‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات هلال بن سالم الزيدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات هلال بن سالم الزيدي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

عندما يُختلس التاريخ!

 عندما يُختلس التاريخ!

هلال بن سالم الزيدي

بناء الحضارة لا يكون بين عشية وضحاها.. واستجلاب التاريخ عنوة وإسقاطه على بقعة أو بين فئة تبحث عن هويتها لا يقبله العقل ولا المنطق.. حتى وإن تراخى صاحب الحق لظروف مرحلية عن شيء من حدوده، فلا يعني ذلك بأنه مال سائب.. فما كتُب بالدماء لا تمحيه “رغوة” المال.. ولا تفصله الأسلاك الشائكة ولا توثقه “كاميرات المراقبة”.

في كثير من الأحيان تتجه “الدويلات” إلى لفت انتباه العالم عبر الدخول في معترك مع “الكبار”، فتحاول بكل ما أوتيت من آلة إعلامية وأبواق مأجورة الترويج لأفكار تخالف المنطق من حيث عين الناظر، وتتقاطع مع الواقع في الحلة التي ترتديها فتبدو فضفاضة مائعة في كل تفاصيلها بمقياس الحضارة والتاريخ، والأكثر من ذلك فهي تتعاكس مع ما دوّنه المؤرخون باختلاف انتماءاتهم، وذلك بهدف طمس الحقائق وإيجاد مجدٍ حضاري تُسقط عليه انحيازها السياسي المتكئ على إملاءات من أطراف وهبتها مكانة نظير انبطاحها وتقديم ثرواتها المادية قرابين لنيل الاستقرار الموعود، لذلك تراها متخبطة المواقف، لا أثر لها إلا  السير عكس التيار من مبدأ خالف تعرف.

إن التجييش الإلكتروني وأنماط الابتزاز الذي تقوم به بعض ممن يُطلق عليها “دويلات” خرجت عن ترابط المألوف ووشائج القربى، وتحولت إلى أطماع مسعورة تبحث عن شيء يشتت الانتباه تجاه الإخفاقات المتتالية في المشهد العربي قاطبة، وتحاول جاهدة أن تبرهن على تواطؤها المستمر وسقوطها في براثن الكيل بمكيالين بالزج بين الفينة والأخرى بالتاريخ وتعمد تزوير الحقائق التي تجسدت مع كل زفير وشهيق على هذه الأرض، إلا أن ذلك المنحى لا يغير في حضارة تشرّب أبناؤها بأصالتهم وعرفوا مجدهم قبل أن تتشكل تلك “النطفة” التي شدّت مئزرها لتقوم في جنح الليل برسم مخططاتها وإشعال فتيل السطو لتشم ريحه أو ربما يخيل لها ذلك.

إن أكبر دليل على سرقة التاريخ تلك المتجسدة في اليهود وسطوهم على فلسطين، إذ إن الفكرة منبعها توجه يهودي يُجسد عبر شخوص نذروا حياتهم وأموالهم لذلك الامتداد المغتصب، إذًا فكرة اغتصاب الحقوق من أصحابها تعود إلى أوضاع أصحاب الحق والتاريخ، لذا فمن المفارقات أن هناك لم يجدوا قوة تردعهم وتوقفهم عند حدهم، أما هنا فالأمر مختلف بالمجمل حتى وإن ترفّع أبناء الوطن عن الدخول في مهاترات “أحقية التاريخ” إلا أنه لا بد من وضع النقاط على الحروف وتصحيح الفهم القاصر الذي تلبّسهم جراء رغبتهم في تقليد فلسفة صهيونية همّها الوحيد أن يكون لديها كيان تعبُر به إلى حضور دولي يرتكز على حضارة وهمية تتناثر عند هبوب رياح الواقع وإثباتات المكين والمكان، وهذا لا يستطيعون عليه حملا.. فمن اعتاد على الاختلاس فلا راد له إلا تعريفه بمقاسات حجمه وأصله.

من يعتقد بأننا نعتنق الصمت في الرد على المغالطات المتعمدة حول تاريخنا العظيم وعلاقته بالجوار أو علاقة الأصل بالفرع، هو واهم وحساباته يعتريها النقصان، ومن يظن كذلك بأن تسليط المتواطئين من الأبواق والمطبلين والتحكم في خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على الأصوات الرزينة التي تواجه تلك الادعاءات واستفزازاتها المغلوطة فهو خارج عن سياقه “البشري”، لأن ثبات الأصل وعمق جذوره لا تهزه مكائد من أصابتهم لعنة “التيه” حتى ولو شمخوا بأبراجهم العاجية إلى ما بعد السحاب أو دسوا سمومهم في قراطيس يعلموا فيها أجيالهم ببطولات أجدادهم الحقيقيين!

إن الهجمة الشرسة التي تعرّض لها حائط الصد لكل تلك التجاوزات لا تنقص منه شيئاً، لأن حصوننا وقلاعنا شامخة ومنيعة ترد أي معتدٍ في كل شبر على هذه الأرض، حتى وإن ظهر المندسون بيننا فإننا نعرفهم بسيماهم وأسمائهم مهما حاولوا التخفي والتستر لأغراض شخصية أو لوقوعهم ضمن إطار الابتزازات غير الأخلاقية التي برع فيها ذلك “المتصهين” إلا أننا لن نشفع لهم ولا يمكن أن نتجاهل مخططاتهم، فعمان نقية ولا تقبل إلا نباتاً طيباً، وما خبث سنجتثه بلا رجعة ومصير خفافيش الظلام الهلاك، مهما كانت الدوافع.

#بين-هلالين

“المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تحفها أسس منطقية تتجانس مع الواقع، فالمنطق موجه للمعرفة وسبيل للتوازن البشري”.

  • كاتبٌ وإعلامي

alzaidihilal@gmail.com

الجمعة، ١٩ يناير / كانون الثاني 2024

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

لم تتعثر "بغلة" بل تهاوت أمة!

 لم تتعثر "بغلة" بل تهاوت أمة!

هلال بن سالم الزيدي

كاتب وإعلامي عماني

 على الرغم من علو القصور في زماننا، فإن قرارات الأنظمة المنبعثة من القصور الفارهة تعمّق الفقر ثم تتعجب من انتشار الفساد  


لم تكن الدابة أكثر حظًا من إنسان عاش في ظل عدالة "عمر"، ولم يكن الإنسان الأعرابي بتكامله الاجتماعي والسياسي يخشى أن يقف في وجه عمر فيقول له: "والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا"، ولم تكن هناك توجيهات للحراس لاعتقال ذلك الرجل، ولم يعش "الفاروق" حالة الغضب، بل رآها نعمة تستوجب الشكر.

إن التعثر أقل وطأة من السقوط، وبحجم الفعل اهتز وجدان عمر؛ فكان أكثر خشية وخوفًا من أن تزل قدمه في رسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فتلك العبارة التي لا تحمل شكًا في خطابه كانت جبل الأمانة الذي حمله؛ فيخشى أن يسأله الله عن البغلة التي تعثرت في العراق!

على نهج المسلَّمات في حاضرنا الراهن، فإن البغلة لم تتعثر وحدها بل تساقطت معها بغداد ودمشق وصنعاء والقدس وليبيا والخرطوم وبيروت..، فتحوّلت الوحدة الممتدة بحسب التشكّل الجغرافي من كيان واحد إلى خرائط ممزقة، يُستباح فيها الإنسان قبل الحيوان، وتقسّم ثرواته، وتشعل الفتن ليكون القتل ثأرًا جاهليًّا عند الغارق في الجهل والخيانة وهو يدّعي الحكمة.

لقد تعثرت الأوطان لأسباب كثيرة، تعود بأثرها إلى النتيجة الحتمية لغياب الضمير الذي لم يعد فيها حتى مستترًا خلف سقوط المسؤولية، لتصبح مسؤولية الحكم ترفًا للتسلط والسلطة

إن فرضية تعثر البغلة لم تكن مجرد حادثة خطابية وردت في الأثر، بل كانت مؤشر أداء في العدل واليقظة، وإدراكًا من الناس لخوفهم من الله وليس من "عمر"، بخلاف الخوف الحالي الذي تحول إلى نمط حياة، فأصبح إنسان الوضع الراهن يخاف أن يسأل عن حقوقه، ويخاف أن يفكر بحرية.

لقد تعثرت الأوطان لأسباب كثيرة، تعود بأثرها إلى النتيجة الحتمية لغياب الضمير الذي لم يعد فيها حتى مستترًا خلف سقوط المسؤولية، لتصبح مسؤولية الحكم ترفًا للتسلط والسلطة، وأهم الأسباب هو خذلان الشعوب لذواتها قبل أن تخذلها أنظمتها، لتتنوع صنوف التعثر وتصبح العدالة انتقائية، والخيانة وجهة نظر، والكذب سياسة، والانتهازية مهارة، وسرقة الثروات إصلاحًا اقتصاديًّا، والعلم شهادات بلا معرفة، والتفسخ تطورًا.

لعل الأكذوبة التي تسللت بحجمها جيلًا بعد جيل، والتي امتشقت سذاجة الشعوب، كانت تدور حول تجارة "الأمل" الذي تحوّل إلى وهم، فصدقنا كل الأكاذيب، وهتفنا باسم كل مستبد ألبسنا رداء الحياة لنصبح عُراة من كل شيء إلا من الهزائم!

لأننا غبنا وغُيّبنا عن المشهد فقد ولدنا متعثرين، حتى وإن كان لباسنا يواري سوءاتنا في الظاهر، ففتحنا عقولنا في استقبال كل ما يدفعنا إلى الانهزامية، التي لم تعد تحتاج إلى جيش يجتاح النهر، ليختلط الدم بلون مداد الكتب على مشهد اجتياح المغول لبغداد عام 1258، فآنذاك عكس ذلك المشهد الهزيمة الحضارية التي ما زالت تدوي بيننا، ونحن اليوم أمام مد كبير من القوى الناعمة التي هندستنا كما يريد المستعمر، دون الإغراق في ضغط الزناد.

عمر لم يكن يجلس على الأرائك في القصور، بل كان هو من يصنع الحدث خبزًا للفقراء، ويروي آمال وطموحات العطشى، والفرق بين ما كان وما يكون ليس في الزمان وإنما في المنهج؛ فعلى الرغم من علو القصور في زماننا، فإن قرارات الأنظمة المنبعثة من القصور الفارهة تعمّق الفقر ثم تتعجب من انتشار الفساد، فتبحث في تحسين مؤشرات مدركات الفساد، وتصدر قرارات وموازنات تفوق ردم هوة الفقر.

إن عدل عمر لم يكن القطب الموجه لمسار الأمة، بل إن الشعوب التي حكمها كانت تمتلك المعرفة الموجهة للعدل، وكانت تعرف حقوقها ولا تخشى الحاكم إن ظلم، لذلك كان الصلاح هو السمة الأبرز في العلاقة الإنسانية، بخلاف الوضع الراهن الذي لا يستقيم فيه الصلاح، فكيف ترقى أمة تصفق للطغاة وتسدن الذل، وتكافئ الفاسدين؟

المشكلة ليست في عدم وجود "عمر" يتناسب مع مقاييس العصر الحالي، بل إن الشعوب قاطبة ما زالت تعيش تحت وطأة الاستعباد، وتعشق الطغاة وتخشى الحرية، وتكره من يوقظها من سباتها وغفلتها

لا يمكن أن ننعم بالحرية التي ترتفع شعاراتها في ظل غياب المنهجية الدينية، ولا يمكن المطالبة بها دون إدراك بالثورة والثوار، ولا يمكن أن نبكي على الوضع في غزة وفلسطين بينما نوقع على التطبيع، ولا يمكن أن نلعن الفقر بينما نقتدي بالفاسدين، ونزكيهم بين الركوع والسجود.. ولا يمكن فهم العثرات إن كان في الآذان وقر وفي القلوب ران.

بين نهم السذاجة التي أغرقت المجتمعات العربية، تحول العقل العربي إلى ساحة معركة في دوائر ضيقة، تضيق بقصور وعيه وتتسع بالتبعية التي تقوده إلى مقصلة البلادة، وهذا ما يؤكده المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه "السيطرة على الإعلام"، إذ يقول: "إن أبسط طريقة للسيطرة على الشعوب هي توجيه وعيهم بحيث لا يدركون أصل مشكلاتهم الحقيقية"، إذًا، دفع العقل إلى السذاجة هو سلاح الغرب في تحطيم الأمة.

ويمكن قياس هذا التنميط في التحول الخطير في معرفة شكل العدو، الذي لم يعد حاملًا للسلاح، بل أصبحت عقولنا منصات استقبال والتقاط، أسرع من أفضل الرادارات تطورًا، لغث العدو الذي يتشكّل في مواقع ومنصات ترفيهية سرقت مداركنا، وصنعت لنا مشاهيرَ وهميين وسطحيين يروّجون العبثَ، ورسائل وخطبًا جوفاء تكرّس الفرقة لتبقينا في دائرة الاستسلام.

لماذا نخدع بسهولة اليوم؟

الفاروق لم يؤمّن نهضة الأمة بالمكر والخداع: "لستُ بالخبّ، ولا الخبُّ يخدعني"!. وفي المقابل لم يترك مجالًا لأحد أن يخدعه، فيما اليوم نرى أننا نُخدع بسهولة، فكثيرون منّا يصدقون بأن الزمن تغير وتبدل، وأصبح العدو صديقًا بعد أن طبّعنا معه، ونتجاهل بالنسيان وعزة الإثم أنه ما يزال يقتلنا!

ونصدق كذلك بأن الانحلال في الحواف والمتون هو تحرر، بينما هو تكبيل واستعباد بدون أغلال. ونصدق بأن الإرهاب يستوطن بلادنا فمن الضروري أن يحارَب بالطائرات الأميركية، ونصدق كذلك بأن الديمقراطية لا تتجلى إلا إذا عبرت من فوهة الدبابة الأميركية.. بعدها ندرك متأخرين بأنها الفوضى التي جاءت لصالحهم.

بمجمل تلك الأمور والظروف، فهي تأتي مكررة مع تحسينات صياغية فنسقط في الأخطاء نفسها، ونلدغ من الجحر مرارًا وتكرارًا، فهل نحن شعوب تهوى وتعشق السقوط ثم تبكي بكاء المؤجرة؟

لقد وقعنا في وحل "برمجة" الاختلال لإعادتنا إلى قبضة الاحتلال والسيطرة الغربية، وهذا ما شرحه وفنده المفكر الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه "الأمة المستباحة"؛ حيث إن الغرب لم يعد بحاجة إلى فرض هيمنته بالقوة الصلبة، بل أعاد البرمجة والتحديث وفق هندسة إجراءات سريعة من بوابة الاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم، وليس انتهاءً بالخطاب الديني.

فاقتصاديًّا؛ ما زلنا في مستوى استهلاكي يستقبل كل شيء، تقابله ديون ومعاهدات مجحفة وثروات منهوبة. وإعلاميًّا؛ يساق الرأي العام كالنعاج في منصات رقمية بإطارات موجهة نحو قضايا سطحية، بعيدة عن نكباته ونكساته.

ودينيًّا؛ تُشعل المنصات بالترويج لخطابين متناقضين: خطاب متطرف يقتل باسم الدين، ويتقاطع معه خطاب مستسلم يفرغه من أي بعد سياسي أو ثوري، بهدف عدم الإبقاء أو السماح لأي شيء إسلامي يقاوم الظلم، كما كان في عهد عمر بن الخطاب وصلاح الدين.

هل نحتاج إلى نموذج عُمَريّ؟

نسمع في الآونة الأخيرة من كثيرين عن إدخال النموذج الأوروبي أو الأميركي أو الصيني في الإدارة، وآخرون يبحثون عن الممارسات الفضلى لإنزالها برًّا وجوًّا وبحرًا في إدارة شؤون الناس، دون أن يكون هناك أثر من تلك النماذج والممارسات، بل زادت تصنيفات الفساد، وصُرفت الموازنات الباهظة على إعادة "الحصان الميت" إلى الحياة من خلال استبدال الفارس.

إذًا، المشكلة ليست في عدم وجود "عمر" يتناسب مع مقاييس العصر الحالي، بل إن الشعوب قاطبة ما زالت تعيش تحت وطأة الاستعباد، وتعشق الطغاة وتخشى الحرية، وتكره من يوقظها من سباتها وغفلتها، والأهم أنها لم تعد تُريد عُمَرَ!

يقول ابن خلدون في مقدمته: "إذا رأيت الناس يكثرون الحديث عن العدل، فاعلم أن الظلم قد تفشى"، فالعدل نسمعه ولا نراه "إني أسمع جعجعة ولا أرى طِحنًا"، والبغلة تعثر معها القطيع والقطعان، والأمة لن تدرك ولن تستدرك فتعيد بناء وعيها، بل تنتظر من يكتب نعيها، و

{إنّ الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم}.




هلال بن سالم الزيدي


الاثنين، 22 سبتمبر 2025

الحرية بين الحجر والتبر.. من كابل إلى أغادوغو

 الحرية بين الحجر والتبر.. من كابل إلى أغادوغو 

هلال بن سالم الزيدي

الكاتب: إن سر بقاء الإنسان والمحافظة على نوعيته مرهون بالعقل الذي يفكر 

خارج إطار ربقة الرهن لأجَل غير

‘أما نصر أو استشهاد".. تلك هي الحرية التي تعتق الإنسان من أغلاله، بل هي الروح المتدفقة نحو حياة فطرية لا تبيع تراب الأرض، لأن الأرض مقدسة بقدسية من عليها ضمن منظومة تعاقب الأجيال.

"ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر".. ذلك هو من حفر قبره قبل أوانه، لأنه سلّم بإرادته لأن يكون مخلفات يُردم بعضها فوق بعض، ليصبح رهينا لـ"محبسين" وضع نفسه في تلابيبهما وضاع في صحراء التيه، مستبدلا إنسانيته الفطرية ليتحول من إنسان حر إلى تابع لم يستطع الرجوع إلى أصله، ولم يتمكن من التعايش مع وضعه.

إن سر بقاء الإنسان والمحافظة على نوعيته مرهون بالعقل الذي يفكر خارج إطار ربقة الرهن لأجَل غير معلوم، فالعقل هو المقود الذي يجعل الحرية جوهر البقاء والاستمرار، وهو الذي يبعدها عن الاعتقاد بأنها- أي الحرية- ترف سياسي يُرسم شعارا انتخابيا عند الحاجة.

يقول الكاتب والإعلامي أحمد فال الدين في مؤلفه "حجر الأرض": الأفغاني يفضل أن يُدفن واقفا على أن يعيش راكعا، فالأرض عنده ليست تربة فحسب، بل هي عقد أزلي بين الدم والتراب"

حجر الأرض

ما زالت الذاكرة الحرة تسجل مشهد طائرة النقل العسكرية الضخمة (Boeing C‑17 Globemaster III)، التابعة لسلاح الجو الأميركي أثناء تحركها من مطار "حامد كرازي الدولي" في كابل، وقد تشبث عشرات الأفغان بجوانبها؛ ظنا منهم أنها بداية طريق الوصول إلى الخلاص المجهول.

في 16 أغسطس/ آب 2021، سقطت كابل في أيدي الدولة الإسلامية وأمراء "العمائم المظفرة"، على حد وصف الكاتب والإعلامي أحمد فال الدين.

حينها، تمكنت الحرية من تملك زمام الأمور في أرض لم تعرف إلا لغة الدم والبارود، فانتحر على أبوابها أعتى وأشرس احتلالين لأكبر إمبراطوريات العالم، وكما قال شكيب أرسلان: "لو لم يبق للإسلام في الدنيا عرق ينبض، لرأيت عرقه بين سكان جبال الهيمالايا والهندوكوش نابضا، وعزمه هناك ناهضا".

حينها، تناثر ماء النظام الدولي وانكشفت سوءاته المتكررة، كما ظهرت جثث وأشلاء على الأرض فيما بعد، فالاعتقاد السائد آنذاك هو الهروب من هيمنة طالبان إلى الهيمنة الكبرى الأكثر رسوخا، والتي لا تُعرف وجهتها وتوقيت وصولها؛ لأن الخوف كان سيد الموقف.

يبقى النموذج الأفغاني الأكثر هيبة وحضورا في وضع جيوسياسي معقد، فالأفغاني بفطرته مقاتل شرس، لا يمكن أن يرضى بالهوان والذل، لأنه آمن بأن الدماء ترخص في سبيل الحرية، والتراب أثمن من دولار جاء على طبق مؤجل السداد.

يقول الكاتب والإعلامي أحمد فال الدين في مؤلفه "حجر الأرض": الأفغاني يفضل أن يُدفن واقفا على أن يعيش راكعا، فالأرض عنده ليست تربة فحسب، بل هي عقد أزلي بين الدم والتراب".. فذلك هو النموذج الذي برهن للعالم بأن الأرض لا تتحرر بالبيانات وعبارات الشجب التي اتسع خرقها، فاستعصى الخرق على الراتق.

على الرغم من اختلاف الجغرافيا في بعدَيها الزماني والمكاني، بين نموذج تحرر أفغانستان من السوفيات والأميركان، وتحرر بوركينافاسو من القيد الفرنسي، فإن الهدف واحد، وهو الخروج بشموخ وكبرياء من عباءة الهيمنة الغربية، التي فهمها الأحرار الذين كتبوا التاريخ بدمائهم، فيما انطلت تلك الهيمنة على المستعبَدين الموالين للدولار، الذين تركوا للآخرين أن يكتبوا عنهم، فلم يكن لهم قرار، بل سيقوا إلى مستقبل مرسوم لهم.

أربعون عاما أو ما يزيد هي الفترة التي قضتها أفغانستان للتخلص من هيمنة الاحتلال السوفياتي (1979ـ 1989)، ثم الاحتلال الذي فرضته أميركا وحلف الناتو (2001ـ 2021)، إلى أن وصلت إلى حكم إسلامي يتعثر بكثرة العقد السياسية في الاعتراف الدولي به، إلا أنه لم يسلم نفسه لقمة سائغة.

وفي ذات الوقت، ها هو يبني نفسه بأن يكون نموذجا للتقدم الاقتصادي والثبات السياسي، ضمن موقع إستراتيجي في قلب آسيا الوسطى، وعقدة الوصل بين الصين وباكستان، باعتبار أفغانستان إحدى الدول التي ستجني ثمار "الحزام والطريق الصيني"، إلى جانب امتلاكها احتياطيات ضخمة من النحاس والليثيوم والنفط والغاز.

وبشهادة كثير من المختصين، فإن أفغانستان سددت كافة ديونها، ووضعت نفسها في طريق الاستقلال كدولة إسلامية تحت حكم طالبان، وباحثة عن اعتراف دولي وفق ما تراه من مقاييس لذلك.

يقول د. حياة الله عتيد، وهو مستشار دولي في تطوير المواهب: ستكون أفغانستان أغنى من كل دول الخليج إذا تُركت لنا إدارة البلد لنمشي كما نحن الآن، ونكمل بما لدينا، وستساهم مؤسساتنا الخيرية في تنفيذ مشاريع الأعمال الخيرية في البلدان الفقيرة".

إن العبرة من ذلك هي في التحول الكبير الذي تشهده أفغانستان كنموذج يتجاوز المتوقع، من تقديم الدم والمقاومة إلى وضع اقتصادي متفاعل مع العالم بقوة قراره السياسي، شريطة عدم التدخل وشق الصف بين وحدته، وعدم السماح بإضعاف النموذج الإسلامي الذي يجب أن يسود، فهل سيكون هذا النموذج مستقرا وقادرا على الصمود؟

إن ثقافة الخوف من القوى الاستعمارية (الغرب) تحولت من هاجس سياسي إلى أداة تسلط وقهر مزدوجة المواقف، دفعت الدول المشوهة إلى اعتناق التسليم بدون مواجهة

ذهب الحرية

هناك، في قلب غربي أفريقيا، تعيش بوركينا فاسو حبيسة بدون منفذ بحري، تحدها من الشمال مالي، ومن الشرق النيجر، ومن الجنوب الشرقي بنين، ومن الجنوب توجو وغانا، ومن الجنوب الغربي كوت ديفوار (ساحل العاج). وهي دولة طابع سكانها شبابي تحت سن الـ18 سنة، وهي نقطة وصل إستراتيجية بين الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى.

في سبتمبر/ أيلول 2022، دخل إبراهيم تراوري التاريخ بانقلاب أطاح بالنظام الموالي لباريس، لينقل بلاده من نظام حبيس ومكبل إلى نظام يكسر قيود التبعية الاستعمارية، لتكون واحة متمردة تعيد توجيه بوصلة التحالفات نحو الشرق، وتكون الثروات المتمثلة في الذهب (80% من صادراتها) الأداة التنموية للبلاد، ويوقف نهبها من الشركات الفرنسية.

لطالما كانت فرنسا، "الأم الناعمة الحنون"، تمتص رحيق الذهب واليورانيوم من بوركينا فاسو باستعمار مقنع منذ 1960، إلا أن استرداد الحقوق من تلك الأنياب التي تبتسم في شكلها لم يكن بالشيء السهل، بل تشكل بثورة عسكرية قادها شاب لا يتجاوز عمره 34 عاما، رافضا التبعية الفرنسية، ومتجها نحو بناء تحالفات بديلة عبر روسيا، والصين، وتركيا، ودول الخليج العربي.

إن قاعدة تراوري مبنية على أن تكون الثروة وسيلة للتحرر لا للتعبية والاستنزاف، حيث تناقص الاعتماد على المساعدات الفرنسية من 45% إلى 12%، أي إنه تحلل من قيود القروض وهيمنتها التي لا توجِد بلدا متقدما، مهما كان ظاهرها أو عوائدها على الطبقات الحاكمة ومن حولها.

بين كابل وواغادوغو ثمة تناص في النص وتشابه في الحواشي والمتون… هناك، بين تجليات القيادة التحررية يقين تام بأن طين الأرض يتماثل ويتوافق مع طين الإنسان، أو أنه هو ذاته؛ فالتحرر العسكري لا يكفي إن لم يتبعه- وبقوة- قرار سياسي حازم، يتكئ على وعي جمعي يحمي الإنجاز، وينهض كطائر الفينيق من رماد محرقة الاستنزاف، وانعكاسات قروض البنك الدولي، التي تلمع كالذهب في ظاهرها، بينما هي أغلال مستترة بعيدة المدى.

إن الحريات، بمختلف توجهاتها، لا تُمنح على طبق من ذهب أو سجاد "أحمر" يُفرش لمرور الأحذية الملمعة عليه، بل هي شرف يُنتزع بالقوة!

إن ثقافة الخوف من القوى الاستعمارية (الغرب) تحولت من هاجس سياسي إلى أداة تسلط وقهر مزدوجة المواقف، دفعت الدول المشوهة إلى اعتناق التسليم بدون مواجهة، بل جعلتها رهينة محبسين: محبس الذل السياسي ومحبس التعبيد الاقتصادي، لتكون مرهونة بصكوك لا تنفك عقدتها للتوجهات الأميركية والغرب أجمع، فلا تستطيع إيقاد شمعة لبناء تحالف خارج عن تلك الهيمنة، فهم عبيد في سوق الرأسمالية المعولمة المقيتة.

إن الحريات، بمختلف توجهاتها، لا تُمنح على طبق من ذهب أو سجاد "أحمر" يُفرش لمرور الأحذية الملمعة عليه، بل هي شرف يُنتزع بالقوة! فتلك أفغانستان علمتنا أن الدم يغلب السيف، وهذه بوركينا فاسو أثبتت أن الاقتصاد يكسر الهيمنة، فالدول التي تنام على محبسيها تبقى تدور في فلك الغرب، خاضعة لتصرفاته، مكبلة بديونها التي لم تستطع التحرر منها، ولن تستطيع.

ثمة شعور بالحرية عندما تتخلص الأرض من دنس أقدام الاحتلال، وتتحول إلى طهر أصحاب الأرض، وقد قال أحمد فال الدين: "حين يخرج آخر جندي أجنبي من أرضك، تبدأ أول خطوة نحو استعادة نفسك".

فهل نحن أمام ولادة حيوات جديدة، تتحرر فيها الشعوب من أنياب الإمبراطوريات المهلكة للحرث والنسل؟ وهل يمكن أن نطلق على أفغانستان اسم "مدرسة الدم والمقاومة"، وعلى بوركينا فاسو "مدرسة الاقتصاد والسياسة"؟ وهل يمكن اعتبار النموذجين خريطة انعتاق للشعوب للخلاص من محبس الذل ومحبس التعبيد؟


انشغال الأمة.. والنخوة المتعثرة




الجمعة، 28 يونيو 2024

انشغال الأمة.. والنخوة المتعثرة

 

انشغال الأمة.. والنخوة المتعثرة


في كل يوم وفي كل لحظة من لحظات الخلاف المحتدم بين مكونات القومية الإسلامية، بدءًا من تقاطعاتها المذهبية وتشظياتها الطائفية، وليس انتهاءً باختلاف مطالع الأهلة لديها، مرورا بثورة الانفتاح على ثقافة التطبيع وتكوين التحالفات المناهضة لأي شيء يحرر الإنسان من ربقة التبعية، ووقوفًا على حالة الانشغال المبنية على صمت مطبق يحير العاقل لما يحدث من سفك للدماء، وتجويع للإنسان، على مرمى حجر من موائد ممتدة بما لذ وطاب، وأسلحة تحمي الديار والصبيان.. بذلك جزئيا أو كليا تنشأ تساؤلات محيِّرة.

إن التساؤلات المليئة بعلامات التعجب لم تبرح مكانها، وإنما متجددة بتجدد السلوك الهمجي والانتهاكات الصارخة لإسرائيل على أراضينا المقدسة، ومتعمقة بتعمق السكون المفتعل من قِبل مَن يُنتظر منهم إغاثة الملهوف، فهي استفهامات تختلط مع واقع المسرح السياسي (المنظم)، الذي لم يسجل حتى اللحظة أي شيء يذكر تجاه الطفلة التي ماتت جوعًا، والشيخ الذي قتل غيلةً، والثكلى التي شُطر قلبها، والجماعات التي هجّرت قسرًا، فالأنظمة وساساتها دسّوا رؤوسهم في رمال الطاعة الغربية، باحثين عن آمال وطموحات خاصة جدًا، فلم تدرج قضية الشرف في أولويات انشغالهم، أو ضمن رُؤاهم وخططهم الاستراتيجيّة.

المخططات تتبلور بقوة خاصة بعد شماعة الإغلاق، التي علّق عليها الجانب العربي بأن الظروف السياسية غير مواتية لفتح معبر رفح، تحت ذريعة وجود قوات الاحتلال، وهذا يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة التجويع والوقوف باستماته ضد إدخال المساعدات الإغاثية

هناك، وتحت ستار القوى العظمى، ومع استمرار القصف الإسرائيلي على غزة ورفح، ومداهمات طالت معظم القرى الفلسطينية، وغطرسةٍ سياسيةٍ نادت بالتهجير والإبادة بشتى صنوفها، تتجه الأنظار -وبحسب اتفاق جميع التحليلات السياسة- إلى تنفيذ مخطط إلغاء معبر رفح، واستحداث معبر جديد يشدد الخناق على غزة، إلى جانب التحوّل إلى معبر كرم أبو سالم الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، درءًا للانتقادات الدولية؛ وذلك ضمن منهجية عزل القطاع بأكمله عن العالم، وإحكام السيطرة على المنافذ والمعابر التي تُعتبر المتنفس الأهم لدى سكان القطاع؛ بغية إجبار المقاومة على الاستسلام والرضوخ للاملاءات والشروط الأمريكية والإسرائيلية.

تلك المخططات تتبلور بقوة خاصة بعد شمّاعة الإغلاق، التي علّق عليها الجانب العربي بأن الظروف السياسية غير مواتية لفتح معبر رفح، تحت ذريعة وجود قوات الاحتلال، وهذا يسير جنبًا إلى جنب مع سياسة التجويع والوقوف باستماته ضد إدخال المساعدات الإغاثية، مع ارتفاع نبرة النداءات المستمرة من قبل المنظمات العالمية الإنسانية والحقوقية المنددة بخطورة الأوضاع الإنسانية في غزة، والتي لَمَّا تجد أي أذن صاغية بعد.

في الجانب الآخر الذي ليس ببعيد، تشتد تحركات وضربات الجنوب اللبناني تجاه إسرائيل كردة فعل عسكرية تجاه ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة، وتحتدم المناوشات الحدودية، وليس آخرها عملية هدهد حزب الله وضربات حماس، وبالتأكيد.. تلك التحركات تتماشى مع الجبهات الأخرى في سوريا والعراق، التي تأتي خجولة نظرًا لطبيعة الأوضاع السياسية الصعبة، والتي تستخدمها أميركا كورقة ضغط تجاه تلك الجبهات لتقويض مبدأ الوقوف مع قطاع غزة وما يحدث في فلسطين.

إلى جانب ذلك تبرز جبهة اليمن التي لعبت دورًا محوريًا في إنهاء فكرة السيطرة الأورو-أميركية على المسارات البحرية، ودفعت ببصيص أمل نحو الشعور بالقومية الإسلامية، وفضح المتصهينين العرب الذين يمولون إسرائيل من أموال الفقراء، باعتبارهم العنصر الفاعل في التحالف الجديد، وهم ذاتهم المنشغلون عن واقع القضية الفلسطينية الذي يناصر فكرة المقاومة وإنهاء مسلسل التهجير والإبادة.

إن انشغال النخب السياسية بأموالهم وأهليهم، وطغيان الكِبر المولد للوهن والضعف، والابتعاد عن جوهر الواقع والمصير، أثر بشكل كبير في الانشغال المجتمعي الذي أصبح لا يَعرِف له مكانا أو موقفا واضحا تجاه مبدأ القضية المصيرية لقلب الشرق الأوسط

مع ذلك كله؛ يتوالى مسلسل الانشغال عن فلسطين، منذ القرن التاسع عشر الميلادي إبان الدولة العثمانية ودخولها في مرحلة الضعف -أو مرحلة الرجل المريض كما وصفت- وحتى اللحظة، وفق تقسيمات الدول الحديثة ومساراتها، التي لم تخرج من نخوة متعثرة تدور حول حماها المرقوع بكثير من التنازلات والتحالفات المفضية إلى تقويض فكر المقاومة.

الأطماع الصهيونية التي لم تعد سرية، وهي التمدد من النيل إلى الفرات عبر التوسع في بناء التجمعات الاستيطانية التي بدأها روتشيلد عام 1883م، عبر شركة الاستعمار اليهودي في فلسطين، لتكبر فكرة "تل الربيع" أو تل أبيب فتكون عاصمة الكيان، وتصل إلى أبعد من ذلك، ويقيّض الله لنا أن نعيش فترة الانشغال حتى نرى بأم أعيننا ما يحدث من تجويع وحرب إبادة، يشترك فيها الأقرباء قبل الغرباء فتسقط ورقة التوت، ويحترق غصن الزيتون الذي يمتد تارة وينفصل تارات كثيرة.

إن انشغال النخب السياسية بأموالهم وأهليهم، وطغيان الكِبر المولد للوهن والضعف، والابتعاد عن جوهر الواقع والمصير، واستفحال مرض القلوب المغشية بالران، والعقول المزدوجة في التفكير عن فلسطين، والذي بات أقرب إلى أن يكون انشغالا ممنهجا ومتعمدا، أثر بشكل كبير في الانشغال المجتمعي الذي أصبح لا يَعرِف له مكانا أو موقفا واضحا تجاه مبدأ القضية المصيرية لقلب الشرق الأوسط؛ إلا ما رحم ربي من نداءات نسمع صداها ودويها على خجل.

بل حتى هذه النداءات الخجولة ما تلبث أن تذهب أدراج الرياح عند الإجراءات الأمنية المشددة، أو الدخول في مرحلة الإنهاك المتسلط الذي يوجه نحو المساومة على خبزه وأمنه، ناهيك عن أموال الفقراء التي تلملم ذل السؤال وترتبط في دورانها الديني؛ لتصل إلى وسيلة لشراء آلة عسكرية تهدد حياتهم وحياة الآخرين ضمن منظومة الجباية السياسية أو العيش بالمقابل.

وعلى شاكلة ذلك تخمة التنديد التي تفننت فيها الأنظمة المستحكمة (داخليا)، وجاءت في شكل بيانات واستنكارات وشجب لم تغن شيئا، ولم يصاحبها قرار سحب أو إغلاق دبلوماسي، أو حتى إجراء فض شراكات فوق الطاولة وأسفلها، فهذه التنديدات ما تلبث أن تخفت، خاصة إذا ما تحدثنا بصوت ميزان القوى، أي تلك التي تمتلك الكلمة والحضور بثقلها التاريخي القديم، وضعفها الجديد المتواري خلف أحجبة الحياء السياسي، نظير حفنة من دولارات تثبت مسامير الحكم المتهالك والمتقاطر؛ خنوعًا لمجريات تتقاطع مع المصالح الإنسانية لشعب يريد الحياة كغيره من الشعوب وفق الحقوق الكونية.

فرّط المسلمون بانشغالهم عن أحد المكانين الأقدس، اللذين من الواجب ألا ينفصل أحدهما عن الآخر، من حيث فكرة التعبد وتعظيم الشعائر حول تلك المقدّسات، ولعلّ هذا التفريط والانشغال مرده إلى مرحلة الانغماس، التي تلوث فيها المجتمع الإسلاميّ بثقافة الاختلاف

حتى منظمة التحرير -أو السلطة الفلسطينية- التي طال صمتها وانشغالها، لم تتقن حتى البكاء على اللبن المسكوب، بل إنها أزاحت الستار عن عدائها لحركات المقاومة الأخرى، لا سيما غريمتها (حركة حماس) التي لم تكن يومًا الثور الذي يؤكل كما أُكلت هي.

لقد فرّط المسلمون بانشغالهم عن أحد المكانين الأقدس، اللذين من الواجب ألا ينفصل أحدهما عن الآخر، من حيث فكرة التعبد وتعظيم الشعائر حول تلك المقدّسات، ولعلّ هذا التفريط والانشغال مرده إلى مرحلة الانغماس، التي تلوث فيها المجتمع الإسلاميّ بثقافة الاختلاف، والجنوح إلى فكرة التسليم بقائمة الاملاءات التي شابتها شوائب التكفير والبحث عن الذات بين أحضان الإمبريالية الغربية.

يقول الشيخ متولي الشعراوي: "أرى أن الأمة الإسلامية هي التي جرّأت خصومنا على إهانتنا، ولو أنها عرفت فينا حمية تقف أمام هذا الزور والبهتان لما اجترأت على ذلك، وأحب أن أستتيب أمتنا وأستتيب أمة الإسلام في كلّ الأقطار أن ترجع إلى أحضان ربها، إن أرادت أن ينصرها الله؛ لأنه تعالى قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المَنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون}.

إن رأينا جند الإسلام قد انهزم في أي معركة فاعلموا أن شرط الجندية قد اختل، اختل شرط الجندية في أُحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ومع ذلك نالهم ما نالهم من هزيمة، لم يشفع لهم في تخلف قانون الجنديّة عندهم أن رسول الله بينهم، ولم يُؤذَ رسول الله في معركة مثل ما أوذي في أُحد.

السبت، 23 مارس 2024

هل أتاكم نبأ المدينة؟

 هل أتاكم نبأ المدينة؟


هل أتاكم نبأ المدينة التي تجدد أنسنتها في محيطها حتى سابع جار في كل الاتجاهات والمواقف؟ المدينة التي خالفت قواعد الأنسنة التي يراد لها أن تستمر وفق سياسة التذلل والتردد والتبعية، المدينة التي أعادت نفخ الروح في الجسد المسجى على أبواب التسول عند البيت الأبيض وباكنغهام وشوارع الإليزيه وحائط بيليفو برلين، المدنية التي لم يأتها رزقها رغدا من كل باب أو بالأحرى المدينة التي أصبحت تعيش الدمار على شاطئ غير ذي زرع بجوار المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. المدينة التي حاولت أن تعيد فلسفة البناء الروحي لقلبها النابض على عمق يزيد عن 50 مترا تحت الأرض، المدينة التي أرادت تغيير جملة من التحيزات الفكرية في فهم ما يدور في العالم من سيطرة رأسمالية وسطو راديكالي ونهب فاشي واعتناق ليبرالي وتعصب شوفيني والتخلص من الأساليب الديماغوجية وفك ربقة التحكم وفق النظرة المكيافلية، فتلك هي المدينة التي تأنسن نفسها على فصول الحرب وثورة التحرر وفق قوة إيمانها وسمو مبدئها.

نعم إنها المدينة التي لا تشبه مدينة موستار الواقعة جنوبي البوسنة والهرسك التي عملت على محو آثار الحرب بين عامي 1992 و1995 عبر الفرشاة والألوان، وبالتأكيد فهي لا تشبه كذلك كابول أو قندهار اللتان خاضتا أشرس حربين مع الروس والأميركان، بل هي المدينة التي تشبه نفسها ولا تتماثل مع مدن أخرى من ناحية إنسانية وعقائدية، هي المدينة التي تتغير رائحتها مع كل شهيق وزفير لصدر غزي، هي المدينة التي جاء رجل من أقصاها فقال: يا قوم اتبعوا الذين لا يسألون عن الأجر والمال ولا يريدون جاه الدنيا.

هناك ومن بين الأنقاض ثمة شرف يغزل ليواري سوءات الهوان والخضوع، وهناك ومن بين الحطام وأشلاء المرابطين ثمة كرامة تُعضد بغصن الزيتون

عندما تتفرد منطقة في محيط واحد بشيء عن أخرى فتلك هي الميزة التي تجعلها في أفق الرؤية، وعندما يتوسع هذا التفرد فتصبح تلك البقعة حاملة روح المقاومة في سبيل إعادة شيء من تاريخ وحضارة الأمة فتلك هي الرسالة والحديث المتواتر في كل كلمة وجملة من السجع إلى الطباق إلى الجناس اللغوي إلى التماثل والتشبيه، فتكون الجغرافيا بؤرة الاسقاط لكل تصرف أو حادثة في المحيط الإنساني ومضربا للمثل، وتصبح المدينة وأنسنتها وجه المقارنة ومعاييرها حتى مع مختلف المتناقضات التي أيقظت الكثير من الضمائر المتصلة والضمائر المنفصلة، والضمائر المنسوخة والممسوخة، لأنها بكل بساطة مدينة صانعة للحاجة وكل شيء فيها قابل للتدوير وأن يكون ناطقا بشرفها وشرف أمة بات على شفير الهاوية، فأيقظت الغافلون من هلوسة المارد الذي لا يقهر.

هناك ومن بين الأنقاض ثمة شرف يغزل ليواري سوءات الهوان والخضوع، وهناك ومن بين الحطام وأشلاء المرابطين ثمة كرامة تُعضد بغصن الزيتون، وهناك ومن بين خط الحياة الرفيع والمغادرة للالتحاق بركب الشهداء ثمة فتيل يوقد من شجرة مباركة، وهناك وفي كل شبر ومع كل شهيق يقين بالنصر الذي يضيئه نور الحرية ولو لم يمسسه بارود ونار، وهناك وعلى مسافات من سطح الأرض ثمة خطط وحصص تدريبية لما تكتب بعد في مقررات أكبر الجامعات، ولم تدرس في أشهر الكليات والميادين العسكرية.. وهناك ومن على منابر الفعل ثمة لثام يغطي عنفوان الرجال لتكتب قصص لجنود مجهولين همهم إعلاء شوكة الإسلام دون بروتكولات منصات الخطابات الإنشائية والكلام المعاد.

لم تكن أحداث طوفان الأقصى الفاصل الزمني الذي يؤرخ لامتداد حقبة الاحتلال والاستعمار الغربي المنتهك للحقوق المرتبطة بالمعتقد الديني التي لم تنفك توقفا أو احتراما للآخر، ولم تكن تفاصيل الإبادة وصورها ذاكرة رقمية تمسح بضغطة زر واحد أو كما يسميه البعض "حبة خشم" وينتهي مسلسل التسلط والظلم.

هناك طفل لا يفطم على حليب سائغ الشراب، بل طفل بلغ الفطام بهمة رجل رضع البارود فرأى المستقبل بكل تفاصيله فعرف واجبه، فخر له الجبابرة خائفين، وهناك أم حملت فاجأها المخاض على أزيز الطائرات ودوي القنابل وهي تتستر بلباس الصلاة فنذرته محرراً وقرة عين لتلك الحياض، وهناك شيخ يرفع الحطام ليبحث عن إنفاس متجددة فيعيد فيها ثورة الحرية وبقاء المبدأ؛ "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد للقيد أن ينكسر". وهناك شاب سدد رميه عبر بندقية "الغول" فكان الحصاد كثيرا ووفيرا، فكبروا خلفه محرمين "فإما مناً بعد وإما فداء" حتى تضع الحرب أوزارها، وعلى مقربة من تلك العراص المزهوة برائحة النصر هناك أسماء تهز الكيان إن لاح طيفها نثرا وشعرا قصدا كان أم سهوا،أسماء ا-ل فهناك السنوار والضيف وأبو عبيدة وغيرهم الكثير ممن إذا قالوا فعلوا، فلا ترهقهم بروتوكولات الظهور وألوان السجاد، ولا يلقون بالا لثغاء النعاج.

أما هنا فالأمر يسير بين وتيرة رتم الحياة المليئة ببذخ الأقوال، وتواضع الإحساس عند الأفعال، فالعامة يدفعون بسلاح المقاطعة التي أدركها الطفل قبل الكبير حتى شكّلت منطقه الإسلامي وانتماءه الروحي تجاه ما ينقل إليه، وهنا القلوب مختلفة وبعضها مختلة عن واقعها لانشغالها بنظرية الوفرة: أي وفرة وكثرة القضايا المطروحة بداعي الانشغال عن الأصل، وكل المطروح هدفه تشتيت التركيز وتمييع الفكر ورفع التوافه إلى مصاف القدوات، وهنا جملة من المتناقضات التي لم ترفع شأن الفرد ولم توحد توجه الجماعة، إلا ما رحم ربي. لذلك فإن الجميع يعرف ماذا نقصد ب"هناك" كذلك يعرفون ويدركون القصد ب"هنا"، وشتان بينهما.

لم تكن أحداث طوفان الأقصى الفاصل الزمني الذي يؤرخ لامتداد حقبة الاحتلال والاستعمار الغربي المنتهك للحقوق المرتبطة بالمعتقد الديني التي لم تنفك توقفا أو احتراما للآخر، ولم تكن تفاصيل الإبادة وصورها ذاكرة رقمية تمسح بضغطة زر واحد أو كما يسميه البعض "حبة خشم" وينتهي مسلسل التسلط والظلم، ولم تكن العلاقة بين العرب والغرب مختلفة أو متغيرة عن أنماط الاستعباد والاستبداد الغربي ونظرتهم الدونية لأصحاب البشرة السمراء أو رعاة الأبل، ولا يمكن التكهن بأن الأنظمة استطاعت أن تُرضع مجتمعاتها من الخوف والذل في مهدهم ليتربوا عليه كيفما أرادت تلك التوجهات، ولا غرابة في أن نصل إلى مرحلة الإسفاف المعرفي عندما نجعل وسائل التواصل الاجتماعي مرجعا أو نافذة توثق الحالة الراهنة لأوضاعنا اللإنسانية وبها نقيس قوة الأجيال وتوجهات النخب، مع يقيننا التام بأن ذلك الكيل الكثير من المعلومات والبيانات الهزيلة  تعتمد في ظهورها وبلوغها "الترند العالمي" على لعبة الخوارزميات وتحكم العقل البشري فيها.

في السابق كان أصحاب الفكر أو ما يعرف بـ طلاب العلم هم الذين يقودون ثورات التنوير وتوجيه الجماهير نحو الإحساس بحقوقهم التي رزحت تحت نير الاغتصاب والاحتلال، أما الآن فهل توجد فئة أو نخبة تقوم بذلك الواجب تجاه الشعوب؟ وهل الاستعمار بدوره المستبد في أبعد تصنيفاته أوجد له بديلا بوضع النظام الوكيل الشرعي له وابتعد عن بؤرة الصراع؟

ثمة أسئلة تراود الحقيقية عن نفسها، كيف ستواجه دول المؤامرة فكرة التمدد الإنساني لو توسعت رقعة المعاناة والألم والجوع من قطاع غزة ليس إلى القدس والضفة الغربية فحسب وإنما إلى الطاولة التي تدبر فيها المؤامرة وإلى ما وراء البحار حتى الرجاء الصالح؟ ماذا يحدث لو تمرد الواقع على النظريات الافتراضية الرقمية، وخالف مناهجها وما تعد له من عدة؟ ماذا لو قطع دابر الذين شيدوا قصور المؤامرة وجاءهم الهلاك بغتة؟ ماذا لو فرض الذكاء الاصطناعي نفسه سياسيا لتتحول رمزية الحكم والملك من واقع إلى أيقونات افتراضية تدار من على بعد؟

بكل تأكيد تحرص الأنظمة الوضعية المحافظة على مصالحها بما يضمن لها البقاء والتحكم في ثروات الأوطان، وتوجيه المجتمعات نحو التبعية التي لا يمكن أن تفكر في الثورة أو التعبير عما يجثم على صدورها، فالتوجيه نحو فهم الواقع من حيث قوة إدارة الجماهير وتكريس شعبية القانون والأنظمة التي تكفل أدنى الحقوق وفلسفة الأمان بدون مقابل، زادت من مسارات التوافق التي يعتقد أنها تسير وفق تراض بين الطرفين، وهذا ما تؤطره نظرية الندرة التي تدفع أصحاب الحقوق إلى التفرغ التام لقضيتهم المصيرية (الجوع / الشبع) باعتبارهم الشيء النادر الذي لا يتكرر، فيما تكون فكرة التشتت الحافز نحو تجاهل ما يحدث على حدود الجيران والانشغال بالوضع الداخلي بطريقة انهزامية أكثر منها نظامية، أو تدفع إلى إيجاد مراجعة مجتمعية حتى في ظل وجود التحزب المجتمعي والحوكمة المؤسسية.

في السابق كان أصحاب الفكر أو ما يعرف بـ طلاب العلم هم الذين يقودون ثورات التنوير وتوجيه الجماهير نحو الإحساس بحقوقهم التي رزحت تحت نير الاغتصاب والاحتلال، أما الآن فهل توجد فئة أو نخبة تقوم بذلك الواجب تجاه الشعوب؟ وهل الاستعمار بدوره المستبد في أبعد تصنيفاته أوجد له بديلا بوضع النظام الوكيل الشرعي له وابتعد عن بؤرة الصراع؟ لذلك لم يقدم لطرفي الصراع (النظام وشعبه) أي ملامح يمكن التريث في دراستها أو إعادة شيء من معاهدات التفاوض لتنظيم تلك العلاقة، لذا كان الوكلاء على الاحتلال أكثر حرصا على الحفاظ على صيرورة الحالة التي أجازت لهم توزيع الثروات، مع الوضع في الاعتبار مراعاة مصلحة المحتل حتى حين.

لا تبحث نساء غزة عن آخر صرعات الموضة في عيشهن ولباسهن، فالموضة عندهن هو أن يدنين عليهن من لباس الصلاة ليسترهن عندما ترتقي أرواحهن إلى سماء الشهادة، لأن القصف إذا جاء لا ينتظرهن لالتقاط صورة تزيد من عدد المتابعين لهن، فهل حقا أتاكم نبأ المدينة ومن فيها؟