الجمعة، 11 سبتمبر 2026

عندما يُختلس التاريخ!

 عندما يُختلس التاريخ!

هلال بن سالم الزيدي

بناء الحضارة لا يكون بين عشية وضحاها.. واستجلاب التاريخ عنوة وإسقاطه على بقعة أو بين فئة تبحث عن هويتها لا يقبله العقل ولا المنطق.. حتى وإن تراخى صاحب الحق لظروف مرحلية عن شيء من حدوده، فلا يعني ذلك بأنه مال سائب.. فما كتُب بالدماء لا تمحيه “رغوة” المال.. ولا تفصله الأسلاك الشائكة ولا توثقه “كاميرات المراقبة”.

في كثير من الأحيان تتجه “الدويلات” إلى لفت انتباه العالم عبر الدخول في معترك مع “الكبار”، فتحاول بكل ما أوتيت من آلة إعلامية وأبواق مأجورة الترويج لأفكار تخالف المنطق من حيث عين الناظر، وتتقاطع مع الواقع في الحلة التي ترتديها فتبدو فضفاضة مائعة في كل تفاصيلها بمقياس الحضارة والتاريخ، والأكثر من ذلك فهي تتعاكس مع ما دوّنه المؤرخون باختلاف انتماءاتهم، وذلك بهدف طمس الحقائق وإيجاد مجدٍ حضاري تُسقط عليه انحيازها السياسي المتكئ على إملاءات من أطراف وهبتها مكانة نظير انبطاحها وتقديم ثرواتها المادية قرابين لنيل الاستقرار الموعود، لذلك تراها متخبطة المواقف، لا أثر لها إلا  السير عكس التيار من مبدأ خالف تعرف.

إن التجييش الإلكتروني وأنماط الابتزاز الذي تقوم به بعض ممن يُطلق عليها “دويلات” خرجت عن ترابط المألوف ووشائج القربى، وتحولت إلى أطماع مسعورة تبحث عن شيء يشتت الانتباه تجاه الإخفاقات المتتالية في المشهد العربي قاطبة، وتحاول جاهدة أن تبرهن على تواطؤها المستمر وسقوطها في براثن الكيل بمكيالين بالزج بين الفينة والأخرى بالتاريخ وتعمد تزوير الحقائق التي تجسدت مع كل زفير وشهيق على هذه الأرض، إلا أن ذلك المنحى لا يغير في حضارة تشرّب أبناؤها بأصالتهم وعرفوا مجدهم قبل أن تتشكل تلك “النطفة” التي شدّت مئزرها لتقوم في جنح الليل برسم مخططاتها وإشعال فتيل السطو لتشم ريحه أو ربما يخيل لها ذلك.

إن أكبر دليل على سرقة التاريخ تلك المتجسدة في اليهود وسطوهم على فلسطين، إذ إن الفكرة منبعها توجه يهودي يُجسد عبر شخوص نذروا حياتهم وأموالهم لذلك الامتداد المغتصب، إذًا فكرة اغتصاب الحقوق من أصحابها تعود إلى أوضاع أصحاب الحق والتاريخ، لذا فمن المفارقات أن هناك لم يجدوا قوة تردعهم وتوقفهم عند حدهم، أما هنا فالأمر مختلف بالمجمل حتى وإن ترفّع أبناء الوطن عن الدخول في مهاترات “أحقية التاريخ” إلا أنه لا بد من وضع النقاط على الحروف وتصحيح الفهم القاصر الذي تلبّسهم جراء رغبتهم في تقليد فلسفة صهيونية همّها الوحيد أن يكون لديها كيان تعبُر به إلى حضور دولي يرتكز على حضارة وهمية تتناثر عند هبوب رياح الواقع وإثباتات المكين والمكان، وهذا لا يستطيعون عليه حملا.. فمن اعتاد على الاختلاس فلا راد له إلا تعريفه بمقاسات حجمه وأصله.

من يعتقد بأننا نعتنق الصمت في الرد على المغالطات المتعمدة حول تاريخنا العظيم وعلاقته بالجوار أو علاقة الأصل بالفرع، هو واهم وحساباته يعتريها النقصان، ومن يظن كذلك بأن تسليط المتواطئين من الأبواق والمطبلين والتحكم في خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على الأصوات الرزينة التي تواجه تلك الادعاءات واستفزازاتها المغلوطة فهو خارج عن سياقه “البشري”، لأن ثبات الأصل وعمق جذوره لا تهزه مكائد من أصابتهم لعنة “التيه” حتى ولو شمخوا بأبراجهم العاجية إلى ما بعد السحاب أو دسوا سمومهم في قراطيس يعلموا فيها أجيالهم ببطولات أجدادهم الحقيقيين!

إن الهجمة الشرسة التي تعرّض لها حائط الصد لكل تلك التجاوزات لا تنقص منه شيئاً، لأن حصوننا وقلاعنا شامخة ومنيعة ترد أي معتدٍ في كل شبر على هذه الأرض، حتى وإن ظهر المندسون بيننا فإننا نعرفهم بسيماهم وأسمائهم مهما حاولوا التخفي والتستر لأغراض شخصية أو لوقوعهم ضمن إطار الابتزازات غير الأخلاقية التي برع فيها ذلك “المتصهين” إلا أننا لن نشفع لهم ولا يمكن أن نتجاهل مخططاتهم، فعمان نقية ولا تقبل إلا نباتاً طيباً، وما خبث سنجتثه بلا رجعة ومصير خفافيش الظلام الهلاك، مهما كانت الدوافع.

#بين-هلالين

“المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تحفها أسس منطقية تتجانس مع الواقع، فالمنطق موجه للمعرفة وسبيل للتوازن البشري”.

  • كاتبٌ وإعلامي

alzaidihilal@gmail.com

الجمعة، ١٩ يناير / كانون الثاني 2024

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق