‏إظهار الرسائل ذات التسميات الارهاب الروسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الارهاب الروسي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 20 ديسمبر 2023

اغتيال التاريخ وسحق الحضارة..

اغتيال التاريخ وسحق الحضارة.. 
كيف أباد الروس تراث وذاكرة الشعب الشيشاني؟




امتلك الشيشانيون إثباتًا ماديًا وتراثًا غنيًا يدل على تأثيرهم الثقافي والمادي وتفاعلهم مع الثقافات المختلفة عبر التاريخ، ولطالما كان هذا التراث الملحمي شاهدًا على ذاكرة الأمة وعائقًا أمام الدعاوى الروسية المزيفة، لذا وقع ضمن أهم الأهداف العسكرية التي خططت الأنظمة الروسية لمحوها، بدءًا من الإمبراطورية الروسية ثم السوفيتية وصولًا إلى الخلفاء الحاليّين.

على مر تاريخ الصراع الشيشاني الروسي، لم يكن احتلال الأرض الهدف الوحيد، فبشكل دؤوب، صاحب احتلال الروس الأرض وإخضاع السكان، إبادة الموروث الثقافي والذاكرة التاريخية للشيشانيين وتدمير أي مؤسسات ثقافية أو فكرية تساند ذاكرتهم أو تضفي شرعية على المقاومة، فقد كان الروس على وعي تام بأن التراث الشيشاني لا يرمز فقط إلى أعدائهم، لكنه شكل أصيل من أشكال الحياة، لذا أرادوا طمسه ومنعه من التكوّن من جديد، ليسهل عليهم إخضاع الشيشان.

ونتيجة لذلك، لم يعان الشعب الشيشاني سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا فقط، بل فقد كذلك أحد أهم أشكال الوجود الجمعي، لذا ينظر الشيشانيون إلى فترة الهيمنة الروسية على أنها محاولة لتدمير شخصيتهم من خلال إبادة تراثهم القومي وقطع روابطهم الدينية والمادية مع ماضيهم.

وقبل أن استفيض في هذا الموضوع، أود الإشارة إلى أن العالم لم يغمض عينيه فقط عن قتل الأمة الشيشانية، بل تغاضى عن إبادة التراث الشيشاني التي ارتكبتها روسيا بشكل منهجي، ولم تنل هذه القضية حتى اليوم اهتمام الباحثين مثلما نالت على سبيل المثال البوسنة وكوسوفو والتبت وغيرهما، رغم أن التدمير الروسي للتراث الشيشاني أشد بشاعة من أخويه الصربي والصيني.

وبفضل سفاراتها ومواردها الإعلامية ودخولها العديد من المنتديات الدولية والثقافية، لم تتحكم موسكو في رواية الصراع و في أن تجعل أكاذيبها بديلًا عن الإبادة الثقافية والمعاناة الحقيقية التي عاشتها الشيشان، بل استطاعت كذلك أن ترسخ رؤيتها للصراع، وإعادة تأطيره كحرب داخلية ضد الإرهاب ومسرحية أخلاقية بين الخير والشر، أصبحت مقبولة الآن دون نقد!

تحدي القرون
إن حكاية إبادة الروس للتراث الشيشاني لها تاريخ طويل دامٍ، بدأت أولًا مع إمبراطورية رومانوف، ففي القرن السادس عشر تحت حكم “إيفان الرهيب” بدأ التوحش الروسي الذي احتل أجزاءً من الأراضي المنخفضة في الشيشان، لكنه لم يكتف باحتلال الأرض، بل جلب أعدادًا كبيرةً من الروس لتوطينهم في الشيشان، هذا التعدي أدى إلى زعزعة التوازن الديموغرافي في المنطقة.

واجه الشعب الشيشاني أوقاتًا عصيبةً، واستمر الصراع ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، وخلال تلك الفترة الطويلة، استخدم الروس تكتيكات الإبادة والإرهاب لتدمير ثقافة وتراث الشعب الشيشاني، لكن هذا الوضع خلق روحًا قتاليةً عظيمةً للشيشانيين، إذا جعلهم يحاربون بعناد جيوش القيصر القوية ويحتضنون هويتهم الثقافية بكل قوة.

وبحلول عام 1826، وبعد صعوبات كثيرة، عززت روسيا قبضتها على منطقة القوقاز بأكملها وضمت الشيشان إليها، ومن المفارقات أن مدينة غروزني التي سيدافع عنها الشيشانيون في الحربين الأخيرتين، أنشأها القياصرة الروس عام 1818 لهدف وحيد، وهو تدمير الأمة الشيشانية وإنشاء مستوطنات للجنود الروس.

كان لدى الروس نهج وحشي في التعامل مع كل ما يمت بصلة للشيشان، فارتكبوا مذابح وعمليات إبادة وتهجيرًا قسريًا، ما أدى إلى تدمير السكان ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، واضطرت أعداد كثيرة للهروب إلى تركيا، وكشفوا عن القصص المروعة التي تعرضوا لها، لكن ظل جزء كبير من الشيشانيين يحارب ببسالة كل أشكال الهيمنة الروسية من أجل الحفاظ على حريتهم وثقافتهم.
ثم حين قامت ثورة البلاشفة عام 1917، سارع الشيشانيون وشعوب شمال القوقاز الأخرى إلى اغتنام الارتباك الذي تلا هذه الثورة كفرصة للخروج من الجحيم الروسي، أعاد الشيشانيون إحياء مشروع “الإمام شامل” على يد حفيده “سعيد بك” وكان الهدف إقامة دولة مستقلة في شمال القوقاز تتمركز في الشيشان وداغستان.

تحالف البلاشفة مع الشيشانيين وأعطوهم وعدًا بتقرير مصيرهم مقابل أن يقفوا بجانبهم، وبالفعل صدق الشيشانيون وعود البلاشفة وساعدوهم في هزيمة أعدائهم، لكن في عام 1920 وفي حركة غادرة، وجه الروس أسلحتهم نحو حركة شمال القوقاز الإسلامية، ثم في غضون خمس سنوات، سحق البلاشفة الروس هذه المحاولة الأخيرة لإنشاء دولة تجمع الشيشان وداغستان في كيان واحد، ودون أي رحمة، عززت القوات السوفيتية وجودها في شمال القوقاز، إلى أن أعلنوا في العام 1936 الشيشان جمهورية اشتراكية سوفيتية.

إنكار الماضي


جلبت الحقبة السوفيتية للشيشانيين معاناة ومآسي لا توصف، فقد أطلق العنان لعملية تدمير التراث الثقافي للشيشان، أُنكر الماضي تمامًا، وتم إضفاء الطابع السوفيتي على شكل البلد، كان الشيشانيون تحت ضغط كبير بسبب محاولة الروس إدماجهم بشكل قاسٍ في الثقافة الروسية، لذا كانت اللغة والثقافة الشيشانية من أوائل الأشياء التي شهدت تدميرًا واسعًا.

لم ينظر الروس إلى اللغة الشيشانية باعتبارها لغة مواطني الدرجة الثانية، بل منعوا الشيشانيين من استخدام لغتهم الخاصة التي فرضوا تحويلها أولًا إلى الأبجدية السيريلية، ثم استخدموا أساليب قاسية في تحجيم وقمع اللغة الشيشانية، فإذا رغب الشيشانيون مثلًا في الحصول على وظيفة أو الحصول على تعليم، كان عليهم أن يتقنوا الروسية، اللغة المعتمدة في مناطق الشيشانيين! هذا إضافة إلى أن جميع أوامر السلطة كانت تصدر باللغة الروسية فقط.


وحين أراد الروس محو أي ذكرى تدل على وجود الناس الذين عاشوا هنا لقرون، دمروا جميع المواقع التراثية الدينية، حتى شواهد القبور أخذ الروس أحجارها واستخدموها في مشاريع البناء، أما المؤسسات الإسلامية بما فيها مساجد ومدارس الشيشانيين التقليدية ومحاكمهم الشرعية، فقد سويت بالأرض، وبعض المساجد حولها الروس إلى إسطبلات.

مُنع الشيشانيون من ممارسة عاداتهم وشعائر دينهم، حتى الحج إلى مكة ودراسة اللغة العربية، كانوا من المحرمات، وأيضًا حظر الروس عطلات الاحتفال بالأعياد الدينية أو الأعياد الشيشانية، وفرضوا الاحتفال بالذكرى السنوية للأحداث السوفيتية، مثل يوم الثورة 7 أكتوبر/تشرين الأول وعيد ميلاد الجيش الأحمر 23 فبراير/شباط ويوم النصر 9 مايو/أيار ويوم الاشتراكية الدولية 1 مايو/أيار ويوم رأس السنة.

كذلك استبدلت بالأسماء الشيشانية للمواقع والأماكن والنصوص التاريخية الأسماء الروسية الجديدة، وفي روايته “التوأم لا ينفصلان” وصف أناتولي بريستافكين الشيشان بأنها لم تعد موجودة، بسبب تقسيم أراضيها بين الجمهوريات المجاورة، وتغيير أسماء وهوية الأماكن الشيشانية بمرسوم صادر من مجلس السوفيت الأعلى.

لكن الخسارة الكبرى كانت في حرق الوثائق والمخطوطات الشيشانية القديمة والأعمال العلمية والأدبية المكتوبة بالأبجدية العربية – خصوصًا في عهد ستالين -، بحسب شهادة سكان مدينة غروزني في تلك الفترة، فقد جمعت أكوام الكتب والمخطوطات من المكتبات الخاصة ودور المحفوظات من جميع أنحاء الشيشان إلى ميدان غروزني المركزي، ولعدة أيام، أحرق الروس كل هذه الكتب والوثائق في وسط المدينة بنفس طريقة الفاشيين.

كذلك طال القمع إعدام العديد من القادة السياسيين والمثقفين الشيشان من الجيل الأقدم، وبشكل خاص، ركز الروس على قتل الزعماء الدينيين بسبب مقاومتهم السلطة، وبالأخص اصطياد أعضاء الجماعات الصوفية الذين صنفهم علماء الاجتماع السوفييت على أنهم “متعصبون متطرفون”.

وفي الواقع، كل هذه الوحشية الروسية، أدت إلى المقاومة والثورات المستمرة، فقد واجه السوفيت عدة انتفاضات خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ومن اللافت أن الشيشانيين كانوا يعادون الحكم الروسي بشكل علني، وحتى مع قمع كل انتفاضتهم بشكل قاسٍ، استمروا في تحدي القوة السوفيتية، خصوصًا أئمة مساجد القرى الثائرين.

الأمر الذي جعل الروس يصنفون الشيشان كـ”أكثر الأمم جرأة وعنادًا”، وفي الواقع، كانت الشيشان بالفعل التحدي الأكبر للسوفيت في شمال القوقاز، لذا رأى الروس أن الحل الوحيد هو اقتلاع الشيشانيين من أراضيهم ومحوهم من الخريطة بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة.

فجاء مخاض آخر حين كرر ستالين سياسة أسلافه، وهجر جميع الشيشانيين قسرًا إلى سيبيريا في شتاء عام 1944 بحجة أنهم تعاونوا مع الألمان – لا يوجد دليل ملموس على هذا التعاون -، أما الذين رفضوا التهجير، فقد قُتلوا وأحرقوا أحياء.

وعقب تهجير الشيشانيين مباشرة من أرضهم، سرق الروس كل الممتلكات المادية والثقافية من ديارهم، كان هناك تدفق مستمر من المركبات العسكرية لسرقة كل الممتلكات من منازل المُهجرين، وكانت العناصر الأكثر قيمة (في رأي الجنود) المجوهرات والسجاد والمعاطف والأحزمة القوقازية التقليدية والمنحوتات الخشبية والسيوف والخناجر العتيقة المرصعة بالذهب والفضة (صنعها يدويًا الحرفيون الشيشان في القرن الماضي).

الروس نجحوا نسبيًا في السيطرة على بقية شعوب القوقاز، فيما فشلوا في الشيشان، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى طبيعة الهوية الشيشانية الرافضة لكل أشكال الاندماج الروسي

جرت سرقة كل هذه الأشياء في الشاحنات العسكرية ونقلت إلى موسكو، أما المخطوطات القديمة والأطروحات اللاهوتية والفلسفية والسجلات التاريخية والأساطير القديمة ومؤلفات الأدب الوطني التي وجدوها في البيوت، فأُلقيت كلها في غروزني في الثلج، بجوار المراحيض العامة خارج قصر الرواد.

لكن حتى بعد سماح خروتشوف عام 1957 لمن تبقى حيًا من الشيشانيين بالعودة إلى ديارهم، تعرضوا لاضهاد منهجي لا هوادة فيه، كان الروس قد نهبوا واستولوا بالفعل على أراضيهم وبيوتهم عقب تهجيرهم، والأهم من ذلك، أن الشيشانيين مُنعوا من التحدث عن التهجير القسري أو حتى كتابة شهادات بشأن تجربتهم المؤلمة، وحظرت ذكرى الترحيل تمامًا حتى التسعينيات.

ورغم أن البيئة الثقافية الشيشانية دُمرت بشكل كامل نتيجة لسياسات الإبادة الروسية التي حاولت اقتلاع السكان من جذورهم، فإنها مع ذلك لم تكن قادرة على تدمير الذاكرة الجماعية بالكامل، إذ ظل الشيشانيون متمسكين بشخصيتهم، ودائمًا ما أظهروا على مر تاريخهم أن جاذبيتهم للإسلام والحرية لا يمكن قطعهما بسهولة.

وفي روايته “أرخبيل غولاغ” يؤكد المؤلف الروسي الشهير ألكسندر سولجنيتسين أن الشيشان هي الأمة الوحيدة التي رفضت قبول سيكولوجية الخضوع، كما يذكر أنهم لم يخفوا كرههم للروس وحاولوا كلما أمكن أن يجدوا لأنفسهم وظائف خارج نطاق الدولة السوفيتية التي نظروا لها بازدراء.

من اللافت حقيقة، أن الروس نجحوا نسبيًا في السيطرة على بقية شعوب القوقاز، فيما فشلوا في الشيشان، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى طبيعة الهوية الشيشانية الرافضة لكل أشكال الاندماج الروسي، بجانب الحركة الصوفية – النقشبندية والقادرية – حيث كانت قوة عنيدة ومتحدة، بنت “مساجد سرية مؤقتة” من أجل استمرار الكفاح، وظلت تعمل في السر مع العشائر الذين كانوا يحكمون الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية.

العودة: تأكيد الهوية
لم يكن الشيشانيون دميةً في يد الروس، لقد سعوا للاستقلال في كل فرصة متاحة، ودائمًا ما نظروا إلى أنفسهم كأمة حرة، لذا لم يكن من المستغرب حين بدأ الاتحاد السوفيتي في التفكك، أن يبدأ الشيشانيون في الثورة مرة أخرى.

لطالما كانوا مدفوعين بقصص وقيم الأئمة المجاهدين في القرون الماضية، ويبدو أن هذا الأمر ساعدهم على تحمل ضغط الأيديولوجية السوفيتية، وأيضًا كان الدين في غالب الأحيان مصدرًا للوحدة والإلهام في الصراع بكل أشكاله ضد روسيا، ومن الواضح كذلك أن الدين قدم لهم إطارًا أخلاقيًا لمقاومة الروس.


ومثلما اختفت المؤسسات التراثية والإسلامية سريعًا أيام حكم الروس، فقد عادت للظهور سريعًا في السنوات الأولى لحكم الرئيس الشيشاني جوهر دوداييف، وهذه المرة لم يكن على الشيشانيين العمل في السر.

كان من أوائل الأشياء التي أزالها الشيشانيون، هي النصب التذكارية والتماثيل التي نصبها الروس في أرضهم، كتماثيل ستالين ولينين والنصب التذكاري للجنرال القيصري الدموي “إرمولوف” وقد نوقشت بالحجر أسفل هذا النصب إحدى مقولات إرمولوف العنصرية عن الشيشانيين، لذا فجر الشيشانيون هذا التمثال الذي كان يرمز إلى إذلالهم.


“تمثال لينين” أطاح به الشيشانيون عام 1991 وجروه في شوارع غروزني ثم ألقوه في نهر سونزا

في الحقيقة، انخرطت الشيشان بشكل كبير في استعادة ماضيها، بنت عليه هويتها، وأعادت الاتصال بالعالم الإسلامي، كما تهافتوا بأعداد كبيرة على الحج والعمرة حيث حرموا منهما زمنًا، ونلاحظ أنه في هذه الفترة، تسارعت أسلمة الشيشان بشكل لافت، فظهرت الشعارات الإسلامية في تفاصيل الحياة، وضغط قسم كبير من السياسيين من أجل أسلمة المجال السياسي، بل وحتى المناهج الدراسية سرعان ما غيرها الشيشانيون.

في الواقع، اتخذت الحكومة الشيشانية خطوات مهمة لنزع الطابع الروسي من البلد واستعادة الهوية والتقاليد الأصلية، فأعادت تسمية المدن والشوارع والساحات، وبنت المساجد والمدارس الإسلامية بشكل واسع، من المهم جدًا ملاحظة أنه في إحصاء عام 1999 كان في الشيشان نحو 500 مسجد نشط، تم بناء أو إعادة بناء معظم هذه المساجد بعد عام 1991.

وفي لافتة غاية في الأهمية والأصالة، شكل الرئيس داوديف لجنة للبحث عن وجمع شواهد القبور التي استخدمها الروس لبناء ممرات المشاة ومزارع الخنازير، وجمعوا بالفعل كل الشواهد التي وجدوها وأنشأوا منها نصبًا تذكاريًا كبيرًا لذكرى وشهداء التهجير، ونوقشت عليه كلمات الرئيس الشيشاني: 
“لن نبكي.. لن ننسى.. لن نسامح”! 
فقد كانت هذه الكلمات تُتلى بشكل شائع، وأيضًا في فبراير/شباط 1994 قام الشيشانيون بإحياء الذكرى الخمسين للتهجير بصلوات وتجمعات وهتافات 
“لن يُنسى شيء.. لن يُنسى شيء”.

كذلك أصدرت الحكومة الشيشانية مرسومًا يقضي بأن توفر جميع المباني الحكومية غرفة للصلاة وأن ترتدي موظفات الحكومة الحجاب، بجانب إلغاء العطلات التي فرضها الروس واستعادة العطلات الدينية، وأيضًا اهتم الشيشانيون بإحياء بعض المناسبات القومية والدينية، فتم إعلان يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني عطلة وطنية احتفالًا باستقلال الشيشان، وكذلك تم الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد الإمام شامل في 21 يوليو/تموز 1997، إضافة لذكرى يوم التهجير.

هذا بجانب بناء المراكز الثقافية الجديدة والمعاهد الدينية والعلمية والهيئات الإدارية المستقلة عن روسيا، وترميم المعالم التاريخية القديمة، وفتح أنشطة المؤسسات المتحفية والمسارح والفرق الموسيقية، وخاصة دور الثقافة الريفية.

وفي الواقع، نجح المثقفون الشيشانيون في إنشاء منظمات لتعزيز الهوية وإعادة كتابة التاريخ، ونقد الكتابات الروسية المضللة، بجانب التواصل مع الشعوب الأخرى التي حاول الروس إبادتها، حيث شكلوا منظمة عرفت باسم “اتحاد الشعوب المقموعة” من أجل تسليط الضوء على أهوال التهجير وإبادة الروس لشعوب بأكملها، وعقدت مؤتمرات، ونشرت كتب باللغتين الروسية والشيشانية عن هذا الموضوع الذي لم يكن من الممكن التحدث عنه قبل عام 1989.

والأهم من كل ذلك، العودة القوية لأنشطة الطباعة والنشر في الأدب والثقافة الشيشانية، وعودة اللغة الشيشانية نفسها إلى الصدارة، والتحول إلى الأبجدية الشيشانية، حيث شهدت الساحة في هذه الفترة نشاطًا كبيرًا للكتب والروايات والمسرحيات التي دار غالبيتها عن التهجير والتقاليد الوطنية وواقع المجتمع الشيشاني، هذا مع تعليم اللغة العربية في المدارس بدلًا من الروسية، إذا تم إعلان الأخيرة كلغة أجنبية في الشيشان.

في المجمل، بعد العام 1991، حدثت تغيرات كبيرة على مستوى الهوية والثقافة الشيشانية، استقر الإسلام باعتباره الشكل الرئيسي لتحديد الهوية، ورأى الشيشانيون حاضرهم عبر شاشة الماضي، وأعادوا تنظيم المناهج الدراسية والمتاحف والمكتبات وأقاموا مؤسسات ثقافية جديدة، وهذه العودة السريعة جدًا إلى الجذور، ليست مفاجئة، إنما هي نتيجة منطقية واتصال طبيعي بتراث وتاريخ لم ينقطع.
المحرقة الروسية: استئصال الذاكرة

حين شكل الشيشانيون في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 أول حكومة تحت قيادة الرئيس جوهر دوداييف وأعلنوا الشيشان دولة مستقلة، رفضت روسيا هذا الاستقلال، وحاولت لأكثر من ثلاث سنوات إعادة الأوضاع إلى السابق، ثم حين فشلت كل العمليات السرية للإطاحة بدوداييف، أصبح الغزو العسكري الشامل أمرًا لا مفر منه، ومن ثم بدأت روسيا حربها الأولى على الشيشان في أواخر 1994.

هذه الحرب اتخذت شكلًا أبشع من حروب الصرب ضد البوشناق والألبان، على حد وصف الصحفي أسعد طه حين ذهب إلى الشيشان في حربها الأولى ثم عاد إلى البوسنة، فاعتبر أن البوسنة بكل مآسيها الجارية كانت “باريس” بالنسبة لما يحدث في الشيشان!


فهل يصبح السلام والحرية حقيقة في ظل الاحتلال والقوة؟

الأربعاء، 20 يوليو 2022

مذابح مجموعة الفاغنر في مالي.. شهود يتحدثون عن تشوه في جثث الضحايا

مذابح مجموعة الفاغنر في مالي.. شهود يتحدثون عن تشوه في جثث الضحايا

 اختارت من يرتدون ملابس إسلامية ولحاهم طويلة.. 
فاغنر تعدم جماعياً 180 سجيناً في قرية مورا وسط مالي، 
وفقاً لتقرير لصحيفة التلغراف




مالي (صحيفة التلغراف)

إجرام وتعذيب.. مجموعة الفاغنر تواصل انتهاكاتها في مالي

  • قاموا بإعدام طفل يبلغ من العمر حوالي 10 سنوات
  • تم إعدام ما بين 200 إلى 600 رجل وصبي بإحدى القرى في أواخر مارس / آذار
  • يستخدم فاغنر أيضًا آلة دعاية جيدة التلاعب بالرأي العام

يقول ناجون من مذابح الفاغنر في مالي، "مر المرتزقة الروس ببطء عبر مجموعة المئات من السجناء بالعصا، وإذا كانت لحية الرجل طويلة جدًا أو كانت ملابسه إسلامية جدًا، يتم النقر على رأسه ويقال إنه إرهابي اقتله".

عندما تم اختيار عدد كافٍ من الأشخاص تم اقتيادهم إلى مبنى قريب وتم إطلاق النار عليهم، لم يكن هناك مكان للاختباء فيه في الغابة القاحلة حول قرية مورا في وسط مالي، وجاء الرجال على متن مروحيات مع جنود حكوميين ومترجمين، وإذا حاول السكان المحليون الفرار، فسيُقتلون بالرصاص في ثوانٍ.

"لم يأخذوا حتى الوقت الكافي لتقييد أيديهم أو عصب أعينهم.. لقد أعدموهم للتو.. البعض حتى وهم ما زالوا يمشون. قال محمد، وهو سائق يبلغ من العمر 29 عامًا وأحد السجناء الذين نجوا وشهدوا الأمر برمته ".

كما قاموا بإعدام طفل يبلغ من العمر حوالي 10 سنوات.. لا أعرف ما هو اسمه أو لماذا قتلوه ".

الأحد، 27 فبراير 2022

بعث برسالة شكر إلى أردوغان.. الرئيس الأوكراني: الاستعداد الدفاعي لشعبنا أحبط سيناريو الاحتلال الروسي

بعث برسالة شكر إلى أردوغان.. الرئيس الأوكراني: الاستعداد الدفاعي لشعبنا أحبط سيناريو الاحتلال الروسي


الرئيس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي/ رويترز


قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مساء السبت 26 فبراير/شباط 2022، إن استعداد الشعب الأوكراني للدفاع عن بلاده أحبط سيناريو الاحتلال الروسي، معلناً ترحيبه باقتراحات تركيا وأذربيجان لإجراء محادثات سلام مع موسكو.

فيما أضاف زيلينسكي في رسالة قصيرة بالفيديو: "سنقاتل بكل ما نستطيع ومهما تطلَّب الأمر لتحرير بلادنا"، مشيراً إلى أن بلاده تحتاج إلى النفط والمنتجات النفطية.

كما استطرد الرئيس الأوكراني قائلاً: "أشكر صديقنا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على دعمه واتفقنا معه على ضرورة منع مرور السفن الروسية إلى البحر الأسود".


في حين لفت إلى أن "الرئيسين التركي والأذربيجاني اقترحا تنظيم مفاوضات مع روسيا، وأبديت موافقتي".

جهود تركية للتوصل إلى هدنة

في وقت سابق من يوم السبت، أوضح بيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية أن أردوغان بحث خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأوكراني، التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، وآخر المستجدات في هذا السياق.

بحسب البيان، أبلغ أردوغان زيلينسكي بأن "تركيا تبذل جهوداً من أجل التوصل إلى هدنة في أقرب وقت للحد من إلحاق المزيد من الخسائر بأوكرانيا".

فيما قدّم أردوغان تعازيه للرئيس الأوكراني في ضحايا الهجوم الروسي، وتمنى الشفاء العاجل للمصابين.

العملية العسكرية الروسية

يُشار إلى أن روسيا أطلقت، فجر الخميس 24 فبراير/شباط 2022، عملية عسكرية في أوكرانيا، تبعتها ردود فعل غاضبة من عدة دول في العالم، ومطالبات بتشديد العقوبات على موسكو.


بعد التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا ، ذهب المواطنون الذين أرادوا مغادرة مدينة كييف ، العاصمة ، إلى محطة القطار. ( Wolfgang Schwan – وكالة الأناضول )

بحسب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قُتل أكثر من 130 شخصاً، بينهم مدنيون، في اليوم الأول للتدخل العسكري الروسي.

في المقابل، تقول موسكو إن "العملية العسكرية تستهدف حماية أمنها القومي".

كانت العلاقات بين كييف وموسكو قد توترت منذ نحو 8 سنوات، على خلفية ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها بطريقة غير قانونية، ودعمها الانفصاليين الموالين لها في "دونباس".



المصدر:عربي بوست
رويترز

الجمعة، 25 فبراير 2022

المسلمون في أوكرانيا.. ما عددهم وما أوضاعهم

 

المسلمون في أوكرانيا.. ما عددهم وما أوضاعهم

معظم مسلمي أوكرانيا هم من تاتار قاطني شبه جزيرة القرم. ووفقا لدراسة «منتدى بيو» «Pew Forum»، يصل تعداد مسلمي أوكرانيا إلى 393,000، في حين أن الإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا تقدم تعداد مليوني مسلم، يرتكز معظمهم في شبه جزيرة القرم.

دولة أوكرانيا

تعرف أوكرانيا بأنها دولة أوربية تقع في شرق قارة أوروبا،

تحدها دولة روسيا من الجهة الشرقية، وبيلاروسيا من الجهة الشمالية،

كما يحدها من الغرب كل من بولندا وسلوفاكيا والمجر، ومن الجنوب رومانيا ومولدوفا.

تعد أوكرانيا دولة مستقلة منذ العام 1991م، وهي عضو في رابطة الدول المستقلة، عاصمتها مدينة كييف التي تعتبر أكبر مدينة في البلاد من حيث المساحة وعدد السكان.


الإسلام في أوكرانيا

دخلت الديانة الإسلامية إلى أوكرانيا في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي،

وذلك عن طريق التجار والرحالة المسلمين الذين كانوا يزورون مدينة كييف،

حيث توافد المسلمون إليها في القرن الحادي عشر ميلادياً،

وتحديداً خلال فترة عمل أبناء الجاليات المسلمة في كييف، كما دخلها الإسلام عن طريقين؛

الأول من جهة الجنوب من جمهورية تركيا والدول العربية،

والثاني من جهة الشرق من بلاد الفولجا والقوقاز.

كم عدد المسلمين في أوكرانيا

وصل عدد المسلمين في أوكرانيا عام 2020 إلى حوالي 393 ألف نسمة،

حيث يشكلون نسبة 6% من إجمالي عدد السكان في البلاد،

ومن المتوقع أن يصل عدد المسلمين في أوكرانيا عام 2022 إلى قرابة النصف مليون نسمة،

إذ اتضح أن أعداد المسلمين في أوكرانيا بتزايد مستمر، على الرغم من انخفاض عدد سكانها مع مرور الوقت،

والجدير بالذكر أن أصول معظم المسلمين المتواجدين في أوكرانيا تعود من تاتار القرم.


تاريخ المسلمين في أوكرانيا

بعد استقلال البلاد في عام 1991 وانفصالها رسميًا عن الاتحاد السوفييتي، عاد تتار القرم إلى شبه جزيرة القرم،

والجدير بالذكر أن المسلمين في أوكرانيا يتكونون من مجموعات عرقية مختلفة، ولكن الغالبية العظمى من أصل التتار،

كما تواجدت مستوطنة صغيرة من اللاجئين المسلمين الشيشان في شبه جزيرة القرم وفي أجزاء أخرى من أوكرانيا.

مع مرور الوقت، ازداد انتشار المسلمين، حتى كونوا نحو 445 مجتمعًا، وبنوا نحو 160 مسجدًا. في عام 2011 م،

أثبتت الدراسات أن عدد الأوكرانيين المسلمين يقدر بنحو 393 ألف نسمة،

في حين نفى المجلس الديني لمسلمي أوكرانيا تلك الإحصائيات، وأعلن أن العدد الحقيقي يصل إلى مليونين منذ عام 2009 م،

وفي عام 2016 أعلن سعيد إسماعيلوف مفتي الأمة أن عدد المسلمين الذين يعيشون في أوكرانيا وصل إلى مليون مسلم.

مسلمو أوكرانيا في القرن 20

عند اندلاع الثورة الروسية لسنة 1917، شكل المسلمون ثلث سكان القرم. في جل المدن الكبرى في شبه جزيرة القرم، كان تعداد المسلمين مهما.

تعرض مسلمو القرم لترحيل جماعي سنة 1944 بعد أن اتهمهم ستالين بالعمالة للنازيين الألمان.

رحل حوالي 200 ألف تتري من القرم إلى وسط آسيا، خاصة إلى أوزبكستان وأيضا إلى كازخستان ومناطق أخرى من روسيا.

أهم عمليات الترحيل هي التي حصلت في 18 مايو 1944.

عدد سكان أوكرانيا

وصل عدد سكان أوكرانيا بحسب إحصائيات عام 2015 م إلى 42,751,000 مليون نسمة،

حيث بلغت الكثافة السكانية 77 نسمة لكل كم²، ويتألف المجتمع السكاني في أوكرانيا من عدة مجموعات عرقية؛

كالأوكرانيين، والروس، وتتار القرم، والبيلاروس، والبلغار، والمجر، والمولداف، والرومانيين، والبولنديين،

ويتحدث السكان في البلاد اللغة الأوكرانية التي تعتبر لغة رسمية في الدولة بالإضافة إلى عدد من اللغات الأخرى، كاللغة الروسية ولغة تتار القرم.

أزمة انخفاض عدد سكان أوكرانيا

أكدت عدة تقارير إحصائية أن اختفاء دولة أوكرانيا وتلاشي مواطنيها بالكامل قد يكون خلال الـ 200 عام القادمة،

كما أوضحت أنه منذ حوالي الربع قرن أي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي كان عدد سكان أوكرانيا حوالي 52 مليون نسمة،

إلا أن العدد استمر في الانخفاض والتقلص بعكس باقي دول العالم.

ليصل عدد السكان عام 2000 إلى 49 مليون نسمة، وفي عام 2010 إلى 46 مليون نسمة،

وفي آخر إحصائية عام 2020 وصل عدد السكان إلى 44 مليون نسمة. ومن المتوقع أن ينخفض عدد السكان في عام 2022 إلى 42 مليون نسمة،

والجدير بالذكر أن سكان مدينة تشيرنيغوفسكي الأوكرانية هم أكثر السكان تقلصًا، ومن المتوقع أن يختفوا كليًا خلال الـ 50 عام القادمة.

خصائص السكان في أوكرانيا

تتمثل خصائص السكان في دولة أوكرانيا بما يلي:

عدد المواليد يقدر بنحو 1.4 ولادة لكل امرأة أوكرانية.

متوسط ​​العمر في أوكرانيا 72.50 سنة.

معدل وفيات الأطفال حديثي الولادة في أوكرانيا يقارب 6 وفيات لكل 1000 ولادة جديدة.

أوكرانيا من أدنى الدول في العالم بمعدلات الخصوبة، حيث تبلغ الكثافة السكانية فيها حوالي 75 شخصًا لكل كيلومتر مربع.

إن قرابة 30334.632 من إجمالي سكان أوكرانيا يعيش في المناطق الحضرية، وتبلغ نسبتهم حوالي 69.4%.

وفي ختام هذا المقال نكون قد عرفنا كم عدد المسلمين في أوكرانيا كما تعرفنا على تاريخ الإسلام فيها، وعلى أزمة السكان التي تعاني منها هذه الدولة.


تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام (1)

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام (2)




الاثنين، 16 يوليو 2018

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام (2)

تاريخ الإجرام الروسي ضد الإسلام (2)



 زياد المدني
القوقاز والشيشان ١٧٤٠ - ١٩٩٦ هـ
تمكن الروس من احتلال بلاد القوقاز بعد معاهدة بلغراد عام ١١٥٢ للهجرة. وبعد تراجع النفوذ العثماني والفارسي في تلك المناطق، لم يجد مسلمو القوقاز سبيلاً للمقاومة إلا بالاعتماد على أنفسهم، مع التوكل على الله تعالى.
مع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وانحلال حلف وارسو، صوّت البوسنيون على الانفصال عن يوغوسلافيا. لكن واجه الشيوعيون الصرب هذه القرار بالتسليح العام، فانطلقت حرب البوسنة.
وفي عام ١٢٤١ للهجرة، تولى الإمام شامل قيادة المقاومة الداغستانية ضد الروس. فأخذ المسلمون يُنزِلون الهزائم المتتالية بالروس، وأخذوا يلقِّنون الروس دروساً في الحرب والقتال.

لكن ما إن انتهى الروس من حرب القرم، حتى قاموا بإرسال أكثر من ٣٠٠ ألف جندي إلى القوقاز للقضاء على ثورتها، فأسروا الإمام شامل في عام ١٢٨١ للهجرة، ثم بدأوا بالتنكيل بالمسلمين، وارتكاب أبشع المجازر في حقهم، بسبب حقدهم على الهزائم المتتالية التي ذاقوها.

وبعد اشتداد وطأة المستعمر الروسي في القوقاز، بدأت الكثير من العوائل الشركسية والشياشانية والداغستانية بالهجرة إلى مختلف البلاد الإسلامية.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١، أعلن الشيشان انفصالهم عن روسيا، لكن لم تعترف روسيا بهذا الانفصال، فبدأت بشن الحروب عليهم. لكن لِما عُرف عن الشعب القوقازي من شدة بأس، فشل الروس في فرض سيطرتهم على الشيشان مجدداً. وحاول الروس مجدداً دخولي عاصمة الشيشان غروزني في عام ١٩٩٤، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وتناثرت جثث المحتل الروسي في شوارع غروزني.

قام الروس بعد ذلك باتّباع سياسة "المدينة المحترقة"، فقاموا بإحراق مدينة غروزني بأكملها، حتى لا يدعوا فيها مجالاً للمقاومة. وبعد أن قتل الروس معظم سكان العاصمة، سيطروا عليها.

واستمر بعد ذلك الجهاد الشيشاني ضد المحتل الروسي، فقاد شامل باساييف المقاومة، حتى أرهق البأسُ الشيشاني الروسَ، فقال أحد قادتهم "الحرب في أفغانستان تعتبر نزهة مقارنةً بالشيشان!". ثم تمكن الشيشانيون من استعادة العاصمة غروزني في عام ١٩٩٦، واضطر المحتل الروسي إلى مغادرة الشيشان، بعد أن ألحقت به المقاومة أشد الهزائم.

وما زالت روسيا، رغم استقلال الشيشان وانسحاب الروس منها، قائمة على إيجاد سُبُل جديدة لاستعادة الشيشان وإلغاء استقلالها، وما زال بوتين يُصِر على أن الشيشان جزء من روسيا!

البلقان والبوسنة ١٩٤٥ - ١٩٩٥ م
بدأ الاحتلال الروسي للبلقان إبّان الحرب العالمية الثانية، وبعد نهاية الحرب أحكم الشيوعيون قبضتهم على البلاد بعد حلف وارسو. وكعادتهم، حاربوا الإسلام فيها بقسوة لا مثيل لها في التاريخ، كما سبق الذكر عند الحديث عن الاتحاد السوفيتي.

ومع انحلال حلف وارسو عام ١٩٨٩، بدأت بلاد البلقان بالانفتاح على الإسلام مجدداً، لكن سرعان ما تدخل الروس والأوروبيون لزعزعة هذا الانفتاح، فدعموا، على سبيل المثال، الحزب الشيوعي في ألبانيا حتى بات الحزب الحاكم فيها.

لكن لم تبرز كراهية الشيوعيون للإسلام في مكان مثلما برزت في البوسنة. فبداية من خمسينيات القرن الماضي، مع تمكن الشيوعيون من يوغوسلافيا، بدأوا عدوانهم على الإسلام، فذبحوا عشرات الألوف في مدينة توزلا البوسنية، وقتلوا أكثر من ٣ آلاف مسلم في سراييفو، ولا ننسى المذبحة البشعة التي قام فيها الصرب بذبح أكثر من ٦٠ ألف مسلم والإلقاء بهم في نهر الفولجا، حتى أصبح لونه أحمر من الدماء. وغيرها من مذابح بشعة في تلك الفترة.

ومع مطلع الثمانينات، بدأت الحركات الإسلامية بالظهور في البوسنة، مثل جمعية الشبّان المسلمين بقيادة علي عزت بيجوفيتش. لكن سرعان ما زُجّ بهم في السجون في عام ١٩٨٣، بتهمة قلب نظام الحكم.

ومع سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١، وانحلال حلف وارسو، صوّت البوسنيون على الانفصال عن يوغوسلافيا. لكن واجه الشيوعيون الصرب هذه القرار بالتسليح العام، فانطلقت حرب البوسنة عام ١٩٩٢، وارتكب الشيوعيون فيها أبشع المجازر في المسلمين، التي تعجز الألسنة والأقلام عن وصفها، من القتل العشوائي والاغتصاب الجماعي المنظم، أبرزها مذبحة سربرنيتشا، فيما اكتفى العالم أجمع بالتفرج على هذه الجرائم.
التاريخ يخبرنا أنه مهما طال تجبر العدو على أرضنا، ستكون الغلبة لدين الله في نهاية المطاف.
ظنّ الناس حينها أن الحرب كانت بين الصِرب والبُشناق، بينما كانت في الواقع بين قوى العالم وبين مسلمي البلقان. فقال أحد القادة الصرب "نحن ندمر المسلمين لنحمي أوروبا من المد الإسلامي"!

وبالرغم من كل ذلك، كانت إرادة الله فوق كل شيء، فتمكن مسلمو البوسنة من إرغام الكروات على التفاوض معهم بعد أن طوّقوا أكثر من ٦٠ ألف جندي كرواتي في إحدى المناطق. ومع انشغال الكروات بقتال الشيوعيين الصرب، تمكن المسلمون من السيطرة على معظم مناطق البوسنة، مما أجبر العدو على قرار وقف النار عام ١٩٩٥، وإعلان قيام جمهورية البوسنة بقيادة علي عزت بيجوفيتش.

"يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"

بعد هذه الجولة التاريخية، نرجع إلى سوريا اليوم، لنرى تلك المجازر البشعة التي يرتكبها النظام السوري والروس في حلب وغيرها من مناطق سوريا.

لكن الله تعالى وعدنا بنصر الإسلام حين قال "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ". فالتاريخ يخبرنا أنه مهما طال تجبر العدو على أرضنا، ستكون الغلبة لدين الله في نهاية المطاف.

فنسأل الله تعالى أن يُعَجِّل زوال العدو المحتل عن أرضنا، وأن يُفرحنا بفتح سوريا، فنراها حرة في الغد، وقد عاد إليها كل من أُرغم على الرحيل منها.
المقال السابق