‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرو الأمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مفكرو الأمة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

الدكتور وصفي أبو زيد -



قد يغلق المرء باب غرفته، ويطمئن إلى أنه لا يراه أحد، ثم يفتح هاتفه على عالم تتسع فيه أبواب الخير والشر، وتُعرض فيه على قلبه وعينيه أشياء لم يكن ليجرؤ على الاقتراب منها لو كان بين الناس، وربما استحيا من نظرة عابرة إلى شاشته، ولم يستحِ من نظر الله إليه!

وهنا يُمتحن صدق المراقبة؛ فإن الأخلاق التي لا تصحب صاحبها إلى خلوته هي أخلاقٌ لم تتمكن بعد من قلبه، وإن الحياء الذي يحضر أمام الناس ويغيب عند انفراد الإنسان بنفسه يحتاج إلى تربية ومجاهدة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]. آية قصيرة، لو استقرت حقيقتها في القلب، لأغلقت على صاحبها أبوابًا من المعصية، وفتحت له أبوابًا من الاستقامة لا يطلع عليها أحد من الخلق.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (رواه النسائي). 
فما أجمل أن تستوي خشية العبد لربه في حضوره بين الناس وخلوته عن أعينهم، وأن يكون له من صلاح السريرة نصيب لا يقل عن عنايته بحسن الظاهر!

وليس المقصود أن يتحول الهاتف إلى مصدر خوف دائم، أو أن يحرم الإنسان نفسه مما أباح الله من المتعة والترويح؛ وإنما أن يصحب استعماله لهذا الجهاز ضمير مؤمن، يعرف متى ينظر ومتى يصرف بصره، ومتى يفتح ومتى يغلق، ومتى يمضي ومتى يتوقف.
وقد أحسن ابن عطاء الله السكندري إذ قال: "اجتهادك فيما ضُمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك". ومن أعظم ما طُلب منك أن ترعى قلبك وجوارحك حيثما كنت، فلا تنشغل بتتبع ما يُعرض عليك حتى تنسى ما يجب عليك.
إن الشاشة لا تستر عن الله شيئًا، والخلوة ليست غيابًا عن الرقابة، وإنما فرصة يظهر فيها مقدار ما استقر في القلب من تعظيم الله.
فاجعل لك مع الله أدبًا لا يتغير بتغير المكان، ولا يسقط حين تغيب عيون الناس.
#أخلاقنا_الرقمية 1
#وصفي_أبوزيد

الدكتور وصفي أبو زيد - الصفحة الرسمية


الأحد، 27 سبتمبر 2026

حتى لا يخترق عقلك من قبل أهل التدليس

حتى لا يخترق عقلك من قبل أهل التدليس

اعلم أن مشركي مكة كانوا مؤمنين بان الله رب العالمين سبحانه هو الخالق والمالك لهذا الكون وان المعركة كانت على هل نعبد الله وحده ام نأخذ الأصنام واسطة له.

اعلم أن مشركي مكة لم يخدعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بل كانوا صادقين في إعلانهم عدم قبول الإسلام ومن ثم لم يسمحوا بوجود النفاق في مكة لأنهم لم يعرفوه.

اعلم أن أهل الجاهلية الأولى كان فيهم خيار ومكارم عظيمة جعل الإسلام منها قاعدة لتحرير الإنسان وتغيير مساره حتى كونوا خير أمة أخرجت للناس عندما دخلوا في الاسلام كل الإسلام فلم يقبلوا بالإسلام في المسجد ثم تركوه خارج المسجد أو لم يقولوا دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في كل ما بلغ عن الله رب العالمين سبحانه وان الصحابة رضوان الله عليهم عدول وليسوا معصومين لكننا لسنا مما يبحث عن زلات الاخيار رضوان الله عليهم أجمعين ومن طعن فيهم فهو زنديق وان الخلاف فيما بينهم خلاف بين اخوان كرام رضي الله عنهم أجمعين.

محبة ال البيت دين واصل ثابت عند كل المسلمين وهذا ليس معناه الغلو فيهم وطلب منزلة ليست لهم مثل ادعاء غوث العباد بعد موتهم لانه من فعل الجاهلية المخالفة للإسلام.

حذاري أن تجعل الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم قضية عندك ترضى عنهم أجمعين وألزم نفسك الأدب وحسن الظن بهم جميعا وليس من أراد الحق فأخطأ كمن أراد الباطل فأصاب.

تعلم الأدب مع النصوص الشرعية واعلم أن السنة المحمدية الصحيحة تقوم في الواقع مقام الرسول صلى الله عليه وسلم فمن رد صحيح السنة المحمدية ورفض العمل بها كمن رفض رسول الله صلى الله عليه وان زعم أنه مسلم محب فشرط المحبة اتباع المحبوب وليس اختراع البدع والطرق الصوفية الضالة تحت شعار الحب وفي حقيقته طعن وهدم للتوحيد والسنة النبوية الشريفة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

الزم نفسك خضوع العقل للشرع وليس إخضاع الشرع للعقل فهذا عمل كارثي يقوم على التقديم بين يدي الله والرسول صلى الله عليه وسلم.

احذر جذور الضلال البدعي المعادي للسنة النبوية الشريفة وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فلا تكن رافضيا ترفض الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين ولا تكن شيعيا تزعم محبة على وال البيت ثم تطعن في الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فالتفريق بين الصحابة رضوان الله عليهم وال البيت جريمة عقدية ظالمة موروثة عن ابن سبأ اليهودي عليه لعائن الله والناس أجمعين.

حذاري أن تحاكم الإسلام والسنة عند أصحاب الأهواء من دعاة البدع والضلالات في واقعنا المعاصر فما وسع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يسعك واحسن الظن بالله ولا تجعل الدين أو مسائل الخلاف أمور جدلية لان المراء كارثي يهدم المروءة والشهامة ويربي سوء الأدب مع النصوص الشرعية وهدي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

احذر ان تزعم محبة الصحابة رضوان الله عليهم ثم تلمز ال البيت أو العكس محبة ال البيت ليست سبب منجية إذا ابغضت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بل ادخل في الاسلام كافة عقيدة وشريعة توحيد وسنة واخلاق اقتصاد واجتماع وسياسة وكافة شؤون الحياة.

لا تبحث عن زلات العلماء تحت مظنة النجاة خلف اجتهاد العلماء فمن تتبع زلة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.

لا تجعل نفسك مثل الرافضة يزعمون محبة ال البيت ويقولون بكفر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فلا تعصم العالم الذي تحب وتقول بكفر العالم الذي تكره كن صاحب ادب وبصيرة.

كن صاحب قلب عالمي يدرك حقيقة التوحيد وحقيقة الإتباع وحقيقة الأخلاق السنية السلفية واجعل نفسك ابن أمه الاسلام بعيدا عن هوس الطائفية والمذهبية المدمرة التي لا تنفع مع حسن قراءتك لحقيقة العمل الدعوى المعاصر الموافق للمستجدات الواقعية حتى لا تضيق واسع أو تجعل من نفسك أداة لنشر التدليس العقدي والفكري والأخلاقي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي في ربوع مكونات الأمة.

قاوم اليهود والصهيونية قازم الصليبية العالمية قاوم ما نتج عنهم من جاهليات مثل الباطنية الصفوية الخمينية والحوثية والنصيرية وجميع المسميات الجاهلية التي تنتسب لجذور أصحاب الجحيم وتعادي أهل الإسلام والسنة ومنهج الصحابة رضوان الله عليهم بصفتهم أصحاب النعيم.

لا تسقط في الفخ إذا قاومت يهود مدحت الشيعة وإذا قاومت الشيعة سقطت في التطبيع مع بني صهيون أو بني علمان أو ما يستجد من هوس أصحاب الجحيم.

حذاري من التشدد والغلو مرة وحذاري من التمييع والاستلاب العقدي والتدليس والتشويه الف مرة

حرر عقلك هواك وحذاري أن تسقط في فخ التدليس وجعل الدين مطية لهواك ولو استطعت التلاعب بكل المحيطين فاعلم ان الله مهيمن على الجميع سبحانه وتعالى قاصم ظهر أهل المكر والتدليس والتمييع والتلاعب.

قاوم اليهود لكن لا تمهد الطريق للرافضة أو مشتقات أصحاب الجحيم وأصحاب الضلال العقدي والفكري لمجرد اسماء إسلامية أو رايات بدعية ظاهرها الرحمة وباطنها تدمير الأمة لخدمة بني صهيون أو بني علمان أو غيرهم.

لا تفرق بين من يعادي التوحيد والسنة وبين من يعادي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

لا تفرق بين من يفرق بين العقيدة والشريعة أو بين طهران الخمينية وتل أبيب الصهيوينة كلاهما يهود.

لا تفرق بين الحوثية قرامطة العصر وقرامطة الامس كلاهما جاهلي.

لا تفرق بين قتلة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين قتلة أهل السنة في العراق والشام ولبنان واليمن.

لا تفرق بين من يمدح إيران الخمينية وبين من يمدح إسرائيل الصهيونية أو من يقول العبد رب والرب عبد.

السبت، 26 سبتمبر 2026

الرجولة والأنوثة قيم رافعة تثبطها الأنا

 الرجولة والأنوثة قيم رافعة تثبطها الأنا

محمد صالح البدراني

"طغيان الأنا والنزعة المتجردة يضعف تماسك الأسرة من الداخل"

هنالك خلط الحاد والسطحي بين المعطى البيولوجي والارتقاء القيمي، يولد الإنسان محموماً بخصائصه الجسدية وجنسه المحدد (ذكر أو أنثى)، لكنه لا ينال أبعاد إنسانيته إلا إذا هَذّب غريزته وصقل وعيه؛ من هنا، يتضح أن الرجولة والأنوثة قيمتان عقليتان ونفسيتان وثقافيتان ترتفعان تعرفها البيئة، وتثبطهما "الأنا الغريزية" والجنس البيولوجي الذي يعبر عن الغريزة.

ثنائية الانحراف.. الذكورة السلبية والأنثى المتجردة

من المؤكد أن الرجولة والأنوثة على موازين العقل والعطاء، والانا الغريزية (النرجسية) تنحرف بهما عندما تسقط المنظومة الأخلاقية، ليكون الذكر والأنثى نمطان متقابلان ومتطرفان من الأنانية والإيذاء، بلا إحساس بل يعتقدان انهما يصنعان التميز والنجاح:

- الذكورة السلبية (الغرائزية) هي حالة غريزية غير منضبطة محكومة بطلب السيطرة والبطش والإشباع الفوري لنوازع "الهو". الذكر هنا يؤذي من حوله بالتسلط الفج أو النفاق، ويرى في إخضاع الآخرين دليلاً على وجوده، وهو أبعد ما يكون عن "الرجولة" التي تعني عقلياً ونفسياً الحماية، الشهامة، وتحمل المسؤولية.

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات


- الأنثى المتجردة (وهو اصطلاح لكاتب المقال): هي المقابل الجوهري والوجه الآخر للذكورة السلبية، الأنوثة هنا تنحرف لتتمحور بالكامل حول "عشق الذات المفرط". هذه الشخصية، وبفضل حضورها الاجتماعي وجاذبيتها البالغة، تتقن إدارة لعبة التعلّق؛ إنها تتجرد من قيم الاحتواء والتكامل، وتنشط لتربك الشريك والرجال من حولها مربوطين في فلكها، معلقين رهن إشارتها فقط لإرضاء كبريائها وتغذية أناها المتضخمة، إنها لا تبحث عن استقرار أو بناء أسري، بل عن "جمهور" يضمن بقاء الاهتمام مسلطاً عليها، مخلّفة وراءها استنزافاً نفسياً حاداً لمن حولها وتخلفاً وظيفياً يعيق بناء المجتمع.

في العلاقات المشوهة، لن يكون الإنتاج هدف الذكوري بل ما يمنحه السلطة منها، بينما ترتكز المتجردة على الجاذبية لكنها ستكون منتجة في صراع الأفضلية مع الذكورية.

التداعيات

طغيان "الأنا الغريزية" على حساب قيم الرجولة والأنوثة لا يقف عند حدود تدمير العلاقات الفردية، بل يمتد ليكون عاملاً رئيساً في صناعة التخلف الشامل للمجتمعات على مستويات منها:

- التخلف الفكري (غياب النضج والعقلانية)

عندما تسيطر الأنا، يتعطل العقل النقدي وتغيب الرؤية الموضوعية، يصبح الفكر عاجزاً عن تبني قيم عليا كالإيثار والعدالة، يتحول الوعي الجمعي إلى وعي بدائي متخلف يقدس المظاهر والقوة السطحية (الذكورة المستبدة أو الأنوثة الاستعراضية المتجردة) بدلاً من الانشغال بجوهر الأفكار والإنتاج المعرفي، والنفاق الاجتماعي من المحيط يعزز هذا.

- التخلف الحضاري (تفكك الحاضنة الأسرية):

أي حضارة في التاريخ تُبنى على قدرة أفرادها على التضحية بالرغبة الفردية لصالح المجموع، وبما أن الرجولة والأنوثة قيمتان تؤسسان للأسرة المستقرة (عبر التوازن بين الحماية والاحتواء)، فإن طغيان الأنا والنزعة المتجردة يضعف تماسك الأسرة من الداخل، غياب البناء الأسري المتزن يعني غياب الحاضنة الأولى لإنتاج أفراد أسوياء، مما يؤدي حتماً إلى انهيار النسيج القيمي للحضارة.

الحب لا يمكن أن نسميه حقيقيا إلا بدمج الأنا والـ"هي" في الرجولة والأنوثة ليكون الـ"هو"، أما إن برزت الذكورة لوحدها والمتجردة لوحدها فإن هذا يبقي العلاقة الهشة الغريزية التي لا تصمد أمام عواصف الزمن والمنعطفات في الحياة، لهذا فبناء علاقات الزواج اليوم ولأنها بدافع الغريزة دون التفكير بالبناء الأسري؛ نجد أنها تتفكك سريعا، فالبناء الأسري من الرجولة.. مجتمع لا يفهم هذه الأمور يتفكك بسهولة، فالعقود هي ليست عقودا جنسية وإنما عقود التزام لبناء الأسرة، وهو واجب الإنسانية في خلافة الأرض أي إقامة السلالة، فالله لا يخلف لنقول الإنسان خليفته في الأرض، فهو حي قيوم ومن يخلف يكون قد مات، وإنما تخلف السلالات.

- التخلف المدني الوظيفي (تدمير المؤسسات والمواطنة):

في الدولة المدنية الحديثة، تعتمد الوظيفة والمؤسسة على كفاءة الأداء والشعور بالمسؤولية المشتركة. لكن الشخصية التي ثبطتها الأنا الغريزية تنقل أمراضها النفسية إلى بيئة العمل:

- الذكر السلبي يحول موقعه الوظيفي إلى مساحة للتسلط الإداري، وتصفية الحسابات، وشل حركة الكفاءات.

- الأنثى المتجردة توظف بيئة العمل للاستعراض الشخصي، والتلاعب بالعلاقات، وتحقيق المكاسب الفردية على حساب الإنتاجية الجماعية. هذا الانحراف يضرب "المواطنة الوظيفية" في مقتل، حيث يغيب الصالح العام، وتتحول المؤسسات المدنية إلى مقاطعات تديرها الصراعات الشخصية الضيقة والأنانية المفرطة.

كيف ننتقل من "الغرائزية" إلى "المؤسساتية الحضرية"؟

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي، وتتمثل في ثلاثة محاور رئيسية:

الأنا الغريزية لا يتم ترويضها بالتمنيات الأخلاقية، بل عبر إجراءات عملية وصارمة تعيد صياغة الوعي الجمعي


- إعادة هندسة البيئة الوظيفية (مدنياً):

* التقييم النفسي الحقيقي: إدخال اختبارات الذكاء العاطفي (EQ) واختبارات قياس السمات النرجسية كمعيار أساسي لتبوّء المناصب القيادية، لحرمان "الذكورة السلبية" من أدوات التسلط الإداري.

* الإدارة الإلكترونية، أي عزل القرارات الإدارية عن الأمزجة الشخصية والتلاعب العاطفي، بحيث تُقاس الإنتاجية بالأرقام والمستهدفات، مما يحيّد أدوات الاستعراض والتلاعب التي تتقنها "الأنثى المتجردة".

- التأهيل المعرفي الإلزامي (حضارياً وأسرياً):

* رخص القيادة الأسرية: تحويل خطوة الزواج من مجرد عقد قانوني إلى "استحقاق معرفي"، عبر دورات إلزامية تفكك المفاهيم الغريزية السطحية وتدرب الشريكين على مهارات الاحتواء الحقيقي، وتحمل المسؤولية المشتركة لبناء جيل سوي نفسياً.

* مراقبة المناهج التربوية وتحديثها باستمرار: دمج مهارات "الوعي بالذات" وضبط الأنا في المناهج المدرسية المبكرة، ليتعلم الطفل أن القوة تكمن في السيطرة على النفس والنزعات الأنانية، وليس في السيطرة على الآخرين.

- تنقية الخطاب الإعلامي (الفكري):

* انتقاء النماذج القيادي: سحب الدعم الثقافي والإعلاني عن النماذج التي تسلّع الجسد أو تكرس السفاهة الذكورية، واستبدالها بنماذج واقعية تبرز النجاح القائم على الإنتاج الفكري، والشهامة العملية، والاتزان النفسي.

خاتمة

لنبرز مصطلح "المُتَجَرِّدَة" كمقابل للذكورة، و"المرأة" من المروءة والعطاء المقابل للمرء (الرجل)، بينما تتجلى "الأنوثة" مع "الرجولة" كحالة موقف وفعل".

الجمعة، 25 سبتمبر 2026

القلم وسحرة التدليس الجدد

 القلم وسحرة التدليس الجدد


«القلم الرباني» أداة ربانية خلقها الله رب العالمين لتكتب المقادير الكونية للخلق وتظهر الإرادة الشرعية التي أرادها الله رب العالمين سبحانه وتعالى.

القلم ليس أداة تسويق التدليس والمكر والتلاعب بالدين باسم الغلو أو الوسطية المزعومة في واقعنا المعاصر الذي سعى فيه سدنة من شربوا من كأس الضلال الإرجائي أو القبوري أو العلماني الليبرالي إلى تهميش دور أقلام الإصلاح العقدي والفكري والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الشامل في محيط الفرد أو الأسرة أو القرية أو الدولة أو الأمة العربية والإسلامية.

القلم الرباني أداة يتناغم من حركة القلم على القرطاس معالم طريق الربانية والخيرية لامة الدعوة والبلاغ بعيدا عن سعي البعض إلى السقوط في كهوف التدليس والتلاعب بالألفاظ للوصول إلى جريمة وكارثة لمز دعاة الإصلاح الرباني بوصفهم تارة بالغلو وتارة بالتطرف وتارة بعدم التخصص لمحاولة حصر المنهج الدعوي في أندية الفكر الي تنبع من ملامح العقيدة الحاكمة لمن بيدهم القرار وكأنهم يقولون في حقيقة أمرهم: 
{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}. سورة الأعراف.

وهنا يظهر مراد فرعون ممن أمن وكأن الشغل الشاغل هو الخروج عن نسق التبعية للفرعونية الحاكمة وهذا الأمر يعتبر المحرك لكثير من الأفلام المتسلطة على الحفل الدعوي باسم الحصول على ترخيص الانطلاقة الدعوية من خلال التوافق مع عقل الحاكم أو هوس مجلس تحديد ملامح الدعوة المطلوبة وليس الدعوة التي نزلت من السماء كما بلغها رب العالمين سبحانه وتعالى وعاش عليها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ونزل فيهم قول الله رب العالمين:
 
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. سورة المائدة

أقلام السحرة الجدد:

هي تلك الأقلام المستأجرة وفقا لمتطلبات الهوى الحاكم والتيار المسيطر على سدنة صناع الملامح الفكرية للإسلام المصنوع على موائد التوافق الخليط من الليبرالية والتصوف والإرجاء ليكون الناتج شيخ يتناغم مع كل ارادات الباطل الموجود على المحيط المحلي والدولي فلا يرى خصم الا بعيون من يضعون الحبر في القلم ليكتب المطلوب لا الذي نزل من السماء.

هل تتوقف أقلام المتخصصين في لمز المصلحين من خلال حرب التشويه المتعمد لأصحاب الأقلام الربانية التي لا يشغلها الا ما نزل من السماء وما فهمه أهل الإخلاص والاتباع والتزكية السلوكية الشاملة التي لا تفرق بين الإصلاح العقدي أو الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟!

هل برئ القلم الذي لا يكتب عن خطورة الجاهلية الباطنية القبورية أو العلمانية المسيطرة على غالبية دعاة الواقع من الاستغراق في هوس التبعية لمن صنع أو كلف أو دعم ؟!

القلم الرباني له عبق الشمولية ورحيق التوافق مع السنن الكونية ومن ثم لا يتعجل ولا يقوم بالتسويف لأنه يدرك تمام الإدراك حقيقة سلطان الألوهية الحاكم للفرد والأسرة والجماعة والأمة فلا يسقط في خيبة تدلسية لكونه يطبل من بين السطور أو يلمز الأولياء دعاة السنة والسلفية الربانية تحت وهم الاعتدال وما هو إلا براثن الاعتلال نتيجة لتيه الهوى.

أن يتحول القلم إلى أداة تمرير هوى الجاهلية المسيطر على منابع الفكر داخل العقول الأسيرة في كهوف سكينة القباب والمشاهد التي تعبد وتدعى من دون الله فثم كارثة عقدية هدمت حصون التصور ثم شيدت من حيل التبرير والتدليس والخلط الفقهي والعقدي ما ظنوه اجتهادا دينيا وهي في الحقيقة سرابا صنعه الهوى ليعيش صاحبه في جب العجب والذاتية المدمرة.

إن القلم الذي يسعى إلى إعادة توجيه مفردات القران الكريم لتصبح أداة في تمرير هوى الجاهلية المعاصرة أو الطائفية المجرمة أو الباطنية الماكرة أو الصوفية المدلسة أو هوس الأنا حسب توجهات الهوى المسيطر فهو شؤم على صاحبه وان صعد من خلاله إلى قمة هرم التطبيل في سلاسل الواقع الأسير في التبعية لما هو غير مراد رب العالمين سبحانه.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

أيهما أخطر: استعمار يحتلُّ أرضك، أم استعمار يحتلُّ عقلك؟

 أيهما أخطر: استعمار يحتلُّ أرضك، أم استعمار يحتلُّ عقلك؟

أكاديمي كويتي 
Jassimaljezza@hotmail.com


لفظُ “الاستعمار” من الألفاظ التي استقرَّ استعمالها واستخدامها  في الكتابات السياسية والتاريخية في الأطروحة العربية، لكنَّه وقد يربطه الكثيرون بالاستعباد على الشعوب ومع تأكيدنا على رفضنا لكلِّ صور الاستعمار والاستعباد ومصادرة حقِّ الشعوب في إدارة شؤونهم، إلا أنَّنا نريد طرح بعض الأفكار التي ساوت بين كلِّ القوى الاستعمارية في تصرفاتها ونرى أنَّ بينها خلافًا في الأداة و النتيجة، فالاستعمار قد يراه البعض  منظومة سيطرة سياسية واقتصادية وثقافية، وقد تستخدم القوة العسكرية أحيانًا، وقد تستخدم الإدارة والتعليم واللغة وإعادة تشكيل النخب، ولهذا نجد الفروق ظاهرة بين القوى الاستعمارية، ومن أشهرها الفروق بين الاستعمار الفرنسي والبريطاني التي لا تكمن في أنَّ أحدهما كان رحيمًا والآخر كان أكثر قسوة، بل في طبيعة الأدوات التي استخدمها كلٌّ منهما لإدارة الشعوب الخاضعة له.

كان الاستعمار الفرنسي أكثر ميلًا إلى فرض نموذج ثقافي مركزي بالقوة العسكرية، فلم يكن يكتفي بإدارة الأرض، بل كان يحاول إعادة صياغة الإنسان الذي يعيش عليها، واللغة الفرنسية لم تكن مجرَّد وسيلةٍ للإدارة، بقدر ما كانت أداةً لإعادة ترتيب الوعي، وربط التقدُّم بالانتماء إلى النموذج الفرنسي بكلِّ تفاصيله، وقد حاول الفرنسيون، بدرجاتٍ مختلفة، إضعاف اللغات المحلية والتقاليد الدينية والثقافية، وتقديم ثقافتهم باعتبارها الطريق الطبيعي نحو الحداثة.

أمَّا البريطانيون فكانوا أكثر براغماتية، فلم تكن هناك حاجة إلى هدم لغة الخصم أو دينه، بل كانوا يفضِّلون إدارة المجتمع من خلال زعمائه المحليين، والاستفادة من بنيته القبلية أو الدينية أو الطبقية، وكانوا أيضاً يتركون للمجتمع شيئًا من ملامحه القديمة دون تدخُّل سافر، لكنَّهم يعيدون توجيه مؤسساته ومصالحه بما يخدم الإدارة البريطانية، ولذلك بدا استعمارهم أحيانًا أقل صدامًا مع الهوية، لكنَّه لم يكن أقل استغلالًا ولا أقل حرصًا على تكريس التبعية.

فالفرق إذاً أنَّ الفرنسي كان يريد من المستعمرين أن يكونوا مثلهم، أمَّا البريطاني فكان يريد أن يبقى الآخرون كما هم، ولكن بشرط أن يعملوا داخل النظام الذي وضعوه لهم.

وقد امتدَّ هذا الاختلاف بين القوى الاستعمارية وفي مثالنا “الفرنسيين و البريطانيين” إلى التعليم والقانون وتكوين النخب، فالفرنسي حاول صناعة مواطن مستعمر  يتحدَّث بلغته ويفكِّر داخل منظومته الثقافية، بينما فضَّل البريطاني صناعة نخبٍ محلية تتولى إدارة المجتمع وفق قواعد ترعى مصالحه، وفي الحالتين، فالهدف النهائي لم يكن تحرير الإنسان، بقدر ما كان ضمان استمرار النفوذ بأقل تكلفة ممكنة، فالاحتلال لا ينتهي تمامًا إذا بقيت الإدارات الناعمة  كالمدرسة والإعلام  والمؤسسات الأخرى تنتج الإنسان نفسه الذي يحتاجه النظام الاستعماري.

ومع ذلك، فإنَّ هدم اللغة أو محاصرة الأديان أو الثقافة المحلية لا يمكن أن يدوم طويلًا، نعم قد تنجح القوة العسكرية في إقصاء لغةٍ ما أو دين شعب ما، لكنَّها لا تستطيع بسهولةٍ اقتلاع الذاكرة الشعبية للشعوب، ولا تلغي حاجة الإنسان إلى المعنى والانتماء، فالشعوب تلقائيًّا تستعيد لغاتها، وتعيد قراءة تاريخها، وتسترجع رموزها كلما تراجعت قبضة المحتل المستعمر.

لكن الخطر الأكبر يكمن في الفكرة الاستعمارية التي تستقرُّ في نفوس القائمين على الدول بعد رحيل المستعمر، فحين يؤمن القياديُّون في تلك الدول بأنَّ شعوبهم عاجزةٌ عن إدارة نفسها، وأنَّ خلاصها لا يكون إلا بتقليد الخارج، يتحوَّل الاستعمار من صورته السابقة الى صورةٍ مخفية لا تُرى، فنجده يلبس ثوبنا ويمضي بطريقتنا، لكنَّها لا تلبي طموحاتنا ولا تحمي مصالحنا.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

وجوب مناصرة الشعب اليمني في مواجهة الحوثيين

 وجوب مناصرة الشعب اليمني في مواجهة الحوثيين
 

لليمن وأهله مكانة عزيزة في نفسي، فقد عشت بينهم سنوات من حياتي، ووجدت في بلادهم مأوى لأسرتي، وصحبة كريمة، ومجالاً لطلب العلم والتأليف. 

وقد وصلت إلى صنعاء في الثالث والعشرين من يوليو عام 1996م، بعد مرحلة صعبة اضطررت فيها إلى مغادرة السودان، فاستقبلني إخوة يمنيون بكرمهم، وأعانوني على الاستقرار وترتيب شؤون الإقامة، وبقي معروفهم حاضراً في ذاكرتي، أستحضره كلما ذكرت تلك السنوات وما تيسر لي فيها من عمل علمي.

وكانت مكتبتي قد سبقتني إلى صنعاء، إذ أرسلتها إلى شقيقي أسامة محمد الصلابي، جزاه الله خيراً، على عنوان القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله، فبدأت صلتي بالمدينة من باب العلم وأهله، وأحببت أحياءها وأسواقها وعمارتها، ووجدت في مناخها وهدوئها ما يعين على القراءة والكتابة. 

وعلى الرغم من الصعوبات التي كانت تعانيها البلاد آنذاك، رأيت في أبنائها محبة للعلماء، واستعداداً لإكرام الوافد، ومساندة طالب العلم، وتيسرت لي بينهم أسباب العمل الذي كنت أرجو أن أنفع به أمتي.

وتعرفت في اليمن على القاضي العمراني، والشيخ عبد الكريم زيدان، والشيخ عبد المجيد الزنداني، والشيخ ياسين عبد العزيز، والشيخ عبد السلام المجيدي، والشيخ فضل مراد، وغيرهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم، رحم الله أمواتهم وحفظ أحياءهم، واستفدت من مجالسهم وتوجيهاتهم. 

وكان شقيقي أسامة قد لازم القاضي العمراني سنوات، وتعلم منه أصول الفتوى والنظر في أسئلة الناس وأحوالهم، ووجد عنده رعاية وعوناً، فحفظنا لهذا العالم الجليل فضله، وحفظنا لليمن مكانته في رحلة أسرتنا العلمية والإنسانية.

ومن اللقاءات التي أثرت في عملي زيارتي للشيخ عبد الكريم زيدان رحمه الله في بيته، فقد سألته سؤال التلميذ لأستاذه، واستفدت من فقهه، وأرشدني في كتابة تاريخ الخلفاء الراشدين إلى الجمع بين الرواية التاريخية والنظر الفقهي، والعناية بمؤسسات الحكم والمال والإدارة والقضاء، وتنقية الأخبار واستخراج ما ينفع الأمة من دروسها. كما عرضت على الشيخ عبد السلام المجيدي مسودة كتابي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، طالباً ملاحظاته وإفاداته، وبقيت بيننا أخوة ومودة أعتز بها.

وفي اليمن أتممت رسالتي “فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم”، وكتبت مؤلفات في الدولة العثمانية والسيرة النبوية وسير عدد من الخلفاء الراشدين. ولهذا بقيت هذه البلاد حاضرة في ذاكرتي كلما عدت إلى تلك المؤلفات؛ ففيها قضيت ساعات البحث، وبين أهلها استقرت أسرتي، ومن مجالس علمائها تلقيت توجيهات انتفع بها عملي. 

وهذه تفاصيل سجلتها في حديثي عن تجربتي مع العلماء، وأذكرها هنا وفاء لأهل فضل عرفته عن قرب (الصلابي، هجرتي إلى بلاد المسلمين: مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة، قيد التحرير).

وأكتب اليوم عن أهل اليمن وفاء لما عرفته بينهم من فضل، وقياماً بحق المظلوم الذي أمرنا الله بنصرته؛ فمحنة هذا الشعب تستدعي منا موقفاً صريحاً من الاعتداء الذي تمارسه ميليشيات الحوثي التابعة لإيران على حياته وأرزاقه ومؤسساته وكرامته وأمنه، وتحمل العلماء وأصحاب الكلمة مسؤولية البيان والإنصاف. وأرى أن استحضار تاريخ اليمن وعلمائه وأخلاق أهله يعين على تقدير فداحة ما يصيبه، وعلى فهم ما يجب للأمة تجاهه.

– اليمن بلاد الحضارة والعلم والعلماء

حفظ القرآن الكريم خبر سبأ وما أنعم الله به على أهلها، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (سبأ: 15). وفي الآية اقتران الرزق بالشكر، وطيب الأرض بمسؤولية أهلها عن نعم الله، ثم يذكر السياق ما أصابهم بعد الإعراض، وفي ذلك تذكير بأن أسباب العمران تحتاج إلى رعاية، وأن حفظ النعم يتصل بصلاح أعمال الناس.

وقد قادتني الإقامة في صنعاء إلى مزيد من المعرفة بتراث اليمن، وبما حفظته كتبه من أخبار العلماء والمدارس ومواطن التعليم. 

ويقدم كتاب “هجر العلم ومعاقله في اليمن” لمؤرخ اليمن الكبير القاضي إسماعيل الأكوع رحمه الله مادة واسعة عن هذه الحياة العلمية، كما يحفظ كتاب “البدر الطالع” للإمام الشوكاني رحمه الله تراجم تكشف جانباً من تواصل العلماء وحركتهم في طلب المعرفة ونشرها؛ فدراسة هذه المصادر تعيننا على فهم المجتمع الذي احتضن العلم، والصلات التي ربطته بحواضر الإسلام الأخرى (الأكوع، 1995. والإمام الشوكاني، د.ت.).

وإنني أتأمل هذا المعنى اليوم، وأرى في حماية أرزاق اليمنيين ومدارسهم ومزارعهم وبيوتهم وصروحهم العلمية والثقافية والحضارية مسؤولية عظيمة؛ فالأسرة التي تهجر منزلها تفقد شيئاً من تاريخها وأصولها وأمانها واستقرارها ومصدر عيشها، والطفل الذي ينقطع عن تعليمه يخسر فرص مستقبله وطموحه ودوره في بناء بلده، وقد يضطر إلى المغادرة مع أهله إلى خارج البلاد. 

كما أن الكتب والمكتبات والجامعات والوقفيات العلمية والمساجد والمعاهد الشرعية والمراكز الثقافية التي تضيع تنقطع عن قرائها وطلابها وأساتذتها ومشايخها وعلماء اللغة والحديث وعلوم الحياة. 

ولذلك فإن الوقوف مع شعب اليمن يكون في حفظ حياة الناس واستقرارهم، وما يعينهم على مواصلة العلم والعمل وتربية أبنائهم والمساهمة في نهضة أمتهم.

– أهل اليمن في شهادة النبي ﷺ وسيرة الصحابة الكرام

قال رسول الله ﷺ: “أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية” (البخاري، 1422هـ، حديث 4388). 

وهذه شهادة نبوية ذات قيمة كبرى عند المسلمين، لأنها تحمل معاني تدعو للعزة، ونرجو أن تبقى حاضرة في أذهان اليمنيين وفي موقف الأمة الإسلامية منهم هذه الأيام، فمن استحضر رقة القلب التي أثنى عليها الرسول ﷺ كان أولى بأن يرحم خائفهم وجائعهم، وأن يصغي إلى مظلومهم.

ومن اليمن جاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وقومه، وحفظت السنة لهم موقفاً يبين أثر الإيمان في معاش الناس، فقال النبي ﷺ: “الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” (البخاري، 1422ه، حديث 2486).

ولما بعث رسول الله ﷺ الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن أوصاه في شأن الزكاة بقوله: “فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (البخاري، 1422هـ، حديث 1496). 

وإننا نجد في هذه الوصية معنى وثيق الصلة بحاضر اليمن؛ فقد كان معاذ يدعو إلى التوحيد، ويعلم الناس فرائض الدين، ومع ذلك حذره النبي ﷺ من التعدي على أموالهم، ومن دعوة مظلوم يرفع شكواه إلى الله.

وقد وصف ابن القيم الشريعة الإسلامية والمنهج النبوي بأنها “عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها” (ابن القيم، د.ت.، فصل تغير الفتوى). وهذا أصل نستحضر به حرمة الظلم، وندرك به فداحة استعمال الدين لتبرير الاعتداء أو إسكات أصوات المتضررين.

وقد أبرز الإمام النووي في شرح حديث الأشعريين فضل مواساتهم وإيثارهم؛ فحين يشتد الفقر يجمعون الموجود ويقتسمونه، ويحمل كل بيت هم البيوت الأخرى (النووي، 1392ه، شرح حديث 2500). وإن هذه سنة في التكافل تحتاج الأمة الإسلامية، من مشرقها إلى مغربها، إلى إحيائها مع اليمنيين؛ بأن يصل الطعام والدواء إلى كل محتاج ومريض وعاجز وشيخ كبير، وأن تعان الأسر التي فقدت معيلها، وأن يساهم أبناء الأمة في فتح مدارس الأطفال، وأن تكون الإغاثة والعون بعدل ودون تمييز.

– اليمن في شهادة الرحالة والوافدين إليه؛ بلد العلم والإيثار والجود والكرم

وصف أمير الرحالة المسلمين، الرحالة والمؤرخ والقاضي الأندلسي ابن بطوطة، مجموعة من تجار اليمن، أكثرهم من المقيمين بصعدة، فقال: “ولهم فضل وكرم وإطعام لأبناء السبيل، ويعينون الحجاج ويركبونهم في مراكبهم، ويزودونهم من أموالهم”. وهذه شهادة على عمل رآه الرحالة وذكر اشتهار أصحابه به؛ فكان المال في أيديهم وسيلة لتيسير سفر المحتاج، وكانت تجارتهم تحمل معها خدمة عابر السبيل (ابن بطوطة، د.ت.، ج. 2، ص. 103).

وتستوقفني في هذه الشهادة الصلة بين الخبرة في التجارة والتكافل والأخلاق العامة؛ فالمرء قد يملك السفينة والزاد، ويقدر على الربح من حاجة المسافر، ثم يختار أن يعينه من ماله. وفي هذا الاختيار تظهر أخلاق المجتمع، ويصبح طريق التجارة طريقاً للتراحم أيضاً. ومن الوفاء لهذا التراث أن نعين اليوم اليمني الذي اضطرته الحرب إلى النزوح، وأن نحفظ له حقه في الرزق والتنقل، وأن نمنع تحويل حاجته إلى باب للابتزاز أو الاستغلال.

وفي زبيد سجل ابن بطوطة شهادة أخرى، فقال: “وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق”، ومن ثم سمى بعض من لقيهم، وذكر نزوله في جوارهم وإكرامهم وضيافتهم له (ابن بطوطة، د.ت.، ج. 2، ص. 105). 

وتزداد قيمة هذه الشهادة بما صحبها من أسماء ولقاءات؛ فهي تصف مجالس علم استقبلت الوافد، وعلماء اتصلت المعرفة عندهم بالأمانة وحسن المعاملة. وقد وجدت في مجالس علماء اليمن الذين صحبتهم ما يذكرني بهذا المعنى، وإن اختلفت الأزمنة والأحوال.

ويضيف ابن المجاور في “تاريخ المستبصر” وجهاً آخر إلى معرفة اليمن، بعنايته بوصف المدن ومعالمها، وأحوال المراكب في عدن، والضرائب والعادات وطرق العيش. وتعين هذه المادة على قراءة الحضور اليمني من خلال حركة الناس وأعمالهم وصلاتهم بالموانئ والأسواق؛ فالتاريخ الحضاري يتشكل أيضاً في دور التجار وعمران المدن ونظام معاملاتها (ابن المجاور، د.ت.). 

وهذا هو اليمن السعيد الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في ضمير الأمة؛ فهو بلد العلماء والمفكرين والدعاة والمزارعين والتجار وأصحاب الحرف، ومجتمع صنع أبناؤه مسيرة من العطاء والدعوة والخير تتوارثها الأجيال حتى وقتنا الحاضر.

– الوقوف مع الشعب اليمني وحرمة مساندة الحوثي في ظلمه

على هذا الأصل يقوم موقفنا من انتهاكات ميليشيات الحوثي، ومن فرض سلطة الجماعة بالسلاح على الشعب اليمني؛ فالمواقف التي يصوغها الإعلام المخادع لدى بعض أبناء الأمة، والتي تبرر بطش الحوثي والاعتقال التعسفي أو الاستيلاء على الحقوق، تعين المعتدي، وتزيد الظلم الواقع على المظلومين والمقهورين من أبناء هذا الشعب الكريم، ويعظم أثرها إذا صدرت عن عالم أو داعية يثق الناس بقوله. ومن واجب العالم أن يطالب برد المظالم، وأن يبين حرمة الاعتداء، وأن يحفظ استقلال حكمه عن الدعاية والخصومة.

إن الوقوف مع عصابات الحوثي في ظلمها للشعب اليمني، وتبرير انتهاكاتها أو إعانتها عليها بالكلمة أو المال أو النفوذ، جريمة أخلاقية ومخالفة شرعية؛ لأن حرمة الدم والمال والكرامة لا تسقط بشعار سياسي، ولأن شهادة صاحب الرأي أمانة يحاسب عليها.

وإنه يعظم إثم الكلمة حين تجعل المعتدي موضع ثناء، وتدفع المظلوم إلى الدفاع عن حقه في أن يسمع؛ فقد يخرج التبرير من منبر بعيد، ثم يجد فيه صاحب السلاح غطاء لاستمرار اعتدائه. ومن يتصدر للحديث عن اليمن عليه أن يسأل نفسه: هل يطالب بإطلاق المحتجزين الذين يتعرضون للخطف والتعذيب والسجن القسري؟ وهل ينصف الأسر التي فقدت بيوتها وأرزاقها؟ وهل يطالب الجماعة برد الحقوق والخضوع لعدل ينطبق على الجميع؟

إن السعي إلى صلح ووفاق عادل يرفع الاعتداء، والتفاوض لإطلاق الأسرى، وإيصال الغذاء إلى المدنيين، كل ذلك يمكن اعتباره باباً من أبواب نصرة الشعب اليمني. والموقف الذي نرفضه هو إعانة الظلم وتسويغه، وحجب شهادة ضحاياه، وإهدار حقوقهم من أجل مكسب لجماعة أو مشروع إقليمي.

ولطالما أكدت وقوفي مع الشعب اليمني في حقه في استعادة دولته وسيادته وقراره الوطني، ورفض إخضاع مؤسساته ومقدراته لجماعة مسلحة أو لنفوذ إيراني يجعل بلاده ميداناً لمصالح خارجية. ولهذا الشعب الحق في دولة تحفظ كرامة أبنائه، وتجمعهم على قيم العدل والإحسان والمصالحة الوطنية الشاملة والمواطنة الدستورية والإنصاف ورد الحقوق، وتحمي المفكرين والعلماء وأصحاب الرأي من الملاحقة والتشريد، وتعيد الأموال العامة إلى خدمة المجتمع، وتمكن المهجرين قسراً من العودة إلى ديارهم في المدن والقرى والأمصار اليمنية.

وقد وثق النص العربي من “التقرير العالمي 2025: اليمن”، الذي نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش، اعتقالات تعسفية وإخفاء قسرياً نفذهما الحوثيون بحق عاملين في الأمم المتحدة والمجتمع المدني، وعرقلة للمساعدات ومحاولات للتأثير في قوائم المستفيدين. وسجل كذلك انتهاكات لأطراف أخرى في النزاع؛ وهو ما يلزمنا بالمطالبة بمحاسبة كل من اعتدى على اليمنيين، وبحماية حقهم في الإغاثة والعدالة (هيومن رايتس ووتش، 2025).

– الحوثيون في بنية المشروع التوسعي الباطني الإيراني الإقليمي

لا يمكننا عند قراءة الاعتداء من ميليشيا الحوثي وآثار طغيانها، أن نعزلها عن المشروع الباطني الإقليمي الذي بنته إيران على المستوى الثقافي والعقائدي والطائفي والاقتصادي والاستخباراتي والأمني والاجتماعي، خلال عقود مضت على أساس إنشاء جماعات طائفية مسلحة مرتبطة بها، تتجاوز شرعية الدولة أو تنازعها قرارها، وبعد ذلك توظف السلاح والعقيدة والإعلام والمال في توسيع النفوذ. وقد ظهرت صور هذا النموذج في حزب الله في لبنان، وفي فصائل مسلحة موالية لإيران داخل الحشد الشعبي وخارجه في العراق، وفي الميليشيات التي ساندت نظام بشار الأسد البائد في سوريا، ومن بينها جماعة الحوثي الانقلابية المعتدية في اليمن.

ولا يعني حين أجمع هذه القوى في إطار وصف علاقتها بإيران، أنها قوى متشابهة أو أنها تخلو من جذور محلية؛ وإنما يعني أنها دخلت، بدرجات متفاوتة، في شبكة نفوذ إيرانية مذهبية، تتبادل معها الدعم والخبرة والسلاح والخطاب السياسي، وتؤدي وظائف إقليمية تتجاوز حدود أوطانها، وتساهم في قهر وإذلال وسلب الشعوب في تلك الأوطان.

ويكمن البعد السياسي لهذا المشروع في مصادرة القرار الوطني، وإقامة سلطة الأمر الواقع بالسلاح على أرض اليمن، وفي جعل التسوية الداخلية في فكر الحوثي مرتبطة بحسابات طهران ومفاوضاتها وصراعاتها. ويتجلى بعده العقائدي في نقل النزاع من خلاف سياسي قابل للتسوية إلى تعبئة مذهبية تمنح القيادة المسلحة الشرعية المقدسة أو الحق فوق حق الشعب اليمني في الاختيار. وأما بعده العسكري فيظهر في الصواريخ والطائرات المسيرة والخبرة الفنية ومسالك تهريب السلاح، ويظهر بعده الأمني في بناء أجهزة موازية وملاحقة المخالفين وإخضاع المجال العام. وأخيراً في البعد الاقتصادي من خلال السيطرة على الموارد والمنافذ، وتعطيل التجارة والملاحة، وتحميل المجتمع كلفة حرب لا يملك قرارها.

وفي سبتمبر 2026م نقلت مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية أن إسلام آباد خاطبت طهران لحملها على كبح الحوثيين بعد هجماتهم على السعودية، وكما نقل مصدران إيرانيان أن طهران أمرت الجماعة بشن هجمات، ووعدتها بتمويل وسلاح إضافيين، وأن قادة من الحرس الثوري توجهوا إلى اليمن للمساعدة في التنسيق (الشرق للأخبار، 2026).

وبناء على هذا، فإن من يقول: إن الحوثيين لا صلة لهم بإيران أو أنهم مشروع مقاوم، فهو يحتاج إلى مراجعة البنية الفكرية والسياسية والإعلامية للجماعة، ومسار التسليح والتدريب، وطبيعة الشعارات والتحالفات، وتوقيت تحركاتها العسكرية التي تخدم أجندة الإيراني في الإقليم في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران اليوم. وجماعة الحوثي هي من خرقت الهدنة في آخر مرة، وأعادوا مهاجمة أراضٍ ومنشآت مدنية واقتصادية سعودية (الشرق للأخبار، 2026؛ يورونيوز عربية، 2026).

ولا بد من التأكيد على أن آثار هذا التصعيد غير محصورة في المجال العسكري، فاستهداف السعودية ومنشآتها المدنية والاقتصادية وطرق إمداد الطاقة يمس حياة الناس وأمنهم وأرزاقهم وتنقلهم وتعليمهم واستقرار أسرهم، ويرفع كلفة النقل والتأمين والطاقة والغذاء في المنطقة، وكما يدفع ثمن ذلك الفقير والعامل والطالب والمريض قبل غيرهم. وكما أن تهديد باب المندب والبحر الأحمر يضر اليمنيين أنفسهم، ويعطل التجارة والمساعدات وفرص التعافي. فالاعتداء على اقتصاد بلد كبير في الإقليم لا يبقى داخل حدوده؛ وهذا الأثر تمتد موجاته إلى شعوب وبلدان فقيرة واقتصاداتها هشة نتيجة توقف التجارة والمشاريع الإنسانية فيها.

ونسأل الله تعالى، الذي أخزى هذا المشروع وميليشياته في سوريا، أن يخزيه في اليمن، وأن يرد كيده عن شعوب الأمة، وأن يهيئ لليمنيين دولة عادلة مستقلة تحفظ دماءهم وحقوقهم وسيادتهم.

– شهادات العلماء في رفض انقلاب وهيمنة الحوثي ونصرة الشعب اليمني

انتشرت شهادة للعلامة والداعية الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو حفظه الله، تناول فيها الاعتداء الحوثي على اليمنيين، وما نسبه إلى الجماعة من استهداف المؤسسات العلمية واختطاف العلماء، وقرر وجوب نصرة من وقع عليهم الظلم، فقال: «فيجب على الأمة أن تنصرهم جميعاً»، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).

وربط الشيخ محمد الحسن حفظه الله في حديثه بين محنة اليمن والتدخل الإيراني في المنطقة، ورفض اختزال القضية في خلاف إقليمي محدود، فقال: «تبسيطها في جعلها بين أهل الخليج وإيران غير موضوعي». ويدل سياق كلامه على أنه يرى مسؤولية العلماء متصلة ببيان خطر هذا التدخل وآثاره على المجتمعات، وبنصرة المعتدى عليهم، والتحذير من انتهاك الدماء والحرمات.

وفي الشهادة نفسها أكد ضرورة إسناد المسؤولية إلى مرتكبي الجرائم، فقال: «الطائفة لا تحمل أقوال أفرادها وجرائمهم»؛ فجمع في حديثه بين رفض الاعتداء ووجوب دفعه، وبين عدم تحميل جماعة مذهبية بأكملها جرائم أفرادها (محمد الحسن ولد الددو، حديث عن الحوثيين واليمن والتدخل الإيراني).

وفي بيان أصدره الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2015م، ووقعه العلامة الكبير الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله والشيخ علي محيي الدين القره داغي حفظه الله، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حالياً، رفض الاتحاد الانقلاب الحوثي وفرض الهيمنة على اليمن بقوة السلاح، وطالب باستعادة الحقوق وتسليمها إلى أصحابها.

كما حذر ذلك البيان التاريخي من المشاريع الإقليمية التوسعية التي تستهدف السيطرة على مقدرات الأمة، وشدد على “المحافظة على أرواح المدنيين من أبناء اليمن” (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 2015). وربط البيان انتهاء القتال برجوع الحوثيين إلى الحق واندماجهم في الشعب، وحذر من الدعوات التي تمزق الأمة على أساس عرقي أو لغوي أو مذهبي. وبذلك اقترنت إدانة الانقلاب في موقف الشيخين بالمطالبة برد الحقوق، وحماية المدنيين، وفتح طريق الإصلاح والاجتماع الوطني.

وفي بيان هيئة علماء اليمن المنشور في ديسمبر عام 2017م، رفضت الهيئة تمكين الميليشيات الحوثية من إنشاء سلطة داخل الدولة تفرض إرادتها على أبناء اليمن، وحذرت من توظيف البلاد في خدمة المشروع الإيراني وتهديد أمن المنطقة. وأكدت بطلان ادعاء حق حصري في حكم الشعب دون رضاه واختياره، ودعت إلى التمييز بين المذهب الزيدي والجماعة الحوثية (هيئة علماء اليمن، 2017).

وأكدت الهيئة حق اليمنيين في اختيار حكامهم وممثليهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وطالبت ببناء الجيش والأمن بعيداً عن التكوين الحزبي والفئوي والقبلي والمناطقي والطائفي، وبمنع استخدام السلاح لفرض المواقف السياسية. كما حملت الحكومة مسؤولية تخفيف معاناة المواطنين، وتوفير الخدمات، وتسليم الرواتب، وتحسين الإغاثة؛ فاشتملت شهادتها على رفض الانقلاب والتدخل الخارجي، وعلى مطالب بإصلاح الدولة وأداء واجباتها تجاه الشعب.

وأدعو العلماء والمفكرين والدعاة وأصحاب الرأي إلى سماع اليمنيين الذين عاشوا المحنة، والاستماع إلى علمائهم وشخصياتهم الوطنية وباحثيهم الحقوقيين، والتحقق من الشهادات والوثائق؛ فإن الأسرة التي تبحث عن غائب تستحق أن يصل صوتها، والإنسان الذي فقد بيته أو رزقه يستحق أن ينظر في شكواه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: 36).

وتتأكد مسؤولية العلماء في بيان أن استعادة الدولة تقتضي إقامة العدل داخلها؛ فتصلح مؤسساتها، وتصان أموالها، ويحاسب المعتدي مهما كان انتماؤه، وتبقى نصرة الشعب غاية يتقدم إليها الجميع. وقد اتسعت معاناة اليمن بما يوجب أن يتعاون أهل العلم على البيان والإصلاح والإغاثة، وأن يردوا الناس إلى حرمة الدم وحقوق الجار وأمانة المال العام.

– موقفنا بين احتلالين: اليمن وفلسطين في ميزان العدل

إن موقفنا الرافض للهيمنة الإيرانية على اليمن عبر ميليشيات الحوثيين، وموقفنا الرافض للاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، يصدران عن أصل واحد: نصرة المظلوم ورفض الاعتداء على حقوق الشعوب. وإذ نتحدث عن موقفنا بين احتلالين، فإننا نصف القهر الذي يحرم الشعب حريته وقراره، مع إدراك اختلاف صورة الاحتلال العسكري المباشر في فلسطين عن صورة النفوذ الخارجي المسلح في اليمن. وإن الأمر الجامع في موقفنا هو حق الإنسان في وطن آمن، وحق الشعب في أن يحكم نفسه، وحرمة استخدام قوته ومقدراته لخدمة مشروع يفرض عليه من خارجه.

ونقف مع أهل غزة وفلسطين في حقهم في التحرر وحفظ أرضهم ومقدساتهم وكرامتهم، وندين الاعتداء الإسرائيلي عليهم، ونقف مع أهل اليمن في حقهم في استعادة دولتهم وقرارهم الوطني، ونرفض ظلم الحوثيين والتدخل الإيراني الداعم لسلطتهم المسلحة. ويجمع هذين الموقفين إيماننا بأن للمظلوم حقاً لا يسقط بتبدل موقع الظالم في خريطة التحالفات، وأن حرمة دم الطفل ثابتة في صنعاء وغزة، وأن البيت الذي يدمر على أهله يستدعي الإنكار، وأن الأرض التي يحرم أصحابها من الأمن تستحق أن يقف الأحرار مع أهلها.

وقد يلتبس الأمر على بعض الناس فيمنحون جماعة ترفع شعار نصرة فلسطين إعفاء من النظر في أفعالها داخل بلدها. ولكن نصرة الفلسطينيين تلزمنا بتعظيم حقوق الإنسان الذي ننصره، وتلزمنا بتعظيم الحقوق نفسها للإنسان اليمني أيضاً، فما ننكره من سلب الحرية والاعتداء على الحياة يجب أن ننكره في كل مكان.

وإنني لأتفهم ألم الشعب الفلسطيني العزيز الذي يشعر بقلة النصرة، وأعلم أن شدة المحنة قد تجعله يتطلع إلى كل صوت يعده بالمساعدة، ولكن العلماء وأصحاب الرأي مسؤولون عن حفظ ميزان العدل، وعن بيان أن حقوق الشعوب لا تتزاحم على الرحمة حتى ينالها شعب ويحرم منها آخر. ويمكن لأمتنا أن تنصر فلسطين، وأن تقف مع الشعب اليمني، وأن ترفض المشاريع الغازية التي تجعل دماء الناس وأوطانهم وسيلة لتوسيع النفوذ والعدوان واستلاب الكرامة والأرواح والأرزاق.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: ٨).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).

فالعدل يمنعنا من أن يحملنا بغض عدو على ظلم أحد، كما يمنعنا من الركون إلى ظالم لمجرد أنه يرفع شعاراً نوافقه عليه؛ وبهذين الأصلين يستقيم موقف الأمة بين احتلال فلسطين والهيمنة الإيرانية المسلحة على القرار اليمني.

فالخصومة لا تبيح الظلم، والعدل واجب مع من نحب ومع من نخالف، ولهذا فإن رفضنا الهيمنة الإيرانية ينصرف إلى سياسات الاعتداء ودعم القوى المسلحة وإخضاع القرار الوطني، ولا يحمل الشعب الإيراني مسؤولية جماعية عن أفعال السلطة؛ كما أن نقدنا الحوثيين لا يسوغ تحميل أبناء مذهب أو منطقة أو أسرة جرائمهم. ولليمنيين جميعاً حق في الحياة والأمن والمواطنة، ومسؤولية الجريمة تثبت على مرتكبها بالدليل.

يحتاج اليمن حالياً إلى حل عادل وحقيقي يرضي الشعب اليمني بكل مكوناته الاجتماعية والقبلية، ويعيد مؤسسات الدولة إلى خدمة عموم اليمنيين، ويعالج حقوق المتضررين والمشردين والمهجرين والمسجونين، ويمنع تجدد الاعتداء والظلم الذي سببته إيران وأتباعها في صنعاء على الشعب اليمني.

خلاصة القول..

إنني حين أعود بذاكرتي إلى صنعاء التي آوت أسرتي، وإلى المكتبة التي جمعت فيها كتبي، وإلى العلماء الذين استفدت من مجالسهم، أحفظ لليمنيين ما قدموه لنا من معروف، وأرى في الوقوف معهم في محنتهم وفاء لأهل الفضل ورداً لجميلهم. ويقوم موقفي كذلك على واجب شرعي في نصرة المظلوم، ورفع الظلم، ورد الحقوق إلى أصحابها؛ فقد قال رسول الله ﷺ: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه” (متفق عليه).

ولهذا أؤكد وقوفي مع الشعب اليمني في حقه في استعادة دولته وسيادته وقراره الوطني، وأدعو إلى إطلاق سراح المحتجزين بغير حق، وكشف مصير المختفين، وعودة المهجرين، وحماية مؤسساته العلمية وأرزاق أبنائه وأسباب حياتهم. وهذه مسؤولية يشترك فيها علماء الأمة ودعاتها ومفكروها والفاعلون والمؤثرون فيها، كل بحسب علمه وقدرته وموقعه؛ فشهادة الحق أمانة، ونصرة المظلوم واجب، والوفاء لأهل المعروف خلق يحفظ للمجتمعات تراحمها، ويصل أبناء الأمة بعضهم ببعض في الشدة والرخاء.

وإني لأرجو الله أن تعود صنعاء آمنة مطمئنة، وأن يجتمع أهل اليمن على العدل وحفظ وطنهم، وأن يفتح لأبنائهم أبواب العلم والعمل والكسب الكريم، وأدعو القادرين من أبناء أمتنا إلى مساندة كل جهد صادق يخفف عن اليمنيين معاناتهم، ويحفظ دماءهم، ويعينهم على بناء دولة تصون حقوقهم وتحفظ سيادتهم وتخدم مصالحهم.

اللهم احفظ اليمن وأهله، وأطعم جائعهم، واشف مريضهم، وارحم موتاهم، وآمن خائفهم، وفرج عن مظلومهم، ورد الغائبين إلى أهليهم سالمين، وخلص اليمنيين من هيمنة الميليشيات الحوثية ومن النفوذ الإيراني ومن يمس هوية بلدهم وأمانهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهيئ لهم قيادة رشيدة تجمع كلمتهم، وتوحد صفوفهم، وتقودهم إلى الأمن والاستقرار والوحدة والنهوض، وأعنهم على إقامة العدل، وحفظ وطنهم، وصيانة كرامة شعبهم، واجعل لهم من بعد محنتهم أمناً وفرجاً واستقراراً وحياة كريمة.

والحمد لله رب العالمين.

المراجع

1- ابن القيم، محمد بن أبي بكر. (د.ت.). إعلام الموقعين عن رب العالمين. فصل تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد.

2- ابن المجاور. (د.ت.). تاريخ المستبصر. المكتبة الشاملة.

3- ابن بطوطة، محمد بن عبد الله. (د.ت.). تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (عبد الهادي التازي، تحقيق؛ ج. 2، ص. 103، 105). أكاديمية المملكة المغربية.

4- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. (2015، 27 مارس). اتحاد العلماء يؤيد التدخل العسكري في اليمن لاستعادة الشرعية. موقع الشيخ يوسف القرضاوي.

5- الأكوع، إسماعيل بن علي. (1995). هجر العلم ومعاقله في اليمن. دار الفكر المعاصر؛ دار الفكر.

6- البخاري، محمد بن إسماعيل. (1422هـ). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (محمد زهير بن ناصر الناصر، تحقيق). دار طوق النجاة.

7- الشوكاني، محمد بن علي. (د.ت.). البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. دار المعرفة.

8- الصلابي، علي محمد. (د.ت.). هجرتي في بلاد المسلمين: مع العلماء والكتب والكتابة وقضايا الأمة، قيد التحرير.

9- عاجل. (2026، 17 سبتمبر). رئيس علماء اليمن: الحوثيون “يكنون حقداً على السعودية ويُوالون إيران”.

10- عكاظ. (2026، 13 سبتمبر). علماء اليمن: القتال مع الحوثي محرم وتحريك الجبهات وتوحيد القرار واجب.

11- النووي، يحيى بن شرف. (1392هـ). المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (ط. 2). دار إحياء التراث العربي.

12- هيومن رايتس ووتش. .(2025) التقرير العالمي 2025: اليمن: أحداث 2024.