكل ما يمثل ذلك من فرص وتهديدات، كما تتمتع جميعًا بموارد كبيرة غير مستغلة وخاصة موارد الطاقة والمعادن النادرة، ويمكن أن تكون نموذجًا جيدًا لسياسته الجديدة في أفريقيا (التجارة بدلًا من المساعدات)، فضلًا عن وقوعها في المجال الجغرافي لتمدد النفوذ الروسي الآخذ في التوسع مؤخرًا.

ابحث عن الصين

قبل شهرين من توقيع اتفاقية السلام بين البلدين نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مسؤولين من جمهورية الكونغو الديمقراطية إمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن لتأمين استثمارات أميركية في المعادن الحيوية، مقابل دعم الولايات المتحدة جهود إنهاء الصراع في شرق البلاد.

وقالت الصحيفة إن الاتفاق يمنح واشنطن حق الوصول إلى رواسب الليثيوم والكوبالت والكولتان، وصرح مستشار ترامب مسعد بولس قائلًا: "واشنطن تضغط من أجل توقيع اتفاق سلام بين الجانبين هذا الصيف، مصحوبًا باتفاقيات ثنائية للمعادن مع كل من البلدين".

في العام 2007 وقعت الصين اتفاقًا اقتصاديًا مع دولة الكونغو عرف باتفاق (المناجم مقابل البنية التحتية)، وبموجب ذلك الاتفاق صارت الصين الحاضر الأبرز في قطاع المعادن الكونغولي، حيث تدير حاليًا حوالي 80% من مناجم النحاس، وتسيطر على 70% من قطاع التعدين، وعلى 60% من سوق بطاريات السيارات الكهربائية عالميًا.

ومع الأهمية العالية لمعدن الكوبالت الذي يُستخدم في صناعة الهواتف والسيارات الكهربائية تعالج الصين وحدها 80% من هذا المعدن النادر، وفي العام 2024 أعلنت مجموعة سموك الصينية أكبر منتج للكوبالت في العالم عن أرباح قياسية، حيث قفز صافي الدخل بنسبة 64% ليصل إلى 1.9 مليار دولار.

هذه الأرقام مزعجة جدًا للولايات المتحدة التي ترى في الكونغو نموذجًا مثاليًا لتطبيق سياستها الخاصة بالحصول على المعادن النادرة بأسعار رخيصة، وفي نفس الوقت التضييق على الصين في واحدة من أهم ملفات التسابق التجاري والصناعي بينهما.

ولذلك فقد واصلت مساعيها لإخراج الصين من الكونغو الديمقراطية عبر الضغوط السياسية وتأليب الحكومة الكونغولية عليها للمناداة بإعادة تقييم الأسس التي قامت عليها اتفاقيات التعدين بين البلدين، وعبر دعم البنية التحتية وإعادة تأهيلها، ومسارات السكك الحديدية لتقليل تأثير الصين في سلاسل التوريد بالنسبة للمواد الخام.

وفي العام 2022 نشرت (أويل برايس) الأميركية تقريرًا أشارت فيه (إلى أن الولايات المتحدة تعزز جهودها لعزل الصين في أفريقيا وعرقلة حصولها على أشباه الموصلات المتقدمة، كما تعمل واشنطن أيضًا على السيطرة على مصادر المعادن المستخدمة في التقنية في أفريقيا خاصة الكونغو الديمقراطية).


ومما يلفت الأنظار هنا هو إعلان شركة (كوبولد ميتالز) الأميركية أنها ستوسع عملياتها في الكونغو الديمقراطية بعدما قامت فعلًا بشراء حصة للتعدين من شركة أسترالية هناك، وتساهم في شركة كوبولد ميتالز مجموعة من الشركات ورجال الأعمال الذين دعموا حملة ترامب الانتخابية.

حرب السودان في الواجهة

في ظل النشوة التي سيطرت على فريق ترامب بعد توقيع اتفاق السلام صرح مستشاره مسعد بولس بأن وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو سيستضيف اجتماعًا يضم وزراء اللجنة الرباعية التي تضم السعودية، والإمارات، ومصر، والولايات المتحدة؛ لبحث الحرب في السودان، وهو الأمر الذي أكد عليه ترامب نفسه في اجتماعه مع القادة الأفارقة في واشنطن.

ويأتي هذا الاهتمام بالملف السوداني بعد فترة من الإهمال وتركيز إدارة الرئيس ترامب على ملفات أخرى في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، ومن واقع التحركات التي تمت في الفترة الأخيرة والتي من بينها زيارة رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان جمهورية مصر العربية، وتنشيط تحالف "صمود" الذي يقوده الدكتور عبدالله حمدوك، يبدو أن هناك مساعيَ إقليمية تُبذل لبلورة مبادرة لإحياء التفاوض الذي توقف لفترة طويلة تحت مظلة المبادرة الأميركية السعودية في جدة.

ولا يزال الوقت مبكرًا للإجابة عن نجاح اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، إذ إنه ورغم وقوف الدولة الكبرى خلفه فإن التحديات التي تحيط بالاتفاق وأطرافه صعبة للغاية، خاصة إذا علمنا أن هناك مناطق حيوية خارج سيطرة الدولتين والجماعات المتحالفة معهما.

كما أن عدم الثقة الكبير بين الدولتين نتيجة الصراع الطويل قد لا يوفر البيئة المناسبة للتطبيق السلس لبنود الاتفاق، وخاصة تلك المتعلقة بجمع السلاح وتسريح الجماعات المسلحة المتناسلة.

ومع كل تلك التحديات فإن الترحيب الذي قوبل به الاتفاق على المستوى الدولي سيوفر إرادة قوية لمحاولة صيانة المنطقة حتى لا تعود للحرب مرة أخرى.

ونستطيع القول إن إدارة الرئيس ترامب تحاول في نسختها الجديدة تحويل القارة الأفريقية من مكان ميؤوس منه كما كان في دورتها الأولى إلى فرصة تستفيد منها الولايات المتحدة.

وتلخص الطريقة التي تم بها دعوة خمسة من رؤساء الدول الأفريقية إلى البيت الأبيض النهج الأميركي في التعامل مع القارة، وهو تعظيم الفوائد الأميركية في القارة دون أن تلتزم بأي مساعدات، أو تقوم بفرض أي شروط سياسية تتعلق بالدمقرطة، وحقوق الإنسان كما كان في السابق.

وستتحدد التدخلات الأميركية في كل النزاعات بهذا النهج الجديد والذي يمكن اختصاره تحت شعار: (التجارة بدلًا من المساعدات)، وبجانب التجارة فإن للولايات المتحدة مآربها التي لا يمكن أن تتنازل عنها كقوة دولية تسعى للمحافظة على نفوذها وريادتها.

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

نحن السعوديون لن نصمت عن قتل جمال خاشقجي

نحن السعوديون لن نصمت عن قتل جمال خاشقجي




المصدر
الواشنطن بوست تنشر المقال مترجماً للعربية
 (كماكانت تفعل في مقالات جمال رحمه الله):
قُتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. من الواضح أن أناساً في الحكومة السعودية كانوا يرغبون بقوة أن يسكتوه وأن يخفوا أي أثر له، لكن كلمات جمال خاشقجي اليوم أقوى وأوضح من أي وقت مضى. ونحن، أصدقاءه السعوديين، لن نبقى صامتين.
كان خاشقجي صديقاً ألجأ إليه لطلب النصيحة. في الواقع أنا أكتب هذا المقال استجابة لنصيحته، لكنني لم أتوقع أن أكتبه بمناسبة مقتله-رحمه الله-. حدثني خاشقجي يوماً عن ضرورة أن ألفت الانتباه لقصة الشاعر والناشط السعودي د. عبد الله الحامد، الذي يقضي هو وأصدقاؤه حكماً طويلاً في السجون السعودية لأنهم طالبوا بمملكة دستورية تكرّس حكماً ديمقراطياً، وتحفظ في الوقت نفسه مكانة العائلة الحاكمة.

عندما غادر خاشقجي السعودية في العام ٢٠١٧، قرر أن يدافع عن أولئك الذين تم اعتقالهم بسبب آرائهم السياسية، وكان لديه اهتمام خاص بالأشخاص الذين نمت تطلعاتهم بمجتمع يحترم الحريات وحقوق الإنسان إثر ثورات الربيع العربي، مثلما حصل له تماماً.
في أول مقال ينشره خاشقجي في صحيفة الواشنطن بوست في أيلول/ سبتمبر من العام 2017، كتب: ” أقوم الآن باختيار مختلف، لقد تركت بلادي، عائلتي وعملي، وقررت أن أرفع صوتي. أؤمن بأنني لو لم أفعل ذلك سأكون خائناً لأولئك القابعين في السجون. فأنا أستطيع أن أرفع صوتي في الوقت الذي لا يستطيع الكثيرون أن يفعلوا الشيء نفسه”.
لقد تركتُ بلادي السعودية في الفترة نفسها التي غادر فيها خاشقجي في تموز /يوليو من العام 2017. تم اعتقال والدي سلمان العودة بسبب نشاطه وتغريداته على موقع تويتر، فيما يطالب النائب العام في السعودية بعقوبة الإعدام ضده في ٣٧ تهمة مرتبطة بمزاعم علاقته مع “معتقلين ” ودعمهم علناً، إضافة لنشاطه في تويتر.
مثلما تم منع ١٧ فرداً من أفراد عائلتي من السفر، أخبرني خاشقجي مرة أن عائلته قد منعت من السفر أيضاً. بعدها بأشهر قليلة، رفَضَتْ السفارة السعودية تجديد جواز سفري بحجة أن “خدماتي موقفة في المملكة”. لاحقاً، طلب مني مسؤولون أن أعود إلى السعودية، وعرضوا عليّ ورقة عبور مؤقتة
كان خاشقجي منزعجاً جداً من القمع الذي تعرّضت له شخصيات سعودية في أيلول/ سبتمبر من العام ٢٠١٧. لم يكن يُنْظر إلى الكثير من هذه الشخصيات العامة على أنها شخصيات معارضة. وقد كان خاشقجي منزعجاً بشكل خاص من اعتقال الاقتصادي عصام الزامل، الذي انتقد خطة الاكتتاب العام الأولي لشركة أرامكو السعودية. الزامل كان في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن وفد حكومي قبل اعتقاله مباشرة.
تم تحويل قضية عصام إلى المحكمة الجزائية المتخصصة هذا الشهر، وتضمنت التهم الموجّهة إليه بحسب وكالة رويترز الإخبارية “الالتقاء بدبلوماسيين أجانب” و “الانضمام إلى منظمة إرهابية”- المقصود هنا هو الإخوان المسلمين- وهي تهمة توجه إلى الكثير من الشخصيات العامة الناقدة والمستقلة في السعودية.
اختار أولئك الذين اعتَـقلوا عصام وغيره من النخب والشخصيات العامة داخل السعودية في أيلول/سبتمبر من العام ٢٠١٧ وبعده، واستهدفوا الأصوات البارزة في الخارج مثل خاشقجي، اختاروا إسكات الأصوات المعتدلة التي تنادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. هذه الأصوات هي التي قامت بكشف حقيقة “الإصلاحات” التي روّجت لها السعودية، ووضعت المملكة أمام اختبار حقيقي في مدى احترامها لأبسط قواعد المجتمع الحر.
عندما تم سؤال خاشقجي عن عودته للسعودية أجاب “سأعود عندما يعود سلمان العودة إلى منبره، عندما يعود عصام الزامل إلى نشاطه في موقع تويتر، عندما يعود عبدالله المالكي إلى كتاباته حول محاسبة المسؤولين والحكام”. 
يقصد خاشقجي كتاب المالكي سيادة الأمة الذي انتقد فيه مفهوم” تطبيق الشريعة” الذي تستخدمه الحكومة السعودية لتحجيم الحريات الأساسية ومبادئ حقوق الإنسان.
يرى المالكي أن السيادة وحرية الاختيار هي حقوق أساسية للمواطنين ويجب أن تكون إطاراً عاماً لأي تطبيق للشريعة. فالعدالة وحرية الاختيار يجب أن تأتي أولاً. تم إسكات هذا الخطاب داخل المملكة لأنه يطرح أسئلة حول الحكم المطلق والديكتاتوري، ويشكك في الرغبة الحقيقية وراء الإصلاحات الشكلية والجزئية. تم تحويل قضية المالكي إلى المحكمة هذا الشهر أيضاً بتهم شبيهة بالتهم التي تم توجيهها لغيره من النشطاء، ومنها “علاقته بالأشخاص الذين نادوا بالإصلاح الدستوري في السعودية” بحسب أشخاص مقربين منه.
عندما غادر خاشقجي السعودية، تنباً بحجم الأخطار المصاحبة للسلطوية المطلقة ، لكنه لم يتوقع أبداً أن يكلفه كفاحه ضد الاستبداد حياته. يقبع جمال في قلوب وأذهان الكثيرين، وسنحرص على أن يبقى حياً إلى الأبد. نحن، أصحاب الأصوات المطالبة بالإصلاح الديمقراطي في السعودية وحول العالم، لن نصمت ولن نخشى التهديدات. إذا كان هدف الجناة الذين قتلوا جمال هو تخويف وتهديد الأصوات الناقدة والتي تطالب بالحريات وحقوق الإنسان في السعودية، فليعلموا بأنهم صنعوا من جمال شهيداً لقضيتهم. وأنهم لن يتوقفوا عن المطالبة بالإصلاح في السعودية وفي باقي الدول العربية.

عبدالله العودة: "نحن السعوديون لن نسكت أبدا على موت خاشقجي"



ترجمة وتحرير: نون بوست
تم قتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. ولابد أن أولئك السعوديين كانوا يريدون بشدة إسكات صوت خاشقجي، ومحو أي أثر له، ولكن كلماته أصبحت الآن أقوى وأوضح من أي وقت مضى. ونحن، أصدقائه السعوديين، لن نصمت أبدًا.
لقد كان خاشقجي صديقا ألجأ إليه للحصول على المشورة والنصح، وكنت باقتراح منه قد كتبت هذا المقال، ولكن لم أعتقد أبدا أنه سينشر بمناسبة وفاته. لقد أخبرني خاشقجي مرة أننا يجب أن نلفت الانتباه إلى أعمال وأنشطة عبد الله الحميد وأصدقائه، الذين يقضون أحكاما مطولة في السجن في المملكة العربية السعودية، لأنهم طالبوا بنظام ملكي دستوري، سوف يحقق استقرار النظام السياسي ويرسي الديمقراطية مع احترام العائلة المالكة. وعندما غادر خاشقجي المملكة السعودية في 2017، قرر أن يدافع عن أولئك الذين تم اعتقالهم لأنهم يحملون آراء مختلفة، وقرر بشكل خاص الدفاع عن أولئك الذين هم كانوا مثله يحملون آمالا أثناء الربيع العربي، بتحقيق الحريات وحقوق الإنسان.
في أول مقال له مع صحيفة واشنطن بوست، في أيلول / سبتمبر 2017، كتب خاشقجي: "لقد اتخذت خيارا مختلفا الآن، لقد غادرت بيتي وعائلتي ووظيفتي، وأنا الآن أرفع صوتي. وقيامي بأي شيء آخر سيكون خيانة لأولئك الذين يقبعون في السجون فأنا يمكنني التكلم بينما هناك كثيرون لا يمكنهم ذلك". وكنت قد غادرت وطني في نفس الفترة تقريبا التي غادر فيها خاشقجي، في تموز /  يوليو 2017. ووالدي سلمان العودة تم اعتقاله بسبب تغريداته ونشاطه، ويسعى المدعي العام السعودي الآن لاستصدار عقوبة بالإعدام ضده، على خلفية 37 تهمة مرتبطة بادعاءات الانتماء السياسي والمساندة العلنية للمعارضين السجناء.
عندما غادر خاشقجي المملكة السعودية، كان يستبق الممارسات الخطيرة للدكتاتورية، ولكنه لم يشعر أبدا بأن كفاحه ضد الطغيان سوف يكلفه حياته
بنفس الطريقة هناك 17 فردا من عائلتي يخضعون لقرار منع السفر، وقد أخبرني خاشقجي ذات مرة أن عائلته منعت من السفر أيضا. وبعد بضعة أشهر، رفضت السفارة السعودية تجديد جواز سفري، بحجة أن خدمات السجل المدني الخاصة به متوقفة في المملكة. ولاحقا طلب مني مسؤولون سعوديون أن أعود إلى بلدي، وعرضوا عليا إذن سفر مؤقت.
كان خاشقجي منزعجا من الحملة التي تعرضت لها الشخصيات العامة في  أيلول / سبتمبر 2017. فكثيرون من هؤلاء لم يكن ينظر إليهم أصلا على أنهم معارضون، وقد انزعج خاشقجي بشكل خاص من اعتقال عصام الزامل، وهو خبير اقتصادي انتقد خطط الطرح الأولي لشركة أرامكو السعودية، وكان رفقة وفد حكومي في الولايات المتحدة قبل وقت قصير من اعتقاله. وقد تم إحضار عصام إلى المحكمة خلال هذا الشهر، ووجهت إليه تهم "التقاء دبلوماسيين أجانب والانتماء لتنظيم إرهابي"، بحسب ما نقلته وكالة رويترز. ومن خلال هذه العبارة يقصد السعوديون الانتماء للإخوان المسلمين، وهي تهمة درجوا على استخدامها ضد كثيرين من المنتقدين والشخصيات العامة المستقلة.
أولئك الذين سجنوا عصام وباقي الشخصيات العامة والمثقفين داخل المملكة، بداية من  أيلول / سبتمبر  2017 وإلى الآن، واستهدفوا الأصوات البارزة في الخارج مثل جمال خاشقجي، اختاروا أن يسكتوا الأصوات المعتدلة، التي تدعو للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. فقد كانت هذه الأصوات هي التي فضحت حقيقة "الإصلاحات" التي كان يتم الترويج لها، ومثلت اختبارا لأبسط أبجديات المجتمع الحر.
عندما سئل خاشقجي حول الموعد الذي قد يعود فيه إلى السعودية، أجاب بالقول: "عندما أرى سلمان العودة يعود إلى منصته، وأرى عصام الزامل يعود إلى نشاطه في تويتر، عندما أرى عبد الله المالكي يعود إلى كتاباته حول محاسبة حكام الأمة". كان خاشقجي هنا يقصد كتاب ألفه المالكي بعنوان "سيادة الأمة"، انتقد فيه تطبيق نظام الشريعة الذي تعتمده الدولة السعودية من أجل انتهاك أبسط حقوق الإنسان والحريات في المملكة.
إذا كان مرتكبو هذه الجريمة قد أرادوا تهديد وإخافة أولئك الذين يتكلمون ويعارضون ويطالبون بالحريات وأبسط حقوق الإنسان في المملكة السعودية، فإنهم جعلوا من جمال شهيدا في سبيل الكفاح من أجل مملكة سعودية أفضل، وعالم عربي أفضل.
يرى المالكي أن السيادة وحرية الاختيار للشعب هما أمران ضروريان، ويجب الاعتماد عليهما كإطار لأي تطبيق للشريعة. إذ أن العدالة والحرية يجب أن تكون من الأولويات على حساب كل شيء. وهذا الخطاب تم إسكاته داخل المملكة السعودية، لأنه يسائل السلطة المطلقة والدكتاتورية، ويتحدى نوايا الإصلاحات الجزئية والسطحية. وبحسب أشخاص مقربين منه، فقد تم إحضار المالكي أيضا إلى المحكمة خلال هذا الشهر، ليواجه تهما مماثلة لتلك الموجهة للآخرين، من بينها علاقته بالناس الذين طالبوا بإصلاحات دستورية في المملكة السعودية.
عندما غادر خاشقجي المملكة السعودية، هو كان يستبق الممارسات الخطيرة للدكتاتورية، ولكنه لم يشعر أبدا بأن كفاحه ضد الطغيان سوف يكلفه حياته. وجمال موجود الآن في قلوب وعقول الكثيرين، وسوف يبقى حيا إلى الأبد. ونحن، كأصوات مطالبة بالقيم الديمقراطية في المملكة السعودية وغيرها من البلدان، لن نصمت أبدا أو يرهبنا التخويف والتهديدات. إذا كان مرتكبو هذه الجريمة قد أرادوا تهديد وإخافة أولئك الذين يتكلمون ويعارضون ويطالبون بالحريات وأبسط حقوق الإنسان في المملكة السعودية، فإنهم جعلوا من جمال شهيدا في سبيل الكفاح من أجل مملكة سعودية أفضل، وعالم عربي أفضل.
المصدر: واشنطن بوست
 "كلماته لم تختف"