‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهند. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الهند. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

كيف سيواجه النظام المظاهرات العارمة والتنديد العالمي؟

كيف سيواجه النظام المظاهرات العارمة والتنديد العالمي؟ 

ظفر الإسلام خان

صحفي وباحث هندي

المسلمون ضحية
تنديد واسع

حين مررت الحكومة الهندية قانون الجنسية المعدّل عبر مجلسَي البرلمان في أوائل ديسمبر/كانون الأول الجاري؛ لم يكن يدور في حسبانها أنها ستواجه بمظاهرات عارمة في كل أنحاء البلاد وبتنديد عالمي سياسي وإعلامي كبير. فقد ألغى رئيس وزراء اليابان شينزو آبي زيارته للهند بسبب هذه المظاهرات، كما ألغى وزيران بنغلاديشيان زيارتَيهما للهند احتجاجا على ادعاء الهند أن هناك دخلاء بنغلاديشيين في الهند.

وبينما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن هذا القانون يتعارض مع التزامات الهند الدولية؛ نظرت المحكمة العليا الدستورية الهندية الأربعاء الماضي في (59) مرافعة ضد هذا القانون من أحزاب وجمعيات وشخصيات هندية، كلها طالبت بإلغاء هذا القانون أو على الأقل إيقاف العمل به.

لم تقبل المحكمة هذه الطلبات ولكنها حددت يوم 22 يناير/كانون الثاني القادم للنظر في هذه المرافعات، التي تقول إن هذا القانون يخالف مبدأ المساواة بين المواطنين ويصطدم مع روح الدستور الهندي لأنه يمنع عن المسلمين مزايا يعطيها لغيرهم.

لقد وجدت حكومة رئيس الوزراء ناريندار مودي نفسها في حيرة؛ فهي لم تتوقع معارضة للقانون ومظاهرات ضده بهذه الشدة في كل أنحاء البلاد، بل وحتى في الدول الأجنبية، مما جعل وزير الداخلية أميت شاه -وهو ذراع مودي اليمنى- يقول إن الحكومة مستعدة لإعادة النظر في هذا القانون.

أصل المشكلة

ولدت فكرة تعديل قانون الجنسية الهندي لسنة 1955 حين فوجئت الحكومة الهندية في شهر أغسطس/آب الماضي بأن غالبية الذين رُفضت طلباتهم للجنسية في ولاية آسام هم من الهندوس، المفترض أنهم جاؤوا من بنغلاديش هربا من الاضطهاد أو بحثا عن فرص حياة أفضل.

كانت هناك حركة شعبية بولاية آسام بشمال شرق الهند منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي لإخراج "البنغلاديشيين"، لأنهم يسلبون فرص العمل من السكان الآساميين الأصليين ويعرضون ثقافتهم للخطر. ووقّعت الحكومة الهندية حينها على معاهدة مع زعماء هذه الحركة في أغسطس/آب 1985، قضت بأن يُجرى إحصاء لسكان الولاية ويعتبر هنديا كل من يثبت أنه كان موجودا في الولاية قبل سنة 1971، أي قبل ميلاد دولة بنغلاديش. وكانت الدعاية دائما تقول إن الغالبية العظمى من الدخلاء "البنغلاديشيين" هم من المسلمين.

لم يُمكن إجراء هذا الإحصاء إلا في هذا العام (2019) حين تم إعلان أن نحو مليونَي شخص بولاية آسام هم دخلاء أجانب. ولكن النتيجة أدهشت الحكومة الهندية التي يقودها حزب الشعب الهندي ذي التوجهات الهندوسية المتطرفة، لأن غالبية الذين تم شطب أسمائهم من سجلات الجنسية هم من الهندوس بينما كان الهدف من وراء الإحصاء شطب أسماء المسلمين من سجلات الجنسية.



"صيغ قانون الجنسية المعدل بأسلوب ذكي يُظهر أن الحكومة الهندية معنية بقضية إنسانية هي مساعدة الأقليات الدينية المضطهدة في بلدان الجوار، بينما الهدف الأصلي هو تحويل ملايين من مسلمي الهند إلى "البدون" في بلدهم. وكانت الخطة هي أن أي هندوسي يُحرم من جنسيته بسبب فشله في تقديم الوثائق المطلوبة سيُعطى الجنسية من الباب الخلفي باستخدام هذه المادة الجديدة"


هنا فكرت الحكومة في تعديل قانون الجنسية الهندي لسنة 1955 بإدخال مادة تقول إن الهند ستقبل بالمهاجرين من ثلاث دول مجاورة، هي: باكستان وبنغلاديش وأفغانستان؛ بشرط أن يكونوا من الهندوس والمسيحيين والسيخ، أي باستثناء المسلمين. وبالتالي تم تعديل قانون الجنسية هذا الشهر لإدخال هذا البند فيه ليمكن إعطاء الجنسية الهندية للذين شُطبت أسماؤهم من سجلات الجنسية باستثناء المسلمين، وتمكن حزب الشعب الهندي من تمرير هذا القانون باستغلال أغلبيته بالبرلمان.

وقد صيغ قانون الجنسية المعدل بأسلوب ذكي يُظهر أن الحكومة الهندية معنية بقضية إنسانية هي مساعدة الأقليات الدينية المضطهدة في بلدان الجوار، بينما الهدف الأصلي هو تحويل ملايين من مسلمي الهند إلى "البدون" في بلدهم. وكانت الخطة هي أن أي هندوسي يُحرم من جنسيته بسبب فشله في تقديم الوثائق المطلوبة سيُعطى الجنسية من الباب الخلفي باستخدام هذه المادة الجديدة.

وقد فهم الآساميون هذه اللعبة فكانوا أول من ثار ضد هذا القانون المعدل، ولا تزال المظاهرات في ولاية آسام مستمرة منذئذ. وقد اضطرت السلطات إلى إرسال الجيش هناك لإخماد المظاهرات، وتلت آسام ولاياتُ شرق الهند الست الباقية التي هي الأخرى تشكو من "الدخلاء"، الذين استوطنوا بها منذ حقب مما حدّ من نفوذ المواطنين الأصليين.

وهذه الولايات السبع (بما فيها ولاية آسام) في حالة احتجاج وعصيان مستمريْن، رغم إعلان الحكومة الهندية أنها مستعدة لاستثناء هذه الولايات من القانون الجديد، وهي خائفة من أن بقاء هذا القانون قد يؤدي إلى تنفيذه بمناطقها مستقبلا.

لاحقا انتشرت هذه المظاهرات إلى مناطق أخرى من الهند بادر إليها المسلمون الذين فهموا أنهم الضحية الحقيقية لهذا القانون الجديد، الذي يحمي الهندوس الذين سيفشلون في تقديم أوراق تثبت جنسيتهم الهندية، إذ سيتم قبولهم من باب خلفي.

وقد انضمت إلى هذه الاحتجاجات فئات أخرى من المجتمع، بينهم طلبة في مئات الجامعات والكليات، ونشطاء في حقوق الإنسان، وزعماء أحزاب سياسية -مثل حزب المؤتمر- يعارضون هذا القانون، ويرونه تنفيذا لمخططات الحركة الهندوسية السياسية المتطرفة.

المسلمون ضحية

يتقدم المسلمون صفوف المتظاهرين لأن القانون الجديد يعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية، وستسحب جنسياتهم لكي يعيشوا على هامش الحياة لأنهم لن يتمكنوا من الرحيل إلى دولة أخرى؛ فلن تقبل بهم باكستان أو بنغلاديش ناهيك عن البلاد الأخرى، أو الغرب الذي لن يستطيع استيعاب أعداد كبيرة بدون زعزعة أمنه الاجتماعي.

وقد أظهرت بنغلاديش غضبها على الهند حين احتجت على هذا القانون رسميا، وألغت زيارة وزيرين بنغلاديشيين للهند احتجاجا على هذا القانون والدعاية المرافقة له بشأن "الدخلاء البنغلاديشيين"، كما طلبت من الهند قائمة بالبنغلاديشيين المقيمين على أراضي الهند حتى تدعوهم إلى العودة.

وترى بنغلاديش أن الدعاية الهندية بأن ملايين من البنغلاديشيين الهندوس قد هاجروا إلى الهند هربا من الاضطهاد هي سُبّة في وجه بنغلاديش التي تحرص على حماية أقلياتها. وأيضا تقول بنغلاديش إن أوضاعها الاقتصادية أفضل من الهند؛ فلِمَ إذن سيهاجر أي بنغلاديشي إلى الهند؟ ولذلك قال سفير بنغلاديش بالهند متهكما: إن "البنغلاديشي سيعوم البحار ليصل إيطاليا ولكنه لن يأتي للهند مشيا على الأقدام".

ستبدأ عملية تجديد "سجل الجنسية القومي" في أبريل/نيسان القادم على أن تنتهي في نوفمبر/تشرين الثاني القادم. وسيتم خلال المسح الميداني تدقيق أوراق كل سكان الهند، وسيجب عليهم تقديم وثائق معينة مثل شهادة الميلاد أو شهادة ملكية الأراضي أو شهادة الثانوية الصادرة قبل سنة محدَّدة (يعتقد أنها ستكون 1987)، بينما السنة المحددة لسكان ولاية آسام كانت 1971 باعتبار ظهور بنغلاديش موعدا نهائيا لقبول مهاجرين من تلك الأراضي التي كانت تسمى آنذاك "باكستان الشرقية".

وبما أن نحو 45% من سكان الهند أمّيّون، وغالبيتهم تعيش في القرى حيث لا تتوفر لديهم مثل هذه الأوراق إلا لدى ثـُلّة قليلة تمتلك الأراضي؛ فإن أعدادا كبيرة من المواطنين -ومنهم هندوس- سيعانون الأمرّيْن بحثا عن الأوراق واستخراج أوراق قديمة، بل وتزويرها بعد دفع رشا ونفقات كبيرة.



"وما أن نحو 45% من سكان الهند أمّيّون، وغالبيتهم تعيش في القرى حيث لا تتوفر لديهم مثل هذه الأوراق إلا لدى ثـُلّة قليلة تمتلك الأراضي؛ فإن أعدادا كبيرة من المواطنين -ومنهم هندوس- سيعانون الأمرّيْن بحثا عن الأوراق واستخراج أوراق قديمة، بل وتزويرها بعد دفع رشا ونفقات كبيرة. ستستمر عملية السجل السكاني سنوات، والذين سيتم إعلانهم "دخلاء" سيحرمون من التسهيلات الحكومية، مثل إدخال أولادهم المدارس الحكومية والاستفادة من العلاج المجاني "


ستستمر هذه العملية سنوات والذين سيتم إعلانهم "دخلاء" سيحرمون من التسهيلات الحكومية، مثل إدخال أولادهم إلى المدارس الحكومية المجانية والاستفادة من خدمات المستوصفات والمستشفيات الحكومية، والالتحاق بالوظائف الحكومية أو الحصول على القروض من البنوك، وعلى أوراق رسمية مثل جوازات السفر ورخصة القيادة وبطاقات الأغذية المدعومة والمعاشات. وسيظل هؤلاء على هامش الحياة لسنوات طويلة إلى أن تتغير الحكومة ويوجد لهم حلّ.

وقد خططت الحكومة الهندية لإيداع هؤلاء "البدون" في معسكرات اعتقال. وصدرت بالفعل أوامر من وزارة الداخلية الهندية للولايات الهندية في يوليو/تموز الماضي بأن تقيم معسكرات اعتقال في أراضيها، لإسكان السكان غير الشرعيين ريثما يتم طردهم من البلاد.

إن عشرات من معسكرات الاعتقال هذه قائمة بالفعل في ولاية آسام حيث أوضاع المعتقلين مزرية للغاية، وقد مات منهم عشرات بسبب الإهمال وسوء التغذية، كما أن إدارة هذه المعتقلات تكلف الدولة كثيرا حيث إنها مسؤولة عن تلبية احتياجات المعتقلين؛ تماما كما يعامل نزلاء السجون.

وهذه الفكرة الشيطانية -التي لا يوجد لها مثيل في التاريخ الحديث بعد معتقلات هتلر- تنبع من فلسفة الحركة الهندوسية السياسية (الهيندوتوا) التي تقول إن الهند موطن للهندوس فقط، وليس غير الهندوس إلا ضيوفا في البلاد عليهم قبول ما يُعطى لهم ولا يحق لهم مطالبة أي شيء. وحزب الشعب الهندي (الحاكم حاليا) يمثل الجناح السياسي لهذه الحركة، وهو يريد تنفيذ كل بنود برنامجها في المدة الباقية من مأمورية حكومته التي ستنتهي في مايو/أيار 2024.

تنديد واسع

حققت الحكومة الهندية الحالية بعض أهدافها بالفعل مثل إلغاء وضع الاستقلال الذاتي الخاص بكشمير، التي كانت هي الولاية الهندية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، كما نجحت الحكومة في استخراج قرار المحكمة العليا بإعطاء أرض المسجد البابري للهندوس، وغيرت قانون الأحوال الشخصية الإسلامي، وتخطط لتنفيذ قانون أحوال مدنية موحَّد في المستقبل القريب، لحرمان المسلمين من العمل بالشريعة الإسلامية حتى فيما يخص الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق والإرث.

ويرى حزب الشعب الهندي أنه بمثل هذه الألاعيب يستطيع كسب الانتخابات العامة مرة ثالثة بعد خمس سنوات، إلا أن المؤشرات تقول العكس؛ لأن الحالة الاقتصادية مزرية والناتج القومي ومعدلات الاستهلاك القومي في انخفاض مستمر وسط كساد اقتصادي لم تشهده البلاد سابقا، إلى جانب نكسات سياسية للحزب مؤخرا في انتخابات ولايات مثل مهاراشترا، حيث فسخ حزب "شيو سينا" تحالفه القائم منذ عقود مع حزب الشعب الهندي، وانضم إلى أحزاب المعارضة لتكوين حكومة الولاية.

ويرى المراقبون هنا أن حزب الشعب الهندي سيظل يثير قضايا عاطفية للهندوس لاستقطابهم والحصول على أصواتهم، إلا أن انحدار الاقتصاد الهندي المستمر سيقضي على فرص حزب الشعب في الفوز بالانتخابات مرة أخرى.

"رغم أن العالم الإسلامي يلتزم الصمت إزاء هذه التطورات التي تستهدف أكبر أقلية مسلمة في العالم؛ فإننا نرى تنديد الأمين العام للأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية ومنظمات حقوق الإنسان بما يجري، وتحذيرها من تبعات هذه الخطوة الهندية. ويرى مراقبون أن الإجراءات الهندية الجديدة يمكن أن تنحدر بسهولة إلى سياسة بورما إزاء الروهينغا، أو سياسة الصين إزاء مسلمين إقليم شنغيانغ "


ولذلك فإنه قد يلجأ لجر باكستان إلى حرب لتحقيق استقطاب حادّ يستفيد منه قبل الانتخابات العامة القادمة، مثلما جرى قبيل الانتخابات العامة السابقة حين استغلت الهند حادثا إرهابيا في بولواما بكشمير في فبراير/شباط الماضي، وذلك لشن هجمات على أهداف في باكستان كان لها الأثر الكبير في تحقيق استقطاب حادّ استفاد منه الحزب سياسيا في الانتخابات.

ومن الملاحظ أن الاحتجاجات المستمرة منذ أيام في كل أنحاء الهند لا يشترك فيها المسلمون فقط، بل هناك أعداد متزايدة من غير المسلمين ينضمون إليها وخصوصا في الجامعات الهندية؛ حيث تقوم المظاهرات كل يوم في مئات من الجامعات والكليات الهندية بكل أنحاء البلاد، وخصوصا بعد اعتداء الشرطة بصورة فظيعة على طلاب الجامعة الملية الإسلامية بدلهي والجامعة الإسلامية في مدينة عليكره.

وقد اضطرت السلطات إلى إغلاق هاتين الجامعتين بصورة تامة حتى 5 يناير/كانون الثاني القادم مع إخراج طلابهما من مساكن الطلبة، إلى جانب إعلان حظر للتجول ووقف خدمات الإنترنت والموبايل وشبكات التواصل الاجتماعي في كثير من الأماكن لكبح المظاهرات.

ورغم أن العالم الإسلامي يلتزم الصمت إزاء هذه التطورات التي تستهدف أكبر أقلية مسلمة في العالم؛ فإننا نرى تنديد الأمين العام للأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية ومنظمات حقوق الإنسان -مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش- بما يجري، وتحذيرها من تبعات هذه الخطوة الهندية.

ويرى مراقبون أن الإجراءات الهندية الجديدة يمكن أن تنحدر بسهولة إلى سياسة بورما إزاء الروهينغا، أو سياسة الصين إزاء مواطنيها المسلمين في إقليم شنغيانغ (تركستان الشرقية). كما أن صحفا غربية كثيرة -مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست- نددت بشدة بهذه الخطوات، وحذرت الهند من أنها ستخسر علاقاتها الخاصة مع الغرب، والتي تستفيد منها كثيرا في رقيها الاقتصادي والتكنولوجي ووضعها السياسي في المجتمع الدولي.
 المصدر : الجزيرة 

الخميس، 19 ديسمبر 2019

بعثت الهند بإشارة إلى المسلمين تقول: لم يعد مرحبا بكم

بعثت الهند بإشارة إلى المسلمين تقول: لم يعد مرحبا بكم

آزاد عيسى
الكثيرون ممن يعيشون على هامش الحياة في الهند، ما فتئت الديمقراطية تعني لهم شيئا واحدا، إنها الدولة القمعية التعسفية، لو كانت هناك أي شكوك إزاء نوايا الحكومة الهندية اليمينية المتطرفة، فقد بددتها تماما أحداث الأسبوع الفائت.

ففي الأسبوع الماضي أجاز البرلمان الهندي قانونا يستثني بشكل قطعي المهاجرين واللاجئين المسلمين الذين يعيشون في الهند من الحصول على حق المواطنة.

الهند "الجديدة"

وقع الرئيس الهندي على ما يسمى قانون المواطنة المعدل، والذي صدر بالتزامن مع مبادرة حكومية على مستوى البلاد قاطبة اطلق عليها
السجل الوطني للمواطنين  بهدف تحديد من هم المواطنون الشرعيون، وهذا يعني أن حكومة حزب بي جيه بيه قد مضت في تنفيذ خطتها لتحقيق حلم طالما راود القائمين عليه بإقامة ما يسمى دولة ديمقراطية هندوسية.

بموجب قانون المواطنة المعدل، ستكون المواطنة في هذه الهند الجديدة قائمة على الانتماء الديني.
في مقال نشرته مجلة إيكونوميك أند بوليتيكال ويكلي، وُصف هذا التشريع بالخبيث، وبأنه يمثل "مساهمة كبيرة في إنجاز المشروع الإقصائي السياسي للهندوتفا.

وأضاف المقال: "وما ذلك إلا لأن هذا التشريع يفضي إلى التمييز ويقدم إجابة تعسفية لسؤال من هو الهندي أو ماذا يعني أن يكون المرء هنديا."

تقول الحكومة الهندية إن القانون جاء سعيا لحماية أتباع طوائف الهندوس والسيخ والمسيحيين والباريسيين والبوذيين والجينيين القادمين من الباكستان وأفغانستان وبنغلاديش والذين قد يكونوا وفدوا على الهند بحثاً عن ملاذ آمن بعد تعرضهم للاضطهاد الديني.

إلا أن القانون لا ينطبق على جميع الأقليات الدينية، ولا يشمل جميع المجاورين للهند.
يرى خبراء القانون إن استثناء مسلمي الروهينجيا من مايانمار والتاميل من سريلانكا أو حتى الأقليات المسلمة من الباكستان وبنغلاديش وأفغانستان – والذين هرب كثيرون منهم إلى الهند بحجة الاضطهاد الديني – يشير إلى أن القانون إنما صمم لتحقيق غاية مختلفة تماماً: ألا وهو تكريس وضع المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية.
انطلقت الاحتجاجات خلال أيام قليلة، إلا أن المتظاهرين كانت لهم تظلمات مختلفة.

الصحوة

في ولاية آسام الشمالية، خرج الآلاف إلى الشوارع
ليقولوا  ويعبروا عن قناعتهم بأن القانون سيعني تجنيس الهندوسيين القادمين من بنغلاديش الأمر الذي سينجم عنه إحداث تبدل في الهوية الثقافية للدولة.
وفي المدن الأخرى، تركزت الاحتجاجات على الجانب المجتمعي من التشريع الجديد، وذلك أنه يضع الهند بشكل حاسم على الطريق نحو إقامة الدولة الهندوسية. جرت الاحتجاجات في خمس وعشرين مدينة وفي خمسين جامعة، مما دفع المراقبين إلى ملاحظة أن حجمها واتفاق الناس على الرسالة المنبثقة عنها لم تشهد لها الهند مثيلا منذ أن وصل رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة في عام 2014، وكأنما أفاقت البلد من غفوة عميقة. 

وكان القمع الذي مارسته الدولة بحق المتظاهرين ممنهجا، حيث قطعت جميع خدمات الإنترنيت بشكل كامل في ثلاث ولايات بينما تعرضت ولايتان أخريان لقطع جزئي، يضاف إلى ذلك الحصار التام على وسائل الاتصال والتواصل في كشمير مما يعني حرمان ما يقرب من ستين مليون إنسان من خدمات الإنترنت.

وبعد ذلك أطلقوا العنان للشرطة لكي تسحق الاحتجاجات، فاقتحموا الجامعات واعتدوا بالضرب على المتظاهرين ومارسوا بحقهم التهديد والتخويف، وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع على الطلاب في واحدة من الجامعات داخل العاصمة. أما في آسام، فقد أطلقوا على المتظاهرين العيارات النارية الحية.
كان الاستنفار السريع للجماهير غير متوقع، وجاء يهدر كالعاصفة.

بدا كما لو أن حكومة مودي كانت تتوقع ألا يواجه تحركها الأخير الكثير من الامتعاض كما كان عليه الحال لدى تبنيها ما سبق ذلك من إجراءات.

حينما قررت الحكومة، على سبيل المثال، فرض إزالة الصفة النقدية عن الذهب في عام 2017، وخرمت الاقتصاد وتركت الفقراء بلا قوت يومي بينما ألغت الدولة أوراقا نقدية محددة، قبل الناس بذلك.
كان ذلك اختبارا للولاء. ولقد كتب الروائي أرونداتي روي بعد ذلك معلقا على ما جرى: "كان ذلك امتحان حب أخضعنا له القائد العظيم. هل سنتبعه؟ هل سنحبه على الدوام؟ ومهما كانت الأحوال؟ خرجنا من الامتحان بعلامات كبيرة. ولكن، في اللحظة التي قبلنا نحن معشر الشعب قرار إزالة الصفة النقدية عن الذهب، فقد صغرنا أنفسنا وخنعنا للسلطوية الهشة".

لحمة كشمير

في شهر أغسطس من هذا العام، ألغت الحكومة الهندية المادة 370 والمادة 35 أ من الدستور، وأنهت فعليا وضع كشمير كمنطقة تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي. تم إرسال عشرات الآلاف من القوات الإضافية إلى داخل الولاية التي فرض عليها الحصار وقطعت عنها الاتصالات.

ألقي القبض على الفتيان، وبعضهم لم يتجاوز الرابعة عشرة، وزج بهم في السجن دون توجيه تهم لهم. وبعضهم أرسلوا إلى ولايات تبعد آلاف الكيلومترات عن بيوتهم دونما إشعار أو أي إخطار لذويهم. تم سحق الاحتجاجات الكشميرية في مهدها، وكان موقف الجمهور الهندي، ومعظم وسائل الإعلام وحتى المحاكم هو القبول والإذعان.

مازال مدى ومستوى التوحش الذي مورس ضد الناس في كشمير مجهولاً لأن خدمات الإنترنيت مقطوعة منذ خمسة شهور وماتزال كذلك منذ ذلك الحين، بل وحتى خدمة الرسائل النصية لم تعد متاحة في كشمير.

قامت الحكومة بعد ذلك في شهر آب/ أغسطس بنشر قائمة السجل القومي للمواطنين بهدف التمييز بين المواطنين والدخلاء في ولاية آسام الشمالية. استثني من السجل ما يقرب من مليوني إنسان، مما حولهم بجرة قلم إلى "بدون" وما لبثوا جميعاً أن احتجزوا في معسكرات اعتقال جماعية.

ثم في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، أصدرت المحكمة العليا حكمها في قضية أيوديا التي تعود إلى العام 1992 حينما هاجمت مجموعة من الرعاع الهندوس مسجدا تاريخيا يعود إلى القرون الوسطى. فقد زعم اليمينيون الهندوس أن المسجد كان قد أنشئ فوق الأرض التي ولد فيها الإله الهندوسي رام، ومازالوا يتحينون الفرص للانقضاض على المسجد واستعادة الموقع ورده إلى الهندوس.

كثيرون استشعروا من عملية تدمير مسجد بابري نجاح التيار اليميني الهندوسي في اختراق الوعي الوطني. نشبت على إثر ذلك أعمال شغب راح ضحية لها ما يزيد عن ألف شخص. حكمت المحكمة العليا بأن تدمير المسجد كان عملاً غير قانوني، ومع ذلك فقد وهبت الموقع للهندوس ليقيموا فيه معبدا لهم.

على الرغم من أن الهند ربما كانت في توق شديد لإغلاق ملف هذه القضية، إلا أن الحكم الصادر فيها عن المحكمة إنما يدل على بدء عهد جديد من الديمقراطية التي تقوم على منظومة تسعى لإرضاء الأكثرية على حساب الحق والعدالة.

من الجدير بالذكر أن قضية كشمير وقضية أيوديا كلاهما كانتا من الوعود التي قطعها مودي على نفسه في حملته الانتخابية التي سبقت انتخابات أيار/ مايو.

ودي المهتز

إلا أن رد الفعل غير المتوقع على قانون المواطنة أدى فيما يبدو إلى اهتزاز مودي.
ففي مهرجان نظم في الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر، حمل مودي المسؤولية عن حالة السخط والتذمر للتدخل الخارجي ولأحزاب المعارضة. في العادة يتوخى مودي الحذر فيما يصرح به في الأماكن العامة، ولكنه هذه المرة لم يملك إلا أن يخرج أضغانه، حيث قال: "إن الذين يثيرون أعمال العنف من الممكن التعرف عليهم من ملابسهم ذاتها." وذلك في إشارة واضحة لمسلمي الهند الذين يمكن تمييزهم بما يضعه رجالهم على رؤوسهم من طواقي وما تغطي به نساؤهم رؤوسها من مناديل وما يرتدينه من زي.

في الماضي، كان أميت شاه، الرجل الثاني في الحزب، قد وصف المسلمين بالنمل الأبيض (الأرضة). من المعروف جيدا أنه ليس جميع الناس في الهند يحملون معهم بطاقات هوية أو جوازات سفر أو أوراق إقامة تثبت لأي جهة أو طائفة ينتمون. 

والخوف الآن هو أنه بمجرد أن تطرح حكومة مودي السجل القومي للمواطنين في أجزاء أخرى من البلاد، فسوف يستخدم القانون الجديد لتعريض المسلمين تعسفاً لشتى أشكال التضييق والقمع. وعلى المسلمين أن يتحملوا من الآن فصاعداً عبء إثبات هويتهم أو انتمائهم. 

موت الديمقراطية

على الرغم من أن مشروع توحيد الهند العتيقة – والتي تشمل الباكستان وكشمير وبنغلاديش – مشروع قديم ويعود إلى عقود مضت، إلا أن اليمين الهندوسي لم يلبث أن دبت به الحياة بسبب الشراكة التي أبرمها مودي مع إسرائيل. فمنذ عام 2014 وعلاقة الهند بإسرائيل في أوجها، حتى غدت الهند أكبر مشتر للأسلحة الإسرائيلية.

كما يتم استحضار الوسائل والأدوات الإسرائيلية وتكرارها في قضايا الأمن وتبرير التوحش، وفي تكريس احتلال كشمير، والحديث عن مستوطنات لا يسكنها إلا الهندوس على نمط المستوطنات التي لا يقطنها سوى اليهود داخل الضفة الغربية.

ولذلك فإن القانون المعدل للمواطنة الذي يقيم حقوق المواطنة على أساس الانتماء الديني ما هو سوى صدى لقانون العودة الإسرائيلي الذي يسمح لليهود من مختلف أنحاء العالم بالحصول على المواطنة الإسرائيلية. تقوم الهند الآن بتشييد دولة هندوسية، وبات المسلمون فيها غير مرحب بهم، وما هي سوى مسألة وقت قبل أن تتعرض الأقليات الأخرى لما يتعرض له المسلمون اليوم.

وفعلا، لقد اهتزت البلاد بأسرها إزاء مظاهر التوحش التي مارستها السلطات ضد الطلاب.
وسوف يسمع الناس في الأيام والأسابيع القادمة إشارات كثيرة إلى موت الديمقراطية ونهاية العلمانية في الهند. وسوف يشار إلى المهاتما غاندي وإلى جواهر لال نهرو وإلى رؤيتهما للهند كدولة علمانية. إلا أنه بالنسبة للكثيرين ممن يعيشون على هامش الحياة في الهند، ما فتئت الديمقراطية تعني لهم شيئاً واحداً، إنها الدولة التعسف والقمع.

فهذا مجتمع لم يزل يعيش خلف واجهة مؤدبة من العلمانية بينما ظل البراهميون المنتسبون إلى الطبقة العليا يحكمون قبضتهم على كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية – في التجارة والسياسة والتعليم والتسلية والترفيه.

والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الهند كانت باستمرار تعاني من شح شديد في الديمقراطية، وأما العلمانية، وعلى الرغم مما ينص عليه الدستور، فقد كانت دوماً تعيش في الزمن المستعار.

عن موقع ميدل إيست آي البريطاني

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)

السبت، 9 نوفمبر 2019

الهندوس هدموه واليوم انتزعوه.. هذه قصة مسجد بابري في الهند

الهندوس هدموه واليوم انتزعوه.. هذه قصة مسجد بابري في الهند


رغم مرور نحو 27 عاما على هدم مسجد بابري التاريخي، الذي أشعل غضبا طائفيا في الهند وأدى لمقتل أكثر من ألفين معظمهم من المسلمين، جاء قرار المحكمة العليا ليبدد آمال المسلمين الهنود.
وقضت المحكمة العليا في الهند بشكل نهائي، اليوم السبت، بتسليم الأرض التاريخية لمسجد بابري للهندوس لتشييد معبد عليه، مقابل منح المسلمين أرضًا بديلة لبناء مسجد عليها، في منطقة أيوديا شمالي الهند.
مسجد أثري متنازع عليه
  • يقع مسجد بابري بمدينة أيوديا بولاية أوتار براديش شمالي الهند. وتبلغ مساحة الموقع 2.77 فدان.
  • بناه الإمبراطور المغولي المسلم ظهير الدين محمد بابر في القرن السادس عشر.
  • الهندوس يزعمون أن مسجد بابري بني على أنقاض معبد بمكان مولد راما الذي يعدونه إلها، ويدّعون أن الإمبراطور المغولي المسلم هدم معبدهم عام 1528 لبناء المسجد.
  • عام 1853 قتل 70 شخصًا في مواجهات هي الأولى من نوعها في أيوديا بين الهندوس والمسلمين جراء النزاع على ملكية الموقع المقام عليه مسجد بابري.
  • المواجهات اندلعت عقب احتجاجات نظمها هندوس متعصبون ليرد المسلمون بمسيرة مضادة. وفي العام 1854 نظم المسلمون مسيرة أخرى تصدى لها الهندوس والقوات البريطانية التي كانت تحتل الهند، ما أسفر عن مقتل أكثر من 700 شخص.
  • في 1934، تعرض مسجد بابري لأضرار خلال مواجهات بين الهندوس والمسلمين بسبب قتل بقرة.
  • في 22 من ديسمبر/كانون الأول 1949 هجمت مجموعة هندوسية على المسجد ووضعت فيه تماثيل للإلهين رام وسينا لدى الهندوس، ما اضطر الشرطة إلى وضعه تحت الحراسة وأغلقته بدعوى أنه محل نزاع.
  • يوم 3 من نوفمبر/تشرين الثاني 1984 سمح رئيس الوزراء الأسبق راجيف غاندي للهندوس بوضع حجر أساس لمعبد هندوسي في ساحة مسجد بابري.
  • تبع ذلك حكم صادر من إحدى المحاكم سمح بفتح أبواب المسجد للهندوس، وإقامة شعائرهم التعبدية فيه.
  • في عام 1986، جلبت جماعة هندوسية متشددة الطوب إلى محيط المسجد من أجل بناء معبد مكانه. وفي عام 1990 شهدت مدينة أيوديا مسيرة قادها زعيم حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي حينها، "أل كي أدفاني"، وردد المتظاهرون مطلبهم القديم بإقامة معبد هندوسي مكان المسجد.
    الهدم وتأجيج الصراع
    • يوم 6 من ديسمبر/كانون الأول 1992، هاجم حشد من الهندوس المتطرفين المسجد وواصلوا الاعتداءات وهدموه وحولوه إلى أنقاض خلال ساعات.
    • هدم المسجد أجج التوتر بين الهندوس والأقلية الهندية المسلمة، وأعمال شغب واسعة النطاق، خلفت أكثر من ألفي قتيل معظمهم مسلمين. واعتبرت هذه المواجهات الطائفية الأعنف في الهند منذ استقلالها عام 1947.
    • عام 2002، في الذكرى العاشرة لهدم مسجد بابري، تعرض قطار يقل ناشطين هندوس من مدينة أيوديا لحريق في ولاية غوجارات ما أسفر عن مقتل 60 شخصًا، وبعد الحريق مباشرة، اندلعت أعمال عنف ضد المسلمين في غوجارات ما أسفر عن مقتل ألفي شخص.
    • تصاعد الصراع بين المسلمين والهندوس على أرض المسجد التي تمتد على مساحة 25 هكتارا، وأصدرت محكمة هندية عام 2010 قرارا يقضي بتقسيم موقع المسجد ثلثا للمسلمين وثلثين للجماعات الهندوسية المختلفة، وهو الحكم الذي طعنت فيه الأطراف كلها.
    • منذ ذلك الحين، ظل المسلمون يطالبون بإعادة بناء المسجد، بينما واصل الهندوس المطالبة ببناء معبد في الموقع.
    القوميون الهندوس والقضاء
    • جاء ذلك في إطار حملة يشنها القوميون الهندوس وحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، الذي استغل القضية لاستقطاب أصوات الهندوس لصالحه في الاستحقاقات الانتخابية، بتأييده لمطالب المتطرفين الهندوس.
    • إثر ذلك، تأسست لجنة للتحقيق في الموضوع حملت اسم ليبرهان، وعقدت أكثر من أربعة آلاف جلسة للنظر في القضية.
    • في نوفمبر/تشرين الثاني 2010 اتهم تقرير حكومي تم تسريبه للبرلمان زعماء من المعارضة الهندوسية بلعب دور في تدمير مسجد بابري.
    • في 30 من مايو/آيار 2017، دخلت القضية مرحلة جديدة، إذ وجهت محكمة رسميًا اتهامًا للمؤسس المشارك للحزب الحاكم إل كيه أدفاني وقادة آخرين بينهم وزيرة بالتآمر الجنائي في هدم المسجد.
    • اليوم السبت، صدر القرار النهائي من أعلى محكمة في الهند، يمنح الهندوس أرض المسجد، مقابل تسليم أرض أخرى منفصلة بمساحة هكتارين للمسلمين.

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

آسام الهندية.. قصة شعب يفقد الوطن بين عشية وضحاها



آسام الهندية.. قصة شعب يفقد الوطن بين عشية وضحاها 
صبغة الله الهدوي
أستاذ جامعي

لم تزل كشمير تفور وتثور، ولم يزل شبح البطالة والفاقة يخيم فوق الملايين ويخنق مستقبلهم ويطحن أنفسهم، ولم يزل العنف والاعتداءات العنصرية تتصعد وتتزايد، ولم يزل الشباب يتيهون في الأرض بحثا عن الفرص التي تبهج زهرة حياتهم، لكن كل هذه الأوضاع الحرجة لم تقض مضاجع الحكومة الهندية ولم تحرك ساكنهم ولم تزل في نومتها العميقة، حتى عادت مجددا بإثارة قضية أخرى ساخنة حساسية، هي قضية أن آر سي، التي هي عبارة عن تسجيل المواطنين الذين سكنوا في ولاية آسام، متذرعة بهذه الحركة المروعة إبادة المسلمين ونفيهم وزجهم في معتقلات قسرية هي أشبه بزنازن هتلر المعروفة لبربرية التعذيب.

تزامنت هذه الحركة المأساوية من قبل الحكومة الحالات التي نراها ونشهد في ولاية كشمير، من قمع وبطش واعتقال وتنكيل، وقد قذفت هذه الصور الفزاعة رعبا وذعرا في قلوب هؤلاء الباحثين الحياة، المضطرين إلى إثبات هويتهم كلما مرت بهم جنوب وشمأل، فبعد كشمير، يتجه المؤامرون نحو ولاية آسام، ليعكروا صفوها وليفرقوا شملها.

موقع آسام الجغرافي
تقع ولاية آسام بأقصى شمال شرق الهند، تحدها شمالا دولة بوتان وغربا بنغلاديش، وتجاورها كل من ولايات بنغال الغربيي، وميزورام، وتربارا، وناجلاند.
  
السجل الوطني وخيط المؤامرة الطويل
في اللحظة التي تقف بهارتيا جنتا متأهبة لكل الألاعيب السياسية هدفا إلى تغطية الثغرات التي لاحقتها في الأشهر الماضية القريبة نحس صمتا رهيبا مخيفا من قبل الأحزاب المعارضة القيادية، حتى كونجرس نسيت أولوياتها وانشغلت في المشادات الكلامية التافهة، وحتى الأحزاب اليسارية ذابت ثورتها فانسحبت من الميدان لتقنتع بالتصريحات الصحفية والشعارات الجوفاء، بل اضطرت قيادات الأحزاب المسلمة العلمانية إلى سكوت لازم، وتهمشت عفويا من متن السياسة الهندية.


المشهد السياسي الهندي يسوده الخوف والهلع، ولا نجد أحدا يفتح باب النقاش حول هذه القضايا التي تورط حياة الملايين في مهب الرياح العاتية، إذن ما هي أن آر سي، التي أصبحت كابوسا على أولائك الملايين الغرباء في وطنهم، هي عبارة عن سجل يشمل أسماء المواطنين الذين يمكنهم إثبات قدومهم إلى ولاية آسام الهندية قبل يوم 24 مارس 1971، وهو اليوم الذي سبق إعلان دولة بنغلاديش استقلالها عن باكستان.

ما الذين لم يشملهم السجل عليهم أن يظهروا هويتهم الهندية أو أن يدخلوا في المعسكرات بعيدا عن أطفالهم وذويهم حتى يحسم فيهم الأمر، والأسوء في هذه القضية أن بهارتيا جنتا تعامل مع هذه القضية معاملة المنتقم ولم يتخذ قرارا منصفا في المئات الذين عاشوا وخدموا الهند سنين طويلة، منهم من خدموا في الجيش الهندي، ومنهم من تولوا مناصب حكومية عالية، ومنهم من سلائل وزراء الهند السابقة حتى لم ينصف هذا السجل الوطني -يا ليته وطنيا- أقرباء رئيس الوزراء السابق للهند فخر الدين أحمد.

جاءت حملة توثيق الجنسية تحقيقا لطموحات المنظمات الهندوسية المتطرفة للسيطرة على مناطق المسلمين وشيطنة هويتهم وابتزازهم بهذا الشبح المخيف، والذي يزيد شراسة هذه الحملة ترعيبا وتهديدا هو ما يحمل المتهمين باللجوء غير الشرعية مسؤولية توضيح هويتهم من خلال اثني عشر طريقا حتى يتوجب عليهم أنفسهم أن يكشفوا جنسيتهم وأصولهم الهندية بدلا من أن يحمل الذين طرحوا التهم عليهم، فإن استطاعوا ببعض الطرق لم يغن عنهم شيئا بل يبقون في مرتبة اللاجئ غير الشرعي أو الناخب المشبوه فيه، فإنه لو بحثنا أصول هذه الأزمة سنجدها راسخة في أجندة بهارتيا جنتا حيث هو قلب الحقائق رأسا على عقبها وفرضت معاييرا جائرة ليتسنى له طرق الإبادة الجماعية الصامتة، أحقا أهؤلاء كانوا فوضويين حتى تطردهم الحكومة من أراضيهم، أم كانوا جواسيس بنجلاديش حتى يحاصرهم بجيوش لا رحمة فيها.

تاريخ هؤلاء الألوف المؤلفة يعود إلى ما قبل استقلال بنجلاديش من باكستان، حيث التزموا بأرضهم ولم يقتنعوا بالرجوع إلى بنجلاديش وطنهم الجديد، بل عاشوا في أراضيهم وأراضي أجدادهم، إذن فما هي الغاية القصوى التي تهم الحكومة الهندية وراء هذا الستار المسدل؟، إنه هو استفزاز مشاعر المسلمين وابتزازهم فحسب، حيث نرى قرى الهندوس في مأمن من هذه الضجات رغم أنها أيضا في هذه الورطة، لكن تغيرت بوصلة الحكومة نحوهم، بل حاولت لتبييضها وتجنيسها بجنسية الهند، فما هذه الطباق والمقابلة في قضية وطنية عامة وعارمة، فلم هذا الدور والتسلسل في شعب واحد بينما يظل إخوانهم من الهندوس في أمن وسلام، لا يتعكر صفوهم تهديدات حكومية ولا تزعجهم تلك الخطابات البارودية في الوطنية وتاريخ الهند.

وعلى طريق المثال، عندما تتعرض تلك المناطق المسلمة لكوارث طبيعية من الفيضانات والانهيارات الأرضية وتكبد خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات عادت الحكومة عابسة وكالحة، فلا نقير لهم في سبيل مواساتهم وإغاثاتهم، يعني أصبحت سلسلة من الإهمال والإعراض المخطط من قبل الحكومة تبين لذوي العقول حقيقية هذه الأزمة الجديدة المصطنعة.

الإسلام في ولاية آسام
يتضح لكل من يتتبع أحداث الهند الأخيرة أن الحكومة الهندية تستهدف المسلمين بالذات تضييقا وتطويقا، وتمارس سياسة العنف وبث الذعر، ولا تدخر جهدا منذ اعتلائها عرش الهند في سبيل استهداف المسلمين وفي تقليل شأنهم
ربما جهله الكثيرون منا بأن ديانة الإسلام هي الثانية بعد ديانة الهندوس عددا في ولاية آسام بل هي الديانة الأكثر نموا وارتقاء في تلك المنطقة الشرقية الهندية، حيث يشكل المسلمون فيها نسبة 34 في المائة لتكون في الدرجة الثانية بعد كشمير في عدد السكان المسلمين، بل يتواجدون في بعض المحافظات تواجدا قويا كما في محافظات باربيتا، ودارانغ، وهايلكاندي، وهي مما جعلها تحت تهديدات بهارتيا جنتا لتشعل فيها صراعات عنصرية دموية كما شهدت في مجزرة نييلي التي حدثت عام 1984م حيث أسقطت ثلاثين ألفا من المسلمين شهيدا في تلك المجزرة الدموية الشرسة، ومما يجعل وضعها قاسيا وشرسا هو تشابك الفرق المختلفة ضد المسلمين، من البوذيين والهندوس وغيرهم من أصحاب القبائل حتى اتفقوا على هذه الصفقة الجائرة هدفا إلى النيل من المسلمين وحرصا على أراضيهم الزارعة الآهلة.

رغم كل هذه التهم اللاذعة التي وجهت نحو مسلمي آسام، ورغم هذه الحملة التشكيكية المتعصبة للمصالح الهندوسية ظل المسلمون يلتزمون الهدوء والسكون حتى في هذا الجو المصطخب، ويسعون في إثبات هويتهم العريقة أمام المحكمات الخاصة التي فتحت من أجل هذه القضية.

الأمر الذي قلب السحر على الساحر هو ما نقله بعض المصادر المتعلقة بهذا الأمر أن السجل الأخير يشكل خطرا كبيرا للهندوس أكثر من المسلمين، حيث تضمن السجل الجديد معظم المسلمين الذين كانوا في ظلال الشك بشكل قانوني بينما أخرج السجل ذاته آلاف من الهندوس الذين توغلوا إلى الهند مستغلين بلبلة المنطقة في فترة الحروب بين باكستان وبنجلاديش، وظهر هذا الخبر صادما لطموحات بهارتيا جنتا حيث أخطأ في خطته المرسومة لبث الرعب في قلوب المسلمين حينا وآخر، فلم يبرح تثير فتنة تتلوها أخرى، لتنسدل الستائر على التعثرات التي يقع فيها.

لكن الأخطر في هذا الأمر أن بي جي ب وأذرعته المتطرفة من آر أس أس وفي أتش في، كلها تطمح إلى دولة خالية من الأديان السماوية، فإنه لو قمنا بلفتة سريعة إلى السبعينات التي تحكي عمق بشاعة هذه الأزمة والتي ترسم لنا الصورة الواقعية لخلفيتها الغامضة يتضح لنا أن بهارتيا جنتا لم يكن في فترة من التاريخ من حامي وطنية الهند ولا هو كان من مرابطيها الأوفياء، حيث إن حزب آسام غانا فرشت الذي يتبنى فكرة متطرفة خطيرة كان في مقدمة الفوضويين في عصر إندرا غاندي حتى أشعل أتباعه فتنة كبيرة في عصرها بل اجترأوا على نعت موكب إندهرا الذين جاءوا ليرفعوا علم الهند في يوم الاستقلال بأنهم كلاب الهند الضارية، ثم تغير وانقلب هذا الحزب واستدفأ في أحضان بهارتيا جنتا، وفي ظلال هذه الأحداث والحقائق التاريخية نستشهد بأن هذه الأزمة إنما هي وليدة فكرة متعصبة جاءت ليعمق خندق الخلاف ويصطاد في الماء الكدر.

  

سياسة العنف وبث الذعر
يتضح لكل من يتتبع أحداث الهند الأخيرة أن الحكومة الهندية تستهدف المسلمين بالذات تضييقا وتطويقا، وتمارس سياسة العنف وبث الذعر، ولا تدخر جهدا منذ اعتلائها عرش الهند في سبيل استهداف المسلمين وفي تقليل شأنهم ومكانتهم في المنظر العالمي، وقد نجحت في تعتيم هذه العمليات الشنيعة التي ترفض الحقوق الإنسانية بستار الوطنية ومحاربة الفوضويين، بل استطاعت في تهميش الأحزاب القيادية المعارضة حتى لا تتدخل في هذه القضايا المتأججة، والأمر الذي جعل بهارتيا جنتا في قمة الانفعال والحماسة هو التقاعد الصريح والاستسلام المطمئن الذي تعرض له هذه القيادات المعارضة، ولا غرو لو قلنا إن ظاهرة الوطنية هي السلاح الأكبر والأخطر الذي اخترعه صناع الهند الحديثة، وبها يقتل الشعب وبها يحيى.