الأحد، 30 يونيو 2019

الـمـؤتــمر

الـمـؤتــمرقصة بقلم الدكتور محمد عباس 
يونيو 30, 2019


حاشية أولى

كانت قضية الوليمة أقدس المعارك التى خاضها عادل حسين، شرفه الله بخوضها خالصة لوجهه، لينتقل بعدها إلى رحابه.
وكانت قضيتا الألفى ووالى أخطر المعارك التى خاضها، حين واجه بكتيبته العزلاء إلا من الفكر الطواغيت المسلحة بكل قوة الدولة من سلاح وأمن وقانون وبطش.
لكن، ثمة معركة أخرى، لم تحفل منا بعد بالاهتمام الذي نالته القضايا السابقة، رغم أنها أكثر معركة تتجلى فيها القدرات الفكرية والحركية الهائلة لعادل حسين.. ألا وهى معركة مؤتمر السكان الذي انعقد في القاهرة حوالى 1994.
في المعارك السابقة كلها يمكننا أن نتصورها دون قيادة عادل حسين، وربما كان الأداء سيختلف، ولعل الحدة والبراعة كانت ستكون أقل.. لكنها على أي حال كان يمكن أن تتم بقيادة أخرى.. إلا معركة مؤتمر السكان، والتى بدأ عادل حسين يخوضها وحيدا تماما، ولم يكن حتى معظم القريبين منه يدركون خطورتها، واستطاع عادل حسين في خلال أسابيع أن يقلب الدفة، وأن يرغم جهات خائنة في الدولة على التراجع، كانت هذه الجهات تريد الموافقة على حرية الشذوذ والزواج المثلى وحرية الزنا حتى للأطفال.
أدرك عادل حسين بأول رأيه آخر الأمر.. و أدرك أنها معركة دين وأمة ووطن.. وانتصر فيها انتصارا ساحقا..
وكانت هذه القصة: " المؤتمر" جزءا من  مساهمتى المتواضعة في هذه المعركة..
***
***

الـمـؤتــمر

بقلم : د. محمد عباس


***
هــــــــو ------------------------------

الكذب خيبة، لذلك لن أخفي ما في نفسي عليك، لن أنكر أنني أسعد إنسان في العالم بانعقاد المؤتمر في بلادنا، سئمت النساء منذ زمن ولم يعد لي فيهن مأرب، ولطالما خجلت من الاعتراف لك بشذوذي المقموع ببطش قاهر دونه الموت، لطالما قاومت، وما أكثر ما كذبت نفسي في البداية، وداريت العورة وتحايلت على الحقيقة،  رحت أخادع نفسي، لعلها الصداقة، لعله حبي للعالم، لعلها فرط رجولة، ولعلي لم أشذ لكن العالم هو الذي شذ، لكنني لم أجد في النهاية بدا من الاعتراف لذاتي بميل طاغ إلى الرجال، ولكي لا تسرف في سوء ظنك بي فإني أبادر إلى طمأنتك أنني في شذوذي موجب، لست بسالب.
لطالما أخفيت الأمر على الخلان بعد ذلك، وأولهم أنت، لديكم يقين من السماء طوله خمسة عشر قرنا أو يزيد،  فكيف أواجهه... الآن أواجهك، ولست وحدي، فالعالم - ممثل في المؤتمر - معي،  العالم،  بعد أن جرف الطوفان  أدران التخلف  والجمود  التى  عشتم في ظلها طويلا تخنقوننا، فارفع نظرتك الأشد سما من لدغ الثعابين والأفاعي عني...
***

أنــــــا  ----------------------------

رفعت نظري... انكفأت على نفسي... انقلب بصري علي ّوهو حسير وأنا حسير... ورحت - كحيوان - مجروح ألعق في روحي جرحا لا يكف عن النزيف، فبعد اعترافه، أنهدّ في داخلي شيء، تآكل، تخلخل، كالزلزال حين يزلزل، حين يخرج من الأرض أثقالا. ورحت في البداية أتساءل عما حل بي وهو يعترف  لي، التزمت الصمت، لأنني لم أجد ما أقوله، ولأنها عادتي، حين يستبد بي الألم، فإنني أصمت وأبتسم، كما فعلت، حتى لقد اندهش لرد فعلي، وظنني أوافقه، لكنني كنت من الزلزلة في دوار، كنت كالسكارى وما هم بسكارى، وأحسست فجأة أن جميع المواد اللاصقة والرابطة في العالم قد تلاشت، ابتداء من النسيج الضام الذي يربط خلايا جسدي، يمنعها من أن تتبعثر، وأعضائي  وأشلائي أن تتبحثر، وطوابق المنزل الذي أقطنه أن تنقض، ومحافظات بلادي أن تختلف، وجغرافيا بلاد العالم أن تعمها الفوضى... والكون... كله... أن يختل... أن تدرك الشمس القمر وأن يسبق الليل النهار... وأسلمني السهاد إلى سهاد والأرق إلى أرق والقلق إلى قلق وعز نومي وثقل عليّ صحوي..
هكذا... ببساطة يعترف...
تحت وقع قارعة اعترافه ظننتني أحلم، أو تمنيت ذلك.
لكنني لم أكن أحلم... فملصقات المؤتمر الذي تحدث عنه تملأ الشوارع، والصحف والإذاعة والتجمعات وكل الأجهزة تدعو الناس للإيمان برسالته.فإن لم يؤمنوا فجزاؤهم  جزاء الكافرين.
***
هــــــــو ------------------------------

أُنظرْ إلى الملصقات التي تملأ الشوارع داعية للمؤتمر بدلا من أن تنظر إليّ هذه النظرة... فَـسَـدَ  سُـمُّـك المهلك وتهديدك بالجحيم... ولعلهم أعطونا تًرْيَاقْا له، وقد وصلتني بطاقة الدعوة، لم يدركوا في البداية كنه مواهبي فأرادوا لي أن أكون عضو شرف، لكنهم في النهاية اقتنعوا أن أكون عضوا عاملا كامل الأهلية. أقلع عن هذه البسمة الصامتة الأشد سوءاْ من سمك، واحبس لسانك في فمك، فيالسخافة ما تقول، عضو شرف بلا شرف، احتفظ أنت بالشرف كما يحتفظ الإنسان بعيب خلقي أو ببقايا ذيل. اصمت إذن واسمعني... لم أعد أفكر كما تفكر أنت، لكن سوء حظي جعل مثلك صديقاْ لي وأنا أحتاج الآن إلى مشورتك. قلت لك أنني سئمت النساء منذ زمن ولم يعد لي فيهن مأرب. الآن يحل المؤتمر مشاكلي... الآن أستطيع الزواج دون أن أقترن بامرأة.. سأقترن برجل.. فساعدني في الاختيار المناسب... لا.. لا أريد غلاما... فلست غرا... بل رجلا ناضجا، لا.. ليس زواج متعة بل زواج مصلحة... زواج عقل... زواج يرفعني يجعلني في العام القادم وزيرا... وربما أكثر، المشكلة ليست في قلتهم بل في كثرتهم...  يتبدى لي الآن بعد نظر الحكام ... فلطالما تساءلت معك عن سر احتفاظهم بالشواذ على قمم السلطة  وعلى رأس الأجهزة... الآن أنا فهمت، فهل فهمت أنت؟. ليس مهما أن تفهم، لكن ساعدني على اختيار من أقترن به.
***

أنــــــا  ----------------------------

تقترنُ بالضياع... وأقترن أنا بالذهول و بالشقاء... أحاول الهرب منك ومن نفسي ومن العالم... وحين يكاد يقتلني الأسى أسقط في نوم يسلمني إلى تلك الثواني اللعينة... الملعونة... ما بين انتهاء نومي واكتمال صحوي، قبل تجسد الواقع واختفاء الأحلام والكوابيس وانبلاج الرؤى،  تلك الثواني هي عذابي وسقمي وابتلائي وبلائي.
ذهلت، حين بعد اكتمال صحوى  وجدت الباب مكان الشرفة. والسرير مكان الصوان ورأسي مكان قدمي... وقلت لنفسي لعلي أحلم فقفزت من الفراش لأفاجأ أن الشرفة تطل على الشارع الآخر... فارتجفت...
بحثت عن الجار المواجه فلم أجده... أبو البنات... عم حافظ أبو الولايا... واللافتة الضخمة التي علقها على شرفته لم تعد موجودة هي الأخرى... لا هي ولا الشرفة ولا البيت ولا الشارع... فاختفى بيت الشعر المكتوب بخط عم حافظ الردئ على اللافتة :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى... حتى يراق على جوانبه الدم
ذكرت صاحبي... قلت لنفسي ربما مع حاجيات المؤتمر شحنوا لنا عقاقير هلوسة  دسوها في مياه النيل، فما أراه غير طبيعى،  وحالي غير مُرْضِ...
توضأت على عجل وصليت... ولم أدر إن كنت قد صليت تجاه الكعبة أو بيت المقدس أو البيت الأبيض فلم يعد من الممكن الحكم على الاتجاهات بعد الانقلاب الذي حدث.
هرعت إلى صواني، إلى ملابسي... لم يهلني انقلاب الألوان... فالقمصان البيضاء أضحت سوداء، والأسود أضحى أبيض، أما الأحمر والأخضر فممنوعان...
علي السلم أكملت  ملابسي وهندامي... وجدت عم حافظ الوقور وقد استخفه الفرح صائحاْ...
 - جاء الخلاص..
 - كيف يا عم حافظ
 - قائمة انتظار عرسان عرسان البنات ممتدة لعام كامل... سعوديون وكويتيون وعدنيون أما الشهود فأمريكيون و إسرائيليون و إنجليز...
فغرت  فاهي ذاهلا :
-  كيف تمتد قائمة الانتظار لمدة عام كامل يا عم حافظ ?
 - كل أسبوع عريس...
صرخت:
- لا ينفع يا عم حافظ...
رد في هدوء ..
 -اعتمد البرلمان قانونا جديد للأحوال الشخصية..
صرخت :
-  القانون لا ينفع..
أجاب :
 - إنهم بصدد استصدار فتوى من الشيخ الكبير.
هتفت :
-  وأشهر العدة
انصرف عني ضاحكا مستهزئا وهو يقول :
-         يا متخلف يا ظلامىّ يا رجعىّ يا متأسلم.. !!..
وفى انصرافه رأيتها على ظهره.. اللافتة التى كان يعلقها على بيته.. ليست هى تماما.. وإنما نسخة أصغر منها.. وعليها نفس بيت الشعر:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى... حتى يراق على جوانبه ...
كانت كلمة الدم وحدها قد اختفت بعد أن غطاها وحلّ محلها عملة ورقية خضراء من فئة الدولار.
واختفى من ناظرى فابتلعت ذهولى ورحت أجري..
وجدت الدرويش يهرول فجريت نحوه... ألتمس منه البركة، الدعاء... أطلب منه طلسما يمنع الشياطين من العبث بي... لكنه لم يلق إليّ بالا، أخذ يصرخ والزبد يتطاير من بين شفتيه...
 - خان... والله خان...
 - من الذي خان يا عم الدرويش...
نظر إلي مغاضباْ وهرول مبتعداْ... فرحت أواصل الجري...
انتهى شارع بيتنا الذي تبدلت عماراته والمحلات التجارية فيه، فوجدتني في ميدان لم يكن من قبل موجوداْ، تساءلت.. سألت الناس:
-  ما اسم هذا الميدان
و أجابنى  مجيب رقيع :
-  اسمه ميدان المؤتمر.
فأجري...
أبحث عن الحي... عن المدينة... وأختنق ... كأن الهواء ليس هواء، والقوم ليسوا قومي، وسمعت  ضجيجاْ فإذا المسجد تقام فيه صلاة فدهشت، فالظهر لم يؤذن له بعد، فأي صلاة يصلون، لكني دخلت، ربما أدعو فيستجاب لى، اليوم ليس جمعة وبالرغم من ذلك يوجد خطيب على المنبر، ودققت فيه النظر فإذا به الشيخ الشهير سمير عجب لكنه يلبس زيا غريبا... واقتربت من المنبر وصرخت فيه.
-  يا سمير أنت لا تحفظ شيئا من القرآن فكيف ستصلي بنا ?
 فنظر نحوي باحتقار وأجاب :
 - يا جاهل، يا أمي، لكنني أحفظ خطب السيد الرئيس.
صرخت.
-  والقرآن فى الصلاة.
أجاب :
 - سوف أتلو بدلا منه خطبة من خطب السييد الرئيس ..
صرخت :
-  يا سمير لا ينفع..
قال :
-  بل لا ينفع غيره...
قلت له :
-  يا سمير.. ما المسافة بين قصرك وقبرك ?
أجاب :
-  خمس دقائق بالسيارة.
قلت له :
-  ما إلى هذا قصدت، بل قصدت لماذا تفعل ما تفعل  والقبر قريب.
أشار إلى المؤذن  أن يتكفل بالرد علىّ فنظرت إليه فإذا به عبد العظيم شعبان في ملابس فاضحة ...
صرخت فيه
- يا عبد العظيم. معظم عورتك مكشوفة... فكيف تصلي ?!
نظر إليّ باستهتار وسخرية قائلا...
-  كانوا يطوفون بالكعبة عراة... يا جاهل التاريخ يا أحمق..
فقلت لهما :
-  لكن الصلاة لا تجوز بالخطب والعورات..
نظر كل منهما إلى الآخر ثم قالا في صوت واحد :
-  لكننا جربناها ونفعت... وحتى من غير وضوء نفعت...
صرخت فيهما :
-  والله لا ينفع
قالا في صوت واحد :
- إرهابي ينكر ما هو معلوم بالضرورة...رجعى ينكر فتاوى المحدثين ... يجب إعدامك أو على الأقل اعتقالك.
رددت عليهم :
-  كفتية منقباد[1].
أومأ كل منهما للآخر أنه اكتشف أمري، لكنني سألت :
-  وبأي أذان تؤذن يا عبد العظيم ?
أجاب
 لم نعد نؤذن وإنما نستعمل اللاسلكي والموبايل..
قلت له :
- ياعبد العظيم لا ينفع.
أجاب ساخرا :
- لا ينفع غيره...
أشار إلى جنود برزوا من بين المصلين فجأة فانطلقت أجري وأجري حتى أفلتّ منهم، وقابلني الدرويش يصرخ :
-  والله خان... خان... والله خان...
فواصلت الجري حتى أمنت، فوقفت أسترد أنفاسي لاهثا، وإذ بصديقي بجواري.
***
هــــــــو ------------------------------

لماذا تلهث كأنك هارب من الشيطان، ماذا تقول بين لهاثك، لا أفهمك، تقول أنك هارب من الشيطان فعلا، إذن فدلني عليه، لشد ما أشتاق إليه، لكن دعك من هرائك وخيالاتك وأوهامك وهواجسك وساعدني في اختيار شريك حياتي. لا تقف هكذا كوحش متخلف من بقايا عصر حجري. أفق. لكن كيف تفيق وقد حاصرت نفسك منذ عشرات الأعوام، حين كنت تصدعني بأفكارك المتخلفة الحمقاء، من حرصك المتسم بخوف حيواني على هويتك، ظنك أنهم يتسللون إليك عبر التلفاز والصحف وآخر خطوط الموضة في الملابس والمجلات والكتب والعادات والتقاليد والأبحاث والمؤتمرات والسياسة والاقتصاد وتنظيم الأسرة ... لم يبق إلا الماء والهواء هما اللذان برئا من ظنونك. لا، حتى الماء لم يسلم، فذات يوم قادتك هواجسك إلى ظن مضحك أنهم وضعوا لنا في ماء النيل موادا كيماوية تسلبنا النخوة والكرامة والصدق، وموادا أخرى تسلبنا الدين، ألا ما أحمقك، كيف احتملتك عشرات السنين الماضية، وكيف احتملت هجومك عليّ حين حين اقتنيت الدش  كي أتابع  فيه برامج العالم ومتعه و أفلامه المحظورة التى حرّمها المتخلفون أمثالك دون أن يعرفوا ما فيها من متعة، ها أنت ذا الآن ترى كم انفصلت أنت عن العالم... كيف أصبحت غريبا فيه، وكيف ستمسي لا مكان لك.
***

أنــــــا  ----------------------------

لا مكان لي...
أنطلق...
يُؤذن لصلاة الظهر... لكني مشغول في البحث عن خلاص...
يا يا رب... لست مشغولا عنك...  وإنما تمر بي لحظات في سواد تلك اللحظة، فأتصرف تصرف طفل أحمق حين يتوقف عن الدرس أو يضرب عن الطعام... لا زهداْ في الطعام ولا انصرافا عن الدرس، وإنما ليثبت لأمه كم هو غاضب وكم هو حزين وكم هو بحاجة لمزيد من الحنان والعطف.. وكم هو بحاجة لأن تقوم هى بالمبادرة فتصالحه وتطعمه الطعام وتحضه على الدرس..  لذلك أحياناْ يا رب - وأنت بي أعلم مني بي - أسهو عن صلاتي بنفس الدافع الطفولي الأحمق كي تمتد إليّ يــــدُ عوْنًك، امتداد يد أم رؤوم ترى ترى ابنها على شفا جرف نار.
انطلقت إلى مقر عملي... أثقلتني الهموم حتى نسيت موعده. بالصدف العمياء وجدته، رغم اختلاف المكان وجدته، كانت اللافتات تعلوه من بعيد مرحبة بالمالك الجديد الذي سيشتريه كي يخلصه من براثن مالكه القديم..
اقتربت من السور ... فرأيت على المداخل ما رابني فتواريت أرقب،  ضجيج صراخ وعويل يترامى إليّ... وكسيخ محمي يخترق الأذن دوى أصوات طلقات نارية،  ورأيت على سور مقر عملي أصحابا لي يتساقطون قتلى، لم يفلت منهم إلا صديقي : "وطن "  فقد سقط إلى خارج المقر فجريت إليه وحملته على ظهري ودماؤه تغرقني... تنبهت أنني أجهش بالبكاء حين قلت له :
-  ماذا حدث يا وطن... لماذا يقتلونك.
أجاب هامسا، مع كل حرف دفقة دم :
 - هل تعلم أن المالك الجديد اشترط أن يشترينا مع المصنع.. عبيدا... ووافق رئيس مجلس الإدارة.. نعم .. لا تندهش .. وافق الرئيس بعد أن حصل على عمولة هائلة..  وتم البيع...رغما عنا ...  حاولنا... المقاومة   فقتلوا كثيرا منا  ... فحاولنا الهرب...
هتفت فيه :
-  لا تتكلم يا وطن فأنت تنزف... سأذهب بك إلى طبيب.
أجاب هامساْ :
-  لم يعد الطبيب يجدي...
قلت له واللهفة تقتلني :
-  فإلى أين ?
أجاب :
-  أحتاج إلى معجزة فخذني إلى أم العواجز.
-  السيدة زينب؟؟..
-  أجل...
فانطلقت أجري وهو على كاهلي تغرقني دماؤه... ولاحت لي مآذنها وصحن الجامع من بعيد.. مازالت في مكانها... مستقرة إذن... ناديت من الأعماق :
 -  يا أم العواجز..
فجاءتني برجع الصدى إجابة جليلة :
 - أجل..
رابني الزحام أمام المسجد، وإذا بدائرة محلقة حول سيدة جليلة تحمي بذراعيها فتاة غضة، ونظرت فإذا بيزيد يتصدر المجلس وعبد العظيم شعبان يتوسل إليه :
-  هبها جارية لي... فلطالما تفانيت في خدمة مولاي..  والكذب  من أجله عامدا متعمدا  فهي من حقي  ...
فتهتف السيدة الجليلة :
-  كذبت ولؤمت... ما ذلك  لك  و لا  له.....
فقال يزيد
-  بل كذبت أنت، إن ذلك لي ولو شئت لفعلت .
فقالت السيدة الجليلة :
-  كلا والله... ما جعل الله لك ذلك ولا له إلا أن تخرجا من ملتنا وتدينا بغير ديننا...
فصرخ فيها يزيد:
 - إنما خرج من الدين أبوك وأخوك.
ففوجئت بصديقي النازف على كاهلي يقفز على الأرض مستويا ليخطف من أحد الحراس سيفاْ فصرخت فيه :
 - ماذا تفعل يا وطن وأنت تنزف ؟..
أجاب :
-  سأدافع عنهن حتى آخر قطرة دم.. حتى الرمق الأخير...
-  عمن ستدافع يا وطن ?
أجاب :
-  ألم تعرف السيدة الجليلة بعد.. إنها السيدة زينب وما الفتاة إلا فاطمة بنت الحسين.
هتفت به :
 - إذن دعني أقاتل معك...
صرخ فيّ :
-  بل اذهب أنت لتدرك الحسين.
فانطلقت أجري.. وقابلني الدرويش يهتف صارخا...
 -  خان... والله خان... خان...
لم يكن لدي أي وقت أضيعه فواصلت الجري حتى قابلت - في الطريق -  صديقي...
فاصطحبني في طريقي إلى  الحسين.
***
هــــــــو ------------------------------

كالمجنون  يجرى... لكن  لا بأس فالحركة ولود والسكون عاقر، لكن متى يكف عن أوهامه وهواجسه وظنونه. أُخبِرتُ بحدوث بعض الشغب من بعض الإرهابيين والرعاع في مناطق متعددة منها السيدة والأزهر ومصر القديمة وبعض المدن أما كل القرى فنائمة، ثلة  حاقدة مضللة تنفس عما بها من حقد وجنون وطيش، ولو لم يكن المؤتمر لثاروا على أي شيء آخر.
ياأحمق أحتاج لرأيك..
لا..  لا تسمم  فكرى بآرائك عن المؤتمر،  يزيد شخصيا  من رأيي،  فهل تريدني أن أترك رأى يزيد  إلى رأيك أنت.
ليس رأيك  في المؤتمر  ما أريد وأنت تعلم، لا تريد أن تبدى رأيك في شئ آخر، إذن.. لا أريد رأيك ودعني أفكر بصوت عال أمامك.. استقر رأيي على واحد من ثلاثة  لأتزوجه، ليشاركني بقية عمري.. الأول عمره مناسب، قضى فترة طويلة من حياته في إيطاليا، غناه  من بيع التماثيل ومن العمولات والرشاوى طائل، شريك في شركة فرنسية للمواسير وأخرى بلجيكية للغاز المسيل.. منصبه مهم ومستقبله أهم، لا يعيبه إلا ثقل الدم ووضاعة الأصل، الثاني سليل الحسب والنسب، مثقف، لا حديث عن ثروته لكني لا أشك أنها طائلة، منصبه لا يقل عن الأول خطورة وما لديه من الأسرار المسجلة  بالصوت والصورة  ما يجعله صعب الإزاحة، لكن سمعة ما كان يفعله أيام الحكم الشمولي  من فظائع تجعلني أخشى ميولا سادية أو موجبة لديه،  فمن  أفظع ما يشاع عنه، ما فعله مع كثير من الفنانات الشريفات، اللائى  لم ينجين من الانهيار العصبي  والاكتئاب، وحتى الاحتجاب، بعد زمان طويل، من جراء ما فعله بهن، في زمان الانغلاق.
الثالث بشع، كريه، نتن، قصير القامة كروي الشكل، لا عنق له، محدودب الظهر قصير الساقين مفرطح القدمين منفرج الفخذين يتدلى كرشه أمامه، لكنه يشغل أخطر الأماكن وأبعدها عن المراقبة، ولولا ما سبق من سوء سمعته وتورطه في علاقات غرامية مع المشبوهين وأسافل القوم لوصل إلى أخطر المناصب. لو اقترنت به لدفعني أنا إليها... القلب يرفضه، والعين تقتحمه، والأنف تشمئز من زفارته... لكنه اختيار العقل الوحيد.
تعال هنا... إلى أين تذهب... شارع الأزهر مسدود، ألم تسمع، قلت لك أن ثمة أحداث شغب يواجهها الأمن هناك، ربما تستطيع الوصول من طريق المطار، أو بالتسلل من طرق فرعية بعيدة. لكن دعنا من هذا ولنرجع إلى موضوعنا المهم. إذا انتهيت فعلا إلى هذا القرار، فإلى من أتقدم كي أخطب شريك عمري ?!..
إلي من أتقدم.. لا إخوة  له، ولا أسرة، فهل أتقدم لخطبته من رؤسائه ?
توجد في رأسي أسماء عديدة..
لكنني لا أجرؤ..
فجأة، كقرد، قفز أمامنا شخص قذر ممزق الأسمال فهتف صارخا :
-  خان .. والله خان... خان...
لا تأبه له يا صديقي، أشر علىّ  بمن  أتزوج وكيف السبيل،  وتوقف عن حديثك الممل وفكر معي..  لا،  لا أريد حديثا عن الأخلاق والمبادئ  ولا عن المؤتمر. كان ثمة اقتراح رابع لشخص رابع ولكن زكى بدر لم يبح باسمه أبدا، اكتفى بالإشارة إلى أنهم أربعة، فترك الكل نهبا للظنون، لم ينج أحد. هل تتحدث عن الأخلاق والمبادئ مرة أخرى ? رغم  المؤتمر ?! ..
ياأحمق لا خير إلا النشوة ولا شر إلا الألم   ولا حق  إلا حقوق الإنسان  في الحرية الكاملة .
***

أنــــــا  ----------------------------

لا حق إلا الله.. ومهما كنت قد ظننت أنني قد علمت فقد جهلت.
راعني وفي طريق المطار صناديق ضخمة، أضخم من أن يتخيل العقل كيف تم نقلها... قيل أنها أدوات المؤتمر وحاجياته، وأنها ضخمة هكذا تسد الأفق لأن أعضاء المؤتمر عشرة آلاف.. حتى لو كانوا مائة ألف لما احتاجوا لكل هذه الصناديق بكل هذه الضخامة.. يجب أن أجد مسئولا أقنعه بفتح صندوق من هذه الصناديق. لكنني مأمور بنجدة الحسين، ولا مسئول سيسمع لي، ولو حاولت وحدي فهو الموت.
رغم أن الطريق كان مسدودا فقد استطعت التسلل والوصول.. إلى الميدان.. لكن الزحام كان فظيعا والهرج كان أفظع.. وسألت الناس عما يحدث فعلمت أنهم يقصفون الحسين ورحت أجري صارخا في البرية... من يجرؤ؟... من يجرؤ؟... قيل لى أن الإرهابيين يختبئون فى رحابه.. و أنه يقدم لهم يد العون.. فضلا عن أنه يحرضهم ... ورأيت منجنيقاْ هائلاْ نصب في ساحة الأزهر ليقصف الحسين... فجريت نحوه صارخا يا شيخ الجامع... يا شيخ الجامع... فقابلني مكرم  الذي سخر مني قائلا أن شيخ الجامع نفسه محاصر في الداخل بعد أن حاول مساندة عناصر الشغب، وثبت  أنه هو أيضا إرهابي، ولقد ثبت لنا بالصوت  والصورة أنه يعارض المؤتمر، لذلك  تم اتخاذ قرار بالاستعانة ببيت خبرة أمريكي إسرائيلي لتطوير الأزهر... فصرخت فيه :
-  كيف؟.. هذا لا يجوز ..
أجاب :
-  بل لا يجوز غيره.. التعيين بمرسوم جمهورى.. والمرسوم بقانون.. والقانون يصدره المجلس.. و قد أصدره بالفعل.. وافق الأعضاء بالإجماع..
وواصل القول :
 - هناك الآن تفكير جاد في استدعاء موسى صبري - بوسائل تكنولوجية معقدة - و إسناد مشيخة الأزهر إليه.
قلت له
-  لكن هذا لا يجوز ...
قال :
-  بل لا يجوز غيره.. ثم أن القانون الذى تتشدق به لم يشترط أن يكون الشيخ الأكبر مسلما..
ثم أردف :
 - نسيت أن أقول لك أن هذا  مطلب من مطالب المؤتمر و شرط من شروط صندوق النقد الدولي لإسقاط الديون.
سألته :
-  هل سيناقش المؤتمر الذي سينعقد هذه المسألة..
نظر نحوي ساخراْ مستهيناْ وهو يقول :
-         يا أحمق يا غبي.. المؤتمر منعقد منذ ألف سنة، و أنتم تصرخون الآن.. كل القرارات صادرة من قديم.. والآن وقت التنفيذ..
صرخت فيه:
-         كنت تعلم يا مكرم و أخفيت الأمر عنّى..
فأشاح بوجهه.. فصرخت فيه:
-         أنت منهم..
فولّى بعيدا واختفى وسط الزحام..
فرأيت رجلا يمسك بمكبر صوت يحمس القوم على قصف الحسين فإذا به الشيخ إبراهيم رعده، ولي به سابق معرفة فقلت لنفسي أذهب إليه لأناشده، فذهبت إليه :
 - يا إبراهيم.. أنت لست كسمير، وبرغم كل ما فعلت فوالله لم أفقد الأمل فيك، يا إبراهيم أنت بشر عاص لكن الآخر قرد أو خنزير... يا إبراهيم أنت جربت الألم حين ثكلت، وليس من يعرف الألم كمن لا يعرفه.. يا إبراهيم كن كالحر بن يزيد... خير نفسك بين الجنة والنار ولا تختر على الجنة شيئاْ وإن قُطّعت وحُرّقت.
نظر إبراهيم نحوي والتمعت في عينه دمعة حتى طمعت فيه لكن الشيطان عاجله فواصل وهو يتمتم :     
-  هل تريد أن يسبقني سمير.
وفقدت الأمل فيه، فانطلقت نحو الحسين كي أدافع عنه  فوجدت منجنيقاْ آخر في دار القضاء يقصفه، ودخلت أناشد من فيه فوجدت القاضي بنفسه يشرف على القصف فصرخت فيه :
-  أين تهرب من نار جهنم.
فسخر صعلوك رقيع بجانبه :
 - إلى أي ملاذ من الملاذات الآمنة..
فظننت أنه زوج القاضي.. واندهشت..
فانطلقت فوجدت عبد المنعم رياض يقف في المقدمة يناضل العدو ويتلقى السهام والرصاص... فصرخت فيه :
-  أين جيشك؟..
فأشار بيده إلى الجهات الأربعة قائلا :
 - ضيعه هؤلاء
فصرخت فيه:
-  هل تقصد العالم؟.
 فقال:
-  بل أقصد : أنتم
ثم راح يخطب في الناس :
 - إن لم تنتصروا اليوم فسوف يهتك عرض كل رجل وامرأة وطفل في هذا الوطن.. لا تظنوا أنني أبالغ أو أشبه، بل أقصد هتك عرض.. مادي.. كامل..
فقلت له :
-  مرني أطعك..
فعاجلته رصاصة تلاها سهم فأخذ ينزف كوطن وصرخت في لوعة :
 - مرني أطعك ..
فهمس من بين الدم :
 - أدرك الحسين..
فانطلقت..
عرقلني الزحام..
منعني الزحام..
خنقني الزحام..
وصرخ من نياط القلب صوت :
 - ذبحوا الحسين ..
فجن مني الجنون.. لكني رأيت عبد العظيم شعبان يمسك قلما يقطر دما وهو يهتف :
 - أنا قتلته..
فيماريه  ونيس المنصوري  بقلم  يقطر  دما  أكثر :
 - بل أنا القاتل، ولى حق البشارة..
فيخرج لهم فرج فودة يلبس كفناْ ويهتف :
-  لا تنسبوا لأنفسكم ما فعلت..
ووجدت عشرات ومئات وآلاف يتقدمهم كبار القوم والضباط والوزراء والقادة ورؤساء تحرير الصحف والمحافظون وأعضاء مجالس الشيوخ والأمة والشعب والشورى يهتف كل منهم :
-  أنا قتلت الحسين، من حقي المكافأة،  فهي بالدولار.
فتساء لت عن عددهم.. فقيل لي.. ألف وخمسمائة عام.. فقلت بل أسأل عن العدد فقيل بل خمسة آلاف عام فقلت بل أسأل عن العدد فقيل مائة ألف عام... فبكيت... ورجوت أن أقبل جبهة الحسين فقيل لي بل هي في قصر يزيد الآن دون جسد يعبث في الشفتين برمح.. وأنه - يزيد - سوف يلقى فى التلفاز بيانا جامعا يشرح فيه ما حدث بعد قليل، و أنه لا يمس القاعدة الصلبة للأمن والأمان  في البلاد، وليس ثمت تهديد لأعضاء المؤتمر.
فانطلقت كالمجنون أجري.
***
هــــــــو ------------------------------

ما يزال كالمجنون يجري..
لماذا أقول كالمجنون.. فهو المجنون فعلا..
لعلي لو استمعت إليه الآن  لصدعني بحديث مختلق من الخيال والكذب والإدعاء والتشهير الفاضح المفضوح، صعلوك صديق للصعاليك والرعاع، وعلى من سيكون من علية القوم مثلي بعد زواجي أن يتجنبه...
لكنه يسعى نحوي فعليّ الفرار منه
***

أنــــــا  ----------------------------

كأنه يروم الفرار مني..
لا تهرب فذات يوم ستكون حاجتك للفرار أشد..
اسمعني..
طالما ظننت ما بي ليس سوى الهواجس والظنون..
الآن يتجسد كل شك وربما كل وهم ويقترب كل بعيد ويحدث كل مستبعد.. ليس الأمر خلاف رأي بيني وبينك... ليس الأمر الدش ولا فيلما خليعا ولا حتى الشذوذ... ليس البيع ولا الشراء، ولا التخلف ولا التقدم ولا كل هذا... هل علمت أنهم قتلوا الحسين وحاولوا سبي بناته؟..... وعبد المنعم رياض مات، ووطن تركته ينزف هو الآخر... ولعله مات... أفق... ألم تسأل نفسك أبدًا  ماذا بداخل هذه الصناديق الضخمة.
***
هــــــــو ------------------------------

نجحت في الهرب من المجنون... لشد ما يهذي ... عليّ لشراء هدية لخطيبي.
بالصدفة قابلت إحدى بنات عم حافظ مع ثري عربي يشتري لها عقداْ من الألماظ فقلت لها...
-  أرأيت ثمار تحرير المرأة ?
فردت في دلال :
-  لم أكن أظن أن للشرف كل هذه القيمة حين يعرض  للبيع في السوق الحرة...
فقلت لها :
-  وثمن الشذوذ أغلى..
نظرت إلي في دهشة من لا يفهم ففسرت :
 - لأنه ألذ..
فقالت في لهفة :
 - دلني على الطريق..
فأعطيتها بطاقة دعوة للمؤتمر..
فغمز لي الشيخ العربي بعينه ممتناْ وألقى إليّ بصرّة من الذهب. فتساءلت : إذن كم يكسب سمير وإبراهيم وعبد العظيم  ومكرم... و... و ... و ...

***

أنــــــا  ----------------------------

انطلقت إلى القلعة.. سألت هل عاد الوالي.. فنظر إليّ الحارس بفتور متسائلا :
-  أي وال فهم كثيرون ?.
قلت له :
 - صلاح الدين .
فرد وهو يتثاءب مولياْ لي ظهره كي ينام :
-  قيل لنا أنه ربما يعود بعد قرون ..
فتساءلت بلهفة :
-  والشيخ عز الدين بن عبد السلام ?..
فتقلب على فراشه كي يواجهني بسأم :
-  قيل لنا أنه مات منذ قرون..
فبكيت حتى ابتلت لحيتي.أنــــــا  الذي كنت بلا لحية ...
وأنا أهبط من القلعة والظلام يهبط هالني من الصناديق الضخمة ما رابني في البداية إذ وجدت صندوقا منها يفتح ويخرج منه جنود  عرفت منهم أوديسيوس - أمكر البشر جميعا -، عرفته من صوره المنشورة ومن شدة الشبه بينه وبين  جورج بوش... . وأخذت أصرخ :
- حصان طرواده... حصان طرواده...
 ولمحت صديقي يمر مر البرق في سيارته الفارهة.... فصرخت فيه أن يقف لكنه لم يسمعني... ولعله لا يراني...
***
هــــــــو ------------------------------

تصنعت أني لم أره... ويبدو أنه يسير إلى الجنون المطبق بخطى حثيثة... كان يقف بالقرب من صندوق من صناديق المؤتمر يصرخ حصان طروادة، فعلى غرامه بالتاريخ ألف لعنة ولأخل أنا لغرامي
***

أنــــــا  ----------------------------

يظن أنه يخلو لغرامه... وما حتى الشذوذ ومتع الدنيا بمآربهم،  وليست سوى شرك منصوب وطُعم سوف يهلك من ينخدع فيه.. يا مساكين يا حمقى.. ليس الشذوذ  زواج رجل برجل وامرأة بامرأة بل عطب في العقل والقلب... يا مساكين يا حمقى... ليس شذوذ الجسد سوى شفرة... علامة... كـ : " افتح يا سمسم "  وبعدها ينفتح علينا وعليكم عالم اللعنات والخراب... يا مساكين يا حمقى... شذوذ المؤتمر ليس إلا تتويجاْ لشذوذ طويل مارستموه... حروب الخليج كانت شذوذا وهدم العرب للعرب والمسلمين للمسلمين كان شذوذا  وتقتيلنا لأنفسنا  كان شذوذا  وكذبنا كان شذوذا، والتعذيب كان شذوذا  والتزوير كان شذوذا وبيع الأمة كان شذوذا وفتح عقولنا على الغارب لهم أشد خطورة من فتح فروجنا... أو هو في المقدمة له والنتيجة أيضا.. يا مساكين يا حمقى.. أيامكم كلها كانت تمهيدا لهذه اللحظة.. لحظة الكشف لا لحظة نزع العفة... فعفتكم منزوعة منذ زمان طويل... بعتم يا أبناء الكلاب أعراضكم، وسكتنا لكم، فانقلبتم علينا لتبيعوا أعراضنا.
عدت إلى الحسين فلم أجد له جسدا وسألت ماذا حدث فقيل لي أمر الآمر عشر دبابات أن تروح وتجيء على  جسده المثخن بالرصاص حتى تذوب معالمه فسألت القائل هل أتت هذه الدبابات من الصناديق فلم يفهم قولي، فهرعت إلى السيدة زينب باكيا، يا أم العواجز أنا عاجز، يا أم العواجز لم أدركه، لكنني لم أجد أم العواجز، لم أجد إلا ضريحا، فصرخت، أين  فاطمة بنت الحسين، وهل سباها الفاجر، فأجابني عجوز لا تكف دموعه عن الجريان، لا، لم يسبها الفاجر، لكن الفجرة من حينها يسبون أبناءها، فسألته إذن فأنا سأُسبي، فازداد جريان الدمع في عينه، فتذكرت أنني لم أسأل عن رأس الحسين، فعدت ولم أجد سوى الدرويش الهاتف
-  والله خان...
سألته باكياْ..
-  أين رأس الحسين ?..
فتلفت حوله حذراْ ثم همس وهو يشير نحو قلبه :
 - خبأتها ها هنا..
ثم راح يصرخ :
 - والله خان.. والله خان..
***
هــــــــو ------------------------------

درويش أحمق لا يكف عن الهتاف ..
-         والله خان... والله خان... وما يقصد المجنون إلا سادته وسادة سادته  فلماذا لا يطلقون الرصاص عليه ككلب مسعور
***

أنــــــا  ----------------------------

سمعت صوت إطلاق رصاص وتحسست جسدي، فوجدت دماء كثيرة لكنني لم أعلم هل هي دماء صديقي وطن أم دماء عبد المنعم رياض أم دماء لا أعرف نازفها فانطلقت نحو النيل أصرخ...
-         يا نيل لا تروهم من مائك... يا بحر أغرقهم بمائك...
 وتململ النيل وزمجر البحر فرحت أصرخ :
-  يا نيل غض... يا بحر فض...
بدأ النيل يغيض وراح البحر يفيض، لكن طائرة أواكس التقطت ما يحدث فانفتح صندوق ضخم خرج منه أناس كثيرون يحملون أجهزة عجيبة... فأفسدوا الأمر كله.. وسمعت قائدهم يلقي إليهم بأوامره بذبح النيل في أماكن حددها لهم وحدد لهم أيضاْ طريقة الذبح فهرعت إلى ميدان الجيزة فشارع الأهرام فالأهرام، أيقظت خوفو من مرقده وصرخت فيه :
-  أين أجد الفرعون مينا.. ?
تساءل في دهشة عن السبب فقلت له أن الوطن الذي وحده منذ خمسة آلاف عام يوشك أن يتفتت، فنظر نحوي في احتقار ثم قفل راجعا وهو يتمتم :
-  يالكم من أحفاد حقراء... وأين أنتم ؟..
***
هــــــــو ------------------------------

استدعاني رجال مكتب الأمن في المؤتمر وسألوني عن صديقي فقلت لهم أن غرامه بالتاريخ جعله يهذي وأن عزوفه عن متع الدنيا ليس إلا فرط تأثير أساطير الأولين عليه.. وسألوني عن الدرويش المخبول فقلت لهم تحديد النسل يقلل من مثله وزواج الرجال بالرجال يمنعه أصلا، وسألوني عن بغيتي فأجبتهم، ثم أخبرتهم عن حيرتي فيمن أخطب منه من وقع عليه اختياري...اختيار  ووجدت عندهم الحل أفضل ما يكون وأعظم ما يكون، إذا قال الرجل :
-  يا رجل.. لا تحمل هما.. أخطبه من رئيس أمريكا شخصيا.. أنت لا تعرف كم يخفق قلبه لمثل هذه القصص العاطفية
خرجت على الفور كي أكتب برقية للرئيس الأمريكى بمبتغاي فوجدت صديقي المجنون يكتب برقية للملك مينا فضحكت فنظر إليّ دامعاْ وهو يقول في حزن :
-  لو كان لعقلك سرعة تفوق سرعة الضوء لرأيت ما أراه.
***

أنــــــا  ----------------------------

وجدت الشيخ إبراهيم  رعدة يسدد طعنة نحو قلب الدرويش فصرخت فيه :
-  حذار.. فإنه يحمل فيه رأس الحسين..
ازدادت ضراوة الشيخ إبراهيم لكن الشيخ واجهه بطلسم لم يستطع معه أمرا، فنظر نحوي غاضباْ.
-  عن مثل هذا الجنون تدافع... ومثل فكره تتبع ?..
فراح الدرويش يهتف :
-  والله خان..
فأخذت أحاول إقناع الشيخ إبراهيم فلم يقتنع، فقلت له لو تحرك عقلك أسرع من الضوء لرأيت ما أرى ولفهمت ما أفهم، فقال لي أنني أفوق الدرويش جنونا، فقلت له بل أنت لا تفهم فتصنع طول البال والصبر على المكروه وهو يناشدني أن أجعله يفهم ما أفهم فقلت له.
- إنك ترى في الأفق نجما انفجر منذ مائة ألف عام، لكن الضوء الذي كان قد انطلق منه مازال ينقل إلينا أخباره..
فتساءل في ضجر :
- أهذا طلسم آخر ?
قلت له محاولا تبسيط الأمر :
 - إذا كنت ترى نجما قد نفجر منذ مائة ألف عام، فإن مراقبا على بعد ألف وخمسمائة عام ضوئي من الأرض يرى زمن الرسالة، وآخر أبعد قليلا يرى المسيح عيسي عليه السلام، والأبعد يرى موسى عليه السلام، والأبعد قد يرى آدم نفسه..
فنظر إليّ باستهزاء شجعتني نبرة القلق وتزلزل اليقين بالكفر فيه :
-  ما هذا الهراء.. ?
فواصلت وقد طمعت في ضمه إلى صفي :
-  ليس هراء يا إبراهيم فالأمر أفدح بكثير، لأن ذلك معناه أن كل الأحداث في كل الأزمان مرصودة من أماكن مختلفة في الكون في نفس اللحظة... ولأنك لا تستطيع حتى رياضيا تحديد مركز الكون فلا مستقبل هناك ولا ماض وإنما الكل حاضر، يحدث الآن كله، إذا ثبت المكان  تحرك الزمان و إذا تغير المكان ثبت الزمان.
فهتف في ارتياع وقد لاح لي أنه قد بدأ يفهم..
 - هل تعني..
لم أدعه يكمل حين قاطعته وقد استبد بي الحماس والضنى :
 - معناه ديمومة الفعل... إن الخطيئة التي ترتكبها في هذه اللحظة، أو الكلمة التي تقولها، أو التضحية التي تقدم عليها، تظل مرصودة في الكون أبدا.. حتى بعد أن تموت يا إبراهيم، بعد أن ينقضي أثرك... بعد عام، وبعد ألف عام، وبعد مليون عام... وبعد مليار عام يظل فعلك مرصودا في مكان من الكون... فعلك ذاته، لا تسجيلا له ولا رواية لأثره...
بلغ به الانفعال كل مبلغ فواصلت :
-  معناه أيضا يا إبراهيم، أنه يوم القيامة، حين تشهد علينا جوارحنا، فلعلها لن تشهد علينا من شريط مسجل، وإنما ستزداد حواسنا حدة، وربما يضاف إليها، كي ترى يومها رأي العين موقفنا هذا وتسمع سمع الأذن حوارنا هذا لتحكم بعدها على نفسك.
وواصلت، حين خيم عليه الصمت، ووثقت من تمكني منه :
-  معناه أيضا يا إبراهيم أنني لم أتجن  حين رأيتك تساعد في رمي الحسين، وكنت صادقا حين رأيت السيدة زينب... وكونك لم تر ليس إلا لبطئ عقلك.. لأنك كبلته...
ونظرت نحوه، أسبر غور تأثير قولي عليه، فوجدته فجأة، يهز رأسه في عنف كأنما لينفض أثر نوم، ثم ينطلق ساخراْ :
-  أيها الدجال المهرج... أبمثل هذا تخدعون ضحاياكم..
ثم أمسك برمح ضخم ووجهه نحو قلبي، لكن الدرويش دعا بدعوة فانحرف الرمح عن مرماه  و وانطلقت مع الدرويش وهو يطاردنا ويهتف.
- أيها المجنون لن نمكنك أنت ومثل هذا الدرويش من الأمر أبداْ..
فجأة قابل : "  هــــــو  "   فعانقه وسمعته يسأله :
- مبارك... مبارك واحد لا يكفي فاثنان وعشون مبارك.. بل خمسة وخمسون مبارك  ...  هل ستتزوج منه فعلا... لقد سمعت هذا الأمر منه شخصيا...
 ثم أخذا يتهامسان فلم أسمع..
***
هــــــــو ------------------------------

إبراهيم رعدة  صديق عزيز... لا يفوقه معزة إلا سمير.. وأطمع أن يساعدني في كثير من الأمور فله خبرة... كاد يضيع منا حين فقد ابنه،  وكاد يتبع أساطير الأولين، لكننا بالخمر وحبوب الهلوسة والمنشطات والجهاز الجديد أعدناه إلى صوابه..
***

أنــــــا  ----------------------------

وجدت صديقي "عادل حسين" يمسك مدفعا ويجري فهتفت به :
- أين تذهب يا عادل... أما تعلم أنهم  قد ذبحوا الحسين وأن السيدة زينب معتقلة وأن بنات الحسين سبايا  وآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم محاصرون.
فرد وهو في عجلة من أمره :
 - هل تعلم أنت أنهم أصدروا قرارات اعتقال للملك مينا والنبي إدريس وعمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي وأحمد عرابي وأحمد حسين وخالد الإسلامبولي..
فصرخت وأنا من الرعب في غاية :
 - هل يجرءون ..؟؟..
فأجاب في عجلة :
-  لم يعد يخجلهم شيء... فقد رأيت أوامر اعتقال تعدُّ  للخلفاء الراشدين .
أطلقت صيحة عظيمة ثم قلت له وهو يمعن في البعاد:
-  أنا خائف مما في الصناديق الضخمة يا عادل...
فقال :
- الصناديق دخلت من الأبواب... فأولى لك أن تخاف من الأبواب... وخاصة الباب الأعظم.
واختفى فلم أفهم.
بحثت عنه فلم أجده... فوقفت عند مفترق الطرق حائرا... ووجدت ياسر عرفات حائرا مثلي:
قلت له :
 - لعلك أنت الآخر تبحث عن عادل..
أجاب في خجل :
-  بل عن سمير وإبراهيم..
صرخت ملتاعاْ :
-  لماذا جئت ?
أجاب :
-  أنا مدعو في حفل زواج ک هو..
صرخت فيه
-  وفي المؤتمر أيضاْ..
أطرق في خجل..
 فقلت له..
 - هل سبقته إلى الزواج؟..
فصرخ الدرويش :
 - خان.. والله خان .. خان
فالتفت نحوه فلم أره.. لكنني رأيت صندوقاْ ضخما ينفتح ويخرج منه بشر لا عد لهم ولا حصر يلبسون ملابس كملابسنا ويتسللون بين الناس... فنظرت إلى ياسر.. وجال بخاطري شيء فصرخت فيه :
- أستحلفك بالله... هل أنت أنت..
نظر إليّ بدهشة متسائلا عما أقصد  ثم أجهش بالضحك والبكاء معاْ وهو يتمتم:
-  لم يكذب " هـــو"  ولا " سمير"  ولا " إبراهيم"  حين أخبروني أنك جننت... وأنك تهذي..
قلت له  والحسرة تمزق قلبي:
-  أنت جزء من جنوني، و ما أقول اليوم إلا ما قلته أنت أمس، فمن الذي تغير?.
ولم يحر جوابا  فانطلقت خلف الدرويش أهتف :
 - خان... والله خان... خان
***
هــــــــو ------------------------------

ما أكثر أصحابي..
وما أشد خشيتي أن أغفل - بالسهو والنسيان والخطأ - عن  دعوة بعضهم إلى زفافنا في المؤتمر..
أراجع  الأسماء... و يراجع عليها معي سمير وإبراهيم وونيس... لكنهم بعد أن كتبوا آلاف الأسماء اكتشفت أنهم نسوا أسماء مهمة فرحت أعاتبهم :
 - أين الحارث بن قيس بن عدي، أين يوسف، أين الوليد بن المغيرة، أين صفوت، أين أمية بن خلف وأخيه أبي..، أين فاروق، أين أبو قيس بن الفاكه والعاص بن وائل،  أين عاطف  وأين من تسموا باسم محمد  وأين النضر بن الحارث، أين  إبراهيم و أين مكرم، لا، إبراهيم الآخر، أين أبو الحكم بن هشام، أين ابن سبأ، وأين نبيه وأخاه منبه  و أين العاضد وأين زهير بن أبي أمية  و أين شاور وأين عقبة بن أبي معيط وأين من أعادوا بيت المقدس إلى الفرنجة بعد حطين فكانوا رواد السلام، أين الأسود بن المطلب، أين البستنجى  والخادم  و أين داود باشا الخصى، أين مطعم بن عدي، أين خاين بك  وأين تمربغا، و أين خشقدم، وأين مالك بن الطلاطلة..، أين الحافظ لدين الله وما حفظ  و أين الفائز بنصر الله وما انتصر، وأين ركانة.. وأين كافور، وأين كعبة.. و أين طغج و أين الجمحى  والحرشى   و أين شيبة.،  و أين الكلبى، وأين زكي بدر.. وصلاح عيسى.. وجمال الغيطانى.. وجابر عصفور ..أين أدونيس..  والنبوي إسماعيل.. وحسن أبو باشا وجميع تلاميذهم وتابعيهم... وأين.. أين.. وأين... أين يزيد و أين السادات وأين الخديوى، أين الملوك والأمراء الذين شاركوا بحروبنا الأخيرة، أين يوليوس وديوجينيس  وكلوديوس  ونيرون  وبطليموس، وأين الفراعين، وأين الــ:.....
 واختلطت  الحروف على لساني  و استبد بي الغضب بعد القلق فوعدني سمير وإبراهيم بمراجعة كل الأسماء واستدراك من سقطوا من القوائم.
وطلب مندوب من مكتب الأمن بالمؤتمر أن ينفرد بي، فأسرّ إلىّ أن جميع من ذكرتهم  موجودون بالفعل وقد تمت دعوتهم  لكنهم لأسباب أمنية  قد استبدلوا بأسمائهم أسماء أخري، وقلت له محتجا أنه كان الواجب إخطاري، فأعطاني كشفا، فنظرت إلى إبراهيم دهشا و أنا أتمتم :ابن  المغيرة، ثم نظرت إلى سمير متمتما: أبو جهل.
انتحى ونيس بي جانباْ وهو يتساءل في تبرم :
 - ألم تجد مكاناْ لحفل القران سوى "  حديقة الحيوان"
أجبته :
-  تلك رغبته.
فتمتم ونيس :
 - لم يبرأ بعد من غرامه القديم.
قلت له ساخطاْ :
 - اصمت يا ونيس، الرجل سيصبح زوجي، فلا تمس عرضه. ورفعت صوتي مناديا سمير وإبراهيم :
 - إياكما أن تدعوا يحيى حسن.
ثم استدركت الأهم فصحت بهما :
 - إياكما أيضاْ أن تدعوا المجنون أو الدرويش.
***

أنــــــا  ----------------------------

لم أعد أعرف جاري.. وهذا الوجه الذي يواجهني بالترحاب والمحبة تنطلق من تحت وجهه ذراعان تحتضناني لا أعرف في أي منهما الخنجر ومتى يصل إلى القلب نصله.
أدور في شوارع المدينة..
مقهور في مقهورة..
يصيبني الدوار.. والبوار..
آلاف الصناديق تنفتح ويخرج منها ملايين وملايين... قابلت مهران يحمل لافتة تدعو لتحديد النسل بقتل الأطفال دون العام الرابع من عمرهم، وقلت له في فزع :
-  لعلك تقصد الأجنة دون الشهر الرابع.
فأجاب :
-  يا متخلف، تلك كانت المرحلة الأولى.. أما الآن فنحن في مرحلة أخرى..
فتساءلت في جزع :
 - أتوجد مراحل أخرى ؟..
فأجاب في فخر :
 - المراحل بلا نهاية.. أم تريد وقف تقدم البشرية؟.
فصرخت في رعب :
- هل البوسنة والهرسك مرحلة ?.
فنظر نحوى باحتقار قائلا :
 - مثير للشغب، مستغل لآلام البسطاء.
وفجأة وجدته يفتح ذراعيه، فظننته يفتحهما لي، لكنني وجدته يرحب  بشخص اسمه  " حاييم "  ثم انهمكا في نقاش عميق، وقال له حاييم : ماذا خسرت البشرية عندما قتل المستوطنون الأمريكيون  مائة وخمسين مليونا من الهنود الحمر، وماذا كان يمكن أن نخسر جميعا لو لم يُبَدْ ذلك الشعب المتوحش لتنهض على آثاره  الحضارة الأمريكية.
هالنى الحديث فناشدت ماهر أن يحذر لأن نفس  الحجج تصلح لإبادة العرب والمسلمين  لصالح الحضارة الإسرائيلية لكنه لم يعرني اهتماما.
جاء الدرويش نحونا يصرخ :
-  خان... والله خان..
قلت للدرويش :
 - خذني معك..
أجاب بين عبراته :
- دعني أبحث عن رأس الحسين فقد سرقوه مني.
***
هــــــــو ------------------------------

ضحكنا كثيراْ من برقيته إلى الملك مينا، ولولا الانشغال الكثيف في ترتيبات الفرح لكانت موضوع الجلسة، وتساءل الجمع لماذا يري مالا نرى فقال البعض أنه خائن يقبض الثمن من دول معادية وقال البعض أنه مدع كذاب وقال الآخرون أنه مجنون وإرهابي... وأضفت أنه كل أولئك جميعاْ.
***

أنــــــا  ----------------------------

أدور في شوارع المدينة..
مقهور في مقهورة..
يصيبني الدوار.. والبوار..
أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي. وهواني على الناس... يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي... إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل عليّ غضبك، أو يحل بي سخطك.
***
هــــــــو ------------------------------

شكرًا... شكرا على كل شيء... للمؤتمر... للنظام الجديد...
للرئيس الأمريكى راعي الشواذ..
شكرا لأصدقاء الرئيس الأمريكى وصبيانه وعبيده..
شكرا لصندوق النقد الدولي... الذي تكفل بنفقات الفرح... وشكرا  للبنك الدولي الذي قدم النقوط...
بدأنا شهر العسل...
***

أنــــــا  ----------------------------

بدأ شهر العسل..
كنت قد تسللت إلى الفرح ورأيت سمير يرقص وإبراهيم يغني أما عبد العظيم شعبان فقد اختصوه بخدمة الفراش حتى يروي للتاريخ ما حدث بعد ذلك في  أول زواج لرجل برجل في هذا الوطن.
سألت نفسي كيف انقلبت الأمور لتصل إلى هذا الحد.... حتى مائتي عام فقط كنا أقوى دولة في العالم... وكنا نهدد أوربا وندق قلاعها.. وعاصمة عالمهم كانت قد أضحت عاصمة عالمنا.. فمتى يدور الزمان دورته لنعود كما كنا.
أجابني هاتف :
- إذا آمن الملوك أوحكم المؤمنون..
فنظرت حولي أبحث عن مؤمن.. ووجدت أناسا.. كمثلنا لهم ألسنة كألسنتنا يتهامسون:
-  بالأمس سقطت بغداد، واليوم القاهرة، وغداْ دمشق... فيدين لنا العالم..
أجابه الآخر..
 - لا تنسى مكة والمدينة
أطلق الأول همسة استهانة قائلا :
-  رجالنا يملئونها.. فلا تقلق..
فتساءل الأول :
-  هل اكتمل خروج رجالنا من الصناديق
فأجابه الآخر :
- يكتمل الليلة..
هرعت إلى قلب المدينة أصرخ :
-  " حصان طروادة.."..
لكن صوتي لم يخرج.. فعلمت أنهم سرقوه كرأس الحسين فانطلقت أبحث عن معين... لكنني حين سرقوا صوتي غرقت في صمتي... ووجدت الدرويش فحدثته دون صوت وأجابني دون صوت هو الآخر.. فعلمت أنهم سرقوا صوته..
خيم على المدينة خدر..
كأنما غشيني نوم وما هو بنوم..
فرأيت بين الأحلام واليقظة هرما من أهرام  الجيزة ينقلونه نحو الغرب... ثم قطعة هائلة من النيل ينقلونها نحو الشرق..
صرخت دون صوت :
-  ذبحوا النيل..
ورأيت رأس الحسين سابحاْ في الفضاء يمسك سيفاْ .. فهتفت به دون صوت :
 - كيف تقاتل بلا جسد..
فأجابني :
-  سوف يأتي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإخوانه وسوف نقاتل..
 رأيت عادل حسين في ركاب الحسين يبلى بلاء شديدا فقلت له :
-  يا عادل : اشتد الابتلاء فمتى النصر الموعود.
أجابني في حزن لأنني لم أعرف بعد :
- عندما يفوق حبنا للاستشهاد حتى حبنا في النصر.
فانطلقت أجري.. فقابلني مهران يحمل لافتة أخري..
قلت له :
 - أما زلتم تقتلون الأطفال دون الرابعة..?
لكنه لم يسمعني..
فنظرت إلى اللافتة فقرأت فيها قرارا من قرارات المؤتمر..
-  يخصى جميع الرجال والأطفال والشيوخ..
وراح مهران يهلل للقرار مؤكداْ تنفيذه في أيام قليلة..
فصرخت فيه :
-  ألا تتقون الله
فأجابني باهتمام الناصح المحذر :
 - إننا نؤمن بالنظام العالمي الجديد لا نشرك به أحدا..
فانطلقت أجري..
فوجدت سمير وعبد العظيم يضحكان وإبراهيم يبكي.. فسألتهم :
-  ماذا بكم؟..
فلم يسمعوني، لكنهم واصلوا نقاشا حاراْ وراح سمير يقول في سعادة
-  أنا منذ البداية خصي..
وأردف عبد العظيم
-  وأنا كذلك
فقال إبراهيم نائحاْ :
-  لكنني كنت رجلا..
ثم صرخ صرخة عظيمة :
-  زينوا المدينة كعروس.. لكي تغتصب..
قلت له:
-         يا إبراهيم أنت لم تكن قط رجلا بل كنت مشروع  رجل أجهض، ولعلك كنت أسوأ حتى من سمير لكن لكونك أذكى لم تكشف كل نفسك.. 
لم يسمعني أحد  فانطلقت أجري، ووجدتهم على مفترقات الطرق يقبضون على الرجال ويجرون عمليات الإخصاء بهمة عظيمة.. على دقات طبول هائلة تنقلها جميع موجات الراديو والتليفزيون.. وتنقلها الأقمار الصناعية إلى كل دول العالم... ونحن نخصى... وقابلني فرج فودة فسألته :
-  أإلى هذا دعوت...
لكنه لم يسمعني..
فناديت :
 - يا أبا بكر يا عمر يا عثمان يا علي...
وبلغ بي الضنى كل مبلغ وضاقت بي السبل فواصلت :
 - يا مصعب يا سلمان يا أبا ذر يا بلال يا عبد الله بن عمر يا سعد بن أبي وقاص يا صهيب يا معاذ يا مقداد يا سعيد يا حمزة يا بن مسعود يا حذيفة يا عمار يا بن الصامت يا خباب يا أبا عبيدة يا زيد يا جعفر يا خالد بن الوليد يا أبا الدرداء يا طلحة يا زبير يا خبيب يا عمير يا أبا أيوب يا عباس يا أبا هريرة يا بن مالك يا بن عوف يا ابن كعب يا سعد بن معاذ...
ووجدت الدرويش يجري نحوي هاتفاْ :
 - لا يستجاب لمفرط..
فسمعت هتافه دون صوت وقلت أنا الآخر دون صوت
 - لم نفرط!!...
ثم دعوت صائحاْ :
 - لك العتبى حتى ترضى... لا حول ولا قوة إلا بك.
***
هــــــــو ------------------------------

ليلة عرسي..  خصوني...
كان على حق..
رأى  ما لم نر..
..
***

أنــــــا  ----------------------------

أصبح الصبح بلا نور..
لاضوء..
بالرغم من ذلك نرى..
كنت الأناشيد مستمرة..
ولإذاعة تنقل... والتليفزيون..
ولطبول تدق...
ولخطباء يخطبون  والإذاعة والتلفزيون تكرر ما يقولون  والأقمار الصناعية تنقل..
وددت أن أسأل :
- كم بقى غير خصى؟..
  لكنني لم أجرؤ..
 ووددت أيضا أن أسأل  عن عدد الخصيان منا قبل المؤتمر فلم أجرؤ، لكنني قلت لنفسي ما أسعدهم الآن حين يتساوى الجميع.
ثم جاءوا... ونظمنا في صفوف هائلة أحصيت فقاربت الستين مليوناْ..
كانت النساء سبايا..و الرجال   خصيانا.... انقسموا إلى قسمين... قسم لطخ بأدوات الزينة وجهه متاعاْ لجنودهم  رجالا... ونساء.. والقسم الآخر كان عبيداْ.. تربطهم السلاسل المتصلة بالأطواق حول أعناقهم.
وكان الصوت الجهير ينطلق..
-  مبارك لشعب مصر....
وكان الصوت الجهير يمسك سلسلة ضخمة تجر ملايين الرقاب.
***
هــــــــو ------------------------------

لولا المنصب  الذي أهدوه إلى، لبكيت عمري على ما أصابني، أشرت بتعيين إحدى بنات عم حافظ وزيرة للثقافة والآداب دليلا على ما نوليه للمرأة من حرية واهتمام، بحثت عن صديقي فلم أجده، لا بين العبيد ولا بين المتبرجين، سألت، قيل أنه وآخرين قد هربوا إلى الجبل لشن عمليات إرهابية، وقيل بل إلى الصحراء، وقيل بل هربوا إلى داخل ذواتهم.
***

أنــــــا  ----------------------------

كن عادل يدرب مجموعة، وكنت  ضمن مجموعة أخرى،  ورغم قلة عددنا كان الجبل يمتلئ بنا والصحراء والبحر، وقابلت عبد المنعم رياض فسألته دهشا :
- ألم  تمت ?
فأجابني :
-  بل حي أُرزق.
فقلت له أن موقفنا صعب فتول القيادة فنادى على مدير مكتبه أن يحمل الخرائط إلينا فنظرت إليه فإذا به خالد الإسلامبولى فسألته دهشا ألم تمت فأجابنى بل حى أرزق، و أخذا يعرضان علىّ الخرائط، فرأيت كتيبة حسن البنا فسألتهما ألم يمت حسن البنا فقالا بل حي يُرزق، فسألتهما هل يقود، فنظر عبد المنعم رياض باسما وهو يقول :
- أنت لم تحط بالأمر كله بعد، فانظر إلى هناك.
نظرت حيث أشار فغشيني نور واقشعر منى البدن وأنا أهمس :
-  الكتيبة الخضراء...
وفجأة اندفع عادل حسين وهو من الغضب في غاية :
 - الخصيان يوشكون على الموافقة، ولولا خوف الاضطرابات  والمظاهرات لوافقوا منذ زمن.
فسألته في لهفة عما حدث، فأخبرني أن المؤتمر قد انضم إلى كل المؤتمرات السابقة  و أن المجلس  قد انضم  إلى  كل المجالس  السابقة  و أن كل المطالب قد تبلورت لتسفر عن وجهها الأخير، و أن أمراءنا راحوا يفاوضونهم لتخفيف  شروطهم  بعد أن استجابوا لمعظمها، فصرخت فيه معظمها أم كلها يا عادل فقال بل كلها ماعدا مطلب أخير، وأنهم يهددون : إذا لم يُنفذ هذا المطلب فسوف ينقضون كل اتفاقياتهم السابقة، وصرخت فيه فماذا قال السلاطين والأمراء، فأجابنى أنهم وافقوا من ناحية المبدأ، فقلت له صارخا : كيف جرؤوا، فأجابنى أنه سمع لتوه خطبة أحدهم  في التلفاز، حين راح يقول أن السلام العالمي يستحق منا كل تضحية مهما عظمت، و أنه لا يجب أن يقف فرد مهما كان قدره عقبة أمام خير البشرية وحريتها في قيادة أمورها، فصرخت : مسيلمة هو يا عادل، فقال هل خمنت طلب أعضاء المؤتمر، فقلت له أعرفه منذ زمن لكنني لا أجرؤ على البوح به حتى لنفسي.
وفاض بي الألم فصرخت فيه :
 - ما هو المطلب الأخير يا عادل?.. قل لى فأنا لا أستطيع النطق بها..
فأجاب والكلمات تخرج من فيه أشلاء  والحروف تقطر دما :
 - مطلب واحد.... لا بديل له...
صرخت :
-  فانطق  يا عادل....
فأجاب وسط خضم هائل من غضب جبار :
 - مطلبهم.... أن نسلم  لهم  محمدا  صلى الله عليه وسلم....
فصرخت صرخة عظيمة اهتزت لها جنبات الكون، فأردف  :
 - على أن نسلم لهم معه.... القرآن....
ووجدتنى أصرخ فيمن حولي :
 - ليس النصر مبتغاى.... بل الاستشهاد...
و انطلقت لا ألوى ميمما وجهى شطر الكتيبة الخضراء...
***

تمت
***
***
***
حاشية أخيرة

عند انفجار أزمة" وليمة لأعشاب البحر"، وكانوا قد أطلقوا علينا أقلامهم المأجورة المسعورة، وفى صحيفة وزارة الثقافة كان غلام صلاح عيسى - ترك العمل كصحافى الآن.. ليعمل مع راقصة..!! -  ، وفى صحيفة حزبية تقول أنها قومية - أسقطوا ديونها مقابل دعم الكفر- راح غلامها مع الغلام الأول يعتمدان على هذه القصة فى اتهامى بأننى كاتب جنسى و أننى أروج للشذوذ.. و أبرره .. و أمتدحه..!!..
كانت السلطة التى أتت فى الانتخابات الأخيرة بالساقطات كى يهددن المحجبات بهتك أعراضهن حتى يمتنعن عن التصويت، هى نفس السلطة التى جاءت بنوع مشابه من الكتاب، مهمتهم الوحيدة الاجتراء على الثوابت والتطاول على الرموز.
كنّ- الساقطات – في مأمن من حساب السلطة فهي التى حرضتهم، وهى التى تحميهم بل وتجزل لهن العطاء مقابل فحشهن،  تماما كان الأمر مع الكتاب الذين باركوا الاعتداء على الذات الإلهية بفاحش القول، وكان تقديرهم – الكتاب لا الساقطات-  أن حصارنا قد اكتمل : في الخارج والداخل ومن العصابة التى تسيطر على مقاليد الثقافة والنشر والفكر، و أننا حتى لو أفلتنا من السجون فلا نفلت من الحصار، ولن يكون في مقدورنا كشف أكاذيبهم. ولكن الله شاء أن يخزيهم. ومجرد إعادة نشر هذه القصة التى اتهموها بهذه الاتهامات يكفى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق