‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. ياسر يوسف إبراهيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. ياسر يوسف إبراهيم. إظهار كافة الرسائل

السبت، 10 أكتوبر 2026

هذه الأحلام الأربعة تقول لك من هو آبي أحمد

هذه الأحلام الأربعة تقول لك من هو آبي أحمد


أكاديمي وباحث شغل سابقا منصب وزير الدولة للإعلام بالسودان، ووالي الولاية الشمالية.

بعد عام واحد من صعوده إلى سدة رئاسة الوزراء في إثيوبيا، كانت الأنظار تتابع باهتمام احتفال جائزة نوبل للسلام لعام 2019، والتي مُنحت لآبي أحمد ذلك الشاب الوسيم الذي بدا حينها كما لو أن السماء اختارته في لحظة انتقال قلق ليعبر بإثيوبيا إلى شواطئ الاستقرار النهائي، فيتوج بذلك النجاح الاقتصادي والاجتماعي الذي دشنه رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي ويحوله إلى أسطورة.

كان الشاب القادم من دهاليز المخابرات وأقبيتها بخلفية أكاديمية مولعة بالتكنولوجيا وأمن الشبكات يجمع كل متناقضات التكوين الإثيوبي في شخصه؛ فهو مسيحي بروتستانتي لأب مسلم من الأورومو وأم أرثوذكسية من قومية الأمهرة العريقة، وجاء إلى الحكم على خلفية احتجاجات شبابية كانت تستبطن تذمرا من سيطرة التيغراي بنسبتهم البالغة 7% على مفاصل البلاد، وخاصة في أجهزتها الأمنية والعسكرية.

ولكن ما بدا لحظة حالمة في ذلك الوقت سرعان ما تبدد تحت نيران الحرب الأهلية مع جبهة التيغراي التي راح ضحيتها وفق بعض التقديرات 600 ألف شخص، وعلى الرغم من التسوية السريعة التي طويت بها تلك الأحداث المؤسفة في بريتوريا بجنوب أفريقيا فإن الأحداث أبانت أن تلك التسوية كانت سطحية لم تلامس جوهر الأزمة في عمقها المطلوب.

ولذلك تجدد الصراع بين الحكومة المركزية وتحالف واسع هذه المرة ضم خصوم آبي أحمد من الذين كانوا له حلفاء في حربه السابقة.

وللإجابة عن السؤال المركزي الذي يتعلق بتكرار هذه الدورة الجهنمية في الداخل الإثيوبي وعن التساؤلات المتعلقة بتورطها في أكثر من ملف إقليمي ولا سيما نذر الحرب المستمرة مع الجارة إريتريا، وتوفير الدعم اللوجيستي لقوات الدعم السريع التي تقاتل الدولة السودانية، بجانب التوتر المستمر مع مصر وجمهورية الصومال يلزمنا الرجوع قليلا إلى الوراء لمعرفة الخلفيات والسياقات التي ظلت تشكل هذه التراجيديا السياسية والأمنية في إقليم القرن الأفريقي الذي تحتل إثيوبيا فيه موقعا مهما.

بعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج

نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي كانت لحظة شديدة الخصوصية في العلاقات بين السودان وإثيوبيا، كبلدين مهمين في القارة الأفريقية يجمعهما جوار جغرافي ومصالح إستراتيجية كبرى.

في تلك اللحظة، أدرك قادة البلدين أن تقديم المصالح أوفر حظا لهما من مواصلة حالة العداء التي أعادت إحياء حرب لطالما كانت مستمرة بين هذين البلدين منذ قديم الزمان، وخاصة منذ الثورة المهدية في السودان والتي لا يمكن التأريخ لها دون إفراد فصل كبير لحروبها مع الحبشة وانتصارها الأسطوري على الإمبراطورية الحبشية وقتل إمبراطورها يوحنا الرابع.

كانت العلاقات قبل تلك اللحظة قد وصلت إلى مرحلة عميقة من التدهور، وخاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك على الأراضي الإثيوبية في عام 1995، والتي وُجّهت فيها أصابع الاتهام إلى الخرطوم.

وبعد فاصل طويل من التوتر والحروب بالوكالة استأنف البلدان علاقتهما التي تعمقت هذه المرة على المستويين السياسي والإنساني؛ فعلى المستوى السياسي وصلت العلاقات إلى مرحلة التطابق شبه الكامل في وجهات النظر الإقليمية والدولية والتنسيق الكبير أمنيا وسياسيا، وعلى المستوى الإنساني نشأت علاقة خاصة وأسرية بين الرئيسين عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي.

وهو الأمر الذي ساعد كثيرا في تجاوز الملفات المعقدة بين البلدين مثل أزمة ترسيم الحدود، ومن بعدها ملف سد النهضة، كما عمل على صناعة استقرار غير مسبوق في تاريخ البلدين مما أتاح لهما تبني مشاريع تنموية كبيرة حيث بلغت مستويات النمو فيهما أرقاما غير مألوفة في القارة الأفريقية، وقامت مشاريع عملاقة في كلا البلدين حيث بدا أنهما ودّعا إلى الأبد محطات الفقر والنزاعات، ووضعا أقدامهما على عتبة الانطلاق نحو تأسيس نموذج اقتصادي أفريقي متميز.

ولكن تلك السنوات العامرة بالنمو والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لم يكتب لها الاستمرار، ففي السودان ومنذ انفصال جنوبه بدأ التراجع الاقتصادي يسيطر على الفضاء العام حتى انتهى الأمر بسقوط النظام في عام 2019، قبل أن تنحرف الفترة الانتقالية فيه إلى حرب ضروس بين السودانيين، ولم يكن الأمر بأفضل من ذلك في إثيوبيا التي دخلت في حالة من التوترات بعد رحيل ملس زيناوي وغياب قبضته الأمنية الصارمة على الداخل الإثيوبي.

وبعد سنوات من التذبذب السياسي صعد آبي أحمد إلى صدارة السلطة بطموحات كبيرة وآمال عريضة، وبخطاب حالم يبشر بالسلام والنهضة والمستقبل، ولكن تلك الخطابات الحالمة لم تصمد طويلا أمام تحديات الواقع مما اضطره إلى أن يضع جانبا جائزة نوبل للسلام ليحمل البنادق في سبيل مواجهة تلك التحديات ويخوض حروبا في الداخل والخارج.

عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018

صراع الطموحات والجغرافيا

كان هناك تصور سطحي على أن الظروف التي حملت آبي أحمد إلى قيادة إثيوبيا ومظلة الدعم الدولي التي توفرت له تعتبران ضمانة كافية لنجاحه، وذلك دون التعمق في الظروف والتحديات الموضوعية التي تتهدد المشروع التنموي الناهض داخليا وخارجيا، وهي تحديات تفوق قدرة النخبة الإثيوبية على التعامل معها دون توفر قيادة كاريزمية تحظى بالتقدير الداخلي الذي يمكنها من كبت التطلعات الانفصالية دون أن يؤدي ذلك الكبت إلى اندلاع حرب شاملة.

عند النظر إلى مسيرة آبي أحمد ومشروعه النهضوي تبرز أربعة طموحات أساسية هي التي توجه تحركاته الداخلية والخارجية وتفسر كل التوترات التي نجمت طوال سنوات حكمه التي بدأت منذ عام 2018:

القضية الأولى هي عكوفه على تفكيك إرث رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي وتفكيك هيمنة قومية التيغراي على مفاصل الدولة ولا سيما في المؤسسات العسكرية والأمنية.

وفي هذا الخصوص فإنه اتخذ جملة من الخطوات الكبيرة كان أولها حل ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية الذي كان يضم أربعة تنظيمات رئيسية تمثل التيغراي والأورومو والأمهرة وشعوب الجنوب، وقد فهم قادة التيغراي تلك الخطوة على أنها إبعاد مقصود يستهدفهم كما يستهدف حلفاءهم في القوميات الأخرى، ولكن آبي أحمد نجح مرحليا في عزل بقية القوميات عن التيغراي بل وعمل على إحياء الخلافات العرقية بينهم ووظف تلك الخلافات لتعبئة القوميات الأخرى كالأمهرة والأورومو للقتال ضد التيغراي في حرب 2020.

على أنه يجب النظر إلى أن الحرب التي اندلعت في عام 2020 بين الحكومة وجبهة التيغراي كانت في جوهرها صراعا بين إرادتين ومشروعين، يرى المشروع الأول أنه هو الذي هندس للنجاح السياسي والدستوري الذي أتاح للقوميات الأخرى من خارج الأمهرة (الحكام التاريخيين) والتيغراي الأقوياء، بالوصول إلى المواقع القيادية، كما أنه هو الذي وضع إثيوبيا على عتبة التنمية والنهضة، ولكنه وجد نفسه مهددا بالتفكيك والإقصاء.

بينما يرى المشروع الآخر أن شرعية النضال المسلح لم تعد ذات قيمة سياسية خاصة وسط الشباب الذين يشكلون 60% من جملة السكان، حيث باتت أحلامهم متعلقة بالمستقبل وفرص العمل والتكنولوجيا وليس بالاستماع إلى بطولات التحرير ضد نظام منغستو هيلا مريام التي لم يعايشوها، وهذه المسألة تحديدا هي التي ساعدت آبي أحمد كثيرا في تمثله لتبني خيار المستقبل الذي يعبر عن الشباب بمشروعاته التي تهتم بالإبهار البصري في المناطق الحضرية.

أما النقطة الثانية المتعلقة بتصفية إرث ملس زيناوي، فتمثلت في محاولة صياغة جديدة للنظام السياسي القائم على الفدرالية العرقية، فقد رأى فيه القادمون الجدد أنه سلاح ذو حدين، إذ على الرغم من اعترافه بالتنوع العرقي وإعطائه حقوقا لأقاليم وقوميات لم تكن تظهر في خارطة الشأن العام بما يوازي حجمها كقومية الأورومو مثلا التي تشكل نسبة 35% من السكان، فإنه في الوقت نفسه أحيا النعرات القومية وساهم في تأجيج الخلافات بين القوميات المختلفة.

إن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة

كما أنهم رأوا فيه وسيلة استخدمها التيغراي لتأكيد سيطرتهم على مؤسسات الدولة والعمل على تغذية النعرات العرقية وفقا لسياسة (فرق تسد)، وكبديل لذلك قام آبي أحمد بتكوين حزب الازدهار بصورة مركزية تنتهي فيه كل الأمور إليه مباشرة.

وبالعودة إلى طموحات إثيوبيا الجديدة جاء التحول في المشروع الاقتصادي والنموذج التنموي، فبينما كان الرئيس الراحل ملس زيناوي يعتمد على نموذج تنموي تقوده الدولة بالمحافظة على مؤسساتها الاقتصادية، جاء آبي أحمد بفلسفة ليبرالية حين اتجه إلى فتح الاقتصاد الإثيوبي أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي، وشرعت حكومته في خصخصة جزئية لشركة الاتصالات الحكومية وفتحت السوق أمام منافسين جدد بعد أن ظلت الشركة تحتكر القطاع لعقود.

وتشكل عقدة الجغرافيا التي جعلت إثيوبيا بسكانها الـ 120 مليون نسمة دولة حبيسة واحدة من أخطر الطموحات للقيادة الجديدة في حزب الازدهار، والتي ترى أن هناك خطأ تم ارتكابه إبان عهد النظام السابق الذي اعترف باستقلال دولة إريتريا وجعل من إثيوبيا حبيسة عن موانئ البحر الأحمر.

ولا يخفي قادة الحزب والحكومة سعيهم لتصحيح هذا الخطأ الاستراتيجي القاتل، بل إن رئيس الوزراء نفسه لا يفتأ يكرر هذه التصريحات، حيث يقول في أحد التسريبات إن "إثيوبيا ستعمل على تأمين الوصول المباشر إلى الميناء، إما سلميا أو بالقوة إذا اقتضى الأمر" ويسعى آبي أحمد إلى جعل الأمر قضية قومية تتصل بأمن البلاد وبسيادتها، وبأنها قضية وجودية لن تتنازل عنها إثيوبيا.

أما إريتريا فتعتبر أن المساعي الإثيوبية للوصول إلى ميناء عصب إعلان حرب عليها، وأنها لن تسمح بوجود إثيوبي في موانئها مهما كان الثمن، ولذلك فإنه لم يكن متصورا أن يستمر ربيع العلاقات الدافئ كثيرا بين البلدين، إذ سرعان ما توترت الأجواء، ووصلت إلى درك سحيق في الأيام الأخيرة حين اتهم قائد الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف البقاء، واتخاذ القيادة الإثيوبية قرارا بقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد الدبلوماسيين.

وهذه النقطة تحديدا هي التي تحدد طبيعة صياغة السياسة الخارجية الإثيوبية تجاه جوارها وخاصة مع إريتريا والصومال، لأن إثيوبيا تدرك جيدا أن أي فرصة لها لكي تكون دولة كبيرة في المنطقة يتطلب منها أن تتوفر على فرصة الوصول للموانئ لتسهيل تجارتها مع العالم، وما يفسر تصاعد التجاذبات بشأنها مؤخرا هو اختلاف تكوين القيادة الإثيوبية.

فشخصية ملس زيناوي الحذرة كانت تحدد طريقة التعاطي معها بكثير من الصبر الإستراتيجي والمناورات الإقليمية والدولية، ولكن شخصية آبي أحمد المندفعة والباحثة عن إنجازات سريعة تعضد شرعيته في الداخل ساهمت في خلق أجواء متواصلة من المخاوف والتوترات لدى جيرانه، فقد مثَّلَ توقيعه لاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي سابقة خطيرة في التعامل مع الكيانات المنشقة عن الدولة المركزية في منطقة القرن الأفريقي المليئة بالتمردات والانشقاقات على الدولة.

ويبدو أن ذلك نهج تتبعه السياسة الإثيوبية في ثوبها الجديد، إذ تزايدت التقارير التي تتحدث عن تسهيلات إثيوبية لقوات الدعم السريع بما في ذلك استخدام أراضيها في التدريب والإسناد اللوجيستي وفتح جبهة جديدة في ولاية النيل الأزرق، فضلا عن استضافتها كيانات مناوئة للحكومة السودانية.

أما الطموح الرابع الذي يحدد منهج القيادة الإثيوبية في تعاملها مع محيطها الاقليمي فهو رغبتها في أن تكون نموذجا تنمويا إقليميا عبر المشروعات الكبرى التي توفر لها سردية قومية توظفها كواحدة من آليات التعبئة ضد الخارج، ووسيلة لصرف الانتباه عن الصعوبات المعيشية في الداخل، وتأتي مشروعات البنية التحتية وسد النهضة في مقدمة هذه المشروعات، وتستند إثيوبيا في ذلك على تحالفات إقليمية توفر لها رأس المال والتمويل بجانب التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.

وأخيرا:

وفي النهاية فإن الطموحات الكبيرة التي تحملها دول منطقة القرن الأفريقي لا يمكن أن تتحول جميعها إلى مشاريع نهضة إذا أديرت بعقلية الصراعات، ولذلك يجب القول إنه بمثلما لإثيوبيا الحق أن تحلم بالنهضة وتبحث عن موقع يليق بحجمها ومقدراتها فإن للآخرين الحق نفسه، والطريق الأقصر إلى تحقيق هذه الطموحات هو التوافق الذي يجعل مصالح الجميع ممكنة.

أما إدخال قوى إقليمية معادية إلى منطقة القرن الأفريقي فلن يكون في مصلحة أحد على المستوى البعيد، وكذلك فإن التورط في دعم المليشيات مخاطرة على الجميع، ففي إقليم هش كهذا لا يملك أحد ترف نسيان أن البيوت كلها من زجاج.




السودان يتفكك.. حوار مع النخبة الحائرة


السودان.. تاريخ المسارات الخاطئة والحروب الخاسرة


صراع الشريعة الإسلامية في السياسة السودانية


أهداف ترامب في أفريقيا

ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟

الاثنين، 16 فبراير 2026

ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟

 ماذا سيحدث إذا انتصر التفكيك في اليمن والسودان؟


كاتب سوداني متخصص في العلاقات الدولية.

الكاتب: وظفت إسرائيل اتفاقيات التطبيع لتسريع تنفيذ مخططها بمحاصرة الدول العربية الكبرى من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا 

مهما كان رأي الشارع العربي سلبيا تجاه الجامعة العربية منذ تأسيسها في مارس/آذار 1945، ورؤيته أنها مقصرة تجاه الملفات التي كان يمكن أن تنجزها كملف الوحدة العربية، وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وتسوية الخلافات بين الدول العربية، بجانب تبني مشروع متكامل للنهضة الشاملة في العالم العربي، فإن الجامعة- وبغض النظر عن تقييم نجاحاتها وإخفاقاتها- ظلت رمزا لوجود أمة عربية تتفق في الحد الأدنى على قضاياها الإستراتيجية، وذلك على الأقل قبل الغزو العراقي لدولة الكويت 1990، حيث يرى الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى، أن تلك النقطة هي بداية (تصدع النظام العربي).

وخلف اتفاق الحد الأدنى ذاك، كان مفهوم الدولة بكل شروطه الحديثة- كما يقرره عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بضرورة احتكار القوة، ومن قبله الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز الذي يرى أن وجود حكومة قوية شرط للاجتماع الإنساني- يرقى لأن يكون مقدسا عند كل أعضاء الجامعة العربية.

وعلى الرغم من تراجع الطموحات الشعبية تجاه دولة ما بعد الاستعمار، فإن هناك اتفاقا شبه إجماعي بين الشعوب والحكومات على السواء للمحافظة على بنية الدولة باعتبارها الحاضنة التي تعبر عن هوية الشعب، والرمز الذي يشير لوجود الأمة.

على أن هذا المفهوم الذي استقر عقودا طويلة ستغيره رياح التغيير التي عصفت بثوابت كثيرة في مفهوم العمل العربي المشترك الذي كان عماده- بعد احترام الدولة كشرط للوجود- التوافق على عدالة القضية الفلسطينية، واتخاذ موقف جماعي منها، يحفظ الحقوق، ويردع المعتدي، ولكن الثورات الشعبية التي شهدتها بعض البلدان العربية منذ 2010 خلقت انقساما حادا في الرؤى الإستراتيجية بين الأشقاء العرب.

وكان من نتيجة هذا الانقسام هو تبني رؤى أحادية للتطبيع مع إسرائيل، وإن جاز للبعض القول إن التطبيع مع إسرائيل قديم وسابق للحراك الشعبي في الدول العربية، فهم غير مخطئين، ولكن التطبيع الذي جرى مع إسرائيل سابقا ظل في حدوده الدنيا، اتفاقا بين حكومات، ولم يتسلل إلى الوعي الشعبي.

كما أنه كان بين إسرائيل وبعض الدول العربية سابقة حرب مباشرة مع الدولة العبرية، على أن التطبيع الحديث الذي سُمي بـ"الاتفاقيات الأبراهامية"، هدف إلى إدماج إسرائيل ضمن المنظومة القيمية الدينية لمنطقة الشرق الأوسط، واعتبارها دولة صديقة للعرب، على الرغم من أنها لم تتخلّ مطلقا عن عقيدتها الصهيونية التوسعية. كما أنها لم تتنازل مطلقا عن خططها المعلنة بتجزئة العالمين: الإسلامي والعربي، بل أثبتت التجربة أنها وظفت هذه الاتفاقيات لتسريع تنفيذ مخططها الأكبر بمحاصرة الدول الكبرى من أطرافها- مثل السعودية، ومصر- من أجل إضعافها وخنقها إستراتيجيا وتكتيكيا.

ملامح مشروع التجزئة

في الشهور القليلة الماضية تفجرت الأحداث بصورة متسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الرغم من المآسي التي خلفتها والتعقيدات التي أضافتها لدول المنطقة، فإنها يسرت تجميع المبعثر من الخطط لتمكين المراقبين من رؤية اللوحة بصورة كاملة، وتأكيد ترابط الأحداث التي تجري في أكثر من منطقة، إذ لم تفرغ إسرائيل من عدوانها على قطاع غزة حتى شنت حربا على إيران، ثم أردفت ذلك بالاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وخلال كل ذلك كانت الحرب تجري في السودان على أشد ما يكون العدوان وتهديد الوحدة الوطنية، وفي نفس الوقت كانت المساعي تمضي قدما لتقسيم اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول، الذي تمدد في المحافظات الجنوبية. بيد أن أخطر ما يحيط بكل تلك التحركات، هو اصطفاف أطراف عربية مع هذا المشروع.

وهو اصطفاف كيّفته بنود هذه الاتفاقيات، وصاغت مبرراته مخاوف غير منطقية ولا واقعية، فانتهت بهذه الأطراف العربية إلى أن ترى أن إسرائيل أقرب لها من أشقائها العرب، وأن المصالح التي صنعت صنعا، أولى من رباط الدم، والتاريخ المشترك.

لقد أبانت الأحداث في اليمن وبصورة جلية، أن الذي يجري هناك هو عينه الذي يجري في السودان، فالداعمون للطرفين هم أنفسهم، والساعون لتمكين المليشيات هم ذاتهم، وأن السلاح الذي يشحن لمليشيا الدعم السريع، هو ذاته السلاح الذي تملكه مليشيات المجلس الانتقالي المحلول في اليمن.

ولا يحتاج المتابع الحصيف كثير جهد ليتبين أن المشروع الذي يستهدف وحدة السودان وإضعاف مؤسساته الشرعية، هو ذاته الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مآربه في اليمن.

ويلزمنا هنا تفصيل بعض النقاط للوقوف على طبيعة هذا المشروع في البلدين، فبعد الاتفاق على أن هذا المشروع هو مشروع إسرائيلي قديم- ولكنه تسارع بموجب التطورات التي شهدتها المنطقة، وأدت إلى تغييرات جوهرية في مفهوم الأمن القومي المشترك بين البلدان العربية- يلزم القول إن السودان واليمن دفعا أثمانا باهظة في هذا المشروع، وإن ما يجري فيهما وإن كان مقصودا لذاته في إطار حرب الموارد والموانئ والهندسة الاجتماعية والسياسية، لكنه يخدم كذلك الخطة الكبرى لخنق دول عربية أخرى من أجل ابتزازها، والتضييق عليها ضمن صراع النفوذ وخنق مجالها الحيوي الإستراتيجي أمنيا واقتصاديا.

ما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال

وهذه أبرز النقاط التي يمكن استخلاصها فيما تم تطبيقه في السودان واليمن:

  • الدولة مقابل المليشيات: وضح منذ البداية أن الداعمين الإقليميين كانوا يراهنون على خلق مليشيات موازية للدولة وأجهزتها، والعمل على تمكين هذه المليشيات عسكريا واقتصاديا؛ استغلالا لحالة الضعف والانقسام الداخلي، ومن ثم محاولة فرض هذه المليشيات كأمر واقع بالقوة المسلحة؛ من أجل تغيير المسلمات الوطنية، وإزاحة القوى التي لا تتوافق مع هذا المشروع.

وفي هذا الإطار جاء دعم مليشيا الدعم السريع دعما غير محدود صمّ الآذان عن كل الإدانات الدولية، وصرف البصر عن حجم المآسي التي خلفها ذلك الدعم، وهو ما حدث بالكربون في اليمن مع تجربة المجلس الانتقالي.

  • الوحدة الوطنية مقابل التجزئة: تتبنى المليشيات المصنوعة منها أو المدعومة مشاريع انفصالية حين يفشل مشروعها الأساسي، وهو إخضاع الدولة لسلطانها الغاشم.

وهذا ما يفسر النزعة الانفصالية في اليمن وفي احتلال مليشيا الدعم السريع مناطق واسعة في غرب السودان، بل وفي الاعتراف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وهو ما يفسر كذلك إنشاء كيانات موازية والتمرد على الدولة، ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة المسلحة.

  • عسكرة العمل السياسي والتضييق على الفضاء المدني: منذ ما قبل قيام الحرب كان يصعب على المراقب الحصيف تصنيف طبيعة الدعم السريع بعد تضخمها الكبير في السنوات الأخيرة، هل هي قوة مسلحة مساندة للجيش تأتمر بأمره، كما يقول القانون، أم قوة سياسية تسعى للنفوذ من خلال ترسانتها العسكرية، أم مؤسسة استثمارية تعمل في مجال التنقيب عن الذهب، واستيراد السلع الإستراتيجية، أم منظمة خيرية تعمل في قطاعات المجتمع الأهلية والمنظمات الفئوية؛ لتكسب ولاءها، أم وزارة خارجية مستقلة لها عقيدتها الخاصة في إقامة علاقاتها الخارجية بمعزل عن سلطان الدولة؟

لقد كانت الدعم السريع كل ذلك وهي تعمل تحت غطاء مشروع إقليمي يسعى للسيطرة على الموارد عبر عسكرة الفضاء المدني (وتسليح الاستثمار)، وعقد الاتفاقيات الاستثمارية تحت حراسة القوى الوظيفية المحلية، وما جرى في السودان كان هو عينه الذي حدث في اليمن.

  • البحث عن الشرعية عبر المرور ببطاقة التعريف الإسرائيلية: على الرغم من أن السودان نظريا يعتبر من الدول التي التحقت بقطار التطبيع، ولكنه لم يدرج ضمن الدول التي ترى فيها الدولة العبرية حليفا تطمئن له، خاصة أنها ترى أن العقيدة القتالية لجيشه الوطني قائمة على احترام الخيار الوطني، ونبذ التدخل الأجنبي، ورفض العدوان على المظلومين.

ولذلك سعت مليشيا الدعم السريع منذ ما قبل الحرب للتواصل مع إسرائيل سرا وجهرا، وبعد احتلالها إقليم دارفور، زادت أهميتها لدى الدولة العبرية التي تمتلك حلما معلنا بفصل إقليم دارفور، إن عجزت تكتيكيا في السيطرة على كل السودان.

وما تناور به مليشيا الدعم السريع هو نفسه الذي وقف قائد المجلس الانتقالي الجنوبي المحلول ليعلنه على الملأ بأنه سيسعى للاعتراف المتبادل مع إسرائيل حال تحقيق الانفصال.

تبرز هذه الحقائق أن هناك مشروعا متكاملا يتم تنفيذه بعناية في الدولتين من أجل إضعاف الدولة عبر دعم مليشيا موازية، ومن أجل هدف أكبر هو تنفيذ الخطة المعلومة بخنق الدول العربية من أطرافها، لأن الذين يتولون تنفيذ المشروع يعلمون أن الأمن القومي المصري يمتد إلى آخر حدود الدولة السودانية وما بعدها، وذلك في ظل تصاعد اختلاف وجهات النظر حول سد النهضة مع إثيوبيا.

كما أن وجود إسرائيل على متون باب المندب والبحر الأحمر يمس بصورة مباشرة الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، هذه المخاوف هي التي دفعت هذه الدول للتحرك الجاد لإجهاض هذا المشروع الذي يستهدف قوة الدولة مقابل التمكين للمليشيات الانفصالية.

ولكن المطلوب حاليا هو التحرك في أكثر من اتجاه، فعلى المستوى القريب هناك حاجة لدعم الهياكل الشرعية في كل من اليمن، والسودان؛ من أجل استكمال هزيمة مشاريع التجزئة، واستعادة الدولة القوية والقادرة على فرض نفوذها على أراضيها، بما يحقق السيادة، ويحافظ على الوحدة الوطنية.

وعلى المستوى الإستراتيجي تحتاج الدول العربية للعمل الهادئ طويل النفس والمدى؛ من أجل تقوية هياكل العمل العربي المشترك، وإعادة تعريف أمنها القومي بصورة جماعية بما يقود إلى إحياء المبادرات العربية المعترف بها ضمن إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي نفس الوقت العمل على توسيع مظلة التعاون مع القوى الصاعدة حول العالم، والعمل معها من أجل صياغة رواية واحدة تخدم مصالح جميع الأطراف في السلم، والأمن، والتنمية.

ولا مناص أمام الدول العربية في ظل التحولات العميقة التي تجري أمامنا في العلاقات الدولية سوى استعادة الوحدة في المواقف والأفكار، والاتفاق على الخطوط العريضة للقضايا الكبرى ونبذ الشقاق الذي لن يؤدي إلا إلى البوار والتشتت فـ(إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية).

الثلاثاء، 29 يوليو 2025

ماذا فعلت إسرائيل في السودان؟

 ماذا فعلت إسرائيل في السودان؟

كاتب في العلاقات الدولية

(في كمبالا سلّمت السفارة الإسرائيلية رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول، هنأته فيها وحكومته وشعب الله المختار وأطفال إسرائيل على الانتصار على العرب في حرب 1967)،
من مذكرات الفريق جوزيف لاقو أحد مؤسسي حركة التمرد في جنوب السودان.

في السياسة، يحتاج قادة الدول إلى امتلاك فكر إستراتيجي يحيط بطبيعة التحديات التي يواجهونها، ومعرفة البيئة الدولية والداخلية التي تُبنى على أساسها الخطط.

وبهذا المعنى، ينطبق عليها تعريف الفيلسوف الألماني أرنست هيجل بأن "السياسة هي علم الأحياء التطبيقي". ولأن علم الأحياء يساعد على فهم البيئة ودورها في نمو الكائنات الحية، فإن فهم البيئة السياسية بصورة واقعية يساعد على إنتاج الأفكار التي تمكّن القادة من التعامل مع الظواهر السياسية بواقعية وعقلانية.

ومن الظواهر التي غشيت العقل العربي وسيطرت عليه لعقود طويلة، نظرية المؤامرة التي تفترض وجود جهة ما تكيد للدول العربية بانتظام. وخطورة سيطرة ذلك النوع من التفكير أنه أفضى إلى إعفاء الذات من تحمّل نتائج التقصير والفشل من ناحية، كما أفقد العقل العربي ميزة التفكير الموضوعي لمعالجة الظواهر السياسية بعقلانية دون "تهويل أو تهوين"، كما يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي.

وفي هذا المقال، الذي نعالج فيه أسباب استمرار الحروب في السودان بصورة حيّرت المراقبين، سنحاول تلمّس الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة، مع التركيز على أصابع خفية ظلّت تحتفظ بدور بارز وكبير في تحريك الأحداث. وإذ نفعل ذلك، سنحاول تجنّب التفسيرات الباطنية التي تُعظّم نظرية المؤامرة وتستسهل من خلالها الوصول إلى النتائج.

ما نعنيه بالأصابع الخفية في حروب السودان، التي امتدت منذ العام 1955 قبل سنة من إعلان استقلال السودان وإلى الآن، هي التدخلات الخارجية التي يُمثّل فيها الكيان الإسرائيلي رأس الرمح والماكينة التي تُحرّك الأحداث من وراء المشهد، وذلك دون إغفال الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها النخبة السودانية بجميع توجهاتها الفكرية وانحيازاتها السياسية.

واحدة من هذه الأخطاء هي عدم الإدراك الصحيح للدور الإسرائيلي في حروب السودان، وعدم إيجاد المقاربات الناجعة للتعامل معه. فقد حرصت إسرائيل باكرًا على فهم السودان وتعقيداته، وبلورت إستراتيجية للتعامل معه، مدفوعة بمخاوف أمنية وتفسيرات أسطورية قديمة، تعتقد أن تابوت نبي الله موسى، عليه السلام، دُفن في كنيسة أكسوم الحبشية، وأن الملوك الإثيوبيين الذين حكموا السودان في زمان غابر تجري فيهم دماء يهودية من نسل نبي الله سليمان، عليه السلام، وأن هناك سبطًا من بني إسرائيل ضاع في منطقة البحيرات وجنوب السودان ولا بد من العثور عليه.

أما النص الحاكم للسياسة الإسرائيلية تجاه السودان، فيتلخص في التصريح الشهير لديفيد بن غوريون الذي يقول فيه:

"نحن شعب صغير وإمكاناتنا محدودة، ولا بد من اختزال هذه المحدودية في مواجهة أعدائنا من الدول العربية من خلال تشخيص ومعرفة نقاط الضعف لديها، وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية، حتى نضخّم هذه النقاط إلى درجة التحول إلى معضلة يصعب حلها أو احتواؤها".

يؤسس هذا "النص الحاكم" للنهج الإسرائيلي في التعامل مع الدول العربية، حيث صاغت من خلاله الدولة العبرية نظرية "شد الأطراف" للدول العربية أو "بترها" إذا لزم الأمر، كما حدث في جنوب السودان.

وتقوم تلك النظرية على إحداث القلاقل في أطراف البلدان العربية، إما استثمارًا للخلافات العرقية، أو تحريكًا للنزاعات الحدودية، وهو ما يحقق الهدف المركزي بإشغال هذه الدول بأنفسها حتى لا تكون جيوشها عامل دعم لدول المقاومة التي تقاتل إسرائيل.

وللتأكيد على قِدم المخطط الإسرائيلي، نستعين بمحاضرة رئيس الموساد مائير عاميت عام 1959 والتي قدمها بمناسبة تخريج دفعة جديدة، حيث يقول:

"لِمحاصرة التهديد الذي جسدته حركة المد القومي، كان لا بد أن ننجح في إثارة النوازع النفسية لدى الجماعات غير العربية داخل الدول العربية، وخاصة في العراق، وسوريا، ولبنان، والسودان".

ولتتبّع حجم الخراب الذي قامت به "الأصابع الخفية" في السودان، نحتاج إلى دراسة عدد من الوثائق على النحو التالي:

  • وثيقة "كيفونيم" التي قدّمها آرييل شارون 1983 لاجتماع وزراء حلف الناتو، والتي لخّصت إستراتيجيات إسرائيل في التعامل مع دول العالم العربي والإسلامي.
    وفيما يتعلق بالسودان، ورد ما يلي: "السودان أكثر دول العالم العربي والإسلامي تفككًا، فإنه يتكوّن من أربع مجموعات سكانية كلٌّ منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سُنيّة تسيطر على أغلبية غير عربية، إلى وثنيين، إلى مسيحيين." وتقرّر تلك الوثيقة في خاتمتها مؤكدة: "إن دولًا مثل ليبيا والسودان لن يكون لها حضور بصورتها الحالية".
  • في العام 2008، ألقى آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، محاضرة لكبار القادة الأمنيين، وورد فيها ما يلي:

    "السودان شكّل عمقًا إستراتيجيًا لمصر في حربها حيث تحوّل إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية، وأرسل قواته لمنطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف. لذلك، كان لا بد أن نعمل على إضعافه وانتزاع المبادرة منه، ومنعه من بناء دولة قوية موحدة، فهذا ضروري لدعم وتقوية الأمن القومي الإسرائيلي".

  • في كتابي (مهمة الموساد في جنوب السودان) لعميل الموساد ديفيد بن عوزيل، والمعروف باسمه الحركي "الجنرال جون"، وكتاب (إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان) للكاتب الإسرائيلي والعميد المتقاعد من جهاز الموساد موشيه فرجي، ترد تفاصيل مخيفة عن حجم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الذي قدّمته إسرائيل لحركة التمرد في جنوب السودان، حيث شمل إرسال شحنات السلاح، وإرسال الخبراء، وتدريب عشرات الآلاف من الجنود، والمساهمة في تفجير الكباري واحتلال بعض المدن، وتعطيل مشاريع التنمية. يقول موشيه فرجي في كتابه إن التحرك الإسرائيلي نجح في جنوب السودان لعدة عوامل، أبرزها:

    • إحباط الدعم العربي للحكومة السودانية.
    • توقيف العمل في قناة جونقلي التي كان من المؤمل أن توفر 5 مليارات متر مكعب من المياه تتقاسمها مصر والسودان، حيث حذّرت إسرائيل الجنوبيين من أن ذلك المشروع سيكون وبالًا عليهم.

    • كما أن إسرائيل نجحت في تنمية المشاعر القومية لدى الجنوبيين، مما ساعدهم على حسم خيار الانفصال عن الشمال.

    نستخلص من هذه الوثائق أن إسرائيل صنّفت السودان منذ البداية باعتباره عدوًا إستراتيجيًا، ولذلك تعاملت معه على هذا الأساس في مخططاتها التي هدفت إلى إشغاله طوال الوقت بالنزاعات الداخلية.

    يقول وزير الأمن الإسرائيلي السابق، آفي ديختر:
    "أقدمنا على إنتاج وتصعيد بؤرة دارفور لمنع السودان من إيجاد الوقت لتعظيم قدراته. إستراتيجيتنا، التي تُرجمت على أرض الجنوب سابقًا وفي غربه حاليًا، نجحت في تغيير مجرى الأوضاع في السودان نحو التأزّم والانقسام. الصراعات الحالية في السودان ستنتهي عاجلًا أو آجلًا بتقسيمه إلى عدة دول أو كيانات".

    ونستطيع تلخيص الرؤية الإسرائيلية تجاه السودان في النقاط التالية:

    • استهداف مصر عبر جارها الجنوبي، والعمل الجاد على تعطيل استفادتها من جهود هذا الجار.
    • إشغال السودان بإشعال النزاعات فيه، وتأجيج روح الخلاف بين المكونات المختلفة.
    • السعي لعدم استفادة السودان من موارده الهائلة حتى لا يتحول إلى دولة مركزية.
    • إضعاف السودان عبر سياسة شد الأطراف أو بترها، وهو ما يؤكده آفي ديختر: "سودان هش ومجزأ خير من سودان قوي وفاعل".

    ولم يقتصر الاستهداف الإسرائيلي للسودان على إشعال النزاعات وإشغاله بالحروب فقط، بل تواصلت المساعي الإسرائيلية في المجالات الدبلوماسية والمنظمات الدولية لخنق السودان وتشديد الحصار عليه.

    ففي أوج أزمة دارفور، أنشأت المنظمات اليهودية تحالفًا ضم أكثر من 180 منظمة حول العالم للترويج لفكرة الإبادة الجماعية في دارفور، وانطلقت أنشطة تلك المنظمات من متحف الهولوكوست بواشنطن تحت رعاية منظمة "أنقذوا دارفور" والوكالة اليهودية للخدمة الدولية، وتوجت تلك الجهود بإحالة ملف السودان إلى المحكمة الجنائية الدولية.

    في الحرب الحالية التي اندلعت بعدما شنّت مليشيا الدعم السريع هجومًا مباغتًا على القوات المسلحة، قبل أن توسّع تكتيكاتها الحربية إلى استهداف البنية التحتية وتدمير المؤسسات العامة والخاصة بغرض إعادة السودان قرونًا إلى الوراء، كانت إسرائيل الحاضر الخفي الأبرز في المشهد.

    فقد اندلعت الحرب بعد نشاط إسرائيلي محموم في البلاد بعيد تطبيع العلاقات مع السودان وتوقيع حكومة الفترة الانتقالية برئاسة حمدوك على "الاتفاقيات الأبراهامية"، حيث انخرطت إسرائيل في نشاط دبلوماسي مكثف تجاه الخرطوم، ركّز على الانشغالات الإسرائيلية الخاصة بجمع معلومات حول منظومة الصناعات الدفاعية السودانية و"تجنيب السودان مخاطر الخلايا الإيرانية"، كما صرّح مسؤول إسرائيلي بعد زيارة للعاصمة الخرطوم 2020. ولإخفاء نواياها الحقيقية بإطالة أمد الحرب، عرضت إسرائيل وساطة بين الجيش والدعم السريع.

    وفقًا لبيان أصدره وزير الخارجية وقتها إيلي كوهين، الذي أكّد أن إسرائيل تعمل عبر عدة قنوات من أجل التوصّل إلى وقف إطلاق النار، لكن لم يرد أيّ ذكر لتلك الوساطة مرة أخرى، مما يشير إلى أن الدولة العبرية تساهم في إطالة أمد الحرب لإضعاف الطرفين، تنفيذًا لنظرية الأكاديمي الصهيوني إدوارد لوتواك "امنحوا الحرب فرصة".

كما أن المعلومات بدأت تتكشّف عن حجم العلاقات الكبيرة بين إسرائيل وحميدتي، الذي حرص على فتح قنوات تواصل مستقلة عن الجيش والدولة منذ فترة مبكرة. ففي تقرير نشره موقع "واللا" الإخباري، قيل إن طائرة رئيس الموساد حطّت في الخرطوم في يونيو/ حزيران 2021، وكان على متنها قيادات من الموساد التقت بحميدتي وقادة من الدعم السريع.

  • بعد نشوب الحرب، نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالًا بعنوان "كيف ستكسب إسرائيل الحرب في السودان؟"، أكّد فيه أن إسرائيل حريصة على كسب الدعم السريع للحرب، بالنظر إلى الخدمات التي قدّمها حميدتي في ليبيا بمحاربة الإسلاميين هناك، وتعهّده بـ"تفكيك الإسلاميين داخل الجيش السوداني".
  • وفي الفترة الأخيرة، وبعد أن مالت كفة الانتصار لصالح الجيش، وبدا أن الجيش قادر على حسم المعركة، تعالت أصوات إسرائيلية تتهم السودان بالتعاون مع إيران، وتنادي بالتدخل الإسرائيلي المباشر، لأن الجيش السوداني أصبح "حماس أفريقيا" حسب تلك المزاعم.
  • تحتاج القيادة السودانية إلى إعادة تكييف علاقاتها الخارجية بما يضمن محاصرة المخططات الآثمة ووأدها قبل أن تواصل تدمير المقدرات السودانية.
  • وفي هذا الخصوص، فإن السودان بحاجة إلى جهود أصدقائه للمساهمة في دعم الشرعية التي يمثلها الجيش السوداني والحكومة المدنية برئاسة الدكتور كامل إدريس، كما أن القيادة السودانية بحاجة إلى مجهودات تعزز تماسك الجبهة الداخلية وتُفوّت على المتربصين مخططاتهم الآثمة.

الأحد، 13 يوليو 2025

أهداف ترامب في أفريقيا

 أهداف ترامب في أفريقيا

كاتب في العلاقات الدولية

للوهلة الأولى قد يبدو للمهتّمين بدراسة النزاعات أن اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه في العاصمة واشنطن بين رواندا والكونغو الديمقراطية- أواخر يونيو/حزيران 2025 سعيًا لإنهاء واحدة من أطول الحروب في القارة الأفريقية- وكأنه امتداد للنهج الذي أعلن الرئيس ترامب تبنيه في تصفية النزاعات حول العالم وإحلال السلام.

ودون التقليل من أهمية هذا الاتفاق على المستوى الأمني والإنساني، ومع تثبيت الجهود القطرية الكبيرة التي بُذلت للتوصل إليه، ولكن التعمق في واقع السياسة الأميركية تجاه القارة، وفي تتبع قصة الوصول لنقطة التوقيع بين البلدين سيُبيّن أن الأمر معقد أكثر مما يبدو عليه في الظاهر، وأن الدوافع والأسباب التي تقف وراء استضافة الولايات المتحدة الأميركية حفل التوقيع تلخص جوهر الاهتمام الأميركي بالقارة الأفريقية في عهد الرئيس ترامب في دورته الجديدة.

فجمهورية الكونغو وجارتها زامبيا تمثلان نقطة التقاء التنافس الأميركي الصيني على الموارد والمعادن النادرة، إذ إن الكونغو وحدها تنتج 75% من معدن الكوبالت الذي يُستخدم في صناعة السيارات الكهربائية، بجانب موارد أخرى لا تقل أهمية كالنحاس واليورانيوم، وقد كان لافتًا ما ورد على لسان الرئيس ترامب بعد التوقيع على الاتفاقية حين قال: (ستحصل الولايات المتحدة على الكثير من حقوق المعادن في الكونغو).

والأسئلة التي تُطرح هنا هل سينجح الاتفاق الحالي في نشر السلام وطي صفحة حرب الثلاثين عامًا، خاصة أن أكثر من 10 اتفاقيات سابقة انتهت إلى الفشل، ولماذا يسود التفاؤل بنجاح هذه المحاولة؟

والإجابة المباشرة عن هذا السؤال تتعلق بتدخل الولايات المتحدة بثقلها الكبير في هذا الملف مدفوعة بنظرة الرئيس ترامب لأفريقيا حيث تحكم سياسته فيها ثلاثة عوامل هي:

تحويل العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية من بند المساعدات إلى بند التجارة.

التركيز على المصالح المباشرة التي تعود على الولايات المتحدة بالنفع السريع، ولا سيما المواد الخام والمعادن ثم محاصرة النفوذ الروسي والصيني، والذي تمدد في القارة في السنوات الأخيرة.

أخيرًا الانشغالات الأميركية الخاصة بمحاربة الجماعات الإرهابية وخاصة في الصومال ودول الساحل الأفريقي بجانب تأمين مسارات الهجرة غير الشرعية وغلق منافذها في القارة الأفريقية.


ترامب وأفريقيا: هل من جديد؟

لفهم أكثر عمقًا وواقعية للعلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والقارة الأفريقية خلال إدارة ترامب الحالية يجب النظر إلى عاملين رئيسين هما تجربة ترامب مع أفريقيا إبان ولايته الأولى، ومشروعه الانتخابي الذي يمكن اختصاره في ثلاث نقاط رئيسية هي:

التركيز على جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، والانحياز إلى تيار العزلة النسبية مع التنازل عن نزوع التوسع والهيمنة الذي تتبناه تيارات أخرى داخل الحزب الجمهوري.

كما أن ترامب وأنصاره غير متحمسين تمامًا لمشاريع الجمهوريين التي تسعى (لنشر الديمقراطية) والقيم الأميركية الأخرى حول العالم.

فقد ورد في أجندة 2025 التي تكشفت بين يدي الحملة الانتخابية وتبنتها جهات متنفذة حول ترامب ما يلي: "على واشنطن أن تتوقف عن الترويج للسياسات الأميركية الضاغطة على الحكومات الأفريقية لاحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والحقوق السياسية والمدنية والديمقراطية التي لا تتقبلها الدول الأفريقية، لأنها تشعر أن ذلك تدخل في شؤونها الداخلية، ويجب على واشنطن التركيز على المشاركة الاقتصادية".

اعتماد سياسة خارجية قائمة على الصفقات التي يعود ريعها سريعًا على الخزينة الأميركية المرهقة بالعجز والدين الداخلي، وذلك وفقًا لسياسة (مجهود أقل وعائد أكبر)، مع تجفيف المساعدات الأميركية للدول الأفريقية وغيرها، وتحويلها ما أمكن إلى التجارة واستغلال المعادن.

فقد ورد في أجندة 2025 مقترحات تدعو إلى تحويل جميع منح المساعدات الأجنبية للمستفيدين الأفارقة إلى قروض، وإلغاء جميع برامج مساعدات التنمية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص الأميركي في القارة الأفريقية.

حرصه على تسويق صورة شخصية تجمع بين الحزم والقوة، وفي نفس الوقت صورة رجل السلام الذي يعمل على إطفاء الحرائق الدولية وتسوية النزاعات بين الدول.

وهو ما لخّصه ترامب بعبارة: (السلام عبر القوة)، وفي ذلك يروج أنصاره أنه يستحق جائزة نوبل للسلام لجهوده الكبيرة في منع وقوع حرب نووية بين الهند وباكستان، ودوره الأخير في الحرب الإسرائيلية الإيرانية.

وبالنظر لهذه المرتكزات الأساسية وتقييم اهتمامات ترامب خلال الأشهر القليلة التي مضت من عمر ولايته الحالية، والقرارات التي اتخذها بحظر دخول رعايا سبع دول أفريقية، قبل أن يتبعها بتعميم شمل 25 دولة من أصل 36 تطلب منها الولايات المتحدة التدقيق بشأن إجراءات الهجرة وإلا واجهت مصيرًا مشابهًا لتلك السبع.

هذا يؤكد أن إدارة ترامب لا تأبه كثيرًا بأي ردة فعل من دول القارة الأفريقية، ويأتي كل ذلك مقروءًا مع النهج الذي اتبعه في ولايته الأولى مع أفريقيا، والذي اتسم بالإهمال والازدراء.

ولذلك لا يبدو أن القارة الأفريقية تمثل أولوية لإدارته إلا بقدر ما تمثله من أهمية لسياساتها المتعلقة بالبحث عن الفرص التجارية، ومحاصرة النفوذ الروسي والصيني، أو بمكافحة الإرهاب والمخاطر الأمنية التي ترى فيها الأجهزة الأمنية الأميركية خطرًا ماثلًا.

يفسر هذا، دعوة الرئيس دونالد ترامب لقمة مصغرة تشارك فيها دول: موريتانيا، والغابون، وغينيا بيساو، وليبيريا، والسنغال، والتي أثارت تساؤلات كثيرة حول المعايير التي تم بها اختيار هذه الدول الصغيرة وغير المؤثرة في اقتصاد القارة وسياستها.

ولكن التمعن في المشتركات التي تجمع هذه الدول يبدد تلك التساؤلات؛ فكلها تطل على المحيط بكل ما يمثل ذلك من فرص وتهديدات، كما تتمتع جميعًا بموارد كبيرة غير مستغلة وخاصة موارد الطاقة والمعادن النادرة، ويمكن أن تكون نموذجًا جيدًا لسياسته الجديدة في أفريقيا (التجارة بدلًا من المساعدات)، فضلًا عن وقوعها في المجال الجغرافي لتمدد النفوذ الروسي الآخذ في التوسع مؤخرًا.

ابحث عن الصين

قبل شهرين من توقيع اتفاقية السلام بين البلدين نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مسؤولين من جمهورية الكونغو الديمقراطية إمكانية التوصل إلى اتفاق مع واشنطن لتأمين استثمارات أميركية في المعادن الحيوية، مقابل دعم الولايات المتحدة جهود إنهاء الصراع في شرق البلاد.

وقالت الصحيفة إن الاتفاق يمنح واشنطن حق الوصول إلى رواسب الليثيوم والكوبالت والكولتان، وصرح مستشار ترامب مسعد بولس قائلًا: "واشنطن تضغط من أجل توقيع اتفاق سلام بين الجانبين هذا الصيف، مصحوبًا باتفاقيات ثنائية للمعادن مع كل من البلدين".

في العام 2007 وقعت الصين اتفاقًا اقتصاديًا مع دولة الكونغو عرف باتفاق (المناجم مقابل البنية التحتية)، وبموجب ذلك الاتفاق صارت الصين الحاضر الأبرز في قطاع المعادن الكونغولي، حيث تدير حاليًا حوالي 80% من مناجم النحاس، وتسيطر على 70% من قطاع التعدين، وعلى 60% من سوق بطاريات السيارات الكهربائية عالميًا.

ومع الأهمية العالية لمعدن الكوبالت الذي يُستخدم في صناعة الهواتف والسيارات الكهربائية تعالج الصين وحدها 80% من هذا المعدن النادر، وفي العام 2024 أعلنت مجموعة سموك الصينية أكبر منتج للكوبالت في العالم عن أرباح قياسية، حيث قفز صافي الدخل بنسبة 64% ليصل إلى 1.9 مليار دولار.

هذه الأرقام مزعجة جدًا للولايات المتحدة التي ترى في الكونغو نموذجًا مثاليًا لتطبيق سياستها الخاصة بالحصول على المعادن النادرة بأسعار رخيصة، وفي نفس الوقت التضييق على الصين في واحدة من أهم ملفات التسابق التجاري والصناعي بينهما.

ولذلك فقد واصلت مساعيها لإخراج الصين من الكونغو الديمقراطية عبر الضغوط السياسية وتأليب الحكومة الكونغولية عليها للمناداة بإعادة تقييم الأسس التي قامت عليها اتفاقيات التعدين بين البلدين، وعبر دعم البنية التحتية وإعادة تأهيلها، ومسارات السكك الحديدية لتقليل تأثير الصين في سلاسل التوريد بالنسبة للمواد الخام.

وفي العام 2022 نشرت (أويل برايس) الأميركية تقريرًا أشارت فيه (إلى أن الولايات المتحدة تعزز جهودها لعزل الصين في أفريقيا وعرقلة حصولها على أشباه الموصلات المتقدمة، كما تعمل واشنطن أيضًا على السيطرة على مصادر المعادن المستخدمة في التقنية في أفريقيا خاصة الكونغو الديمقراطية).


ومما يلفت الأنظار هنا هو إعلان شركة (كوبولد ميتالز) الأميركية أنها ستوسع عملياتها في الكونغو الديمقراطية بعدما قامت فعلًا بشراء حصة للتعدين من شركة أسترالية هناك، وتساهم في شركة كوبولد ميتالز مجموعة من الشركات ورجال الأعمال الذين دعموا حملة ترامب الانتخابية.

حرب السودان في الواجهة

في ظل النشوة التي سيطرت على فريق ترامب بعد توقيع اتفاق السلام صرح مستشاره مسعد بولس بأن وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو سيستضيف اجتماعًا يضم وزراء اللجنة الرباعية التي تضم السعودية، والإمارات، ومصر، والولايات المتحدة؛ لبحث الحرب في السودان، وهو الأمر الذي أكد عليه ترامب نفسه في اجتماعه مع القادة الأفارقة في واشنطن.

ويأتي هذا الاهتمام بالملف السوداني بعد فترة من الإهمال وتركيز إدارة الرئيس ترامب على ملفات أخرى في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، ومن واقع التحركات التي تمت في الفترة الأخيرة والتي من بينها زيارة رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان جمهورية مصر العربية، وتنشيط تحالف "صمود" الذي يقوده الدكتور عبدالله حمدوك، يبدو أن هناك مساعيَ إقليمية تُبذل لبلورة مبادرة لإحياء التفاوض الذي توقف لفترة طويلة تحت مظلة المبادرة الأميركية السعودية في جدة.

ولا يزال الوقت مبكرًا للإجابة عن نجاح اتفاق السلام بين الكونغو ورواندا، إذ إنه ورغم وقوف الدولة الكبرى خلفه فإن التحديات التي تحيط بالاتفاق وأطرافه صعبة للغاية، خاصة إذا علمنا أن هناك مناطق حيوية خارج سيطرة الدولتين والجماعات المتحالفة معهما.

كما أن عدم الثقة الكبير بين الدولتين نتيجة الصراع الطويل قد لا يوفر البيئة المناسبة للتطبيق السلس لبنود الاتفاق، وخاصة تلك المتعلقة بجمع السلاح وتسريح الجماعات المسلحة المتناسلة.

ومع كل تلك التحديات فإن الترحيب الذي قوبل به الاتفاق على المستوى الدولي سيوفر إرادة قوية لمحاولة صيانة المنطقة حتى لا تعود للحرب مرة أخرى.

ونستطيع القول إن إدارة الرئيس ترامب تحاول في نسختها الجديدة تحويل القارة الأفريقية من مكان ميؤوس منه كما كان في دورتها الأولى إلى فرصة تستفيد منها الولايات المتحدة.

وتلخص الطريقة التي تم بها دعوة خمسة من رؤساء الدول الأفريقية إلى البيت الأبيض النهج الأميركي في التعامل مع القارة، وهو تعظيم الفوائد الأميركية في القارة دون أن تلتزم بأي مساعدات، أو تقوم بفرض أي شروط سياسية تتعلق بالدمقرطة، وحقوق الإنسان كما كان في السابق.

وستتحدد التدخلات الأميركية في كل النزاعات بهذا النهج الجديد والذي يمكن اختصاره تحت شعار: (التجارة بدلًا من المساعدات)، وبجانب التجارة فإن للولايات المتحدة مآربها التي لا يمكن أن تتنازل عنها كقوة دولية تسعى للمحافظة على نفوذها وريادتها.

السبت، 10 مايو 2025

صراع الشريعة الإسلامية في السياسة السودانية

صراع الشريعة الإسلامية في السياسة السودانية


كاتب في العلاقات الدولية

لولا أنّ الخصومة غير الراشدة، والتدخلات الخارجية الخبيثة، هي التي تتحكم في السياسة السودانية، لكان دستور عام 2005، الذي تم التوافق عليه بين القوى الوطنية، يصلح أن يكون أساسًا صالحًا لتأسيس وحدة نموذجية بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والثقافة العربية، وبين الجنوب ذي الثقافة الأفريقية الغالبة والديانات المتعددة.

ولكان إجابة منطقية لكل الجدل الذي استطال عن علاقة الدين بالدولة، فقامت بسبب ذلك الحروب والمعارك، وتعمقت به الانقسامات، وتفرقت المسالك.

لقد احتوى ذلك الدستور جماع الحكمة التاريخية الوطنية، باستيعابه حساسية التعايش في دولة حديثة متعددة الديانات والأعراق، وتحيط بها التحديات من كل جانب، وبلغ النضج الفكري للتيارات السياسية في محتوى تلك الوثيقة الراقية مبلغ الرشد الذي يبحث عن المشتركات، ويجافي أسباب الخلاف والاختلاف.

جاءت المادة الأولى للدستور لتؤكد على أن السودان دولة ديمقراطية تتعدد فيها الثقافات واللغات، وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان. وتحاشى الدستور ذكر دين الدولة الرسمي، وفي الوقت نفسه ساوى بين مصادر التشريع: (الشريعة والإجماع والقيم لشمال السودان، والأعراف والتقاليد والمعتقدات الدينية لجنوبه).

وبخصوص الحقوق والواجبات، فقد ثبت النص أن المواطنة المتساوية هي المعيار لهما، وأن جميع لغات السودان لغات قومية يجب احترامها وتطويرها.

ذلك ما كان من أمر النصوص، أما الممارسة، فلم تخرج عما ألفته النخبة السودانية من خوض المعارك الخاسرة، والخلط بين ما هو تكتيكي وما هو إستراتيجي، من أجل تسجيل النقاط في شباك الخصوم، وحيازة الانتصارات الصغيرة.

ظلت قضية الشريعة الإسلامية في صدارة القضايا الوطنية التي شهدت التجاذب والخلاف، ومع أهمية أطروحة علاقة الدين بالدولة، إلا أن المقاربة التي اعتمدتها النخبة المنقسمة عمّقت حدّة الصراع حول الموضوع، وأثّرت على المطلوبات الوطنية لبناء دولة الرفاه والاستقرار بعد الاستقلال.

وقد تداخلت عوامل متعددة قادت إلى هذه النتائج، منها قصور الرؤية التي طُرحت من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، خاصةً مع تحدي الدولة الحديثة التي شادها الاستعمار، والدور المحوري الذي قام به المستعمر نفسه بتخريجه أجيالًا ممن اطمأنّ إلى أنهم سيحملون رايته ويدافعون عنها بعد خروجه.

إلى جانب تأثير الصراع السياسي الحاد، الذي حوّلها من مشروع كان ينبغي أن يكون ثابتًا من ثوابت البناء الوطني، إلى مجرد مشروع للتنافس السياسي، تختلف حوله القوى السياسية اختلافًا بيّنًا.

تصلح المملكة السنارية في إعطائنا نموذجًا عمليًا لتطبيق الشريعة وفقًا لمفهومها التاريخي في تجارب المسلمين، وذلك باعتبارها نموذجًا حياتيًا نابعًا من ثقافة المجتمع ومُعبّرًا عن تكوينه التلقائي.

وبما أن المملكة قامت أساسًا على مرجعية الإسلام، وطوّرت لاحقًا معارفها العلمية والعرفانية في إطاره، فإنها كانت تطبّق الشريعة بتعريفها المقاصدي الرحيب، الذي يشمل الأخلاق والعادات والمعاملات والعقائد والعبادات، أو كما عرّفها ابن تيمية:
«والصواب أن الشريعة جامعة لكل عمل فيه صلاح الدين والدنيا، وهو كتاب الله وسنّة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والعبادات والأصول والأعمال والسياسات والأحكام والعطايا.»

وبجانب كل هذا المدى المفتوح من المباحات، أضافت المملكة السنارية بُعدًا عرفانيًا في ثقافة المجتمع، قامت دعائمه على الطرق الصوفية.

لقد كانت الشريعة الغرّاء هي التعبير الطبيعي للمجتمعات في ممالك السودان الوسيط: سنار، وتقلي، والمسبعات، ودارفور.

وعلى الرغم من العزلة الجغرافية للسودان عن مراكز العالم الإسلامي الحضارية، وحداثة الإسلام فيه، فإن الحركة العلمية سرعان ما انتظمت تلك المجتمعات.

ففي مملكة سنار (كبرى هذه الممالك)، انفتح ملوكها على تعميق العلم الشرعي، ودعوة العلماء والفقهاء إلى الدولة الوليدة، وكان ظهور شخصيات كـغلام الله بن عائد، وأولاد جابر، ومحمود العركي، علامة مهمة في نشر الثقافة الإسلامية.

ثم جاءت الطرق الصوفية، ابتداءً من زيارة تاج الدين البهاري، والشيخ حمد أبو دنانة، وآخرين، في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وهو الأمر الذي جعل دعائم الإسلام تقوم على ساقَي الشريعة والحقيقة.

وفي مجال القضاء، تم إنشاء المحكمة الكبرى بسنار، والمحاكم الصغرى في أطرافها المختلفة.
وبجانب هذه المحاكم، كان هناك (قضاة الشريعة البيضاء)، وهم علماء متخصصون في الشريعة، يقومون بالفصل في الخصومات في البوادي والقرى بالشريعة فقط.

كما أن (قضاء الأجاويد) كان منتشرًا في ذلك الوقت، وهو أشبه بالتحكيم في زماننا.

ويقول محمد حسن المفتي في مؤلفه القيّم "تطور نظام القضاء في السودان":

"إن القضاة جميعهم من الرجال الصالحين، وكان كل منهم عالمًا عاملًا، عادلًا، ورِعًا، تقيًا، وشيخًا إسلاميًا، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، وقد اشتهر كل منهم بين قومه بالمروءة والوفاء بالعهد."

وما جعل الشريعة نظامًا للمجتمع والقضاء، هو أنها نشأت مستقلة عن سلطان الدولة، وكانت تعبيرًا طبيعيًا عن تلك المجتمعات التي اعتنقت الإسلام، فقام نظام حياتها وفقًا لشروطه.

كما أنهم عرفوا يقينًا أن:

"الشريعة لم تأتِ لتعيد تصميم النظام الاجتماعي – وهو ما فعلته الدولة الحديثة – بل أتت لتوجّهه على وفق ما يمكن أن يُسمّى العُرف والمَعروف، وكان هدفها إقامة العدل وإيجاد التناغم الاجتماعي اللذَين يُفضيان إلى تمكين البنى الاجتماعية من أداء مهماتها بسلاسة."

وهذا المعنى، الذي يؤكده وائل حلاق، كان حاضرًا في الوعي الاجتماعي والسلطاني في ممالك السودان القديمة، التي استمدّت روح تشريعها من مفاهيم الشريعة المستقرة في المعرفة الإسلامية وتجاربها في مجتمعات المسلمين.

ولذلك، لم تُحصر الشريعة في مجال القوانين فقط، وإنما جرى التعامل بها تلقائيًا في مجالات المعاملات والعقائد والقوانين.

ولعل تأثّر تلك الممالك بمذهب الإمام مالك، الذي يعظّم المقاصد والاستحسان وجلب المصالح وسد الذرائع – وخاصة في العقوبات والبيوع – قد يسّر للحكام والقضاة تمثّل الشريعة في الحياة العامة وفي القضاء.

ويُعزى تقبّل الشريعة من العامة ونجاحها في ذلك الوقت إلى أنها – أي الشريعة – لم تكن مجرّد نظام قضائي أو مذهب فقهي تنحصر وظيفته في تنظيم العلاقات الاجتماعية وتسوية النزاعات بين الناس، وإنما كانت ممارسة خطابية، ربطت نفسها بنيويًا وعضويًا بالعالم من حولها، وأنها نمت وترعرعت في قلب النظام الاجتماعي الذي أتت لتخدمه.

(وائل حلاق – ما هي الشريعة؟)


الشريعة كأيديولوجيا


بدأت أولى بوادر الخلاف والانقسام حول الشريعة في عهد الدولة المهدية، فقد ابتدأ المهدي دعوته بإلغاء المذاهب الإسلامية، وأضاف أصلًا جديدًا إلى أصول التشريع المستقرة عند المسلمين، وهو التشريع عن طريق: (الإلهام، والكشف، والهواتف، والحضرات).

فصارت مصادر التشريع هي: القرآن، والسنة، ومنشورات المهدي. 
وبذلك آلت رئاسة القضاء العليا إلى الإمام المهدي، على عكس ما كان عليه الأمر من استقلالية الشريعة كمنظومة مجتمعية، واستقلال القضاة والمحاكم في المملكة السنارية.

ويُعتبر منشور قواعد الأحكام الصادر عن الإمام المهدي نموذجًا جيدًا لعقلية التشريع التي سادت خلال تلك الفترة وباستخدام المهدي وخليفته من بعده اجتهادهما القائم على المنشورات كمصدر ثالث للتشريع، بدأت عقيدة المهدية تظهر بوجهها الأبرز، مكوّنة ثقافة جديدة في سيرورة تطبيق الشريعة في السودان، وهي الثقافة القائمة على استيلاد أيديولوجيا محددة، أو فلنقل: نسق فكري خاص يقوم على فهم مخصوص للشريعة، يستمد حجّيته من تفسير المهدي ومن بعده خليفته للنصوص القرآنية والحديثية.

إذ بإسقاطهما إرث المسلمين الفقهي، الذي بُنيت قواعده عبر مسيرة طويلة من الاجتهاد، والذي ولد إطارًا فضفاضًا أعطى الشريعة استقلاليتها وحيويتها في مجتمعات المسلمين، فإنهما أسّسا لخلاف عميق في البنية الإسلامية، كانت نتيجته انفصال طبقة العلماء، التي نمت طوال عهد الحكم التركي المصري في السودان، عن المهدية.

بل وقادت هذه الطبقة ثورة تفسيرية مضادة، ترتكز إلى الفقه التقليدي المعروف بين جماهير المسلمين، لتحارب المهدية برؤية مضادة من داخل الدين الإسلامي.

ورغم هذه المعركة الحادة، ظل الخلاف بين الفريقين محصورًا حول الطريقة المثلى لتطبيق الشريعة الإسلامية.

كيف نشأ الصراع على الشريعة

أحدث المستعمر الإنجليزي انقلابًا حقيقيًا في المجتمع السوداني، وذلك بهدمه بنيان الشريعة الذي ظل يحكم السودان قرونًا متطاولة.

وكعادة الاستعمار، كان الإنجليز يعتقدون أن الشريعة لا تصلح لإدارة الدولة الحديثة، بل إن المجتمعات التي جاؤوا إليها مجتمعات غارقة في الظلام، حسبما لخّص القس سبنسر تريمنجهام في كتابه "الإسلام في السودان":

"كان موقف البريطانيين منذ البداية اعتبار السودان شعبًا مستغَلًا متخلفًا."

ولذلك ابتدأ البريطانيون بتشريع قوانين حديثة جلبوها من الهند وبريطانيا، شيدوا بها نظامًا قضائيًا حديثًا.

لكنهم كانوا من المكر والدهاء بحيث لم يرغبوا في استفزاز المسلمين، فأقاموا نظامًا آخر موازيًا، لكنه أقل أهمية واهتمامًا، وأوكلوا إليه مهمة القضاء الشرعي للنظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين.

وهكذا نجح المستعمر في ترسيخ فكرة الثنائية في القضاء، وفي بذر النظرة الاحتقارية لكل ما مثّلته الشريعة من نظام ومصادر للتشريع.

بدأت معركة تطبيق الشريعة مباشرة بعد خروج المستعمر، بين نخبةٍ تشربت مبادئ القانون الغربي ونُظمه الأخلاقية، وبين طائفة إسلامية كانت ناشئة، تستشعر في نفسها ضعف البدايات، فلجأت إلى تحالف تتناصر به في مواجهة البيئة المتغرّبة، المتقوية بأجهزة الدولة وسلطانها.

وكان أهم ما ميّز الصف الإسلامي ميزتان ستكونان لاحقًا مجال الصراع حول الشريعة مع القوى العلمانية:

الميزة الأولى:
اعتماد التيار المركزي عند الإسلاميين بشكل كلي على الدولة لإحداث التغيير الاجتماعي، وأن نظريته للإصلاح تقوم على التمكّن من السلطان السياسي، ومن ثمّ فرض الإصلاح من أعلى، بالتي هي أحسن أو حتى بالتي "هي أخشن" إن توفرت الفرصة لذلك.

وقد استند بعضهم في تبرير هذه الرؤية إلى أثرٍ ورد عن سيدنا عثمان بن عفّان وشاع عندهم على أنه حديث نبوي، وهو:

"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن."


وعلى كلٍّ، فقد استشعرت النخبة العلمانية خطورة هذه الفئة، التي تريد منازلتها فيما تعتبره عقر دارها، وهو:

"تمثال الدولة الحديثة الموروثة من الإنجليز."

الميزة الثانية
هي حصر المنازلة مع القوى العلمانية حول أطروحة الدستور الإسلامي والقوانين، أو فلنقل: حصر الشريعة في جانبها التشريعي؛ حيث تم توظيفها شعارًا لإحراج القوى السياسية، وخاصة تلك المستندة إلى طائفتي الختمية والأنصار بمرجعياتهم الإسلامية، ومناجزة الحزب الشيوعي الذي كان في قمة عنفوانه في ذلك الوقت.

وطوال الفترة التي أعقبت الاستقلال وحتى قيام ثورة مايو/ أيار في العام 1969، لم تكن الأطروحة واضحة عند الإسلاميين. ويؤكّد استعانتهم بسكرتير أبي الأعلى المودودي، ظفر الله الأنصاري، لوضع مسوّدة الدستور، أن الرؤية حول الشريعة لم تتبلور بعد.

على أن ذلك لم يكن سببًا عند الترابي لتأجيل المطالبة بتطبيق الشريعة، إذ يقول:

"ولا يصح تأخير نزول الحق حتى تتوافر كل المباحث العلمية التي تجليه، وتتهيأ من نفسها تصاريف الظروف، بل هدي الدين أن يُسارع إلى الحق ما بانت وجهته العامة، وإلى الخير ما ارتسمت معالمه الأساسية."
نواصل في الحلقة القادمة بحث تطورات الصراع حول الشريعة، وكيف تحوّل النزاع إلى صراع سياسي حاد، وُظّفت فيه الشريعة وقودًا، بينما كان التطور السياسي قد حسم وجهة البلاد منذ أن نصّ دستور العام 1973 على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع في السودان، وبعد توقيع الدكتور الترابي – وزير العدل حينها – على تقرير لجنة مراجعة القوانين في العام 1978، والتي وجدت أن 10% فقط من جملة 286 قانونًا راجعتها اللجنة، كانت بحاجة لتعديل بعض موادها لتتسق مع الشريعة الإسلامية.