‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. تيسير التميمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. تيسير التميمي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 ديسمبر 2025

غزوة مؤتة

 غزوة مؤتة

د. تيسير التميمي 



قصة بعث أسامة بن زيد التي تناولتها في مقال الأسبوع الماضي تعيد فينا ذكريات مؤلمة لغزوة مؤتة وتسمى في بعض المراجع بمعركة الأمراء، وقعت أحداثها على أرض بلدة مؤتة جنوب مدينة الكرك (اليوم تقع في الأردن)، وأما زمانها ففي شهر جُمادى الأولى من عام 8 هـ، كان جيش المسلمين يومها في مواجهة مع جيش الرومان والقبائل العربية المتنصرة وفي مقدمتهم الغساسنة، وهذه الغزوة أول حرب يخوضها المسلمون خارج حدود الجزيرة العربية.

والسبب المباشر لهذه الغزوة هو قيام والي الروم في البلقاء واسمه شرحبيل بن عمرو الغساني بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، وتفصيل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية مع قريش بدأ بمراسلة الملوك والأمراء في البلاد المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، وكان من ضمنهم ملك بُصرى الغساني واسمه عمرو بن جبلة، وحمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه الحارث بن عمير، فاعترض طريقه شرحبيل بن عمرو وقتله قتلة غادرة، وهذا التصرف يعتبر بمثابة إعلان الحرب على المسلمين وانتهاكٍ شائنٍ لما تعارف عليه الملوك وزعماء القبائل من العرب والعجم أن الرسل لا تُقْتَل ولا يجوز التعرض لهم لأنهم مجرد مبعوثين يحملون رسائل من مرسليهم.

كان وقع هذه الجريمة الشنعاء شديداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فدعاهم للخروج ومقاتلة الروم وحلفاءهم من نصارى العرب، لأنهم أداة الروم في التضييق على المسلمين وفي العدوان على بعض المسافرين منهم وفي اعتراض قوافلهم التجارية والسطو عليها ونهب ما لديها من أموال وبضائع، ويهدف هذا التحرك العسكري إلى وضع حد لهذه التصرّفات الإرهابية من قبل الروم وأتباعهم، ويهدف ثانياً إلى فرض هيبة الدَّولة الإسلاميَّة في تلك المناطق بحيث لا تتكرَّر مثل هذه الجرائم مستقبلاً، ويهدف ثالثاً إلى ضمان الأمان للمبعوثين والدعاة ولقوافل المسلمين التجارية، فجهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب هؤلاء المعتدين وأمثالهم، وبشأن قيادة هذا الجيش قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة } رواه البخاري.

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه بأن يأتوا المكان الذي قتل فيه الحارث بن عمير، وأن يدعو مَنْ هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتَلوهم، فقد { كان صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً وقال : اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تَغُلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً } رواه مسلم، وفي رواية أخرى زيادة { ولا أصحاب الصوامع } رواه أحمد، ومعنى لا تغلوا أي لا تأخذوا الغنائم قبل تقسيمها، ومعنى لا تمثلوا أي لا تشوهوا جثث القتلى

ولكن سرعان ما قام المنافقون في المدينة والعملاء الذين جندهم الأعداء للتجسس على المسلمين ؛ قام هؤلاء الخونة بنقل أخبار التجهيز العسكري للروم وحلفائهم، فجهز الروم جيشاً جراراً يضم مائة ألف جندي بقيادة إمبراطورهم هرقل الذي جاء بنفسه ونزل بمؤاب (اليوم تقع في الأردن) وانضم إليهم مائة ألف آخرين من نصارى العرب الغساسنة بقيادة شرحبيل بن عمرو قاتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لمن المستهجن أن يقاتل هؤلاء العرب إخوانهم في الدم وأبناء جلدتهم إلى جانب الرومان ولاءً لهم وحرصاً على رضاهم، لكن الأولوية عندهم كانت للمصالح السياسية والدينية، مما يؤكد أن الرابطة الفكرية بينهم مقدمة على رابطة أخوّة الدم ما دام التحالف ضد الإسلام وأهله.

تجهّز المسلمون وتحرك جيشهم شمالاً حتى نزل بمَعَان (تقع اليوم جنوب الأردن)، ونقلت إليهم استخباراتهم أنباء مفاجئة عن الإعدادات الهائلة للروم وحلفائهم، لم يكن في حسبان المسلمين أنهم سيواجهون جيشاً بهذه الضخامة، فكيف سيغامر القادة بأرواح جنودهم وبنهاية مؤكدة هي الهزيمة الساحقة ؟ احتار المسلمون بأمرهم ومكثوا في مَعَان ليلتين يتشاورون، فاقترح بعضهم [ نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ] ومعنى فنمضي له أي ننفذه، ولكن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خطب فيهم يذكرهم بالجهاد في سبيل الله فقال [ يا قوم : والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون : الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقُوا فإنما هي إحدى الحسنيَيْن إما ظهور وإما شهادة ]، وقوله ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة 249، فأثارت كلماته الحماسة والشوق للجهاد والشهادة فيهم، فواصلوا طريقهم.

تحرك جيش المسلمين إلى الشمال، فلقيتهم جموع هرقل في إحدى قرى البلقاء يقال لها شَارِف ثم دنا منهم، لكن المسلمين انحازوا إلى قرية مؤتة التي تبعد أحد عشر كيلومتراً جنوب الكرك اليوم.

الْتحم الفريقان في مؤتة، وبدأ القتال بينهما ضارياً شديداً، في اليوم الأول بدأ المسلمون الهجوم بقوة بعد صلاة الفجر وكان في صالح المسلمين، فالروم والغساسنة لم يتوقعوا من جيش صغير أن يبدأ بمهاجتهم، وفي اليوم الثاني بادر المسلمون بالهجوم وكان في صالحهم كذلك، وقتل كثير من جنود الروم وحلفائهم، وفي اليوم الثالث بادر الروم بالهجوم وكان أصعب وأقوى من اليومين السابقين، ففيه استشد أمراء الجيش الثلاثة، فقد قاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه بضراوة بالغة والراية في يده حتى نال الشهادة، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقاتل قتالاً منقطع النظير ومن غير هوادة حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله ولم يزل رافعها ويقاتل حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه مخافة أن تسقط، فبقيت مرفوعة حتى استشهد، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أبدله بجناحين فلُقِّبَ بالطيار، وقال عنه { رأيتُ جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة } رواه الترمذي، ورد أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين } رواه البخاري، ولما ارتقى جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال له شُدَّ بهذا صُلْبَك فإنك قد لقيتَ في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه فأكل قليلاً منه، فلما سمع تدافع الناس للقتال قال لنفسه لائماً [ وأنتِ في الدنيا ؟ ] فألقى اللحم من يده وأخذ سيفه فتقدم للميدان فقاتل بضراوة وبسالة حتى ارتقى شهيداً.

استشهد القادة الثلاثة، وهنا يتجلى موقف الجرأة والشجاعة للصحابي ثابت بن أقرم رضي الله عنه، فقد تقدم ورفع الراية عن الأرض وقال [ يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا أنت، قال ما أنا بفاعل ] فاختار الناس خالداً بن الوليد رضي الله عنه، وقد نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم القادة قبل أن يأتيهم خبرهم فقال { أخذ الراية زيدٌ فأصيب ثم أخذ جعفرٌ فأصيب ثم أخذ ابنُ رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم } رواه البخاري، وهذا دليل على أن الله سبحانه زوى له الأرض فأصبح يرى ما يحدث لأصحابه وهم يقاتلون على مشارف الشام، وهذه من جملة المعجزات التي أيدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبتت صدق رسالته.

وعندما استلم خالد القيادة خطط لإنقاذ الجيش الإسلامي بطريقة تحفظ كيانه وكرامته وتُبْقِي هيبته، فقرر الانسحاب لكن دون تمكين الرومان من ملاحقته وإلاَّ ستكون هزيمة ماحقة له ولجيشه، وقتال الانسحاب شاق ومرهق وهو من أصعب وأعقد العمليات العسكرية، ومع ذلك صمد خالد وجيشه في ميدان القتال حتى الليل فكان هدنة مؤقتة له ليرسم التكتيك المحكم، فأولاً استغلّ الظلام ليغيّر مراكز تموضع المقاتلين وليبدل راياتهم، فحوَّل الميسرة ميمنة والميمنة ميسرة والمقدمة قلباً وهكذا، والحكمة هنا هي تغيّر الوجوه على الروم فيتوهموا وصول الإمدادات العسكرية من المدينة، فلما أصبح اليوم التالي اعتمد في الجزء الثاني من خطته على الحرب النفسية بإيهام الروم أن مدداً اتى للمسلمين من المدينة بتكتيك آخر، فقد أمر فرسان فرقة الخيالة بإثارة الغبار خلف الجيش واصطناع جلبة قوية وبأن تعلو أصواتهم بالتكبير والتهليل، فخارت عزائم الرومان وأصابهم الرعب،

والتحم الجيشان من جديد في اليوم الرابع فهاجم المسلمون الروم وقاتلوهم قتالاً مضنياً، وأحذ خالد بتنفيذ الجزء الثالث من خطته التكتيكية، فانسحب بالجيش بطريقة منظمة بحيث ينسحب ثم يرجع بعد الانسحاب لمسافة قصيرة باتجاه الميدان، ثم ينسحب مرة أخرى لمسافة أبعد ويرجع نحو الميدان لمسافة أقصر بحيث يصبح بعيداً عن ميدان القتال، وكرر ذلك عدة مرات بحيث يزيد مسافة الانسحاب والتراجع ويقلل مسافة العودة للميدان، فظن الرومان أن المسلمين يخدعونهم ويستدرجونهم لملاحقتهم وتشتيتهم في الصحراء مما يعني لهم الضياع والهلاك، والروم ليسوا من أهل الصحراء كالعرب لذلك يتجنبون التيه فيها، ونظراً لسيطرة الفزع عليهم أصلاً فقد انحازوا إلى بلادهم ولم يفكروا بمطاردة المسلمين، فظهروا وكأنهم هم الفارّون من الميدان، ونجح خالد وجيشه بالعودة سالمين إلى المدينة المنورة.

وصل خالد وجيشه المدينة المنورة فلم يستقبلْهم المسلمون بالرضا، بل حتى إن الأطفال كانوا يَحْثُونهم بالتراب ويقولون لهم غاضبين [ يا فُرَّار : فَرَرْتُمْ في سبيل الله ؟ ] فما نوع التربية التي تلقّاها هؤلاء الصغار ؟ ومن هم المربون الذين تولوا صياغة أفكارهم وبناء شخصياتهم ؟ وما هي القيم التي ترَبَّوْا عليها ؟ وما هي الغايات العليا التي يسعون لبلوغها ؟ فلْنعلمْ أن التربية مهمة شاقة ؛ لكنها يسيرة إذا أيدها الله عز وجلّ بتوفيق من يقوم بمسؤولياتها خير قيام.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له نظرة أخرى : قال ابن عمر { بَعَثَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فحاصَ الناس حَيْصَة، فأتينا المدينة فاخْتَفَيْنا بها وقلنا هلكنا، ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله نحن الفَرَّارون، قال بل أنتم العَكَّارون وأنا فئتكم } رواه أبو داود، وفي قوله أنا فئتكم إشارة إلى قول الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } الأنفال 15- 16، والعكارون أي الكرّارون الذين يعاوِدُون القتال بعد التوقف عنه فترة، ومعنى الحَيْصَة أي التجوّل والتحرك طلباً للفرار والهرب، وهذا ما كان في الزمن اللاحق : فقد عاود المسلمون محاربة الروم حتى أسقطوا إمبراطوريتهم نهائياً : رأينا ذلك في غزوة تبوك ثم في بعث أسامة رضي الله عنه ثم في معارك كثيرة منها اليرموك وأجنادين وذات الصواري وغيرها.

وعلى الرغم من أن مقتضى الحكمة العسكرية هو عدم مواجهة المسلمين للروم مع هذا الفارق العظيم في ميزان القوى ؛ إلا أن المسلمين يؤمنون بأن النصر من عند الله ويتطلب الإعداد المستطاع مع رسوخ الإيمان وصدق الدعاء ولا يشترط له الكثرة، شعارهم في ذلك قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال 65-66.

كانت هذه المعركة كبيرة الأثر على سمعة المسلمين ومكانتهم، فالدولة الرومانية كدولة الفرس أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض في زمانها، وكانت العرب تظن أن مواجهتها وقتالها انتحار وإلقاء بالنفس إلى التهلكة ولا يجرؤ أحد منهم على ذلك، لكن غزوة مؤتة كسرت هذه الظنون وحطمت تلك الأسطورة ؛ وبالأخص بعد العودة منها بأقل الخسائر بالقياس إلى خسائر الرومان، فقد استشهد من المسلمين اثنا عشر رجلاً فقط ومن بينهم أمراء الجيش الثلاثة، بينما قتل من الروم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون رجلاً، وهذا يعد انتصاراً رفع شأن الدولة الإسلامية الناشئة.

وإنه لمن المذهل حقاً أن يصمد الجيش الإسلامي أمام الرومان في معركة غير متكافئة : فثلاثة آلاف مقاتل يواجهون مائتيْ ألف أي أكثر منهم بسبعين ضعفاً تقريباً، فأيُّ بشر هؤلاء المقاتلون وأيّ قلوب في صدورهم وأيّ نفوس تكمن بين ضلوعهم ؟ وأيّ قيادة وجَّهتهم واستثارت طاقاتهم ! إنه الإيمان الراسخ بالقضية الذي تصغر أمامه كل القوى المادية مهما عظمت، وتنهار بمواجهته كل عقائد الباطل مهما تحالف أقطابها، وهذا ما عهدناه منهم في المواقع الجهادية الكثيرة التي خاضوا غمارها عبر تاريخهم الماجد، فمن يقينهم بأن الله ناصرهم يستمدون القوة ويستلهمون الصبر والثبات ما دام إيمانهم بالله وحده وولاؤهم لله وحده.

الخميس، 16 أكتوبر 2025

غزوة العُسْرَة (تبوك)

 غزوة العُسْرَة (تبوك)

د. تيسير التميمي.. 

قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس


عُرِفَت غزوة تبوك في السيرة النبوية بغزوة العُسْرة وهي آخر غزوات الرسول عليه السلام، ومن أسمائها الفاضحة والكاشفة لأنها فضحت المنافقين وأساليبهم العدائية وأحقادهم الدفينة، وكشفت نواياهم وأسقطت أقنعة الكفر التي تستروا بها لخديعة المؤمنين، فمنذ بداية التحضير لها بدأ تمحيص المؤمنين وتمييزهم عن المنافقين، وقد عجبتُ من بعض الفلاسفة المتفذلكين المعاصرين قولَهم أنه لم يكن لهذه الغزوة من مبرر أو داعٍ، فالمدينة المنورة في رأيهم لم تتعرض للهجوم ولم يعتدِ أحد عليها أو على أهلها، وكان الأفضل للمسلمين عدم المبادرة بملاقاة جيش الروم للقتال ؛ وبالأخصّ أنه صلى الله عليه وسلم لم يجد في تبوك لا جيش الروم ولا غيره، لهذا فقد ارتأيتُ توضيح أهمية هذه الغزوة.


وقصة غزوة تبوك أنه بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، وبعد الانتصار في حُنَيْن مباشرة بدأ الإسلام يسود في الجزيرة العربية وينتشر، فتخوَّفت الروم من ازدياد نفوذه، فبادروا بتجهيز جيش لإنهاء قوته وإيقاف تمدده، فبدأ قيصرهم هرقل بنفسه يهيئ لخوض معركة دامية ضده وكانت في تبوك، ودارت رحاها في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة وتناولت أحداثها سورة براءة (التوبة).‏


وأما عن سببها المباشر فقد كتب الغساسنة العرب وهم حلفاء الروم لهرقل [ إن هذا الرجل الذي قد خرج يَدَّعي النبوّة هَلَكَ، وأصابت أصحابه سنون أهلكت أموالهم ] فرآها هرقل فرصة سانحة لتخويف المسلمين، فأشاع بأنه أرسل قائداً عظيماً على رأس جيش جرار يضم أربعين ألف مقاتل من الروم ونصارى العرب، وأن طلائعه وصلت البلقاء (في الأردن)، وبالفعل أوصل التجار الأنباط القادمون من الشام هذه الشائعة للمدينة، فلم يَرَ الرسول صلى الله عليه وسلم بُدّاً من استنفار المسلمين لدفع العدوان، فاستنهض هِمَمَ أصحابه للجهاد في سبيل الله، ولإشعارهم بأن الله لا يقبل التفريط في حماية دينه ونصرة نبيه، وبأن التراجع أمام الصعوبات الحائلة دون جهاد العدو مزلقة للمعصية والنفاق والردة.


جاء هذا التهيؤ وسط تحديات كثيرة واجهت المسلمين : 

فقد طابت ثمار المدينة وحان قِطافُها، واشتد الحر وقَلَّ الماء وأجدبت الأرض، والمسافة من المدينة إلى تبوك بعيدة والسفر إليها شاق لوعورة الطريق وقلة الرواحل، ونظراً للظروف العصيبة هذه سمي هذا الجيش بجيش العسرة، وأعلن صلى الله عليه وسلم نيته الخروج لملاقاة الروم مع أنه كان دائماً يخفي وِجْهته حفاظاً على السّرّيّة وحرصاً على عنصر المباغتة والمفاجأة للعدو، وفي أثناء هذا الإعداد والاستعداد تجلت خبايا النفوس وظهرت حقيقة إيمانها وإخلاصها :


1- فهناك الأغنياء من المؤمنين الذين حثهم الرسول صلى الله عليه وسلم على تجهيز الجيش بقوله 

{ من جهز جيش العسرة فله الجنة…} رواه البخاري، فسارعوا ببذل أموالهم لتجهيزه وإمداده بالسلاح والخيل والمؤن، فأبو بكر دفع ماله كله، وعثمان بن عفان قدم ألف دينار وثلاثمائة بعير بكامل جهازها العسكري، وعمر بن الخطاب دفع نصف ماله، وعبد الرحمن بن عوف قدم نصف ماله، وعبد الله بن عباس جاء بمال كثير، وغيرهم كثيرون رضي الله عنهم جميعاً، 

قال تعالى فيهم { لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ } التوبة 88-89.


2- وهناك الفقراء الراغبون بالجهاد وبذل أرواحهم في سبيل الله لكنهم لا يملكون ما يجهزهم، ولم يملك الرسول صلى الله عليه وسلم تجهيزهم، فبكَوْا لعدم الخروج، قال تعالى فيهم { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } التوبة 91-92. 

وقال صلى الله عليه وسلم  فيهم لما دنا من المدينة وهو عائد من تبوك 

{ إن بالمدينة أقواماً ما سِرْتُمْ مَسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة، حبسهم العذر } رواه البخاري.


3- وهناك الذين ضعفت أول الأمر همتهم، فلما جَدَّ الجدُّ وانطلق الجيش أحسوا خطر التخلف عن الجهاد فانتصروا على أنفسهم، ونهضوا سِراعاً فلحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأدركوه في الطريق ففازوا، قال تعالى فيهم { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } التوبة 117، ومن هؤلاء أبو خيثمة الأنصاري وعمير بن وهب الجمحي، وأما أبو ذر الغفاري فقد أبطأ به بعيره فنزل عنه وأكمل الطريق ماشياً حتى أدرك الجيش، رضي الله عنهم جميعاً.


4- وهناك مؤمنون صادقون، لكنهم غلبهم شيطانهم فتكاسلوا عن الخروج بغير سبب أو عذر مقبول، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية رضي الله عنهم، فكان الإجراء العقابي لهم بعد العودة من تبوك مقاطعتهم مدة خمسين يوماً حتى زوجاتهم أمرن بالمقاطعة، لكن شملتهم توبة الله عليهم لصدق الندم والترفّع عن تقديم الأعذار الكاذبة لتخلفهم عن الجهاد، قال تعالى فيهم { وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } التوبة 118.


5- وهناك المنافقون ؛ الطابور الخامس الذين اعتادوا الفرار يوم الزحف، وفي هذه المرة أيضاً آثروا التخلف عن الخروج للجهاد، ولم يكتفوا بذلك ؛ بل راحوا يثبِّطون المؤمنين عن الخروج في ظروف صعبة يعاني منها الجميع، قال تعالى فيهم { فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَراً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } التوبة 81-82


ولم يكتفِ المنافقون بذلك بل الْتمسوا أسخف الأعذار وأحطَّها، فقعدوا عن الجهاد وعن نصرة الإسلام كراهية له وللرسول وللمؤمنين، وقد كانوا موقنين بقضاء الروم عليهم، قال تعالى { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } التوبة 49، وهذه الآية نزلت تحديداً في المنافق الجِدِّ بن قيس، ليس هذا فقط بل وصفوا الأغنياء بالرياء لتقديمهم مبالغ كبيرة للجيش، وسخروا من قِلَّة ما قدمه الفقراء،فقال تعالى فيهم { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } التوبة 79،


وأكثر من ذلك عملوا : ففور علمهم بإعداد الروم أنشأوا وكراً للتجسّس والتآمر بصورة مسجد يلتقون فيه متسترين بالعبادة، وورد في السيرة أنهم قبل توجهه لتبوك ذهبوا للرسول صلى الله عليه وسلم يقولون يا رسول الله : إنا قد بنينا مسجداً لذي العِلَّةِ والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال إني على جَناحِ سَفَرٍ وحالَ شُغْلٍ، ولو قدمنا إن شاء الله فأتيناكم فصلينا لكم فيه ] أسس المنافقون هذا المسجد ليَتَلَقَّوْا فيه مراسلات وتعليمات إبي عامر الراهب (الملقب بالفاسق) وهو والد حنظلة الغسيل رضي الله عنه الذي استشهد يوم أحد، وكان أبو عامر قد طلب من المنافقين انتظاره في مسجد الضرار ووعدهم بالتوجه إلى هرقل لطلب جيش للقضاء على المسلمين، فاستجاب هرقل لطلبه فعلاً، لكن أبا عامر مات عند هرقل قبل  تحقيق مخططاته الخبيثة.


‏     خرج المسلمون في تعبئةٍ وقوة لم يخرجوا من قبلُ في مثلها، فقد بلغ عددهم نحو ثلاثين ألف مجاهد، واستخلف صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه على المدينة، وانطلق الجيش شمالاً حيث تربض جيوش الروم، وعانى الجيش المسلم الذاهب إلى تبوك العطش من نفاد الماء، فظهرت معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ إنه رفع يديه إلى السماء داعياً الله مستسقياً، فلم يرجعهما حتى أمطرت السماء فشرب المسلمون وملأوا آنيتهم


وصل المسلمون تبوك، فلما نزلوا فيها قام صلى الله عليه وسلم بهم خطيباً، فكان مما قال { أيها الناس : أما بعدُ فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله وأوثقَ العرى كلمةُ التقوى وخيرَ الملل ملةُ إبراهيم وخيرَ السنن سنةُ محمد وأشرفَ الحديث ذكرُ الله وأحسنَ القَصص هذا القرآن وخيرَ الأمور عوازِمُها وشرَّ الأمور محدثاتُها وأحسنَ الهُدَى هُدَى الأنبياء وأشرفَ الموت قتلُ الشهداء… } رواه البيهقي، ومعنى العزائم أي الفرائض والواجبات، ومعنى المحدثات أي البدع.


لكن المسلمين لم يجدوا في تبوك أحداً ولم يواجهوا عدواً، فقد آثر الروم الفرار إلى الشمال وترك مواقعهم والاختفاء داخل حدودهم، فكانت النتيجة نصراً محققاً للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بغير قتال أو اشتباك مسلح، لذا قال صلى الله عليه وسلم { أعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر… } رواه البخاري، 

وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم { قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم قال لهم : قد أعطيتُ خمساً ما أُعْطِيَهُنَّ أحدٌ كان قبلي :… ونصرتُ بالرعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر مُلِىءَ مني رعباً… }.


ومكث الرسول صلى الله عليه وسلم فترة طويلة في انتظار الروم وجيشهم ولكنهم لم يظهروا، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه { أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً… } رواه أبو داود، وفي أثناء هذه الفترة صالح الرسول صلى الله عليه وسلم نصارى العرب الضاربين في تلك الأرجاء، فدخل في عهده أهل أَيْلَةَ (العقبة حالياً) وأَذْرُح والجَرْبَا (تقعان حالياً في معان) وتيماء ودومة الجندل (تقعان حالياً شمال السعودية).


وانطلق الرسول صلى الله عليه وسلم عائداً من تبوك إلى المدينة المنورة، وقبل دخولها أرسل اثنين من أصحابه لهدم مسجد الضرار وحرقه قبل دخوله المدينة، فقد نزلت الآيات الكريمة تفضح المنافقين وتكشف غايتهم من إنشائه، قال تعالى فيهم وفي مسجدهم { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } التوبة 107-108، كان يراد لهذا المسجد أن يكون مؤسسة محاربة لله ولدينه ولرسوله وللمسلمين بالخفاء وتتمتع بغطاء قانوني شرعي لا يثير أية شبهة، لكن الله عز وجل قوَّض بنيانها.


وصل الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون المدينة في شهر رمضان المبارك مظفَّرين بعد غياب خمسين يوماً، فبدأ بمسجده النبوي فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المنافقون الذين ذُهلوا لعودته وجيشه سالمين وقد كانوا يأملون ويتمنَّوْن أن يقضي الروم عليهم ويفككوا دولتهم ويستأصلوا شأفتهم وينهوا خطرهم عليهم، فأخذوا يعتذرون ويحلفون، فقَبِلَ علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله، فعاتبه الله تعالى بقوله { عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ* لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } التوبة 43-45، وهذا الصنف من الناس إنما هو مُرْجِفٌ مُثَبِّطٌ لا يفيد ولا ينفع في الحرب ولا يغني عن المجاهدين شيئاً فغيابه خير من حضوره، ولن يكون من ورائه إلا الفتنة وتفريق الصف المسلم وإضعافه، فهم ليسوا من هذه الأمة وهي براء منهم، كيف وقد اختاروا لأنفسهم أن يكونوا ولاؤهم لغير الله ودينه ورسوله والمؤمنين، قال تعالى فيهم { وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ } التوبة 56، ومعنى يفرقون أي يخافون منكم أشد الخوف.


كانت هذه الغزوة فاصلة وحاسمة، فعلى إثرها تبدلت موازين القوى في الجزيرة العربية، وتغيرت مواقف حلفاء الروم من العرب الموالين لهم والخاضعين لسيطرتهم، فقد تحالفوا مع المسلمين كقوة جديدة يحسب لها ألف حساب، وأصبحت الطريق ممهّدة لفتوحات الشام والتي بدأت بإسقاط إمبراطورية الروم بعد ستة أعوام فقط في معركة اليرموك.


الاثنين، 29 سبتمبر 2025

معركة مرج الروم

معركة مرج الروم
قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس


معركة مرج الروم والمعروفة أيضًا باسم معركة مرج دمشق هي من معارك فتوح الشام، وقعت أحداثها في مرج الروم وهو سهل البقاع (في لبنان) بين جيش الخلافة الراشدة وجيش الروم، قيادة جيش المسلمين كانت بيد أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه الذي ثبتت له هذه الصفة بقوله صلى الله عليه وسلم {لكل أمة أمين، وأمين أمتي أبو عبيدة بن الجراح} رواه البخاري، وبقيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه أيضاً والذي ثبتت له هذه التسمية بقوله صلى الله عليه وسلم بعد أن نعى القادة الثلاثة في غزوة مؤتة {… حتى أخذها (الراية) سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم} رواه البخاري، أما قيادة جيش الروم فكانت بيد كل من ثيودور الباتريكيوس (أي البطريق) وشناش الرومي. وأما من حيث الزمان فقد نشبت معركة مرج الروم هذه بعد وقت قصير من معركة فحل عندما حاول البيزنطيون استعادة دمشق أي في أواخر العام الثالث عشر الهجري.

     وأما من حيث تسلسل الأحداث : فقد كان فتح دمشق في العشر الأواخر من شهر رجب عام 13هـ بعد حصار طويل محكم دام لأكثر من سبعبن ليلة صبر عليه أهل دمشق لأملهم في إمدادت هرقل لهم، وكانت القيادة الرئيسية في جيش الفتح لكل من أبي عبيدة وخالد بن الوليد، وقيادة جيش الروم بيد توماس صهر الملك هرقل، وكان الفتح بقرار اتخذه أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتحقق الفتح فعلاً بخطة عسكرية أحكمها أبو عبيدة تقوم على قطع الإمدادات الرومية عن دمشق، وهذا ما حدث على أرض الواقع، فقد انسحبت الحامية البيزنطيَّة القادمة من هرقل لنجدة دمشق بعد عجزها عن الوصول إليها على الرغم من شدة قربها منها، ترك الروم لأهل دمشق مسؤولية تدبُّر أمرهم بانفسهم، وهذا ديدن الأقوياء الذين يرون أنفسهم سادة العالم وكبراءه وقواه العظمى، فسرعان ما يتخلَّوْنَ عن حلفائهم إذا انقطعت المصلحة أو انتهى دورهم المرسوم فلم تعُدْ لهم قيمة في حروبهم مع المسلمين.

     وعلى الرغم من فتح دمشق وهزيمة الروم فيها وحولها قرروا معاودة قتال المسلمين لاستعادتها من أيديهم، ووسط هذه الظروف نشبت معركة فحْل أو معركة بيسان وفي المراجع الغربية معركة بيلاَّ، وقعت أحداث معركة فحل في بيسان على أرض فلسطين المباركة في الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية ؛ أيْ بعد مرور أربعة أشهر تقريباً من فتح مدينة دمشق، وكانت بين جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد وأربعة آخرين من كبار القادة المسلمين كل على رأس جيشه، وفي المقابل كان جيش الروم بقيادة سقلار بن مخراق فلما أصيب آلت قيادة الجيش الرومي بعده لنسطورس، بلغ عدد جيش المسلمين خمسة وعشرين ألف مجاهد. أما الروم فقد توالت الإمدادات على جيشهم حتى زاد عن الثمانين ألف مقاتل، فماذا كانت نتيجة معركة فحل هذه ؟ هزيمة ساحقة جديدة للروم الذين لم يستعيدوا دمشق، بل قتل عشرات الألوف من جيشهم معظمهم غرقاً في مياه السدود التي فتحوها أصلاً لإغراق جيش المسلمين، لكن مكر الله كان لهم بالمرصاد فغرقوا هم فيها، وهذه من سنن الله الثابتة التي لا تتغير : قال سبحانه وتعالى {… وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} فاطر 43.

     وعودة إلى معركة مرج الروم موضوعنا لهذا اليوم : فبعد الانتهاء من معركة فحْل قرر أبو عبيدة قائد جيش المسلمين مواصلة فتوحاته في الشام : فبتعليماته توجه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة جنوبًا متجهَيْن إلى أرض فلسطين المباركة، وتحرك أبو عبيدة نفسه وخالد شمالًا متجهَيْن إلى شمال سوريا، لكن هذا الانتشار للقوات الإسلامية وضع يزيداً بن أبي سفيان بدمشق في وضع حرج جداً ؛ إذ أصبح الآن هو المدافع الوحيد عن دمشق وحاميته العسكرية فيها ليست كبيرة العدد بما يكفي لحمايتها وصد الهجمات عنها، استشعر هرقل أهمية هذا الوضع الحرج لدمشق فظنّها فرصةً ذهبية مواتية لاستعادتها من أيدي المسلمين.

     فعندما بلغت أخبار هزيمة الجيش البيزنطي في فحل مسامع هرقل عقد من فوره مجلسًا عسكريًا ضمّ كبار قادته العسكريين للتشاور معهم، وفي هذه الأثناء وصل إليه وفد قادم من قيسارية والقدس في فلسطين، فأخبروه بأنهم ما زالوا على التمسك بأمره ومقيمين على طاعته ومخالفين للمسلمين وكارهين لهم، وطلبوا منه الأمداد العسكرية لمساعدتهم في الثبات على هذا الولاء وصد هجمات المسلمين،

     كان هرقل في الأصل كارهاً لحرب المسلمين وراغباً في الصلح معهم ليقينه بانتصارهم، ولعلمه أنهم على الدين الحق وأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) هو النبي الذي بشرهم به الإنجيل ومن قبله التوراة، وأظهر هرقل كرهه الحرب في معظم معارك فتوح الشام كمعركة فتح بُصْرَى مثلاً، فقد قال لمن حوله بعد هزيمة جيشه فيها [ألم أقل لكم لا تقاتلوهم ؟ فإنه لا قَوام لكم مع هؤلاء القوم] فقالوا له [قاتِلْ عن دينك ولا تُجَبّنِ الناس واقْضِ الذي عليك] فرد عليهم قائلاً [وأيُّ شيء أطلبُ إلاَّ توقير دينكم ؟] لكن لخوفه ممن حوله من رجال الدين أن يقتلوه أو يخلعوه عن ملكه وكرسيّ عرشه على أقل تقدير فقد ظلَّ على كفره وتبنى مواقفهم السياسية والعسكرية، لذا فقد تمسك هذه المرة أيضاً بقرار الاستمرار في الحرب ضد المسلمين، فأرسل في ذات الوقت جيشين منفصلين باتجاه دمشق لوقف الزحف الإسلامي، وعيّن عليهما اثنين من خيرة قادته : الجيش الأول يضم عدداً كبيراً من الفرسان بقيادة ثيودور الباتريكيوس (البطريق) لاستعادة دمشق. والجيش الثاني يضم أيضاً قوة كبيرة من سلاح الفرسان بقيادة شناش (سنس أو سناس) الرومي.

     سار الجيشان البيزنطيان في طريقَيْن منفصلَيْن، فوصل الجيش الأول إلى مرج دمشق شرقاً وعسكر فيه، ووصل الجيش الثاني مرج الروم غرباً وعسكر فيه، وصلت أنباء هذا التحرك العسكري الرومي لأبي عبيدة، فجاءته الأوامر العليا بالتوجه إلى دمشق لمساعدة قائد حاميتها يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهما لصد محاولات الروم استعادتها، فوصل بجيشه إلى مرج دمشق في طريقه إليها قادمًا من فحل (بيسان) وهناك قسّم جيشه قسمين : القسم الأول بقيادته هو وكانت مهمة جيشه الاصطدام بجيش شناش، والقسم الثاني بقيادة خالد وكانت مهمته الاصطدام بجيش ثيودور،

     تكوَّنت معركة مرج الروم كما سأوضّحه تالياً من اشتباكَيْن منفصلَيْن في مكانَيْن مختلفين وبجيشين مختلفين وقائدين اثنين، ووقع القتال فيهما بوقت واحد مُتزامِن، وشارك خالد في كلا الاشتباكين مما جعل بعض المؤرخين يعتبرانها معركة واحدة، وبالتدقيق في المصادر التاريخية يتبين للباحث بأنهما معركتان وليست معركة واحدة.

     الْتقتْ القوتان الإسلامية والبيزنطية غرب مدينة دمشق في سهل مرج الروم الذي هو سهل البقاع حيث تجمع الجيشان وواجها بعضهما في تشكيل قتالي مُتقابِل : ثيودور وجيشه مقابل خالد وجيشه، وأيضاً شناش وجيشه مقابل أبي عبيدة وجيشه، وبعد الانتهاء من الإعداد ظل كلٌّ من الجيشَيْن ينتظر مبادرة الآخر لاتخاذ الخطوة الأولى ببدء الهجوم، واستمرا على هذا الحال بقيّة اليوم.

     وفي الصباح التالي بدأت المعركة في مرج الروم بمبارزة شخصية بين أبي عبيدة وشناش، فقتل أبو عبيدة شناش القائد الرومي ثم انخرط الجيشان في قتال ضارٍ طويل، أما في مرج دمشق فقد توجه خالد إلى مكان جيش ثيودور فلم يجده، إذ كان قد انسحب هو ونائبه شيودور بجيشهما تحت جنح الظلام وفق خطة عسكرية مبيَّتة وضعها له هرقل القيصر تقوم  على أساس استغلال انهماك المسلمين بمن فيهم خالد وفرسانه في قتال جيش شناش في مرج الروم، فأراد ثيودور انتهاز هذه الفرصة والانطلاق بجيشه إلى دمشق لمحاولة استعادتها.

     توقع خالد بذكائه وخبرته العسكرية هذه الخطة الخادعة، فأدرك أن دمشق تتعرض الآن للهجوم المباغت، فأخبر أبا عبيدة بهذا الموقف الطارئ وطلب السماح له بمطاردة ثيودور فأذن له بذلك، كان ثيودور يسابق الريح ويتقدم مسرعًا نحو دمشق ليباغت حاميتها بالهجوم، صحيح أن الحرب خُدْعة لكن المؤمن بالمقابل كَيِّسٌ فَطِنٌ أي ذكِيٌّ وحَذِرٌ، وهكذا كان خالد وكثير من قيادات النخبة المسلمة على مدى التاريخ الإسلامي، فلما اقترب ثيودور من دمشق قام يزيد على الفور بنشر قواته واشتبك مع قوات ثيودور، فتمكن من الحفاظ على مواقع قواته لفترة طويلة، لكن تحت وطأة القتال البيزنطي المستميت بدأ بالتراجع على الرغم من التفوق العددي لقواته، فمن الثابت في عقيدة المسلمين القتالية أن القوة العددية عامل لا أثر له على ثبات المسلمين بالقياس إلى قوة الإيمان، فالمسلمون يؤمنون بأن النصر من عند الله وحده سبحانه، وبأن الاعتبار الأقوى إنما هو أولاً لقوة إيمانهم وثانياً لإعدادهم القوة المستطاعة وثالثاً إخلاصهم الدعاء، فهذا ما يثبتهم في مواجهة العدو لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال 65-66.

     وكانت المفاجأة الصادمة لثيودور ونائبه أن خالداً وفرسانه المتنقّلين والمتصفين بسرعة الحركة وصلوا في ذلك الوقت فوجدوا المعركة دائرة بين قواته وقوات يزيد، فبدأ خالد وفرسانه بمهاجمة الجيش البيزنطي من الخلف، وهكذا وجد البيزنطيون أنفسهم محاصَرِين في وضع الكمَّاشة بحيث لا يتمكنون من الدفاع ولا يمكنهم التقدم إلى الأمام ولا التراجع إلى الخلف، فدارت الدائرة عليهم فقُتِلُوا من بين أيديهم ومن خلفهم ولم يفلت منهم إلا الشريد، وقَتَلَ خالد ثيودور في مبارزة شخصية مباشرة بينهما، وأُصيبت الخطوط الرومانية بالارتباك وبدأ الجنود يفرون من الميدان هاربين، وسرعان ما انتشرت أخبار هذه الهزيمة في دمشق مما أدى إلى فقدان القوات البيزنطية اتزانها وتراجعت منهية بذلك المعركة على هزيمة ساحقة، فجمع المسلمون غنائمهم فقسَّمها يزيد بين جنوده وجنود خالد،

     عاد خالد إلى أبي عبيدة فوجده ما زال مشتبكاً مع جيش شناش بمرج الروم فشارك في القتال، وانتهت هذه المعركة هي الأخرى بانتصار جيش المسلمين على جيش عدوهم الذي فرَّق الله جمعهم وشتَّت شملهم ومزَّقهم شر مُمَزَّقٍ : فقتل منهم من قتل وفرّ من نجا منهم إلى حمص، وغنم المسلمون ما ترك هذا القسم من الجيش : الأسلحة وغيرها.

      تعتبر معركة مرج الروم هذه انتصاراً حاسماً جديداً لجيش المسلمين ضمن سلسلة انتصاراتهم المتتالية في فتوحات بلاد الشام ؛ حيث قُتل فيها جميع القادة البيزنطيين، وبانتهائها انتهى التهديد البيزنطي بخسارة دمشق أو فرصة استعادة البيزنطيين لها مرة أخرى، وانطلقت جيوش المسلمين فاتحة لما تبقى من مناطق بلاد الشام حتى خرجت نهائياً عن سيطرة الروم ودخلت إلى ظل دولة دين الله.

     كان هرقل يتوقع هذا وأكثر، فقد قال لأبي سفيان بعد حوار بينهما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد أن عرف منه صفات عذا النبي المنتظر [… فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتَيْن…] ولكن لم يأخذ أحد من قومه وأهل دينه برأيه، ولما أدرك حجم الكارثة الكبرى التي حلت به وبدولته يوم هزيمة اليرموك غادر المنطقة نهائياً وقلبه ينفطر حزناً على ضياعها وهو يقول [السلام عليك يا سوريا سلاماً لا لقاء بعده، ونعم البلد أنتِ للعدو وليس للصديق، ولا يدخلك روميٌّ بعد الآن إلا خائفاً].

السبت، 16 أغسطس 2025

معركة الأمراء

معركة الأمراء


قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس


هكذا سميت في بعض المصادر ، إنها غزوة مؤتة أو سرية مؤتة ، المعركة التي ظهرت فيها شواهد حية على بطولات أسطورية لبعض الصحابة المجاهدين رضي الله عنهم ، مواقف لا تكاد تُصَدَّق لولا أنها وقعت وشهدها ووثقها صحابة آخرون ممن حضروها ، وقعت أحداث هذه الغزوة على أرض بلدة مؤتة جنوب مدينة الكرك (في الأردن اليوم) ، وأما زمانها ففي جُمادى الأولى من العام الثامن للهجرة النبوية المشرفة ، وفيها كان جيش المسلمين في مواجهة جيش الرومان وحلفائهم الغساسنة العرب ، وهي أول حرب يخوضها المسلمون خارج حدود الجزيرة العربية .

     والسبب المباشر لهذه الغزوة هو قيام والي الروم في البلقاء شرحبيل بن عمرو الغساني بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه ، وقصة هذه الجريمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية مع قريش بدأ بمراسلة الملوك والأمراء في البلاد المجاورة يدعوهم إلى الإسلام ، وكان من ضمنهم ملك بُصرى الغساني واسمه عمرو بن جبلة ، وحمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه الحارث بن عمير ، فاعترض طريقه شرحبيل ذاك وقتله غيلة وغدراً لصالح أسياده الرومان وتقرباً إليهم ، وهذا التصرف بمثابة إعلان حربٍ على المسلمين وانتهاكٍ شائنٍ لما تعارف عليه الملوك وزعماء القبائل من العرب والعجم أن الرسل لا تُقْتَل ولا يجوز التعرض لهم لأنهم مجرد مبعوثين يحملون الرسائل ممَّن كلَّفهم بحملها وتبليغها للمرسل إليه .

     كان وقع هذه الجريمة الشنعاء شديداً على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فدعاهم للخروج ومقاتلة الروم وحلفاءَهم من نصارى العرب ، لأنهم أداة الروم في مضايقة المسلمين بالعدوان على بعض مسافريهم واعتراض قوافلهم التجارية ونهب ما فيها ، ويهدف هذا التحرك إلى وضع حد لتصرّفاتهم الإرهابية ، وإلى فرض هيبة الدَّولة الإسلاميَّة في تلك المناطق بحيث لا تتكرَّر مثل هذه الجرائم منهم في المستقبل ، ويهدف أيضاً إلى ضمان الأمان للمبعوثين والدعاة ولقوافل المسلمين التجارية ، فجهز صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب هؤلاء المعتدين وأمثالهم ، وبشأن قيادة هذا الجيش قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة } رواه البخاري .

     أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم جنوده بأن يأتوا المكان الذي قتل فيه الحارث بن عمير وأن يدعو مَنْ هناك إلى الإسلام ، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتَلوهم ، فقد { كان صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً وقال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا فلا تَغُلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً } رواه مسلم ، وفي رواية أخرى زيادة { ولا أصحاب الصوامع } رواه أحمد ، ومعنى لا تغلوا أي لا تأخذوا الغنائم قبل تقسيمها ، ومعنى لا تمثلوا أي لا تشوّهوا جثث قتلى العدو

     ولكن سرعان ما قام المنافقون في المدينة بنقل هذه الأخبار إلى الروم وحلفائهم ، فجهز الروم جيشاً جراراً يضم مائة ألف جندي بقيادة إمبراطورهم هرقل الذي جاء بنفسه ونزل بمؤاب (في الأردن حالياً) ، وانضم إليهم مائة ألف أخرى من نصارى العرب الغساسنة أتباع الرومان بقيادة شرحبيل بن عمرو قاتل سفير الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنه لمن المستهجن أن يقاتل هؤلاء العرب إخوانهم وأبناء جلدتهم إلى جانب الرومان ولاءً لهم وحرصاً على رضاهم ، لكن الأولوية للمصالح السياسية والدينية ، مما يؤكد أن الرابطة الفكرية والدينية عندهم مقدمة على رابطة أخوّة الدم ما دام التحالف ضد الإسلام وأهله .

     تجهّز المسلمون وتحرك جيشهم شمالاً حتى نزل بمَعَان (جنوب الأردن اليوم) وعسكروا فيها ، ونقلت إليهم استخباراتهم أنباء مفاجئة عن إعدادات الروم وحلفائهم ، لم يكن في حسبان المسلمين أنهم سيواجهون جيشاً بهذه الضخامة ، فكيف سيغامر القادة بأرواح جنودهم وبنهاية مؤكدة هي الهزيمة المحققة ؟ 

حارَ المسلمون بأمرهم ومكثوا في مَعَان ليلتين يتشاورون ، فاقترح بعضهم : نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، ولكن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خطب قائلاً 

[ يا قوم : والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون : الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلِقُوا فإنما هي إحدى الحسنيَيْن إما ظهور وإما شهادة ] ، 

وقوله ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إشارة إلى قوله تعالى { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة 249 ، فاستقر رأيهم على مواصلة طريقهم لمواجهة العدو وقتاله .

     واصل جيش المسلمين التحرك إلى الشمال ، فلقيتهم جموع هرقل في إحدى قرى البلقاء يقال لها شَارِف ثم دنا منهم ، لكن المسلمين انحازوا إلى قرية مؤتة التي تبعد أحد عشر كيلومتراً جنوب الكرك اليوم .

     الْتحم الفريقان في مؤتة ، وبدأ القتال بينهما مريراً ، في اليوم الأول بدأ الهجوم بعد صلاة الفجر قوياً في صالح المسلمين ، فالروم والغساسنة لم يتوقعوا من جيش صغير أن يبدأ بمهاجتهم ، وفي اليوم الثاني بادر المسلمون بالهجوم وكان في صالحهم كذلك ، وقتل كثير من جنود الروم وحلفائهم ، وفي اليوم الثالث بادر الروم بالهجوم وكان أصعب وأقوى الأيام ففيه استشهد أمراء الجيش الثلاثة ، فقد قاتل زيد رضي الله عنه بضراوة بالغة والراية في يده حتى نال الشهادة ، ثم أخذ الراية جعفر رضي الله عنه فقاتل قتالاً منقطع النظير ومن غير هوادة حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بشماله ولم يزل رافعها ويقاتل حتى قطعت شماله ، فاحتضنها بعضديه مخافة أن تسقط ، فبقيت مرفوعة حتى استشهد ، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أبدله بجناحين فلُقِّبَ بالطيار ، وقال عنه { رأيتُ جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة } رواه الترمذي ، وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه { كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال : السلام عليك يا ابن ذي الجناحين } رواه البخاري ، ولما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه [ فأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال له شُدَّ بهذا صُلْبَك فإنك قد لقيتَ في أيامك هذه ما لقيت ، فأخذها فأكل قليلاً منها ، فلما سمع تَدافُعَ الناس للقتال قال لنفسه لائماً معاتباً وأنتِ في الدنيا ؟ فألْقى اللحم من يده وأخذ سيفه فتقدم فقاتل بضراوة وبسالة حتى ارتقى شهيداً ]

     استشهد القادة الثلاثة ، وسقطت الراية أرضاً ، وأصبح الجيش بلا قائد ، وهذه حالة خطيرة ، وهنا يتجلى موقف الجرأة والشجاعة للصحابي ثابت بن أقرم رضي الله عنه ، فقد تقدم ورفع الراية عن الأرض وقال [ يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا أنت ، قال ما أنا بفاعل ] فاصطلح الناس على خالد بن الوليد رضي الله عنه ، وقد نعى صلى الله عليه وسلم القادة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال { أخذ الراية زيدٌ فأصيب ثم أخذ جعفرٌ فأصيب ثم أخذ ابنُ رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم } رواه البخاري ، وهذا دليل على أن الله سبحانه زوى له الأرض وجمعها فأصبح يرى ما يحدث لأصحابه وهم يقاتلون على مشارف الشام ، وهذه من جملة المعجزات التي أيد الله سبحانه وتعالى بها رسوله صلى الله عليه وسلم لتكون من الأدلة على صدق رسالته .

     وعندما استلم خالد القيادة وضع خطة محكمة للانسحاب من القتال تتكون من ثلاثة بنود تهدف لإنقاذ الجيش الإسلامي بطريقة تحفظ كيانه وكرامته وتُبْقِي هيبته ، لكنه ركَّز في خطته الحكيمة على عدم تمكين الرومان من ملاحقته وإلاَّ ستكون النتيجة هزيمة ماحقة له ولجيشه ، وقتال الانسحاب شاق ومرهق وهو من أصعب وأعقد العمليات العسكرية ، ومع ذلك صمد خالد وجيشه في ميدان القتال حتى الليل فكان هدنة مؤقتة له لبناء خطته المدروسة : 

فبدأ بتنفيذ البند الأول من خطته بتغيير مراكز تموضع المقاتلين وتبديل راياتهم ، فحوَّل الميسرة ميمنة والميمنة ميسرة والمقدمة قلباً والمؤخرة مقدمة وهكذا في كل فرق الجيش ،

     فلما أصبح اليوم التالي رأى الرومان وجوهاً غير وجوه الأمس ورايات غير راياته فظنوا أن مدداً جاء للمسلمين من المدينة ليلاً ، ومع ذلك الْتَحَمَ الجيشان من جديد فبدأ المسلمون بالهجوم وقاتلوا عدوهم قتالاً ضارياً مضنياً ، وهنا بدأ خالد بتنفيذ البند الثاني من خطته والذي يقوم على الحرب النفسية ، فقد أمر فرسان فرقة الخيالة التي تمركزت بعيداً خلف الجيش أمرها بإثارة الغبار واصطناع جَلَبَة قوية وبأن تعلو أصواتهم بالتكبير والتهليل ، وهكذا تأكّد الرومان بأن هناك مدداً قدم للمسلمين من المدينة المنورة فخارت عزائمهم وأصابهم الرعب ،

     وهنا قام خالد بتنفيذ البند الثالث من خطته والمتمثّل في الانسحاب التكتيميّ بالجيش بطريقة منظمة لمسافة قصيرة ثم العودة للميدان ، ثم الانسحاب مرة ثانية لمسافة أبعد قليلاً والرجوع نحو الميدان لمسافة أقصر من المرة السابقة ، وتكرار ذلك لعدة مرات متتالية ، وكان هدف خالد ترك جيش الرومان للتشتت والضياع والهلاك في الصحراء وهم ليسوا من أهلها كالعرب ، ظن الرومان أن المسلمين يخدعونهم ويستدرجونهم لملاحقتهم ، ولكن لسيطرة الفزع عليهم أصلاً لم يفكروا بمطاردة المسلمين بل انحازوا إلى بلادهم ، فأصبحوا وكأنهم هم الفارّين من الميدان ،

     وهكذا نجح خالد وجيشه بالعودة سالمين إلى المدينة المنورة ، فلما وصلوها لم يستقبلْهم المسلمون بالرضا التام ، حتى الأطفال كانوا يَحْثُونهم بالتراب ويقولون لهم ساخرين [ يا فُرَّار : أفررتم في سبيل الله ؟ ] هذا يقودنا للتساؤل عن مستوى التربية الخاصة التي تلقاها هؤلاء الأطفال ، وعلى المعايير التي يتبنَّوْنَها في الحكم الصحيح على الرجال ، ويبين لنا أن الهدف الأسمى لهم هو الجهاد الصادق في سبيل الله والثبات يوم لقاء العدو وعدم جواز التولّي يوم الزحف ضد العدو ، وأن المثل الأعلى عندهم هو تحصيل رضى الله عز وجل ، إنها رسالة للمرَبِّين من الآباء والمعلّمين وغيرهم بأن الطفولة ليست مرحلة لهو ولعب ، وإنما هي مرحلة عمرية تُبنَى فيها شخصية الأجيال الواعدة التي ستحمل الرسالة وتحمي الأمة وتحقق بالعز غاياتها وترفع في العلياء راياتها .

     أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فله موقف آخر ونظرة أخرى ثاقبة لهؤلاء المجاهدين الذين بذلوا في سبيل الله الغالي والنفس والنفيس : قال ابن عمر رضي الله عنهما { بَعَثَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فحاصَ الناس حَيْصَة ، فأتينا المدينة فاخْتَفَيْنا بها وقلنا هلكنا ، ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله نحن الفرارون ، قال بل أنتم العَكَّارون وأنا فئتكم } رواه أبو داود ، وفي قوله أنا فئتكم إشارة إلى الآية الكريمة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } الأنفال 15- 16 ، والعكارون أي الكرّارون الذين يعاوِدُون القتال بعد التوقف عنه لفترة مؤقتة ، ومعنى الحَيْصَة أي التجوّل والتحرك طلباً للفرار والهرب ، وهذا ما كان فعلاً في الزمن اللاحق : 

فقد عاود المسلمون محاربة الرومان حتى أسقطوا إمبراطوريتهم على مدى عقود معدودوة : رأينا ذلك في غزوة تبوك وفي بعث أسامة رضي الله عنه ، وفي معارك أخرى كثيرة منها اليرموك وأجنادين وذات الصواري وغيرها .

     وعلى الرغم من أن الحكمة العسكرية كانت تقتضي يومها عدم مواجهة المسلمين للروم ؛ إلا أن هذه المعركة كانت كبيرة الأثر على سمعة المسلمين ومكانتهم ، فالدولة الرومانية كدولة الفرس أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض ، وكانت العرب تظن أن مواجهتها وقتالها مغامرة خاسرة وانتحار ، وإلقاء بالنفس والجيش إلى التهلكة يجب تجنّبه ، لكن غزوة مؤتة كسرت هذه الظنون وبالأخصّ بعد العودة منها بأقل الخسائر مقارنة بخسائر الرومان ، فقد ارتقى من المسلمين اثنا عشر شهيداً فقط ومن بينهم أمراء الجيش الثلاثة الذين دفنوا في بلدة المزار الجنوبي في محافظة الكرك بالأردن ، بينما قتل من الروم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون ، وهذا يعتبر انتصاراً رفع من شأن الدولة الإسلامية الناشئة .

     وإنه لمن المذهل حقاً أن يصمد الجيش الإسلامي أمام الرومان في معركة غير متكافئة : 

فثلاثة آلاف مقاتل يواجهون مائتيْ ألف أي أكثر منهم بسبعين ضعفاً تقريباً ، فأيُّ بشر هؤلاء المقاتلون وأيّ قلوب في صدورهم وأيّ نفوس تكمن بين ضلوعهم ؟ وأيّ قيادة تولت تربيتهم وصياغة شخصياتهم ! إنه الإيمان الراسخ بالقضية الذي تصغر أمامه كل القوى المادية مهما عظمت ، وتنهار بمواجهتها كل عقائد الباطل مهما تحالفت أحزابها وأقطابها ، وهذا ما عهدناه منهم في المواقع الجهادية الكثيرة التي خاضوا غمارها عبر تاريخهم الماجد ، فمن يقينهم بأن الله ناصرهم يستمدون القوة ويستلهمون الصبر والثبات ما دام إيمانهم بالله وحده وولاؤهم لله وحده واتكالهم على الله وحده واستنصارهم بالله وحده .

الاثنين، 28 يوليو 2025

غزوة حنين

 غزوة حنين

 وفي ذكرى الهجرة النبوية المشرفة نستذكر سيرة

 أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،

 كانت مسيرة حياته زاخرة بأحداث ووقائع الجهاد في

 سبيل الله بكل الصور، كلها كانت كذلك من مبتدأ

دعوته وحتى وفاته، أما جهاده في سبيل الله بصورة

 القتال ضد المشركين وأعداء الدين في ميادين الحرب

 فقد تعددت غزواته وسراياه صلى الله عليه وسلم،

 ومعظمها كانت ذات نتائج فاصلة في مستقبل رسالته

 ودينه ودولته وأمته، وحديثي اليوم عن غزوة حنين:

 غَزْوَةُ حُنَيْن وقعت أحداثها في الثالث عشر من شهر

 شوال في السّنة 8 هـ بعد أن منَّ الله عليه بفتح مكة

 المكرمة بثلاثة أسابيع تقريباً حيث كان هذا الفتح في

 العشرين من شهر رمضان المبارك، كانت هذه

 المواجهة العسكرية بين المسلمين بقيادة رسول الله

 صلى الله عليه وسلم وقبيلتيْ هوازن وثقيف بقيادة

 مالك بن عوف النّصري سيد قبيلة هوازن.

 وقصتها أن الله سبحانه وتعالى نصر رسوله صلى الله

 عليه وسلم بفتح مكة ودخول الناس في دين الله

 أفواجاً، فسلَّمت معظم قبائل الجزيرة العربية بالأمر

 الواقع بظهور دين الإسلام وانتصار رسالة التوحيد،

 إلا أن هذا الفتح كان له رد فعل معاكس لدى بعض

 القبائل القريبة من مكة المكرمة كهوازن وثقيف

 وجشم وغيرها، فرأت هوازن وثقيف أنه ليس شيء

 دونهما يمنع محمداً من غزوهما كما غزا مكة، فرأوا

 البدء بقتاله وإعلان الحرب عليه قبل أن تتوطد دعائم

 نصره وتنتشر طلائع فتحه، وأجمعوا على أن يسبقوه

 بهذا القرار فسلموا قياد أمرهم إلى مالك بن عوف

 سيد هوازن.

 وكان مالك بن عوف هذا شاباً في الثلاثين من عمره

 شجاعاً مقداماً، إلا أنه كان سيء الرأي والمشورة،

 فقد خرج بقومه أجمعين رجالاً ونساء وأطفالاً وأموالاً

 ليُشعر كل جندي في جيشه أنه يقاتل دون ثروته

 وحرمته مما يدفعه للاستماتة في القتال وعدم الفرار.

 فاعترضه في موقفه هذا الفارس المحنك الحكيم

 المعمّر دريد بن الصمة الشاعر الجاهليّ المعروف

 فقال له 

[ وهل يردُّ المنهزمَ شيءٌ ؟ إن كانت الدائرة

 لك لم ينفعْك إلاَّ رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك

 فًضِحْتَ في أهلك ومالك ] 

لكن مالكاً سفَّه رأيه وأصرعلى المضي في خطته، فقال

 دريد له 

[ إذا لقيتَ محمداً وجهاً لوجه فاعلمْ أنك مهزوم. 

فقال له مالك: وما الرأي إذاً ؟ فقال دريد: أكْمُنْ لهم

 فاذهبْ إلى حنين وادْخلْ بين الاشجار وعندما يصل 

المسلمون إلى وادي حنين اخرجْ عليهم وحاصرهم ]

 سيّر القائد مالك جيشه البالغ عدده ثلاثين ألفاً، سار

 بهم حتى وصل بالقرب من مكة المكرمة في وادي

 حنين، ونفَّذ مشورة دريد فكمن رُماتُه بين الأشجار

 على جانبي الوادي، وهيَّأ جيشه ونظّمه استعداداً

للقتال حين مواجهته جيش المسلمين، فكانت أول

 صفوفه الخيالة ثم المقاتلون ثم النساء والأطفال ثم

 الأنعام من ورائهم.

 وصلت الأخبار سريعاً إلى الرسول صلى الله عليه

 وسلم وهو في مكة باستعداد هوازن وأحلافها

 للحرب، فأرسل عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي رضي

 الله عنه عيناً عليهم للتأكد، فجلس بينهم في الليل فسمع

 قائدهم مالكاً يقول

[ إذا أتينا غداً فصبّحوهم واضربوهم ضربة رجل 

واحد] فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فقرر

 ألاّ ينتظر في مكة بل فضَّل الخروج بكامل طاقته 

العسكرية بعيداً عنها إلى مكان مكشوف، فخرج باثني

 عشر الف مقاتل: العشرة الآلاف الذين شاركوا في 

الفتح والألفان من الطلقاءالذين أسلموا يوم الفتح، وهنا 

قال واحد من الطلقاءحديثي العهد بالإسلام 

[ لا يُغْلَبُ اثنا عشر ألفاً من قلة

وهذا غرور لم يعهده المؤمنون، فميزان النصر

 عندهم لم يكن يوماً بكثرة أو قوة بل بالإيمان الراسخ

 والرغبة الصادقة في رضا الله ونصر دينه والشهادة

 في سبيله بعد الإعداد المستَطاع، بل إن معظم

 المعارك الإسلامية المظفَّرة كانت قليلة العدد مقارنة

 بجيش العدو، وهذا مصداق لآيات كثيرة في كتاب الله

 عز وجل منها قوله تعالى { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم

 مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ

 وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة 249.

 لم يكتفِ صلى الله عليه وسلم بسلاح جيش الفتح الذي

 لم يكن قليلاً ولا يستهان به، وكذلك لم يكتف بسلاح

 المسلمين من الطلقاء، بل ذهب بنفسه إلى تجار

 السلاح في مكة ومنهم صفوان بن أمية الذي ما زال

 على شركه فقال له { يا أبا وهب: أتعيرنا مائةَ درع

 وسلاحَها ؟ قال غَصْباً يا محمد ؟ قال بل عارِيَّة

 مضمونة } رواه أحمد، ومعنى عارية مضمونة أي

 إذا تلفت هذه الدروع والسلاح نضمنها لك. 

ويستفادمن هذا الحديث النبوي جواز الاستعانة بالسلاح

 من غير المسلم في قتال الأعداء من المشركين

 وغيرهم من غير المسلمين.

 ولما علم بأن هوازن جاءت جميعاً 

{ تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: 

تلك غنيمة للمسلمين غداً إن شاء الله، ثم قال مَنْ

 يحرسنا الليلة ؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله، 

قال اركبْ فركب فرساً له فقال: استقبلْ هذا الشِّعْبَ 

حتى تكون في أعلاه، فلما أصبحنا خرج رسول الله 

صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلاَّه فركع ركعتين ثم قال: 

هل حسستم فارسكم ؟ 

فقال رجلٌ يا رسول الله ما حسسنا،

 فثوَّب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

 وهو يصلي يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى الصلاة

 قال أبشروا قد جاء فارسكم، فجعلنا ننظر إلى خلال

 الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على

 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقتُ

 حتى كنتُ في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول

 الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحتُ طلعتُ الشِّعْبَيْنِ

 كليهما فلم أر أحداً… } رواه أبو داود، ومعنى فثوَّب

 بالصلاة أي أقيم لها (وكانت صلاة الفجر).

 ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج بجيشه من مكة

 المكرمة متوجهاً إلى وادي حنين الذي سبقته إليه

 هوازن، واستعمل عَتَّاباً بن أسيد رضي الله عنه أميراً

 عليها ومعاذاً بن جبل رضي الله عنه معلماً لأهلها،

 ووجه الجيش بمنع قتل النساء والذرية والعسيف من

 جيش العدو، ومعنى العسيف الأجير أو العبد

 المستهان به.

 واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم اهتماماً كبيراً

 بالحراسة الليلية لئلاّ يُباغَتَ فجأة، وكان قد عبأ جيشه

 بالسَّحَر وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس،

 ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم فكَّر باحتمال

 وجود الكمائن بين الأشجار فقد كلّف طليعته المتمثلة

 في أنس بن أبي مرثد رضي الله عنه الحارس الليلي

 للجيش بالتأكد من ذلك، وقبل أن يبزغ الفجر استقبل

 المسلمون وادي حنين وتأكد صلى الله عليه وسلم

 بعدم وجود كمائن للعدو، فبدأ يصفّ الجيش: فكانت

 أول كتيبة بقيادة خالد بن الوليد، والثانية بقيادة الزبير

 بن العوام، والثالثه بقيادة علي بن أبي طالب رضي

 الله عنهم جميعاً

 بدأت أول كتيبه بقيادة خالد بن الوليد تنزل المنحدر

 ولا يدري أفرادها بما كان قد دبر لهم بالليل، فما

 شعروا إلا والرماة من كمائنهم بين الأشجار قد

 خرجوا إليهم يحملون عليهم حملة رجل واحد،

 فانهزمت هذه الكتيبة وولت مدبرة، وكان أغلبها من

 الطلقاء، فارتبك جيش المسلمين وبدأوا بالفرار ومنهم

 من كان يجري إلى مكة لا يلتفت وراءه لضراوة

 القتال في المعركة، ولم يبق مع الرسول صلى الله

 عليه وسلم إلا قلّة قليلة ثبتت حوله، قال تعالى { لَقَدْ

 نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

 كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا

 رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } التوبة 25،

 فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي { إليَّ يا

 عباد الله، أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب }، قال

 العباس رضي الله عنه { شهدتُ مع رسول الله صلى

 الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمتُ أنا وأبو سفيان بن

 الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه

 وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم

 على بغلة له بيضاء…، فلما الْتقى المسلمون والكفار

 ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله

 عليه وسلم يُرْكِضُ بغلته قِبَلِ الكفار… فقال رسول

 الله صلى الله عليه وسلم: أيْ عباس، ناد أصحاب

 السَّمُرَة، فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة ؟

 فوالله لكأن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر

 على أولادها، فقالوا يا لبيك يا لبيك، فاقتتلوا والكفار،

 والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا

 معشر الأنصار… فنظر رسول الله صلى الله عليه

 وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم…

 ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى

 بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد،

 فذهبتُ أنظرُ فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما

 هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلتُ أرى حدهم كليلاً

 وأمرهم مدبراً } رواه مسلم. 

وأصحاب السمرة هم أصحاب البيعة، ومعنى عطفتهم

 عطفة البقر على أولادها أي كناية عن عودتهم

 السريعة إلى الميدان،تمكّن الرسول صلى الله عليه وسلم من بثّ روح

 الجهاد في نفوس المسلمين من جديد بعدما أصابهم

 الخوف والذعر وأوشكوا على الفرار الكامل وتسجيل

 الهزيمة النكراء، فاجتمع المسلمون ثانية وهجموا

 هجمة واحدة على المشركين ولجأوا إلى الله عز

 وجل، وتوجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء

 فقال{اللهم أذقتَ أوّل قريشٍ نكالاً (أي عقوبات

 وهزائم) فأذقْ آخرها نوالاً (أي عطاء وإنعاماً 

ونصراً}رواه الترمذي، وهذا ما كان بالفعل، فقد أسلم من

 تبقى من قريش فنالوا الخير والنصر، اشتد القتال بين

 الجيشين وأيد الله المؤمنين بنصره وبملائكته، قال

 تعالى { ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى

 الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا

 وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } التوبة 26، وهجم علي بن

 أبي طالب رضي الله عنه على حامل راية هوازن

 فقتله، فلحقت الهزيمة بهوازن وفر جيشها من ميدان

 المعركة تاركاً وراءه الآل والأموال فأصبحت كلها

 غنائم للمسلمين وجيء بالأسرى من جيش العدو إلى

 الرسول صلى الله عليه وسلم مكبّلين.

 لاحق المسلمون المشركين الفارّين: فهربت طائفة

 منهم إلى مدينة الطائف وطائفة إلى أرض نَخْلَة

 وطائفة إلى أرض أوْطاس وكلها قريبة من مكة،

 فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس سرية بقيادة

 أبي عامر الأشعري رضي الله عنه، فَتَنَاوَشَ الفريقان

 القتال قليلاً فانهزم المشركون واستشهد القائد أبو

 عامر الأشعري. 

وطاردت مجموعة أخرى من فرسان المسلمين فلول

 المشركين الذين هربوا إلى نخلة فأدركوا دُرَيْداً بن

 الصِّمَّة فقتله أحد فرسانها وهو ربيعة بن رُفَيْع رضي

 الله عنه، وأما الذين لجأوا إلى الطائف فتوجه إليهم

 الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في غزوة الطائف.

 وهكذا كتب الله جل ثناؤه النصر لرسوله الحبيب

 المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتاب على من فر

 في بداية اللقاء ثم أناب إلى الله وعاد إلى ميدان القتال

 مجاهداً صابراً محتسباً، قال تعالى { ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن

 بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } التوبة

 27، وأرسل صلى الله عليه وسلم نُهيكاً بن أوس

 الأشهلي رضي الله عنه بشيراً بالنصر إلى المدينة.

 قتل من هوازن في ذلك اليوم خلق عظيم ربما

 تجاوزوا السبعين في بعض الروايات، وكان من بينهم

 الحكيم دريد بن الصمة الذي كان عمره يتجاوز 160

 عاماً في معظم الروايات، فقال صلى الله عليه وسلم 

{إلى النار وبئس المصير، إمام من أئمة الكفر إنْ لم

 يُعِنْ بيده فإنه أعان برأيه }، ووقع في الأسر منهم

 أكثر من ستة آلاف.

 اما المسلمون فقد استشهد منهم في ذلك اليوم أربعة

 هم: أيمن بن عبيد من بني هاشم، ويزيد بن زمعة بن

 الأسود من بني أسد، وسراقة بن الحارث بن عدي

 من الأنصار، وأبو عامر الأشعري من الأشعريين،

 رضي الله عنهم جميعاً.

 من أبرز الدروس التي تعلمناها في غزوة حنين

 موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته مع قلة

 من الصحابة، وهذا أنصع دليل وأسطع برهان على

 عمق إيمانه بالله عز وجل وثقته بنصره وتأييده،

 وعلى يقينه بأن نتيجة المعركة ستكون إلى جانب

 الحق، فثبت ثباتاً عجيباً امتد أثره إلى نفوس الفارّين،

 فعادت إليهم رباطة الجأش وقوة العزيمة، فالنصر

 والهزيمة ونتائج المعارك لا تحسمها الكثرة والقلة أو

 العُدَّة دوماً، وإنما هو الإيمان الراسخ، 

قال تعالى 

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا

 أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ

 يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالوا رَبَّنَا

 اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا

 وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين } آل عمران 147