الأحد، 30 يونيو 2019

30 يونيو: أهمية نبش الماضي المقيم

30 يونيو: أهمية نبش الماضي المقيم



وائل قنديل

مبتدأ القصة 30 يونيو/ حزيران 2013.
‏والخبر والحال والمضاف والمضاف إليه: كل هذا الخراب.. كل هذا الدم.. كل هذا القبح.
‏كانت، ولا تزال، جريمةً ضد الإنسان العربي، تلخصها ثلاثة مشاهد:
الأول، ومشهد مركب يحتوي حدثين كبيرين، أولهما رئيس الجمهورية المنتخب، أول مرة في التاريخ، يلقى ربه شهيدًا في أثناء محاكمته على يد المجرمين الذين قتلوا معنى الثورة، ومبدأ الديمقراطية، وقيم العدل والحرية، ثم تمنع الصلاة عليه في المساجد، ويحرم الناس من العزاء فيه، بعد أن يدفن في جنح الظلام ولا يسمح لأحد بتسجيل وقائع تشييعه إلا لصحافي صهيوني.
يسبق ذلك حدث آخر يحمل كل صور الخسّة والغل والانتقام: سفير سابق ارتبط اسمه بكل المعارك التي خاضها شعب مصر دفاعًا عن أرضه وموارده وحضارته.. يموت السفير إبراهيم يسري، فتصادر السلطة حق الناس في بكائه، وترفض إقامة عزاء له في مسجد عمر مكرم، وتمنع نشر نعي له في صحيفة الأهرام.
الثاني: همس وهيا، طفلتان لم تبلغا العاشرة، أمضتا ثلاث سنوات من الطفولة الغضّة تتعلقان برداء الأم بحثًا عن الأب المختفي في مقار الاعتقال، أو غرف السجن المظلمة، فلمّا خرج الأب السجين، تغير الوضع قليلًا، فصارت الأم معتقلة، والوالد نصف حر- نصف سجين، ومشاوير السجن باتت بصحبة الأب بخثًا عن الأم.. الأب والأم صحافيان شابان، هما الزميلان حسن القباني وآية علاء، يتبادلان الأدوار بعد اعتقال الزوجة لدى توجهها لتقديم واجب العزاء لأسرة الرئيس الشهيد محمد مرسي، وتلفيق أغرب تهمة لها، وهي التواصل مع وسائل الإعلام للحديث عن سجن زوجها ظلمًا.
الثالث: أزمتان قلبيتان خلال أربٍع وعشرين ساعة تهاجمان مرشحًا رئاسيًا سابقًا، ورئيس حزب معارض، هو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي يقبع في زنزانته، حيث لا محاكمة ولا إدانة ولا براءة، منذ عامين كاملين، فقط توجد تهمة اسمها: رئيس حزب معارض يتحدّث في السياسة عبر وسائل الإعلام.
عربيًا، لم تنتج إلا إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني، وتمزيق العلاقات الخليجية الخليجية بحصار قطر، وهرولة خليجية مجنونة إلى العدو الصهيوني، وقتلًا وحشيًا لثورات سورية وليبيا واليمن.
ويمكنك أن تضيف عشرات، بل مئات، من المشاهد الأخرى التي تعبر عن مآلات 30 يونيو/حزيران 2013 عندما تعرّت ضمائر ما تسمى النخب الثورية والسياسية، فاختارت التغيير بصندوق السلاح، بدلًا من التغيير بصندوق الانتخاب.. ولا أقصد سلاح المؤسستين، العسكرية والأمنية فقط، بل أعني السلاح الذي كان يوزّعه، مغلفًا بأوراق البنكنوت، ذلك النائب التاجر في استراحة كورنيش المعادي، وسلاح البلاك بلوك.

فشلوا في أن يكونوا معارضةً حقيقية، فادعوا أن من في الحكم فاشل، وبنوا على هذا الادعاء مؤامرة، استدعوا وتواطأوا فيها مع من يعلمون أنه يريد الانقضاض على السلطة والثورة، ويملك القوة اللازمة، فعلوا ذلك، وهم الأكثر قراءة واطلاعًا على مآلات الثورات، حين تسلم نفسها لقاطعي الطريق.
سيقال هنا إنهم لم يكونوا يقصدون أن تصل البلاد إلى هذا المصير البائس، ولم يتوقع أحدٌ هذه المآلات. 
وعلى الرغم من أن الأصوات بحّت تحذر من الجحيم، إلا أنني سأصدقهم في سلامة النية وخيبة التوقع وخطأ الحساب، وهذا يعني قولًا واحدًا، أنهم فشلوا في قراءة حاضر  تلك النزوة الغبية ومستقبلها. 
ومن هنا تأتي الدهشة من إصرارهم الآن على الأستاذية والمفهومية والتطاوس في ترسيم خرائط المستقبل.
لماذا لا يتوارون خجلًا، ويكفون عن التدليس على الذاكرة والعبث بالوقائع والكذب على التاريخ، ومواصلة خداع الذين ساروا وراءهم؟
يتحدّث بعضهم عن "30 يونيو" باعتبارها انتفاضة، ثم إذا قرّرت الرد على هذا الكذب الصريح تصبح متهمًا بالماضوية، والنبش في الجراح القديمة، وتعريض مستقبل استثمارات الاصطفاف للخطر، متناسين أنها ليست ماضيًا، بل واقعًا كابوسيًا، لا تزال، وجرحًا عميقًا تحت الجلد، ومن ثم لا طريق للانعتاق والتعافي منه إلا بتطهيره وتنظيفه من الروايات اللعوب والأكاذيب الطروب التي يلوكها هذا الصنف من التجار الذين تحدث عنهم حكيم الإغريق القديم"أيسوب"في حكاياته عن التاجر والجزار، والقطيع المسوق إلى الذبح.
من الأهمية، بل من الواجب والضرورة، نبش هذا الماضي/ المقيم، لعلنا ننقذ ثورتي السودان والجزائر من مصير مماثل، ونحمي ثورة تونس من المتربّصين بتجربتها الناجحة الفريدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق