‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.جمال الباشا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.جمال الباشا. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 26 يناير 2023

"حربُ الجَبَّار"

 "حربُ الجَبَّار"

د.جمال الباشا

(مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب.. )
هذا جزءٌ من حديثٍ قدسيٍّ شريف أخرجه البخاريُّ في صحيحه، وهو حديث عظيم القدر عميقُ التأثير، يضخُّ في وجدان المؤمن جرعةً إيمانيةً ونفسيةً عالية غالية، تشدُّ من عزيمته، وترفعُ من همَّته، وتعينه على الثبات في أمره، حيث يشعُرُ أنَّ الله تعالى معه، يؤيده وينصرُه على من عاداه وآذاه، فإنَّ مَن كان الله تعالى معه لن يُبالي بشيء، ولن يُخيفَه أحد، وسيصغرُ في عينه ما يعظُمُ في عين غيره.
أما معنى "الولي" في الحديث؛ فهو كلُّ مؤمن أطاع الله واستقام على أمره مخلصًا في عبادته. قال سبحانه: (ألا إنَّ أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون).
فليست الولايةُ - كما يعتقدُ بعضُ الجهلة - وصفًا محصورًا في أفرادٍ صالحين ماتوا فأقام لهم الناسُ أضرحةً ومقاماتٍ ومشاهدَ يعظمونها ويقدسونها، بل كلُّ مؤمنٍ تقيٍّ هو لله وليّ !!
والحديث فيه تحذير ووعيد لكل من تُسوِّلُ له نفسُه أن يتعرَّض للمسلم الصالح بأي نوع من الأذى القولي أو الفعلي، بأنه سيُعرِّض نفسَه لحَربٍ من الله تعالى عليه.
والله سبحانه إذا حاربَ عبدًا أهلكه، فمن ذا يُطيق حربَ الله؟!
وإنَّ من صور هذه الحرب؛ الخذلان وقلة التوفيق، وحرمان الرزق، وذهاب البركة، وسوء الخُلق، وكثرة المشاكل، ونفور الخَلق، وسقوط الهيبة، وسواد الوجه، وضيق الصدر، ووحشة النفس، وسفاهة الرأي، وأمراض البدن في النفس والأهل والولد، واختلال العقل، وضعف البصيرة، والكسل عن الطاعة، وسلب الهداية، ومن ثمَّ سوء الخاتمة عياذا بالله.
اللهم اجعلنا سِلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك.

الأربعاء، 25 يناير 2023

"يوم العمر"

"يوم العمر"

د. جمال الباشا

لم يكن ذلك الرجلُ يعلم أنَّ اليومَ الذي أماطَ فيه الشوكَ عن طريق الناس كان أفضلَ أيام حياته إذ غفَر اللهُ له به.

ولم تكن المرأةُ البغيُّ تتوقَّعُ أن يكونَ أسعدَ أيام حياتها ذلك اليوم الذي سقَت فيه كلباً أرهقه العطشُ فشكر اللهُ صنيعَها وغفر لها.
إنَّ أسعدَ أيام يوسفَ عليه السلام كان ذلك اليوم الذي انتصرَ فيه على داعي الغريزة ووقف في وجه امرأة العزيز قائلاً:(معاذ الله)، فترقَّى في معارج القُرب، وحظيَ بجائزة {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.
الذين شهدوا بدرًا قيل لهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .
ولما طأطأ طلحةُ ظهرَه للنبيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ يومَ أحُدٍ ليطأهُ بقدمه قال له: "أوجَبَ طلحة"، أي الجنة.
إنَّ العبد قد يُكتَبُ له عزُّ الدَّهر وسعادةُ الأبد بموقفٍ يُهيِّئُ اللهُ له فرصتَه، ويُقدِّرُ له أسبابَه، حينما يطلعُ على قلب عبده فيرى فيه قيمةً إيمانيةً أو أخلاقيةً يحبُّها، فتشرقُ بها نفسُه وتنعكسُ على سلوكه بموقفٍ يمثِّلُ نقطةً مضيئةً في مسيرته في الحياة، وفي صحيفة أعماله إذا عُرضت عليه يومَ العرض.
فيا أيها المبارك.. أينَ يومُك؟
هل أدركتَه أم ليس بعد؟
توقَّعْ أن يكون بدمعةٍ في خلوة، أو مخالفةِ هوىً في رغبة، أو في سرور تدخلُه إلى مسلم، أو مسح رأس يتيم، أو لثم قَدَمِ أمٍّ، أو قول كلمة حق، أو إغاثةِ ملهوف، أو نصرة مظلوم، أو كظم غيظ، أو إقالة عثرة، أو سَتر عورة، أو سدّ جوعة، وهكذا، فأنت لا تعلمُ من أين ستأتيك ساعةُ السَّعدِ.
لقد رُئيَ الشاعرُ أبو الحسن التّهاميُّ في المنام بعد موته، فقيلَ له: ما صنعَ اللهُ بك؟ فقال: غفر لي بقولي:
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربَّه
شتَّانَ بين جواره وجواري
وهو بيتٌ من قصيدةٍ طويلةٍ رثا فيها ولدَه.
أيها الموَفَّقُ..
ليكُن لك في كلِّ يومٍ عملٌ على نيَّةِ أن يكونَ عملَكَ المُنجي، فلعلَّهُ يكونُ يومَك الموعود.. يومَ العمر.