‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرو الأمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرو الأمة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

المثقف المطاط

المثقف المطاط

كاتب وباحث سوداني

هناك الكائن المعروف باسم المثقف المطاط، يتمدد في كل مكان كما يتمدد بطنه بعد وجبة دسمة من المعارف السطحية. 
اليوم يعرف السياسة، غدا الفلسفة، وبعد غد كرة القدم وكرة السلة، وبعدها سيصبح ناقدا للأفلام، خبيرا بالموسيقى، مرشدا نفسيا، وربما متنبئا بحالة الطقس. كل شيء عنده ممكن، إلا معرفة حدوده.

المثقف المطاط
يقرأ مقالة واحدة عن الاقتصاد فيصبح خبيرا عالميا في سوق الأسهم ويشاهد تقريرا عن تغذية الطيور فيبدأ بإصدار نصائح صحية للأطفال وكبار السن كلامه سلس مليء بالمصطلحات الأجنبية التي تثير الاعجاب لكنه غالبا لا يعرف معنى نصفها المهم ان يظهر وكأنه واحد فاهم الدنيا كلها.

هذا المثقف يحب كل المنابر من القهوة في المقهى الى المجموعات على وسائل التواصل ومن جلسات الأصدقاء الى البرامج الحوارية أي مكان يذهب اليه يصبح مسرحا له واي نقاش يتحول الى فرصة لإظهار قدراته المعرفية إذا صمت مرة يشعر بالقلق هل سأفقد الفرصة لأكون حاضرا في كل موضوع.

التمدد عند المثقف المطاط يشبه بطنه بعد وليمة ضخمة كلما اكل أكثر ازداد تمركزه في المكان ولكن كل هذا التمدد يأتي على حساب العمق رأيه يصل الى كل شيء لكن غالبا بلا أساس ويصبح حديثه مادة للسخرية والضحك من قبل من يعرفون حقيقته المثقف الحقيقي لا يركض وراء كل مجال ولا يحاول ان يكون صاحب كل رأي اما المثقف المطاط فهو مثال حي على من يحاول ان يغطي كل شيء في النهاية يترك أثره السطحي ويصبح مادة للقصص المضحكة كما لو ان العلم عنده لعبة مطاطية يمكن فردها وطيها بحسب الموقف والمصلحة

المثقف المطاط
يعلمنا درسا مهما لا تحاول ان تكون في كل مكان والا ستصبح مثل بطنه كبير ممتد لكن بلا أي معنى حقيقي المعرفة ليست وجبة دسمة تأكلها على عجل بل رحلة تذوق صمت فهم واستمتاع بعالمنا دون الحاجة للتظاهر بانك تعرف كل شيء عن كل شيء.

العرب ليسوا أعداء أفريقيا العرب جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأفريقي

  العرب ليسوا أعداء أفريقيا

العرب جزء أصيل من النسيج الاجتماعي الأفريقي

لن تنهض أفريقيا ما لم تُحسن تشخيص أسباب

 أزماتها؛ فالتشخيص الصحيح يقود إلى العلاج

 الصحيح، أما تشخيص العلة خطأً فلا ينتج إلا مزيدًا

 من الإخفاق.

فمن هو المسؤول الحقيقي عن تأخر أفريقيا ونهب

 ثرواتها وزرع فوضى الإرهاب المسلح فيها؟

1- من الذي استعمر معظم بلداننا قرونًا طويلة،

 وفرض علينا لغته وثقافته وأنظمته بالقوة؟ 

أهو العرب أم القوى الاستعمارية الغربية؟

2- ما اللغة الأجنبية التي ما تزال لغة الإدارة والتعليم

 والثقافة في معظم دولنا؟ أهي العربية أم اللغات

 الغربية؟

3- ما اللغة الأجنبية التي تُكتب بها الوثائق الرسمية،

 ويتحدث بها كثير من الساسة والنخب والمثقفين

 ورجال الدولة؟ أهي العربية أم اللغات الغربية؟

4- من الذي فرض على عدد من الدول الأفريقية

 عملات وأنظمة نقدية ظلت محل انتقاد واسع بسبب

 آثارها الاقتصادية؟ أهو العرب أم القوى الاستعمارية

 السابقة؟

5- من الذي أنشأ مراكز احتجاز ملايين الأفارقة قبل

 ترحيلهم عبر الأطلسي في تجارة الرقيق؟ ومن كانت

 له المسؤولية الأكبر عن تلك التجارة التي استمرت

 قرونًا؟

6- من الذي نقل ملايين الأفارقة عبر المحيطات في

 ظروف مأساوية أودت بحياة ملايين منهم ؟ ومن كان

 المستفيد الأكبر من تلك التجارة؟

7- من الذي استنزف ثروات أفريقيا منذ قرون، ولا

 تزال شركاته ومصالحه الاقتصادية تتمتع بنفوذ واسع

 في القارة تنهب الذهب والنفط والغاز واليورانيوم

 وغيرها؟

8- من الذي دعم أو تدخل في انقلابات وإسقاط

 حكومات وقادة أفارقة، كانوا ضد الاستعمار الغربي،

 خلال العقود الماضية خدمةً لمصالحه الجيوسياسية؟

 وهل توجد شواهد مماثلة على تدخل عربي بالحجم

 نفسه؟

9- من أكبر منتجي ومصدري السلاح في أفريقيا؟

 ومن هي القوى التي ارتبط اسمها، وفق تقارير

 ودراسات متعددة، بتغذية الصراعات المسلحة في

 أفريقيا؟ أهم العرب أو الغرب؟

10- أي مشروع كان أثره الأعمق في تغيير هوية

 أفريقيا الثقافية واللغوية والاقتصادية: مشروع

 التغريب أم الإسلام؟ وأين هي الحضارات

 والمؤسسات الأفريقية التي هدمها الإسلام مقارنة بما

 أحدثه الاستعمار الأوروبي؟

11- يعيش في أفريقيا اليوم مئات الملايين من

 العرب، فوق 300 مليون نسمة، والعربية إحدى

 اللغات المعترف بها داخل الاتحاد الأفريقي. فلماذا

 يُقبل استمرار هيمنة اللغات الغربية بوصفها لغات

 رسمية وهم ليسوا بيننا، بينما تُستهدف اللغة العربية

 وتُصوَّر وكأنها جسم غريب عن القارة بينما فينا

 عرب يعيشون معنا؟

إن العرب اليوم جزء أصيل من النسيج الأفريقي، كما

 أن الإسلام مكوّن رئيس من هوية شعوب أفريقية

 كثيرة منذ قرون. أما اختزال أزمات أفريقيا في

 الإسلام أو العرب، فهو تبسيط مخلّ يتجاهل حقائق

 التاريخ والواقع، ويصرف الأنظار عن الأسباب

 الحقيقية للتخلف والتبعية.

إن نهضة أفريقيا لن تتحقق بصناعة عدو وهمي،

 وإنما بقراءة التاريخ بإنصاف، وفهم مكامن الخلل،

 وبناء مشاريع حضارية واقتصادية مستقلة تعيد للقارة

 سيادتها وكرامتها.

حفظ الله أفريقيا من كل سوء ومكروه …وألف بين

 قلوب الأفارقة…


من قرّر شكل حياتنا من دون أن نعرفه؟

 من قرّر شكل حياتنا من دون أن نعرفه؟


سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، 


من قرّر أن يكون مقبض الباب بهذا الارتفاع؟ ومن اختار أن تكون الورقة في هذا المقاس؟ ومن قال إنّ المسافة بين درجة وأخرى ينبغي أن تكون هكذا تحديداً؟ 

أسئلة تبدو عابرةً، حتّى نتوقّف عندها قليلاً. وراء كلّ تفصيل مألوف قرار بشري قديم، اتخذه شخص ربّما لم يخطر بباله أنّ اختياره الصغير سيعيش بعده عقوداً، وربّما قروناً.

نعرف أصحاب القرارات الكُبرى؛ من رسموا الحدود، وأشعلوا الحروب، ووقّعوا المعاهدات، وأصدروا القوانين. ووسط هذه الأسماء الكبيرة، هناك جيش من المجهولين صنع جزءاً من حياتنا بقرارات صغيرة لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ.

قد يكون مهندساً قرّر ارتفاع الدرج، أو عاملاً في مطبعة اختار مقاس الورق، أو مصمّماً حدّد ارتفاع الكرسي وعرض الطاولة. ثمّ جاءت الصناعة وكرّرت اختياراتهم آلاف المرّات، حتّى صار الجسد يتعامل معها كأنّها حقائق طبيعية.

وهنا تكمن المفارقة: أشياء كثيرة نعدّها طبيعيةً بدأت في الأصل اختياراتٍ.

نحن نعيش داخل قرارات أشخاص لا نعرف أسماءهم. حين نعبر شارعاً، نعبر أيضاً فوق قرارات مهندس ومخطّط وعامل رصف. وحين نجلس على مقعد، تتعامل أجسادنا مع قياسات وضعها شخص آخر. وحين ندخل مبنى، فإنّ ارتفاع الأبواب واتساع الممرّات ومواقع السلالم والمصاعد تحدّد، بصمت، كيف ينبغي أن نتحرّك داخله.

وقد يجعل التصميم المكان سهلاً لفئة، وصعباً لفئة أخرى. درَج طويل عند مدخل مبنى قد يكون طريقاً عادياً لشخص سليم الحركة، لكنّه يصبح حاجزاً أمام مستخدم كرسيّ متحرّك أو شخص يدفع عربة أطفال. ورصيف بلا منحدر قد لا يلفت انتباه معظم المارّة، لكنّه يجبر شخصاً آخر على البحث عن طريق أطول أو طلب المساعدة. وخطّ صغير قد يكون واضحاً لمن يرى جيّداً، لكنّه يجعل المعلومة شاقّةً على كبار السنّ أو ضعاف البصر.

لا يعني هذا دائماً أنّ أحداً قصد الإقصاء. أحياناً يكون السبب افتراضاً ضيّقاً عن الجسد الطبيعي، أو عن الطريقة التي ينبغي للناس أن يستخدموا بها المكان. لكنّ النتيجة قد تبقى واحدةً: طريق مفتوح لفئة، ومتاهة صغيرة لفئة أخرى.

ومع تكرار هذه القرارات تفقد شكلها الأوّل. تتحوّل إلى معيار، ثمّ إلى عادة، ثمّ إلى شيء يصعب التفكير في إمكانية تغييره. ننسى أنّ أحداً اختارها ذات يوم، وأن اختياراً آخر كان ممكناً.

لهذا تحمل التفاصيل قدراً من السلطة يفوق حجمها. فالسلطة لا تظهر دائماً في القانون أو القرار الرسمي. أحياناً تكفي سنتيمترات قليلة لتحديد حركة جسد، أو ترتيب مقاعد لتوجيه علاقة بين الناس، أو تصميم مكان يجعل طريقاً سهلاً لفئة وصعباً على فئة أخرى.

التفاصيل تصنع سلوكنا بقدر ما تعكسه. وهذا يجعل سؤال "لماذا؟" أكثر أهمّيةً ممّا يبدو. لماذا هذا الارتفاع؟ لماذا هذا المقاس؟ لماذا هذه المسافة؟ لماذا اعتدنا أن نفعل الأمر بهذه الطريقة تحديداً؟ 

قد يقود السؤال إلى اكتشاف بسيط: ما نراه ثابتاً كان في لحظة ما قابلاً للاختيار. ونحن لا نعيش فقط داخل اختيارات من سبقونا، وإنّما نضيف إليها كلّ يوم اختياراتنا الصغيرة: قرار في مدرسة، تعديل في مؤسّسة، طريقة جديدة لتنظيم شارع، فكرة في كتاب، اقتراح في مكان العمل، أو تصميم شيء يجعل حياة الآخرين أسهل.

قد يعني هذا منحدراً إلى جانب الدرج، أو مساحةً كافيةً لدوران كرسي متحرّك، أو خطأ أكبر، أو إشارات تجمع بين النصّ والصوت والصورة. قد تبدو هذه التعديلات صغيرةً لمن لا يحتاج إليها، لكنّها قد تغيّر تجربة المكان كلّها لمن كان يواجهه بوصفه حاجزاً.

ربما لا يذكر أحدٌ اسمَنا بعد سنوات، وربما لا يعرف أحد أنّنا كنّا أصحاب الفكرة. ومع ذلك قد يبقى الأثر. فالتاريخ الذي نعرفه كتبته القرارات الكُبرى، أمّا التاريخ الذي نعيشه كلّ يوم، فقد صنعته أيضاً تفاصيل صغيرة تركها وراءهم أناس مجهولون.

وربّما يستحقّ الأمر أن ننظر إلى العالم من حولنا مرّة أخرى: إلى الباب، والورقة، والكرسي، والنافذة، والسلّم، ونسأل عن اليد التي اختارت شكلها الأوّل. ثمّ نسأل سؤالاً أكثر أهميةً: ما القرار الصغير الذي نتّخذه اليوم، وقد يأتي بعدنا من يعيشه وكأنّه كان دائماً جزءاً من العالم؟

الجمعة، 28 أغسطس 2026

المثقف المزيف أزمة وعي أم موضة فكرية؟

 المثقف المزيف أزمة وعي أم موضة فكرية؟

زكريا نمر

ان انتشار ما يمكن تسميته بالمثقف المزيف” في هذا الجيل، ساهم في إنتاج جيل متردد، يخشى التعبير العلني عن رفضه لبعض الأفكار الشائعة، حتى وإن كانت تتصادم بوضوح مع قناعاته ومبادئه. 

بل وحتى إذا كانت هذه الأفكار تهاجم دينا، أو تنتصر لنظام استبدادي، أو تسيء لمجتمع بأكمله، يفضل البعض الصمت، بدعوى الحفاظ على صورة “المثقف المقبول”.

هذا الخوف لا ينبع فقط من قلة الجرأة، بل من ترسيخ مفهوم هزلي مفاده أن المثقف الحقيقي هو من يقبل كل شيء بصدر رحب، ولا يرفض أي فكر مهما كان ملوثا أو عبثيا. 

وفق هذا التصور السطحي، لا يسمح لك بأن ترفض أفكار نيتشه أو سيوران أو كانط أو فرويد أو بيكيت أو حتى سقراط، لمجرد أن أسماءهم صارت جزءا من “الذوق الثقافي العام”. 

وكأن رفضك لفكرة ما يعني بالضرورة جهلك، لا موقفك النابع من فهم عميق وقناعة صلبة.

هكذا تجد هذا الدخيل على الثقافة يسرع للدفاع الأعمى عن أي فيلسوف أو مفكر، حتى لو كانت أفكاره تهدم الدين وتزدري الأخلاق وتشكك في المبادئ، فقط ليتجنب نقد زملائه ممن يطلقون على أنفسهم “مثقفين”، وليحتفظ بمكانه بينهم، ولو على حساب الحقيقة والصدق مع الذات.

لقد أصبح المشهد مزعجا للغاية. 

يقرأ أحدهم رواية سطحية لكاتبة مغمورة، ثم يلتقي بثلاثة أو أربعة أشخاص في مناسبة ما، ليبدأوا في الإشادة بالأسلوب والأسطر الرنانة التي لا تحمل مضمونا. ثم يتطوع أحدهم للدفاع باستماتة عن تلك الرواية أو فكرة ما، دون أن يملك أي فهم حقيقي لها، فقط لأنه يريد أن يبدو مثقفا ويتبع “الموضة الفكرية” الرائجة.

وللأسف، نجد كثيرين من هذا الجيل قد ابتعدوا عن الثقافة بمعناها العميق. بدلا من بناء قاعدة فكرية متينة تنطلق من فهم الذات والمجتمع والدين، يسارعون إلى تبني أفكار متناقضة مع هويتهم، قبل أن يمروا بأي تجربة فكرية حقيقية تمكنهم من التمييز بين الغث والسمين، بين الفكر العميق والفكر المنحط.

هنا نصل إلى لب الإشكال: 

ظاهرة المثقف المزيف ليست فقط ظاهرة فردية سطحية، بل أصبحت تمثل إشكالية فلسفية وثقافية عميقة تؤثر على المفهوم العام للثقافة في مجتمعنا المعاصر. فبدلا من أن يكون المثقف هو ذلك الذي ينقل المجتمع من الوعي البسيط إلى الوعي المركب، من الانفعال إلى الفعل، ومن التكرار إلى التجديد، أصبح اليوم نموذجا استهلاكيا، يعيد تدوير أفكار الآخرين، ويرتديها كزينة فكرية دون مساءلة أو تمحيص.

لقد أصبح المثقف المزيف معولا لهدم الوعي، لأنه يختزل الثقافة في تكديس الأسماء والمقولات، بدلا من تحويل المعرفة إلى موقف نقدي حي. وهو بذلك لا يسهم في تحصين المجتمع ضد الرداءة، بل يفتح له الأبواب. بل الأخطر من ذلك، أن هذا النموذج المزيف أصبح يكرس عبر المنصات الإعلامية والجامعات والفضاءات الثقافية، حتى صار هو “النموذج السائد” للمثقف، بينما تم تهميش المثقف الحقيقي الذي يزعج بمنهجه، ويفضح السائد بصدقه، ويعيد طرح الأسئلة التي يخشى الآخرون سماعها.

المثقف المزيف، إذا، لا يكتفي بأن يكون ضحية التبعية، بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية. 

إنه يسوق للاغتراب الثقافي والفكري، ويدفع الشباب نحو الانفصال عن جذورهم وقيمهم، باسم “التحرر” و”الحداثة”، دون أن يعي أن الحداثة ليست في الهروب من الذات، بل في تعميق فهمها وتجديدها.

وإذا لم نبدأ بفضح هذا النموذج الزائف، ومواجهة التواطؤ الذي يحيط به، فإننا سنظل ندور في دوامة من “التهريج الثقافي”، حيث تستبدل الأسئلة الحقيقية بشعارات، والمواقف بالفلكلور الفكري، والعقول بالنسخ.

لهذا، فإن المعركة اليوم ليست فقط مع الأفكار، بل مع من يدعي تمثيلها. 

إنها معركة على المعنى، على العمق، وعلى الصدق. وكل من يسعى لبناء ثقافة حقيقية، عليه أن يبدأ أولا بنزع الأقنعة.

الخميس، 27 أغسطس 2026

كيف تخذل أهلَ الخندق خذلاناً عظيماً!


كيف تخذل أهلَ الخندق خذلاناً عظيماً!
 


د.أسامة الأشقر


1- الخذلان العظيم يعني أن تقفوا دون إسناد أهل الثغر في خنادقهم، ولا تأتون البأسَ قليلاً ولا كثيراً، بينما المجاعة تأكلهم، والدماء تحيط بهم في الزمن الحرِج الشديد الذي يحتاجون فيه إلى عونك الفوريّ ونصرتك العاجلة، وتعلم أنّك إن تأخّرتَ عليهم فإن الشدّة ستستأصلهم وتستبيحهم.

2- فأنت تخذلهم عندما لا تتبنَى روايتهم أمام الملأ، ولا تقبل حجّتهم، وتطعن في اجتهادهم وإعدادهم المأمورين به، وتهزأ من صمودهم، وتحمّلهم تداعيات أدائهم لواجبهم، وتكون جزءاً من الحملة عليهم بحسن نية أو بسوئها، إذ لا يجوز لك بحال فتح هذا السؤال المثبط حتى لو كنتَ مخالفاً لقرارهم أو طريقتهم، ويسعك ذلك بعد انجلاء البلاء.

3- وأنت تخذلهم إذا عاهدتهم على النصرة والإسناد بالفعل والعمل ثم لم يروا منك إلا أفعال العاجزين وكلام المنظّرين واستعراض العابثين.

4- وأنت تخذلهم إذا لم تستدرك على مواطن ضعفك وعجزك وتأخُّرك، وتفتح باب نصرة بأي طريقة عاجلة فإن الميدان ليس في ترفِ انتظارِ جاهزيّتكم وإكمال استعداداتكم وتمام تخطيطكم فاخرج بنصف قوّتك المستطاعة أو رُبعها أو عُشرها.

5- وأنت تخذلهم إذا عرفتَ أن احتياجهم يكون في هذا المجال ثم تذهب إلى مجال آخر ليسوا بحاجة إليه فتفرغ فيه جهدك.

6- وأنت تخذلهم إذا لجأت إلى المشروعات المستقبليّة التي تحتاج إلى سنوات لتثمر، أو المشروعات الثانوية، بينما يموت الناس بالمئات كل يوم وتتهدّم بيوتهم وتنتهي حياتهم.

7- وأنت تخذلهم إذا انخرطتَ في أعمال وفعاليّات تعلم مسبقاً أنّها شكليّات وإجراءات استعراضيّة ولا قيمة لها على الأرض ولا تأثير، ولا تغيّر الواقع تحت النار.

8- وأنت تخذلهم إذا لم تغير قواعد لعبتك الباردة وسياساتك المهادِنة التي ألزمتَ بها نفسك، وترفع سقفك حتى لو دفعتَ ضريبةً عليها، فإنّ رفع السقوف إذا انتشر سيكون عاملَ ضغطٍ كبير على الأنظمة التي تظهر الموادّة وهي معادية في حقيقة سلوكها.

9- وأنت تخذلهم إذا كنتَ جزءاً من أيّ مُسالَمةٍ أو مطابعة مع العدوّ ولم تفعل شيئاً لقلب الأمر عليهم حيث كانوا، وتطهير بلادك من أيّ نجاسة عينيّة أو معنويّة من أثرهم.

10- وأنت تخذلهم إذا جعلتَ من قضيّتهم فرصة للتكسّب السياسي والارتزاق الحزبيّ والشخصيّ دون أن يكون له امتداد إلى محل الوجع المنشود.

11- وأنت تخذلهم إذا سكتّ عن خذلانك، ولم تعترف به، ولم تعط الإشارة لغيرك لفعل ما عجزت عنه، وأنت ملزومٌ ببيان عذرك في الخذلان وتبرئة ساحتك من جريرته، أو الانسحاب من عُهدتك وتركِ الأمر لمن يستطيعه بعدك.

12- وأنت تخذلهم إذا لم تستنفر مَن معك ليجدوا لهم سبيلاً إلى ملاقاة العدوّ أو الكيد له ومحاصرة أسباب حياته.

13- وأنت تخذلهم إن استطعتَ النفاذ إلى مكان تُرِي العدوّ منك بأساً ثم قصّرتَ في ذلك.

14- إنّ كل ساعة تأخير هي نقص كبير من الأنفس والأموال والثمرات، ولم يَعُدْ لكم عذر بعد ستة أشهر من انتظاركم، وكل ساعة يتأخّر فيها الإسناد عن موعده الواجب فإنه يُضاف إلى رصيد خذلانكم الذي يكبر.

15- إنّك إن خذلتَهم بدوام عاداتك التي لا تفيد فإنّك قد استحققتَ تخلِّي الله عنك لتخلّيك عن إخوانك وعقوقهم (وجزاء سيئة سيئة مثلها).

(إلا تنفِروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير)

فاحذر أن يكتبك الله في سجل الخاذلين كما كتب الذين من قبلك، واعلم أنّ الله وليّ أهل الثغر، وناصرُهم بأيدي الجُدَراء من عباده!