الثلاثاء، 18 يونيو 2019

الفكر العربي ما بعد تراجع الخطاب الديني

الفكر العربي ما بعد تراجع الخطاب الديني


 مهنا الحبيل
تعيش الأمم، في تاريخها الاجتماعي السياسي، محطات انعطافٍ ضخمة، تمثل حالات السقوط الأمني والمدني، والاضطراب الثقافي المصاحب لها، أبرز دوافع هذا التحوّل، فمدخل القاعدة الفكرية لأي تغييرٍ في ثقافة الأمم والشعوب هو الركيزة لبناء مستقبل جيلها القادم، وبالتالي استشراف مآلاته بين النهضة والتنمية، أو السقوط في دوائر عنفٍ وتخلفٍ جديد. وما يعيشه الوطن العربي اليوم من هذا الواقع الذي تحوّل إلى منظومة أحداثٍ تهوي بالدول، وبأمن الشعوب ودمائها، هو نوعٌ من أحداث التاريخ الضخمة التي تسبق التحوّل الفكري. والواضح أن العناصر الثلاثة في المشهد الاجتماعي السياسي في الوطن العربي، والتدافع العنيف بين مصالح الأمم والشعوب، لا تزال تشكل خريطة المستقبل المقبل. والعناصر الثلاثة هي نظم الاستبداد، والمصالح العالمية الحليفة له، وحركة النهوض بحقوق الشعوب، ومشهد السودان والجزائر أخيرا دلالة على أن العنصر الأخير لا يزال فاعلاً في الأرض العربية، على الرغم من كل ما واجهته حركة التحرّر العربي من عنف وتوحش. ونحن نثبت هذا العنصر بدلالته المرصودة، وتنقّلها للوطن العربي، بغض النظر عن مستقبل نجاحها، في انتزاع السيادة المدنية لشعوب العرب المقهورة، وهو مفصلٌ تأسيسي للمقال، هو أن خلاصة هذه الحروب والصدمة النفسية للشباب بعدها، سبّبتا تراجعاً محموماً للخطاب الديني، والذي صعد في الوطن العربي بعد نكسة حزيران 1967، ومهما قيل عن دور أنظمة الاستبداد العربي، في فسح الطريق أمام تيارات الخطاب الديني، لمواجهة المد اليساري، فإن الزخم الذي عاشه صعود ذلك التيار كان لبُعدين رئيسيين: ملء الفراغ الروحي الذي جاء بعد حصار الروح المتدينة وتهميشها، في البناء الثقافي العربي. التبشير بأن ذلك القالب المتدين يحمل مستقبلاً سياسياً ينتصر به على قوى البغي العالمي، وربط ذلك بقضية فلسطين وتحريرها.
وقد قدّم التيار الديني، في حينه، بلاغات جماهيرية واسعة، بضخ منبري هائل، يقول مضمونه إن مجرد إعلان الإسلام هو الحل، فإن ذلك يعني أن الأمة ستحقق انتصاراً اقتصادياً وسياسياً  
وعسكرياً، حين يتم تبنّي هذا المصطلح، وهذا الإعلان لم تمثله جماعة الإخوان المسلمين وحسب، بل مجمل خطاب التيارات الدعوية، وأن الإسلامية الجديدة ستصنع أفقاً معرفياً ونهضوياً واقتصادياً واجتماعياً، بمجرد إعلان إسلاميتها. وكل ذلك من دون أن يكون هناك أي رصيد من البحث وتمحيص التجربة الإنسانية، ومشاركة مفاهيمها ومشاريعها الناجحة، بغض النظر عن أن ذلك إسلامي أو غير إسلامي، باعتبار أن هذه الشراكة هي ضمن نسق المعرفة الإنسانية للحياة البشرية، ولا يلزم أن تؤسلم، بتأصيلٍ خاص، هذا في مساحة التوافق بين الحضارات، قبل الولوج إلى منطقة الخلاف في تقييم الفكر الأخلاقي والاجتماعي للأمم، وفهم المعادل الفلسفي الخاص في تقييم الأفكار.
ويلاحظ هنا أن مثل هذه التعميمات التي مُلئت بها المنابر كانت مخالفة لمنهج دعاة التجديد النهضوي الذين كانوا يعملون على تأصيل النظرية المعاكسة، للحلم الإسلامي المزعوم للجماعات الدينية، بمعنى أن فكر النهضة والتجديد الإسلامي المعاصر كان يركّز، مع تعدد مساراته، على أن صناعة التغيير لا تعتمد هذا الزخم العاطفي، بل تصحيح الأفكار والسلوك، والتحوّل من حشد الخطب إلى فلسفة العمل، والبناء الثقافي الرشيد في سبيل النهضة.
انهارت فكرة الحلم الإسلامي، بعد تكثيفٍ مزدوج قام أحدهما، عبر زمنين، على قمع شباب الجماعات الدينية، والذي ساهم في إغلاق العقول وصعود فكر ردّات الفعل العاطفية أو المتطرّفة، والتخندق وراء حتمية النصر الإلهي، من دون مفهوم التسبب الكوني الذي فُطرت عليه الخليقة. والمسار الثاني استخدام الأنظمة لصعود هذه التيارات الدينية، وتحويل خطابها وأدواتٍ عديدة منها إلى برنامج قمع يساعد الأنظمة في زيادة رصيدها الشعبي، ومواجهة أي قوىً للتغيير، في صالح نهضة الشعوب وحرياتها، بحكم دعم منبر ديني لها، والذي خان منهج العدل الإسلامي.
هذا الانهيار والانكشاف الذي سبّبته الظاهرة، بغض النظر عن المصلحين أو المناضلين في التيار الديني، مثّلا موسم إعصار ثقافي واسع، أثرت عليه الحملة العالمية التي تعزّزت منذ تفجيرات نيويورك الإرهابية في 2001، وبالتالي فُتح الباب للأنظمة، لفسح مجال النقد للبنية الدينية في المجتمع، بعضه نقدٌ في محله، وبعضه تسليع سياسي، لإقناع الغرب بدور إيجابي للمستبد مع الحملة الدولية، تساعد في تثبيت نظامه.
تفاقمت هذه المشاعر في ظل فوضى يعيشها الوطن العربي، جرّاء استمرار التزوير للخطاب  
الإسلامي، في اتجاهين: داعم للاستبداد، أو مضطهد محرّض على حياة الفرد وكرامته، أو مسترسلٍ في جدل خرافي سخيف، يُستخدم في أسواق إعلامية للتشويق والإسقاط معا، فانطلقت حركة تمرّد شبابي واسعة، تعتمد ردة الفعل ضد المشروع الديني، سواء بإعلان العصيان الإنساني ضد النظام العربي ووعّاظه، أو ضد الإسلام وأحقية المسلمين أنفسهم باعتناقه، باعتباره "دين تخلف إرهابي"، أو "دين بأس اجتماعي" لا مساحة للتعايش معه. وعليه، تحالفت مجموعات من الشباب العربي المتمرّد مع مشاريع ثقافية عالمية، يدعمها الغرب إعلامياً ومادياً، ضد الإسلام إسلاما محضا، وهو الذي لا يمكن عزله عن التوظيف السياسي الغربي.
هذا الفكر سمّي الإلحاد الاجتماعي، كونه مختلفاً عن التيار الوجودي الإنساني الذي لا يؤمن بالأديان، ولكن لا يرى معركته مع إرثه الروحي، أو تأثيره القيمي الإيجابي، ولا يتبنّى فكرة حصار المسلمين وقمعهم بوصفهم متخلفين، بناء على منظومة الإلحاد الاجتماعي العربي الذي تطابق موقفه النهائي مع حملة اليمين الغربي وغيره.
على الرغم من أن هذا اليمين مؤسّس على قاعدة تدين مسيحيا أو يهوديا صهيونيا أو بوذيا أو هندوسيا، لكن ذلك لم يمنع من توافقه مع الإلحاد الاجتماعي للإكس مسلم وحلفائهم، ضد الإسلام رسالة وأتباعا، والتنسيق الضمني لحرمانهم من حقوقهم المدنية، ومنابرهم الثقافية الحوارية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق