‏إظهار الرسائل ذات التسميات روبين أندرسون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روبين أندرسون. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 فبراير 2026

الفيديو الذي يفضح القتلة في أمريكا

 الفيديو الذي يفضح القتلة في أمريكا


كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام.
ملصقات تُكرّم أليكس بريتي ورينيه نيكول جود، اللذين قُتلا بإطلاق نار على يد عملاء الهجرة الفيدراليين في مينيابوليس، مينيسوتا، الولايات المتحدة، في يناير 2026 (رويترز)

في صباح يوم السبت 24 يناير/كانون الثاني، في مدينة مينيابوليس، أطلق "عملاء" ملثمون من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) النار وقتلوا أليكس بريتي، وهو ممرض في وحدة العناية المركزة، يعمل في مستشفى شؤون المحاربين القدامى، وكان معروفا هناك بعنايته ورأفته. مات أليكس وهو يساعد شخصا آخر كان يتعرض للاعتداء.
في التسجيل المصور نراه ممسكا بهاتف خلوي في إحدى يديه، فيما يرفع اليد الأخرى إلى الأعلى. وبينما كان مهاجمو إدارة الهجرة والجمارك المدججون بالسلاح يرشون واحدة من المتظاهرين بمهيج كيميائي في وجهها، انحنى أليكس ليساعدها على النهوض، فرشوه هو أيضا.

بعد ذلك، انقض عليه عدة عناصر وطرحوه أرضا. ويظهر فيديو التقطه أحد المارة الصراع، فيما تتكدس شرطة ترمب السرية فوق جسده. ثم يقف أحدهم وهو يمسك بمسدس بريتي، وتنطلق الطلقات. خلال ثوانٍ، يتراجع القتلة قليلا ويواصلون إطلاق النار عليه، عشر رصاصات كاملة، بينما كان ممددا بلا حراك على الأرض.

لقد أطلقت إسرائيل 335 رصاصة على السيارة التي كانت الطفلة هند رجب، ذات الخمسة أعوام، تستجدي فيها حياتها في غزة، وقد سمع صوتها الصغير في أنحاء العالم؛ بسبب الشريط المصور. وكحال كثير من الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية في غزة، قتل أليكس بريتي، وهو يؤدي دور المستجيب الأول في مجتمعه.

وخلال دقائق، ألقت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية كريستي نويم باللوم على بريتي في "إعدامه" نفسه، زاعمة أنه كان "يشهر" سلاحا ويريد "قتل عناصر إنفاذ القانون". ووصمته بأنه "إرهابي محلي".

وانضم قائد حرس الحدود الأمريكي، غريغ بوفينو، إلى الجوقة، قائلا إن الضحايا الحقيقيين لإطلاق النار هم العملاء الفدراليون.

وعلى الرغم من أن اللقطات المصورة تظهر العكس تماما، أصر بوفينو على أن بريتي هاجم الضباط بسلاح ناري، وكان يريد "إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر" وارتكاب مجزرة بحق قوات إنفاذ القانون. وفي الوقت نفسه، نشر مسؤول البيت الأبيض ستيفن ميلر على منصة "إكس" أن أليكس بريتي كان "قاتلا مأجورا".

غير أن شريط فيديو مقتل أليكس كان يعرض في حلقة متكررة على شاشات التلفزة، كما قال ستيفن كولبير في مونولوج افتتاحي بعد أربعة أيام. وفي اليوم نفسه، أطلق أسطورة الروك أند رول بروس سبرينغستين أغنية احتجاجية بعنوان: "شوارع مينيابوليس".

وعرف موقع "زيتيو" وزارة الأمن الداخلي وإدارة الهجرة والجمارك بأنهما جزء من نظام يرهب الأمريكيين" في أنحاء البلاد.

وفي رسالة إلكترونية، وصفتهما منظمة الدفاع القانوني "بابليك سيتيزن" بأنهما "بلطجية مجهولون يرهبون الشعب الأمريكي".

وقبل أسبوعين من ذلك، أطلق قاتل آخر ملثم من إدارة الهجرة والجمارك يدعى جوناثان روس النار على رينيه نيكول غود، البالغة من العمر 37 عاما، وهي شاعرة وأم وزوجة، فأصابها ثلاث مرات في الرأس من "المسافة صفر".

وزعمت وزارة الأمن الداخلي فورا أن إطلاق النار كان مبررا؛ لأن غود حاولت دهس العميل بسيارتها. وظهرت كريستي نويم في تكساس، مرتدية قبعة رعاة بقر ضخمة بشكل مثير للسخرية، ووصفت رينيه غود بأنها "إرهابية محلية"، وهو الوصف نفسه الذي استخدمته بحق أليكس بعد أسبوعين.

لكن مقاطع الفيديو التي التقطها المارة وانتشرت على الإنترنت كشفت حقيقة القتل. فمن زوايا مختلفة، أظهرت أن رينيه غود كانت تبتعد عن القتلة لا تتجه نحوهم. ولم تشكل أي تهديد لجوناثان روس، و"لم يكن العميل في مسار سيارة الضحية الرياضية عند إطلاقه النار". وكما أشار غلين غرينوالد، فإن "التوصيف التلقائي للأمريكيين الذين تقتلهم إدارة الهجرة والجمارك بأنهم "إرهابيون" هو أسرلة الولايات المتحدة".

وأكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن عملاء إدارة الهجرة يتمتعون بـ"حصانة مطلقة"، فيما رفضت وزارة الأمن الداخلي الإفصاح عن أسماء الرجال الذين شاركوا جماعيا في ذبح أليكس.

إن الكثير من هذا المسار- القتل في وضح النهار، والحماية، والفشل في محاسبة القتلة، ووصم الضحايا بـ"الإرهاب"، والاستهداف المتعمد لمن يوثقون جرائم الدولة- يعكس تماما ما فعلته إسرائيل في غزة.

فالصحفيون الفلسطينيون على الأرض في غزة وصموا بالإرهاب قبل قتلهم، مثل صحفي الجزيرة حمزة الدحدوح، الذي وصف أولا بالإرهابي ثم استهدف بالاغتيال.

وبحسب "زيتيو"، ففي الوقت الذي كان فيه البيت الأبيض يدفع برسائل "الإرهاب"، كان يجري أيضا "بحثا معارضا"، محاولا العثور على أي شيء يمكن أن يشوه سمعة أليكس بريتي. وقد حدث الأمر نفسه مع رينيه غود بعد مقتلها. واستقال ستة محامين من مكتب المدعي العام الأمريكي في مينيسوتا من وظائفهم عندما طالبت وزارة العدل بفتح تحقيق جنائي لتشويه سمعة غود.

وعندما كشفت أشرطة الفيديو الاستخدام القاتل للقوة من قبل إدارة الهجرة والجمارك، ارتد الأمريكيون فزعا. لم يعودوا يصدقون الادعاءات الرسمية، وأظهر استطلاع للرأي أن بلطجية إدارة الهجرة والجمارك غير محبوبين إلى حد بعيد، وأن نسب تأييد ترمب هبطت أكثر.

لم يكن بالإمكان التوفيق بين اللقطات المصورة وبين الكلام الصادر عن البيت الأبيض ووزارة الأمن الداخلي. فقد كانت تكتيكات إدارة الهجرة والجمارك تخفى عن أعين الجمهور في السابق، وكما أفادت ليلى حسن من قناة الجزيرة، فقد كان هذا التكتم وسيلة لتمكين عملاء الإدارة من "الإفلات من التدقيق".

وتسارعت المشاعر المناهضة لترمب، وتكاتف الرأي العام حول فكرة أننا نواجه الآن قوة خارجة عن السيطرة وغير قانونية. وكما كتب أحدهم، فإن ترمب "فقد رضا المحكومين". حتى إن معلقين محافظين مثل جورج كونواي انضموا إلى هذا الرأي، قائلين: "تحققت للتو، وتبين أن المادة الثانية، القسم الأول من دستور الولايات المتحدة لا تقول: "تمنح السلطة التنفيذية لعصابة يظنون أنهم قادرون على فعل ما يشاؤون وتأليف الأكاذيب وهم يمضون قدما’".

التوصيف التلقائي للأمريكيين الذين تقتلهم إدارة الهجرة والجمارك بأنهم "إرهابيون" هو أسرلة الولايات المتحدة

يشعر السياسيون الجمهوريون بالذعر، قلقين من الضرر السياسي الواقع في عام انتخابي. واشتكى سياسيون لم تذكر أسماؤهم لقناة "فوكس نيوز"، ووفقا لبيل ميلوغين، حيث كانوا ينتقدون بشدة التصريحات التي تزعم أن "بريتي كان ينوي تنفيذ "مجزرة" بحق العملاء الفدراليين"، في مواجهة مقاطع فيديو تفند هذه الادعاءات العبثية.

لقد كانوا يخسرون معركة العلاقات العامة، وكذلك "القاعدة والسردية". ووصف بعضهم الأمر بأنه "دراسة حالة في كيفية عدم إدارة العلاقات العامة أثناء الأزمات"، معبرين عن رفضهم تأكيدات وزارة الأمن الداخلي بأن أليكس كان يخطط لـ"مجزرة" تهدف إلى إحداث "أقصى ضرر"، رغم أن الفيديوهات تقوض هذه المزاعم.

وقد تمحورت شكاوى الجمهوريين لا حول قتل الحكومة أمريكيين، بل حول سوء الدعاية الذي أحدثته تلك الجرائم.

إن صور الوحوش الإسرائيليين وهم يرهبون الفلسطينيين في أنحاء قطاع غزة تشبه إلى حد لافت مقاطع الفيديو التي التقطها المارة بهواتفهم في مينيابوليس.

إن نضالات سكان مينيابوليس وهم يقاومون تضامنا مع مجتمعاتهم هي النضالات نفسها التي واجهها الفلسطينيون الذين تحملوا عامين ونصف العام من الإبادة الجماعية. وكما يجادل ديريك ساير، فقد "تشكل النظام العالمي الجديد، الذي تمثل هذه الأحداث أعراضه، في غزة".

وكما ألقي باللوم على مقاطع تيك توك التي كشفت فظائع جيش الاحتلال الإسرائيلي اليومية في إثارة اشمئزاز الرأي العام من الإبادة، فإن الحقائق المزعجة المسجلة في مينيابوليس تعرقل تنفيذ سياسة التخويف العلني التي تنتهجها الولايات المتحدة.

ويرى بعضهم أن العنف في مينيابوليس يجسد مفهوم "الارتداد الإمبراطوري"، ولا شك في أن إدارة الهجرة والجمارك تستخدم دليل العمل الإسرائيلي، إذ إن "الآلية نفسها للضبط العرقي، التي جرى تطويرها في فلسطين تحت الاحتلال، قد جرى استيرادها إلى المدن الأمريكية"، كما كتب أحمد إبسيس.

لكنّ آخرين يفسرون المفهوم بوصفه إدانة للجمهور نفسه؛ لأننا تسامحنا مع العنف الواقع على شعوب أخرى، فعاد ليضربنا في الداخل. ومع ذلك، فإن عنف الدولة يستمر رغم مقاومتنا له.

وكما احتججنا هنا، وفي أنحاء العالم، على الإبادة الإسرائيلية في غزة، تهاجم إدارة الهجرة والجمارك سكان مينيابوليس تحديدا؛ بسبب تاريخ المدينة في التعددية والانفتاح، وبسبب الاحتجاجات الراهنة ضد خطف الجيران من الشوارع.

لقد طالبنا حكومتنا بوقف تسليح مرتكبي الإبادة، وطالبنا بصوت عالٍ بإنهاء إدارة الهجرة والجمارك، تماما كما طالبت رينيه وأليكس بإنهاء خطف المهاجرين وسجنهم.

والفرق هنا أن السياسيين، في عام انتخابي، قد يتحركون لكبح جماح إدارة الهجرة والجمارك. لكن لو كنا نعيش فعلا في ديمقراطية، لكانت حكومتنا قد أوقفت منذ زمن بعيد عمليات نقل الأسلحة التي ما زالت تفتك بالفلسطينيين.


الجمعة، 12 ديسمبر 2025

أهلًا بكم في المسرحية الإعلامية الكبرى

 أهلًا بكم في المسرحية الإعلامية الكبرى

كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام.

في 5 ديسمبر/كانون الأول، تساءلت الكاتبة الفلسطينية داليا أبو رمضان، والتي لا تزال في غزة: كيف يمكن للعالم أن يصدق ادعاء إسرائيل بأن "وقف إطلاق النار" لا يزال قائما؟

لقد كان التلاعب بالعالم جزءا أساسيا من "اتفاق السلام" منذ البداية. بدأ ذلك في 13 أكتوبر/تشرين الأول، في قمة شرم الشيخ في مصر، في اليوم الذي وقع فيه دونالد ترامب على ما سمي بـ"وقف إطلاق النار" أمام زعماء من نحو ثلاثين دولة.

وأعلن ترامب مرارا: "انتهت الحرب في غزة"، مضيفا: "لقد استغرق الوصول إلى هذه النقطة ثلاثة آلاف عام، هل تصدقون؟" وأردف: "سيصمد هذا الاتفاق، سيصمد".

وقد أشاد به على الاتفاق كل من بايدن، وبيل وهيلاري كلينتون، وكامالا هاريس.

ووصفت صحيفة "ذا هيل" الحدث بأنه "جولة نصر لترامب"، الذي حط في إسرائيل ليستقبل بالتصفيق من أعضاء الكنيست. وهناك، ادعى ترامب بأن اللحظة كانت "فجرا تاريخيا لشرق أوسط جديد"، وسط الأضواء والاحتفالات التي صاحبت إطلاق سراح عدد من الأسرى الإسرائيليين المتبقين لدى حماس.

من الواضح أن قمة شرم الشيخ كانت مُغرقة في "الاستعراض"، كما وصفتها صحيفة "العرب ويكلي"، التي قالت إن الحدث بدا وكأنه احتفال دعائي بشخص وجد فجأة لنفسه صورة "صانع السلام"، أكثر مما هو اجتماع تفاوضي رفيع المستوى. 

وقال أحد الدبلوماسيين الذي طلب عدم ذكر اسمه: "كان يوما غريبا للغاية… مجرد عرض، وخطاب، وصف طويل من القادة، كان أمرا جنونيا".

رسمت القمة بنجاح خريطة الطريق الرسمية التي سارت عليها وسائل الإعلام المؤسسية. وكأن الأمر استغرق 3 آلاف عام للوصول إلى هذه النقطة، لا عامين وحشيين من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق غزة، وقتلت خلالها عددا لا يحصى من الفلسطينيين (بلغ عددهم، بحسب قائد سابق في الجيش الإسرائيلي، نحو 200 ألف بين قتيل وجريح).

وسرعان ما التقطت وسائل الإعلام العالمية رواية "وقف إطلاق النار"، والتي افترضت تلقائيا أن إسرائيل قد أوقفت هجماتها على الفلسطينيين.

ومع أن ترامب أعلن ذلك، فإن الواقع كان شيئا آخر، إذ لم يصمد "الاتفاق"، وإن ظلت الرواية الخيالية قائمة. وقد تحقق ذلك من خلال إستراتيجيات خطابية إعلامية- بعضها مألوف، وبعضها جديد- ومن خلال أقدم أشكال الرقابة الإعلامية: التعتيم الكامل على أخبار الهجمات الإسرائيلية.

كما أشار موقع FAIR، ففي الأيام العشرة الأولى من "وقف إطلاق النار"، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 97 فلسطينيا، وأصابت 230 آخرين، وانتهكت الاتفاق 80 مرة، ما دفع الصحفية بيلين فرنانديز إلى التساؤل: "كان من المتوقع أن نرى عنوانا أو اثنين يقولان إن إسرائيل انتهكت وقف إطلاق النار، لكن مثل هذه العناوين لم تظهر أبدا في الإعلام الغربي المؤسسي".

تم التهوين من القتل الإسرائيلي المتواصل في غزة، مع التأكيد المستمر على أن الإبادة الجماعية قد "توقفت تقريبا". وهذا تطلب قدرا هائلا من التلاعب اللغوي، أدى إلى عناوين صادمة، كما في تقرير شبكة NBC: "وقف إطلاق النار في غزة لا يزال قائما رغم الضربات الإسرائيلية". ومصدرهم؟ دونالد ترامب.

ورغم أن كل طرف قد "انتهك الهدنة الهشة"، فإن إسرائيل- بعد أن شنت ضرباتها- بدأت في "تجديد تنفيذ وقف إطلاق النار"! عبارات لا معنى لها. وكما قالت فرنانديز: "لم تستطع وسائل الإعلام ببساطة أن تقول: إن لم تتوقف عن إطلاق النار، فهذا ليس وقف إطلاق نار".

رغم أن كل طرف قد "انتهك الهدنة الهشة"، فإن إسرائيل- بعد أن شنت ضرباتها- بدأت في "تجديد تنفيذ وقف إطلاق النار"! عبارات لا معنى لها. وكما قالت فرنانديز: "لم تستطع وسائل الإعلام ببساطة أن تقول: إن لم تتوقف عن إطلاق النار، فهذا ليس وقف إطلاق نار"

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، فجرت منظمة العفو الدولية فقاعة الإعلام، عندما أصدرت تقريرا قالت فيه: "السلطات الإسرائيلية لا تزال ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة"، وأكدت أن إسرائيل "لا تزال تفرض عن عمد شروط حياة من شأنها أن تؤدي إلى الفناء الجسدي للسكان، دون أي إشارة لتغيير في نواياها".

منذ بدء "وقف إطلاق النار"، منعت إسرائيل إيصال الكميات المتفق عليها من الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية إلى القطاع. وكما أفاد الصحفي أوين جونز، فإن إسرائيل لا تزال تمنع دخول المساعدات إلى غزة، ولم تسمح سوى لـ"خُمس عدد الشاحنات" التي وعدت بها. ولا يزال معبر رفح مغلقا أمام إدخال المساعدات.

وقد أفاد موقع Drop Site News أن الغارات الإسرائيلية اليومية داخل غزة أسفرت عن مقتل أكثر من 350 فلسطينيا، من بينهم 136 طفلا. وبحلول 3 ديسمبر/كانون الأول، ارتفع العدد إلى 360 قتيلا و922 جريحا. وخلص تقرير العفو الدولية إلى أن: "على العالم ألا ينخدع. الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل لم تنتهِ".

ويكفي أن نستمع إلى الشهادات القادمة من غزة لنفهم ذلك.

تعود الكاتبة داليا أبو رمضان لتصف ليلة 19 نوفمبر/تشرين الثاني: "استيقظت مرعوبة، إذ كانت الانفجارات تهز الأرض تحت جسدي، وكنت على يقين لوهلة أن الحرب قد عادت، وأن وقف إطلاق النار قد انهار تماما". رغم أن الضربات كانت على بعد 5 كيلومترات، فإن قوتها جعلتها تبدو وكأنها تنفجر خلفها مباشرة.

تقول: "كأن الاحتلال أراد أن يذكرنا بأن وقف إطلاق النار الذي يتحدث عنه العالم، ليس سوى ستار رقيق يسدل فوق نار لا تتوقف عن الاشتعال".

تلك الليلة، قتل 28 فلسطينيا، من بينهم 17 طفلا، وأصيب أكثر من 77 آخرين، في غارات على أحياء مكتظة. وادعت إسرائيل أنها كانت تستهدف "قادة المقاومة".

وبحث بسيط عبر الإنترنت أظهر أن الإعلام المؤسسي الأميركي لم يغطِ هذه الهجمات الدامية إطلاقا.

القليل من التقارير التي نُشرت، تمسكت بإطار كاذب يقضي بـ"تحميل الطرفين المسؤولية". مثال نادر جاء في تقرير إذاعة NPR بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني، حيث قالت: "إسرائيل وحماس تتهمان بعضهما البعض بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار".

واعترفت الإذاعة بأن إسرائيل "نفذت سلسلة من الغارات في أنحاء غزة"، أوقعت ما لا يقل عن 20 قتيلا. ومع ذلك، أكدت أن وقف إطلاق النار "الذي أعلنه الرئيس ترامب" كان "لا يزال قائما" بعد أكثر من ستة أسابيع.

ورغم أن حماس لم تقتل أحدا، أعادت NPR تكرار مزاعم إسرائيل بأن "مسلحين عبروا الخط الأصفر" الذي يحدد الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. لكن وفقا لـDrop Site News ومنظمات مستقلة مثل "يوروميد لرصد حقوق الإنسان"، فإن "الخط الأصفر" الإسرائيلي يتقدم باستمرار نحو داخل غزة، فيما يشبه الاستيلاء غير القانوني على الأراضي. وقد أطلقت إسرائيل النار وقتلت شقيقين صغيرين كانا يجمعان الحطب، بزعم أنهما عبرا هذا الخط المتحرك.

تختم داليا أبو رمضان بقولها: "أقنع الاحتلال العالم بأن حمام الدم في غزة قد توقف، بينما في الواقع، لا تزال العائلات تمحى من السجلات المدنية في صمت تام. العالم صامت، ربما فقط لأن شيئا ما يدعَى وقف إطلاق نار قد أعلن؟"

ثم تتساءل: "كيف يمكن للعالم أن يبتلع هذه الكذبة، بينما يتوسع الاحتلال أمام أعين الجميع؟"

قد تساعدنا تصريحات هيلاري كلينتون الأخيرة في نيويورك على فهم ذلك. فقد زعمت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة أن الشباب يدعمون فلسطين فقط بسبب تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تيك توك، الذي "ينشَر فيه محتوى ملفق تماما عن غزة"، حسب قولها.

بالنسبة لكلينتون، إذن، وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أكاذيب.

إن حجتها تعني أن من يثقون في تقارير منظمات حقوق الإنسان، والشهادات، والأدلة البصرية على الإبادة، ما هم إلا ضحايا غسل دماغ على يد "الشيطان الجديد" الذي يدعى الإعلام الاجتماعي.

ومع هذا التلاعب المتغطرس بأسلوب "كلينتوني"، ومع مسرحيات ترامب السياسية وتواطؤ الإعلام مع الإبادة الإسرائيلية، يجري نفي كل ما يمكن لأي إنسان أن يراه بعينيه أو يشعر به بقلبه. لهذا، يجب شيطنة المصادر المستقلة والتشكيك فيها وحظرها.

لكن كما قال الصحفي علي أبو نعمة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، "رغم الإعلام والدعاية، فإن التغير في الوعي العالمي تجاه إسرائيل، خاصة لدى الشباب، يشير إلى أننا بلغنا نقطة اللاعودة". فالدعم العالمي لـ"الدولة الإبادية" يتراجع، ومع شعور النخب بأن سيطرتهم على السردية تضعف، يلجؤون إلى المزيد من القمع والرقابة لحماية الوضع القائم.

أما ترامب، المنتشي بدور "صانع السلام الأعظم"، فقد طبع اسمه في 3 ديسمبر/كانون الأول على مبنى "معهد السلام الأميركي" في واشنطن. وكان قد جرد هذه المؤسسة المستقلة، التي أنشأها الكونغرس عام 1984، من تمويلها الفدرالي في وقت سابق من هذا العام.

ونشرت وزارة الخارجية الأميركية على منصة "إكس" تغريدة قالت فيها: 

"مرحبا بكم في معهد دونالد جيه. ترامب للسلام"، معلنة أن تغيير الاسم يهدف إلى "عكس هوية أعظم صانع صفقات في تاريخنا". لكن، وكما هو حال إسرائيل، يعد ترامب اليوم أحد أكثر الرؤساء كراهية في تاريخ الولايات المتحدة.

السبت، 15 نوفمبر 2025

نيويورك مرآة أميركا الجديدة

 نيويورك مرآة أميركا الجديدة

كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام.

الطفل الذي وُلد لأب مفكر مناهض للاستعمار ومؤلف كتاب؛ "المسلم الجيد، المسلم السيئ"- وهو نص يُعد من أنجع الأعمال في دحض الإسلاموفوبيا- ولأم هي المخرجة السينمائية الهندية الشهيرة ميرا ناير، المعروفة بفيلم "زفاف موسمي"، يبلغ الآن من العمر 34 عاما، وسيكون أصغر من يتولى قيادة مدينة نيويورك منذ أكثر من قرن.

لكن الأهم من ذلك أن هذا الشاب الكاريزمي، الذي نجح في تحفيز الشباب على التصويت، ودفع جيشا من النشطاء لطرق أكثر من مليوني باب لحث الناخبين، سيكون أول مسلم يتولى منصب عمدة مدينة تُعد موطنا لأكبر تجمع يهودي في العالم.

في خطاب النصر، قال ممداني: "هذه المدينة ملكٌ لكم". وتابع قائلا: "لقد فزنا لأن النيويوركيين سمحوا لأنفسهم بأن يأملوا بإمكان المستحيل

في مدينة طالما هيمنت عليها السياسة الصهيونية، لم يدّخر أثرياء المدينة المرتبطون بإسرائيل وسيلة إلا لجؤُوا إليها لإفشاله، وأنفقوا مبالغ غير مسبوقة وفاحشة من أجل هزيمته.

ووفقا لموقع "دروب سايت نيوز"، فإن مؤيدي الحاكم السابق كومو أنفقوا أكثر من 50 مليون دولار، أي ما يزيد سبع مرات على ما أُتيح لممداني.

وعبّر الصحفي جيم نوركاس عن ذلك بقوله: "أنفقت القوى المؤيدة لكومو 56 مليون دولار لتحصل على 41.6% من الأصوات، أي ما يعادل 65 دولارا لكل صوت".

هذه الأموال موّلت إعلانا هجوميا مُنتجا بالذكاء الاصطناعي، وأغرقت مدينة نيويورك بهستيريا معادية للمسلمين وخطاب كراهية، وصفه الكاتب باتريك لورانس بأنه "أوحل مجاري السياسة".

أما الروائية الكندية المعروفة جويس كارول أوتس، فقد وصفت الحملة الانتخابية بأنها "مجارٍ دعائية نازية غير مسبوقة من اليمين المتطرف، كالتي أغرقت مرشحين كُثرا من قبل".

ومع ذلك، انتصر ممداني.

لقد أدرك اللوبي الإسرائيلي القوي في نيويورك، إلى جانب سياسيين يمينيين آخرين معادين له، أن الدفاع عن إسرائيل بات خاسرا، فلجؤوا إلى خطاب معادٍ للإسلام على نحو سافر.

وكما وصفت مجلة "رولينغ ستون"، فقد اجتاحت الإعلام ومواقع التواصل "موجة كراهية مضلِّلة"، وُجّهت له فيها اتهامات تمتد من كونه "شيوعيا" و"جهاديا"، إلى "معادٍ للسامية" و"إرهابي عالمي".

بل زُعم أنه سيرحب بهجوم آخر كالذي حدث في 11 سبتمبر/أيلول، وحذرت حملات التشويه من أن "لا يهودي سيكون في مأمن" في نيويورك إن فاز، وطُلب من اليهود مغادرة المدينة.

وسخر الكوميدي البارع جوش جونسون من ذلك في أحد عروضه قائلا: "كانوا ينتقدونه؛ لأنه لم يكن كارها للإسلام بما يكفي ليتماهى مع سردياتهم".

ممداني بين فلسطين وطبقة الأغنياء

ولم يشفع له أنه عبّر ببساطة عن رأي رافض للإبادة الجماعية، وهو موقف يشاطره كثير من سكان نيويورك وأميركا. كما أشار ماكس بلومنثال في لقاء مع "ديالوغ ووركس"، قائلا: "نيويورك باتت قبلة للشباب الذين يرون في فلسطين اختبارا أخلاقيا لعصرهم. لقد ظهرت طبقة جديدة- ومعها كثير من سكان نيويورك الأصليين- ترفض سياسات الصهيونية التي سادت من قبل".

وكان التصريح الأكثر إثارة للجدل من جانب ممداني، وعده بأنه سيقوم باعتقال بنيامين نتنياهو إن وطئت قدماه مدينة نيويورك مجددا، بوصفه مجرم حرب. وقد صرّح بذلك خلال كلمة ألقاها بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أغسطس/آب الماضي، قائلا: "هذه مدينة تؤمن بالقانون الدولي".

ومثلما أرّقت مواقفه المناصرة لفلسطين القوى الصهيونية، أثارت وعوده بخدمة "أبناء المدينة العاديين" غضب الطبقة الثرية المتنفذة في نيويورك، التي اعتادت فرض رغباتها على السياسيين.

إذ طرح برنامجا سياسيا هدفه إعادة جعل المدينة صالحة للعيش بالنسبة لسكانها، لا المستثمرين. من حافلات مجانية تديرها البلدية، إلى متاجر تموينية تابعة للمدينة، ورعاية أطفال مجانية، وبرامج إسكان بأسعار معقولة- كانت رسائله واضحة ومباشرة إلى المهاجرين، والمستأجرين، والعاملين في مرافق المدينة، والشباب.

لم يخفِ مواجهته لمنظومة سياسية طالما خضعت لقوى رأس المال، من الصناعيين ومديري الشركات الكبرى إلى مضارب وول ستريت.

لقد أطلق شرارة تحوّل جذري بين الأجيال، من نظام سياسي تحت قبضة نخب المال، إلى نموذج إنساني يستند إلى العدالة والرحمة.

الإعلام والرمزية الجديدة لنيويورك

أما الصحافة الشعبوية في المدينة، فقد جسّدت رؤية المؤسسة الحاكمة تجاه ممداني. إذ أفادت منظمة FAIR أن صحيفة "نيويورك بوست" نشرت، في الأيام التي سبقت الانتخابات، سلسلة افتتاحيات تصاعدية الهجوم ضده، بعناوين مثل: "اخرجوا وصوتوا أيها النيويوركيون- هذه فرصتك لمنع كابوس زهران ممداني".

في المقابل، عبّرت مجلة "ذا نيويوركر" عن لحظة التحوّل هذه بصورة لافتة؛ غلاف يُظهر عربة مترو مليئة بوجوه المدينة المختلفة من كل الأعراق والأنماط والأجيال، يتوسطها ممداني وهو متشبث بحزام التوازن. وكتب أحد مستخدمي فيسبوك معلقا: "كابوس جيه دي فانس (نائب الرئيس الأميركي) أصبح واقعا".

ولا شك أن القوى المناهضة له ستواصل محاولاتها لإفشال رؤيته، واستعادة هيمنة المنظومة الصهيونية في المدينة. بل إن "رابطة مكافحة التشهير" (ADL)، المعروفة بولائها لإسرائيل، أعلنت إطلاق ما أسمته "مراقب ممداني"، لمتابعة سياسات العمدة الجديد و"رصد معاداته للسامية".

وأشارت مجلة "ذا واير" إلى أن حملات التشويه بدأت مبكرا بوصفها "انفجارا عنصريا هستيريا". كما نشرت "نيويورك بوست" عنوانا رئيسيا يقول: "على ماركسك، استعد، زو!" (تحريف عن: على أهبة الاستعداد، انطلق)، يظهر فيه ممداني ممسكا بالمطرقة والمنجل، رمز الشيوعية.

وكما جرى خلال الحملة، تعمل وسائل الإعلام الكبرى حاليا على تقويض أثر برنامجه. فجاء عنوان صحيفة "نيويورك تايمز": "فوز ممداني أقل أهمية مما تظنون – لن يُنقذ الديمقراطيين".

لقد أظهر فوز زهران ممداني التاريخي أن إبادة غزة أحدثت تحوّلا دائما في مكانة إسرائيل داخل السياسة الأميركية. كما أنه يمثل "منعطفا تاريخيا للمسلمين في أميركا"، كما وصفه الكاتب نهاد عوض.

إنه ردّ صريح على كل من حاول إنكار وجود المسلمين في الحياة العامة، ويجب اعتباره موجة أولى في عكس تيار الكراهية العميق ضد المسلمين، ذلك التيار الذي طالما خنق أصوات الحقوقيين المناهضين للإبادة. كما أنه يمثل رفضا واضحا للصهيونية، ستكون له تداعيات داخل الولايات المتحدة وحول العالم.

لقد فاز ممداني بابتسامة، كما يُظهر مقطع فيديو له وهو يعتلي دراجة المدينة، بينما يصرخ أحدهم: "شيوعي!" فيرد عليه: "تنطق: راكب دراجة!".

لم يتراجع حين هوجم بسبب آرائه أو سياساته، بل شرح مواقفه بصدق وثبات. ومن خلال رفضه سياسات الخوف والكراهية، فتح النيويوركيون الباب لعهدٍ جديد من السياسة الإنسانية، القائمة على الرحمة والتعددية والتضامن مع ضحايا عنف الدولة – وعلى رأسهم الفلسطينيون.

وفي خطاب النصر، قال ممداني: "هذه المدينة ملكٌ لكم". وتابع قائلا: "لقد فزنا لأن النيويوركيين سمحوا لأنفسهم بأن يأملوا بإمكان المستحيل. وفزنا لأننا أصررنا على أن السياسة لم تعد شيئا يُمارَس ضدنا، بل شيئا نمارسه نحن".

الأحد، 3 أغسطس 2025

لماذا يتظاهر الغرب الآن بأنه يدين المجاعة؟

لماذا يتظاهر الغرب الآن بأنه يدين المجاعة؟
كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام

الطفلة الفلسطينية مريم دواّس، البالغة من العمر تسع سنوات، كان وزنها قبل الحرب 
         25 كيلوغرامًا، لكنه انخفض الآن إلى 10 كيلوغرامات (الفرنسية)           

يبدو أن وسائل الإعلام السائدة بدأت تستيقظ من سبات مؤيد لإسرائيل دام 21 شهرا، ويمكن رؤية أمثلة كثيرة على ذلك في الصحافة الغربية، بما فيها «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي».

ففي الولايات المتحدة، تزداد الانتقادات الموجهة لإسرائيل بين المشرّعين والمعلّقين السياسيين على حد سواء.

وحتى صحيفة "ديلي إكسبريس" البريطانية اليمينية نشرت عنوانا يقول: "من أجل الرحمة، أوقفوا هذا الآن"، بجانب صورة لطفل فلسطيني يتضوّر جوعا على حافة الموت. وأضافت الصحيفة أن من "يتشبثون بالحياة في جحيم غزة يجللوننا جميعا بالعار". وكتب الصحفي مات كينارد على منصة إكس: "نظام المحرقة الصهيوني خسر دعم ديلي إكسبريس".

لطالما ظهرت تصدّعات في الأطر الإعلامية الجامدة التي برّرت إبادة إسرائيل للفلسطينيين خلال هذه الأشهر، وذلك كلّما صعّدت من عمليات القتل والتطهير العرقي.
لكنّ العالم اليوم يرى، ولأسابيع متتالية، صورا لأطفال عبارة عن هياكل عظمية يتضوّرون جوعا دون بارقة أمل. كما قالت الصحفية الفلسطينية الشابة (24 عاما) هبة المقادمة، والتي لا تزال تعيش في مدينة غزة: "في غزة، أصبح الجوع أقسى أسلحة إسرائيل، متجاوزا حتى القنابل". لم تعد هناك طفولة في غزة.

ما سرّ هذا الألم الذي يسبّبه الجوع؟

الممثل والكاتب والإنساني ستانلي توتشي قدّم بعض الإجابات عن هذا السؤال في كتابه الطعم (Taste)، وهو سيرة لحبه الطويل للطعام، لجاذبيته، لتحضيره، ولتمثيله.
يقول توتشي إنّه تعلّم في وقت مبكر أنّ "الجمهور يحب أن يشاهد الناس وهم يأكلون أو يشربون" على الشاشة، مضيفا: "هناك شيء شديد الجاذبية في مشاهدتنا للناس وهم يقومون بهذه الأفعال الأساسية".
ويعزو ذلك إلى أنّ هذه الأفعال "تجعلهم أكثر إنسانية، وتسمح لنا بالتواصل معهم".
الناس يحبون مشاهدة الأفلام التي تتمحور حول الطعام، ويحبون برامج الطبخ، لأنّها تجعلنا جميعا نشعر أننا جزء من عائلة بشرية واحدة.
ولهذا السبب بالتحديد يكون وقع الجوع على النفس قاسيا جدا، حين نرى بشرا مثلنا محرومين من هذا الفعل البسيط.

رؤية شخص آخر يتضوّر جوعا أمر لا يُحتمل، خصوصا إذا كان طفلا. بالنسبة لمعظمنا، هي لكمة تهوي إلى أعماق القلب، وتضرب أقصى ما فينا من إنسانية. على خلاف ضربة جوية أو عملية اغتيال لا نراها إلا بعد أن تقع، وقد قُضي أمرها، فالجوع، حين نراه، ما زال قائما، وصاحبه لم يمت بعد. وكما قالت وكالة الأونروا: "الناس في غزة جثث تمشي".
أحد الأطباء من غزة نشر صورة لطفل هزيل لا يكاد يملك جلدا يغطي عظامه، وكتب ببساطة: "نحن نتضور جوعا". وهم لا يزالون يتألمون.

هذه الصور تُجبرنا على أن نلهث بحثا عن حل. تدفعنا لأن نطالب بأن يصلهم الطعام فورا. لأنها الطريقة الوحيدة لنتخلّص من ألم مشاهدتنا لتدمير البشرية، وتدميرنا نحن معها، بشكل بطيء ومقصود.

لكن هذه الاستجابة العامة تختلف كلّيا عن ردود الفعل التي تبدر عن الجناة الذين يتعمّدون التجويع، وعن الحكومات والأشخاص الذين يساعدونهم في ذلك.

ليس من باب الخطابة، ولا الهجوم الشخصي، ولا القسوة، ولا حتى من باب معاداة السامية، أن نقول إنّ قادة إسرائيل الذين ينفّذون جريمة التجويع القسري، فقدوا إنسانيتهم.

هؤلاء هم الذين أخبرونا منذ البداية، بحماس، عمّا سيفعلونه، وهم يفعلونه بلا انقطاع منذ ذلك الحين.
ومؤخرا، ضاعفوا من تصريحاتهم التي تكشف عن اضطراب نفسي عميق تغذّيه سنوات من الكراهية، والتي اشتدّت بفضل تشجيع قادة العالم الذين منحوا إسرائيل الحصانة.

انظر مثلا إلى أحدث خطاب كراهية صدر عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، والذي قال فيه: "لن نسمح بدخول غرام واحد من المساعدات إلى غزة حتى يركع شعبها ويتوسّل. يجب تسوية غزة بالأرض. لا وجود لما يسمى أشخاصا أبرياء".

مشاهدة أمثال بن غفير وغيره وهم ينطقون بهذه الكراهية الفاحشة، ويرتكبون الجرائم غير القابلة للتخيل، هو اعتداء آخر على مشاعرنا، وعلى إنسانيتنا.

وكذلك هو حال الأفعال المشينة التي يقوم بها إسرائيليون هرعوا إلى الحدود للمساعدة في منع دخول المساعدات إلى غزة.

وفي المقابل، ينهض الضمير العالمي، بأفعال كبيرة وصغيرة، ليجذب انتباه العالم ويطالب بوقف هذه الكارثة.
ينزل الناس إلى الشوارع؛ في لندن، يرفعون علم فلسطين في دار الأوبرا الملكية، ويُعلّق علم فلسطين على تمثال المسيح في ريو دي جانيرو، وعلى شاحنات سائقي النقل في شيكاغو.

ويواصل آخرون التظاهر في شوارع نيويورك، أمام مقر الأمم المتحدة. ويمنع متظاهرون مناهضون للإبادة سفنا سياحية تقلّ سائحين إسرائيليين من الرسو في الجزر اليونانية. وفي بلجيكا، تم اعتقال جنديين من جيش الاحتلال بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

نشطاء على متن سفينة "أسطول الحرية- حنظلة" التي كانت تحمل إمدادات إلى غزة، اعتقلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي، واعتدى على المنظم العمالي الأميركي والمدافع عن حقوق الإنسان كريس سمولز.

ناشطو حركة "كود بينك" يقفون في تضامن ثابت مع زملائهم من العاملين في المجال الإنساني، وفرانشيسكا ألبانيزي تواصل قول الحقيقة. وتطالب عضوة الكونغرس الأميركي رشيدة طليب بفرض حظر كامل على الأسلحة المرسلة إلى إسرائيل، وتطالب بالإفراج عن الدكتور أبو صفية.

وحتى منظمات حقوق الإنسان التي امتنعت حتى الآن عن إصدار حكم بشأن الإبادة الجماعية، بدأت تستيقظ وتستعيد إنسانيتها. فقد أصدرت منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقريرا وفيديو بعنوان: "إبادتنا تحدث الآن".

وفي إعلان طال انتظاره، أعلنت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل" لأول مرة، أن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية، لتنضم بذلك إلى قائمة طويلة من المنظمات مثل "العفو الدولية" و"أطباء ضد الإبادة".

وهناك من تتبّعوا التدهور الفاضح في تغطية الإعلام السائد للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل. فردًّا على عنوان ظهر في شبكة "سي إن إن": "الفلسطينيون يتضوّرون جوعا أو يُقتلون على يد جنود إسرائيليين أثناء محاولتهم الحصول على مساعدات، بشكل شبه يومي، كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟" ردّ عليه قارئ بغضب: "أنت وزملاؤك الذين غطّيتم على الإبادة الجماعية أنتم من أوصلونا إلى هنا".

لماذا تحوّلت تغطية "بي بي سي" فجأة إلى عناوين مثل: "أكثر من 100 وكالة إغاثة تقول إن المجاعة الجماعية تنتشر في غزة"؟
لأن الجميع بات يعلم، كما يقول الصحفي أوين جونز، "أن الكارثة الكاملة التي تلتهم غزة لن يمكن إخفاؤها".
جونز غاضب، ولا يكلّ من الإدانة: "إلى الرجال المذنبين في الإعلام: كان لديكم متسعٌ من التحذيرات طوال 21 شهرا! أنتم من فعل هذا! كل ما يحدث الآن يقع على عاتقكم".

أما التصريحات التي بدأ بعض القادة الغربيين يُطلقونها منتقدين إسرائيل، فهي محلّ شكّ مشروع. لماذا انتظروا حتى الدقيقة الأخيرة؟
أمثال كير ستارمر، كانوا يعرفون منذ البداية ما كانت تفعله إسرائيل، بل إنّ المملكة المتحدة قدّمت لها المساعدة. فلماذا يتحدثون الآن؟

رغم أنّ التعبير عن الاشمئزاز مهم، فإنّ دوافعهم على الأرجح ليست استجابة إنسانية حقيقية ولا غضبا أخلاقيا، بل هي حسابات أنانية، ولا تؤدي إلى أي خطوات فاعلة لوقف إسرائيل.

كما قال ماكس بلومنثال عن قلق هؤلاء القادة الديمقراطيين الأميركيين المتأخرين، من أمثال أوباما وكلينتون: "إنّه غسل سمعة بعد سنوات من الصمت". هذه التصريحات التي تبدو كأنها معارضة، ليست إلا محاولات لتجنّب تهمة التواطؤ في إبادة جماعية.
وكما عنون عمر العقاد كتابه: "في يوم من الأيام، سيقول الجميع إنهم كانوا ضدّ هذا من البداية".
لكن حتى وهم يحاولون الإفلات من التهم، فهم لا يزالون مسؤولين.

وفيما يعبرون عن "قلقهم الصادق"، كما قالت هبة المقادمة: "نحن لا نحتاج إلى الشفقة. نحتاج إلى الضغط على من يمنعون الطعام، على من يملكون القدرة على إيقاف هذه المجاعة، لكنهم يختارون ألا يفعلوا".

إنّ هذه الإبادة الجماعية بالتجويع، ليست فقط اعتداء لا يُطاق على الفلسطينيين، بل اعتداء علينا جميعا، على إنسانيتنا ذاتها.

الاثنين، 16 يونيو 2025

ما وراء "طوارئ ترامب" الزائفة

 

ما وراء "طوارئ ترامب" الزائفة

كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام


لم يكن هدف الرئيس تهدئة الشوارع في لوس أنجلوس، بل الاستفزاز المتعمّد لتحويل المدينة إلى ساحة معركة.

في يوم الجمعة، السادس من يونيو/ حزيران، نفذت وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، ووزارة الأمن الداخلي (DHS)، ومكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) سلسلةً من المداهمات عبر مدينة لوس أنجلوس.

كان الضباط الفدراليون مسلحين ببنادق على الطراز العسكري، يرتدون ملابس تكتيكية ويتنقلون في قوافل من العربات المصفحة والمركبات القتالية (Bearcats)، مما حول شوارع المدينة إلى ساحة عسكرية أثناء اعتقالهم عشرات المهاجرين العاملين بجد.

تم اعتقال أفراد من أمام متجر "هوم ديبوت"، حيث يصطف العمال يوميًا بحثًا عن عمل. وفي حي صناعة الألبسة وسط المدينة، تم اعتقال أكثر من 40 شخصًا في مستودع "أمبيانس أباريل" للموضة السريعة، من بينهم خوسيه أورتيز، الذي عمل فيه 18 عامًا حتى أصبح مديرًا للوردية.

عندما خرج أفراد المجتمع إلى الشوارع تضامنًا مع أصدقائهم وعائلاتهم وجيرانهم الذين تم اعتقالهم، استخدم العملاء الفدراليون القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، وسرعان ما تحوّلت الشوارع إلى بؤر اشتباك يتصاعد فيها التوتر. ما بدأ كقصة محلية في لوس أنجلوس سرعان ما تصدر عناوين الأخبار في الولايات المتحدة والعالم.

بعد اعتقال ديفيد هويرتا، رئيس اتحاد موظفي الخدمات الدولية (SEIU)، وتعرضه للعنف ووضعه في الأصفاد؛ بسبب تصويره المداهمات، بدأ أعضاء الاتحاد من أنحاء الولاية في التوافد إلى لوس أنجلوس للمشاركة في مظاهرة سلمية كبيرة في "غراند بارك" وسط المدينة يوم الأحد. انضم اتحاد عمال المزارع إلى الاحتجاجات، داعيًا الناس إلى الانضمام إليها، مع التأكيد على الطابع السلمي للتظاهرة.

تُعد لوس أنجلوس ثاني أكبر مدينة في الولايات المتحدة، حيث يشكل ذوو الأصول اللاتينية والهيسبانية حوالي نصف السكان، ويولد 35% من السكان خارج البلاد، ويُقدر عدد المهاجرين غير المسجلين فيها بمليون شخص، أي نحو 10% من السكان.

وباعتبارها "مدينة ملاذ" معلنة، لم تشارك شرطة المدينة في عمليات (ICE)، ورفضت الانخراط في أجندة ترامب السياسية لاستهداف غير المواطنين، وهي ممارسات اعتبرتها منظمة العفو الدولية انتهاكًا لحقوق الإنسان، وتنفيذًا لحملات ترحيل جماعي بلا محاكمة عادلة.

في مقطع فيديو نُشر على إنستغرام، يظهر شبان ملثمون يلقون الطوب على سيارات الشرطة. لم يكونوا يشبهون المتظاهرين الآخرين الذين ظهروا بلا أغطية رأس، وسمع أحدهم في المقطع يقول بخوف: "يا إلهي، إنهم يرمون الشرطة بالطوب!".

من غير الممكن معرفة إن كانوا متظاهرين حقيقيين أم من أنصار ترامب جاؤوا كعملاء محرضين- وهي حيلة قديمة تستخدم غالبًا لتشويه سمعة الاحتجاجات السلمية وتبرير العنف الرسمي ضد المواطنين الذين يمارسون حقهم في التظاهر. ينطبق الأمر ذاته على عمليات النهب التي طالت متجر "آبل" وغيرها من المحلات.

يُشار إلى أن تدمير الممتلكات يُعتبر دائمًا شكلًا من "العنف" غير المقبول، وغالبًا ما يُستخدم كمبرر لمهاجمة المتظاهرين العزّل. وقد أثير هذا الجدل على وسائل التواصل حين ظهر صف من الضباط يحمون محل دونات، مما أثار السخرية والتهكم على أولويات انتشار القوات.

أشارت عمدة المدينة، كارين باس، إلى "درجة الخوف والرعب" التي يشعر بها سكان لوس أنجلوس، متهمةً مداهمات ترامب بـ"تأجيج التوترات في المدينة" وزرع الفوضى.

الكشف عن القصة الحقيقية

تدريجيًا، بدأت تظهر القصة الحقيقية لبدء المداهمات.

أفاد موقع "ذا لاتن تايمز" بأن ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض، أعرب في اجتماع يوم 20 مايو/ أيار عن غضبه من وكالة (ICE) لعدم تحقيقها "حصص الترحيل"، وانتقد تركيزها على المهاجرين ذوي السوابق.

وقال غاضبًا: "ما معنى أنكم تلاحقون المجرمين؟ لماذا لا تذهبون إلى هوم ديبوت؟ إلى سفن-إليفن؟". كما صرّح لقناة فوكس نيوز بأنه يسعى إلى رفع عدد الاعتقالات إلى "3 آلاف يوميًا على الأقل"، مؤكدًا أن الرئيس ترامب "سيواصل الضغط لرفع هذا الرقم".

ليست المداهمات في لوس أنجلوس إذن من أجل "الأمن العام"، كما وعد ترامب خلال حملته الانتخابية لعام 2024. فقد قال الكوميدي جون ستيوارت إن وعود ترامب باعتقال "المجرمين والقتلة وتجار المخدرات" تناقضت مع الواقع حين نفذت المداهمات في موقف سيارات تابع لمتجر "هوم ديبوت". 
وسخر قائلًا: "من أسوأ الأسوأ إلى هوم ديبوت؟ يا إلهي، هؤلاء الأشخاص كانوا يبحثون عن عمل!".

إنها حملة ذات طابع سلطوي. وقد وصفها حاكم ولاية كاليفورنيا، غافن نيوسوم، بـ"الخطاب التحريضي"، وقالت عمدة المدينة إن المدينة "تُستخدم كمختبر تجارب" للسلطة الفدرالية. قانونيًا، لا يجوز للرئيس نشر الحرس الوطني، الذي يقع ضمن اختصاص الولايات. ولهذا السبب، رفعت كاليفورنيا دعوى قضائية ضد إدارة ترامب تطالب بإعلان أن هذا الإجراء غير دستوري.

ووفق تقارير، كان ترامب يتابع المشاهد على التلفاز، قبل أن يُعلن بحماسة: "حان وقت استدعاء الجنود". لقد كانت فعلًا مسرحية إعلامية تهدف إلى إثارة الذعر والفوضى، ومهدت لتحركاته السلطوية.

قمع الصحافة

خلال المداهمات، تعرضت حرية الصحافة أيضًا للانتهاك. فقد أُطلقت رصاصة مطاطية على المراسلة "لورين توماسي" من قناة 9، ولم تكن الوحيدة. إذ أُصيب مراسل صحيفة "LA Daily News" وصحفي مستقل برصاص الفلفل والغاز المسيل للدموع.

كما خضع المصور الصحفي البريطاني "نيك ستيرن" لعملية جراحية طارئة لاستخراج رصاصة بلاستيكية من ساقه. وقد وثق نادي الصحافة في لوس أنجلوس أكثر من 30 حالة اعتداء على الصحفيين منذ بدء الاحتجاجات.

وبعد إرسال 700 جندي من مشاة البحرية إلى لوس أنجلوس، وتعزيز عدد أفراد الحرس الوطني، نجح ترامب في عسكرة شوارع المدينة.
احتجاج الفن والموسيقى

في مساء الاثنين، 9 يونيو/ حزيران، أُقيمت جوائز BET الخاصة بشبكة الترفيه السوداء، وبُثت مباشرة من لوس أنجلوس. وفي كلمتها، نددت المغنية "دوتشي" الفائزة بجائزة أفضل فنانة هيب هوب، بـ"الهجمات الوحشية" لترامب، قائلة: "ترامب يستخدم القوات العسكرية لقمع التظاهر، وأود منكم أن تفكروا: ما نوع الحكومة التي تستخدم الجيش كل مرة نمارس فيها حقنا الديمقراطي؟".

ثم ربطت ما يحدث في لوس أنجلوس بما يجري في غزة، قائلة: "الناس يُنتزعون من عائلاتهم… وبصفتي فنانة، أود أن أغتنم هذه اللحظة للحديث باسم كل المظلومين: السود، واللاتينيين، والمتحولين، وأهالي غزة".

وبحلول مساء الثلاثاء، تصدر عنوان صادم صحيفة "نيويورك تايمز": "علماء القانون: ترامب يعلن حالات طوارئ زائفة لجمع السلطة في يده". وبعد أن اعتبر الاحتجاجات "تمردًا"، وهو ما بدا مثيرًا للسخرية بالنظر إلى دعمه شخصيًا تمرد 6 يناير/ كانون الثاني، وعفوه عن 1500 من المشاركين فيه، لم تكن أفعاله سوى محاولة للاستيلاء على السلطة. وكما أكد بعض فقهاء القانون: "إجراءات الرئيس غير مصرح بها بموجب القوانين التي يستند إليها".

"حالات الطوارئ الزائفة" التي افتعلها ترامب تقوّض الدستور وتدمر الحريات المدنية.

الاثنين، 28 أبريل 2025

الشاب الذي اغتالته إسرائيل.. لكنه فضحهم إلى الأبد

الشاب الذي اغتالته إسرائيل.. لكنه فضحهم إلى الأبد

كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام

الصحفي حسام شبات 

قُتل الصحفي الشابّ في قناة الجزيرة، حسام شبات، يوم الرابع والعشرين من مارس/ آذار، حين استهدفته طائرة مُسيّرة إسرائيلية بصاروخ واحد أثناء وجوده داخل سيارته.

وقد أفاد صحفي آخر قام بتوثيق آثار الجريمة أن حسام كان قد أنهى للتوّ مقابلة صحفية، وكان متوجهًا إلى المستشفى الإندونيسي في شمال غزة من أجل بث حي على قناة الجزيرة مباشر.

وقد اعتبرت لجنة حماية الصحفيين عملية قتله جريمة قتل متعمدة. وكان حسام يساهم أيضًا في موقع "دروب سايت نيوز" الأميركي، حيث استخدم الصحفي جيفري سانت كلير تقاريره الميدانية الحية ضمن "يوميات غزة" التي نشرها.

ترك حسام رسالة قبل استشهاده جاء فيها:

"إذا كنتم تقرؤون هذه الكلمات، فهذا يعني أنني قد قُتلت – على الأرجح استُهدفت – من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.. لقد كرست الثمانية عشر شهرًا الماضية من حياتي كاملةً لخدمة شعبي.

وثقتُ أهوال شمال غزة دقيقةً بدقيقة، مصممًا على كشف الحقيقة التي حاولوا طمسها.. وأقسم بالله إنني قد أديتُ واجبي كصحفي. خاطرتُ بكل شيء لنقل الحقيقة، والآن، أرقد بسلام…".

في وقت سابق من يوم استشهاده، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحفي محمد منصور، العامل لدى قناة فلسطين اليوم، مع زوجته وابنه، عبر قصف مباشر لمنزله في خان يونس.

وبعد اغتيال شبات، احتفى الجيش الإسرائيلي بقتله علانيةً، إذ نشر عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" منشورًا تفاخر فيه بـ"تصفية" حسام، قائلًا: "لا تدعوا السترة الصحفية تخدعكم، حسام كان إرهابيًا". وكان الاحتلال قد زعم قبل ستة أشهر أن شبات وخمسة صحفيين آخرين – جميعهم يعملون لدى قناة الجزيرة – ينتمون إلى حركة حماس.

في ذلك الوقت، كان شبات يغطي الأحداث من شمال غزة، تلك المنطقة التي لم يتبقَّ فيها سوى قلة من الصحفيين، حيث كانت إسرائيل قد أطلقت حملة إبادة مركزة، وكان شبات وزملاؤه يرابطون هناك لتوثيق الجرائم الإسرائيلية وتقديم تغطية مستمرة.

كان حسام يدرك أن إعلان الاحتلال له كـ"عنصر من حماس" يعني نية مبيّتة لاستهدافه. لذلك دعا مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى رفع أصواتهم مستخدمين وسم "#احموا_الصحفيين"، قائلًا:

"أناشد الجميع نشر الحقيقة حول ما يتعرض له الصحفيون، لفضح خطط الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى فرض تعتيم إعلامي. انشروا الوسم وتحدثوا عنا!".

وكانت آخر رسالة صحفية له، والتي أُرسلت قبل ساعات من مقتله، قد تُرجمت من العربية إلى الإنجليزية بواسطة شريف عبد القدوس، وافتتحت بهذه الكلمات:

"كانت الليلة حالكة السواد، يغمرها هدوء حذر. خلد الجميع إلى نومٍ قلق. لكن السكون سرعان ما تحطّم تحت وطأة صرخات مفزعة. وبينما كانت القنابل تمطر السماء، كانت صرخات الجيران تعلن اللحظات الأولى لاستئناف الحملة العسكرية الإسرائيلية. غرقت بيت حانون في الذعر والرعب".

إنه وصف مروع للواقع، يكشف بوضوح السبب الذي دفع إسرائيل إلى إسكات حسام شبات.

وصل عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى 236 شهيدًا، بانضمام حسام شبات إلى هذه القائمة الدامية. وفي السابع من أبريل/ نيسان، قصفت إسرائيل خيمة إعلامية في خان يونس، مما زاد من ارتفاع عدد الضحايا.

منذ أن أنهى نتنياهو وقف إطلاق النار، انطلقت إسرائيل في موجة قتل عارمة، أسفرت خلال الأيام الثلاثة الأولى عن استشهاد 700 شخص وإصابة 900 آخرين، ولا تزال المجازر مستمرة.

يعلم دعاة الدعاية الحربيّة أنّ خططهم تنهار أمام الشهادات الصادقة والمعارضة الحرة. فالبروباغاندا الحربية تقتضي دومًا فرض الرقابة والصمت.

لم يكن حسام شبات الفلسطيني الوحيد الذي ترك خلفه توثيقًا لعملية قتله والمسؤولين عنها. 

فقد كان رفاعة رضوان من بين خمسة عشر مسعفًا تم إعدامهم على يد إسرائيل، قبل يوم من اغتيال شبات، وقد ترك تسجيلًا مصورًا لعملية قتله، مما أسقط روايات الاحتلال الكاذبة.

في صباح الثالث والعشرين من مارس/ آذار، قتلت قوات الاحتلال العاملين في الإغاثة الإنسانية برفح، وكانوا ثمانية من طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني، وستة من الدفاع المدني الفلسطيني، وموظفًا من وكالة الأونروا، أثناء تنفيذهم مهمة انتشال الجرحى والشهداء المدنيين.

وبعد انطلاقهم لتنفيذ مهمتهم، انقطعت أخبارهم لأيام. وأطلق الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، مناشدات يائسة إلى العالم للضغط على إسرائيل لكشف مصيرهم. حتى الثلاثين من مارس/ آذار، حين تم استخراج جثثهم من قبر جماعي ضحل، وهم لا يزالون يرتدون زيهم الرسمي المضيء.

وقد كشفت الفحوصات الجنائية التي أجراها طبيب تعاقد مع مستشفى في خان يونس عن علامات تشير إلى "عمليات إعدام ميداني" بناءً على أماكن الإصابة القريبة والمقصودة.

وقد عُثر على الضحايا وهم لا يزالون يحملون أجهزة الاتصال، والقفازات، والحقائب الطبية. ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية شهادات الطبيب، وأشارت إلى أن إسرائيل قد دمرت النظام الصحي في غزة وقتلت ألفًا من العاملين في القطاع الطبي، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب.

وفي الأول من أبريل/ نيسان، غطت صحيفة "نيويورك تايمز" المجزرة، واضعة في عنوانها اقتباسًا على لسان الأمم المتحدة يتهم إسرائيل بقتل عمال الإنقاذ. لكنها افتتحت التقرير بإبراز نفي الاحتلال، حيث ادّعت إسرائيل أن تسعة من القتلى كانوا "مقاتلين فلسطينيين".

واتّبعت الصحيفة أسلوبها المعتاد في تقديم الروايتين (رغم الفارق بينهما)، مستعرضةً بشاعة المشهد وشهادات وكالات غزة والأمم المتحدة، ثم منح المساحة مجددًا لدفاعات الجيش الإسرائيلي غير القابلة للتصديق، بزعم أن "عددًا من المركبات كانت تتقدم نحو الجنود الإسرائيليين بطريقة مريبة ومن دون إشارات طوارئ".

وزعمت إسرائيل أن من بين القتلى محمد أمين إبراهيم شوبكي، الذي شارك في هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، رغم استحالة تصديق هذه الرواية في ظل الكم الهائل من القنابل التي أسقطت على غزة – بكمية تفوق ما أُلقي خلال الحرب العالمية الثانية – بزعم استهداف حركة حماس فقط، لا عشرين ألف طفل فلسطيني قتلوا جراء ذلك.

غير أن العثور على الهاتف المحمول الذي سجل ما حدث قلب الرواية الإسرائيلية رأسًا على عقب. فقد التقط رفاعة رضوان هاتفه المحمول أثناء تعرض قافلتهم للنيران، وسجل رسالة مؤثرة وهو يركض باتجاه النيران الإسرائيلية محاولًا إنقاذ المصابين. خاطب والدته قائلًا:

"أمي، سامحيني… أقسم بالله إنني اخترت هذا الطريق فقط لأساعد الناس"                                   

وأظهرت اللقطات أن أضواء سيارات الإسعاف كانت تعمل بوضوح، ومع ذلك لم توفر لهم أي حماية.

أكد الشريط المصور ما كان العالم يعرفه بالفعل، وكشف عن شجاعة إنسانية نادرة لشاب فلسطيني واصل إنقاذ الأرواح وسط إبادة جماعية لا توصف.

لقد كان شريط رفاعة رضوان مؤثرًا إلى درجة أن صحيفة "نيويورك تايمز" اضطرت، في السادس من أبريل/ نيسان، إلى نشر عنوان صريح يشير إلى أن "عمال الإغاثة في غزة قُتلوا برصاص إسرائيلي". 

ومع ذلك، منح التقرير، الذي كتبته إيزابيل كيرشنر، مساحة واسعة لمسؤولي الاحتلال لتقديم دفاعاتهم مجددًا، متجاهلًا المنهجية الإسرائيلية في استهداف القطاع الصحي في غزة.

إن المؤرخين الفلسطينيين يتحدثون بلغة الإنسانية. فهم يروون ما يجري بحقهم كما كتب حسام شبات:

"كنت أنام على الأرصفة، في المدارس، في الخيام – في أي مكان أجده. كانت كل يوم معركة من أجل البقاء. تحملت الجوع لأشهر، ومع ذلك لم أتخلَّ يومًا عن شعبي".

كما ترك كلمات خالدة:

"لا تتوقفوا عن الحديث عن غزة. لا تسمحوا للعالم أن يغض الطرف. استمروا في النضال، وواصلوا رواية قصصنا – حتى تتحرر فلسطين".

إنها كلمات حكيمة ومؤثرة، ورسالة بالغة الأهمية لشعب يتعرض لإبادة جماعية. وهي تمامًا الكلمات التي يحتاج العالم إلى سماعها اليوم.

السبت، 12 أبريل 2025

ماذا نعرف عن المنظمة الصهيونية المتطرفة التي حرّضت على محمود خليل؟

ماذا نعرف عن المنظمة الصهيونية المتطرفة التي حرّضت على محمود خليل؟

كاتبة أميركية، وأستاذة بجامعة فوردهام


 قبل شهرٍ من الآن، وفي يوم السبت، الموافق 8 مارس/ آذار، أقدمت عناصر من وزارة الأمن الداخلي الأميركية (DHS) على اختطاف محمود خليل، الذي كان قد شغل منصب المفاوض عن "مخيم التضامن مع غزة" في جامعة كولومبيا.


ومحمود خليل هو فلسطيني يحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة، وكان عائدًا إلى شقته التابعة للجامعة بعد حضور مأدبة إفطار، عندما واجهه العملاء. أبلغوه هو وزوجته الحامل، الدكتورة نور عبدالله، وهي مواطنة أميركية، بأن "تأشيرته الدراسية" قد أُلغيت، وادعوا زورًا أنهم يحملون مذكرة اعتقال بحقه. وعندما قدمت زوجته بطاقة الإقامة الدائمة (الجرين كارد)، بدا على العميل الارتباك، وقال عبر الهاتف: "إنه يحمل بطاقة إقامة دائمة"، ولكن حين حاولت محامية محمود التدخل عبر الهاتف، قام العميل بقطع الاتصال بها.


كان محمود خليل قد حصل على درجة الماجستير من "مدرسة الشؤون الدولية والعامة" في جامعة كولومبيا في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2023، إلا أنه اقتيد إلى منشأة احتجاز تابعة للهجرة والجمارك (ICE) في ولاية لويزيانا، على بعد أكثر من ألف ميل. كانت الغاية من ذلك عزله عن زوجته، ومحاميه، ومجتمعه، في ظل التهديد المباشر بترحيله.


لكن محمود خليل لم يكن وحيدًا. ففي غضون 24 ساعة، تدخل "مركز الحقوق الدستورية" بالتعاون مع "مشروع محاسبة تطبيق القانون" (CLEAR)، للطعن في اعتقاله واحتجازه. وفي يوم الاثنين، أوقف قاضٍ فدرالي أمر الترحيل، وحدد جلسة استماع يوم الأربعاء في محكمة مانهاتن، وبعدها سُمح لمحمود أخيرًا بالتواصل مع محاميه.


في الساعات التي تلت اختطافه، اشتعلت وسائل الإعلام المستقلة ومنصات التواصل الاجتماعي بالتنديد والغضب والتحليلات القانونية والسياسية. وقد أشار كثيرون إلى أن خليل، كمقيم دائم في الولايات المتحدة، يتمتع بكل الحقوق التي يحظى بها المواطن الأميركي، باستثناء حق التصويت.


وقد نشرت النائبة في الكونغرس براميلا جايابال منشورًا قالت فيه: "إدارة ترامب تستهدف الطلاب الذين مارسوا حقهم الدستوري في التعديل الأول. هذا أمر غير مقبول. ترحيل المقيمين القانونيين فقط بسبب آرائهم السياسية هو انتهاك لحقوق حرية التعبير. من التالي؟".


أما مسؤولو البيت الأبيض فقد زعموا أن خليل يُشكّل "تهديدًا لمصالح الأمن القومي"، دون الإشارة إلى أنه "انتهك القانون". ومع ذلك، لم يتمكنوا من تقديم تهمة مشروعة أو دليل ملموس على جريمة.


كما كتبت منصة الانتفاضة الإلكترونية (Electronic Intifada): "بينما يمكن للحكومة إلغاء إقامة حاملي بطاقة الإقامة الدائمة في حالات محددة، لا يجوز لها إلغاؤها تعسفيًا. لا تُلغى الإقامة الدائمة إلا بحكم قاضٍ للهجرة، بناءً على معايير قانونية محددة، ووفق إجراءات قانونية سليمة، وهو ما يبدو غائبًا تمامًا في حالة خليل".


تحرك النشطاء المناهضون للإبادة الجماعية بسرعة، حيث اجتاح آلاف المتظاهرين شوارع مدينة نيويورك في الأيام التالية، تعبيرًا عن تضامنهم، وتجمّعوا بكثافة أمام محكمة نيويورك. وبحلول يوم الخميس، تم اعتقال 100 شخص خلال اعتصام نظّمه "الصوت اليهودي من أجل السلام" داخل برج ترامب.


وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن التزامه بقطع التمويل الفدرالي عن الجامعات المتهمة بـ"التسامح مع معاداة السامية"، وكانت كولومبيا أولاها.


ففي اليوم السابق للاختطاف، قامت إدارته بقطع 400 مليون دولار من التمويل الفدرالي عن الجامعة، مدعية أنها "فشلت في اتخاذ خطوات لمواجهة معاداة السامية". وسرعان ما وافقت الجامعة على التعاون مع الحكومة الفدرالية في "خنوع ذليل لترامب"، وأعلنت "التزامها بمحاربة معاداة السامية".


وقد نشرت كولومبيا إرشاداتها لأعضاء الهيئة التدريسية والموظفين، تحثهم على "عدم التدخل" مع عملاء الهجرة والجمارك، حتى لو لم يتمكن هؤلاء العملاء من تقديم مذكرة اعتقال. وعندما تفاخر الرئيس ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" (Truth Social) بأنه اعتقل خليل، هدد أيضًا بأنه "سيتبعه المزيد"، ليس فقط في كولومبيا، بل في "جامعات أخرى عبر البلاد".


وكحال كثير من الطلاب العرب والمسلمين، تعرض خليل في اليوم السابق لاعتقاله غير القانوني، لحملات تحرّش صهيونية ممنهجة، وقد ناشد إدارة الجامعة بالحماية، مؤكدًا أنه يتعرض لحملة "تشويه لاإنسانية" على الإنترنت (doxxing)، وقال إن "هجماتهم حرّضت على موجة من الكراهية، بما في ذلك دعوات لترحيلي وتهديدات بالقتل"، ولكن كولومبيا لم ترد.


وقد قمعت مجموعات الضغط الإسرائيلية، مثل "مهمة الكناري" (Canary Mission)، حرية التعبير في الجامعات الأميركية لسنوات. وعلى الرغم من أن هذه المجموعة ادّعت أنها تقف خلف اعتقال خليل، فإن منظمة صهيونية متطرفة أقلّ شهرة تبدو أنها لعبت الدور الأبرز في اعتقاله.


وقد أُسّست هذه المنظمة عام 1923 على يد معجب بموسوليني، وأُعيد إحياؤها عام 2023، حتى إن "رابطة مكافحة التشهير" (وهي مجموعة ضغط يهودية) (ADL) تعتبرها منظمة كراهية.


تُدعى هذه الجماعة المؤيدة للصهيونية المتطرفة التي تفاخر باعتقال محمود: "بيتار-الولايات المتحدة" (Betar-USA).


في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، كتبت صحيفة "نيويورك بوست" مديحًا لـ"بيتار-الولايات المتحدة" على جمعها قوائم بأسماء طلاب أجانب، وتفاخرها بتحديد 30 طالبًا من دول مثل الأردن، وسوريا، ومصر، وكندا، والمملكة المتحدة، ممن يدرسون في بعض أبرز الجامعات الأميركية، منها كولومبيا، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة كاليفورنيا، وكلية "ذا نيو سكول" للأبحاث الاجتماعية، وغيرها.


وقال رئيسها روس غليك إنه يأمل بأن يمنح "الرئيس المنتخب ترامب" "كارهي إسرائيل… تذكرة بلا عودة إلى بلادهم". ولم تشر الصحيفة إلى طبيعة هذه المنظمة أو تاريخها وممارساتها، التي "تحاكي تكتيكات ورموز الفاشية، بما في ذلك ارتداء القمصان البنية واستخدام تحيات خاصة".


وتسعى "بيتار" إلى التحالف مع جماعة "براود بويز" (Proud Boys)، ذات السجل المعروف في معاداة السامية والإسلاموفوبيا، بهدف "مواجهة الجهاديين الإسلاميين". (يُذكر أن قائد "براود بويز"، إنريكي تاريو، قد حُكم عليه بالسجن 22 عامًا بسبب عنفه في أحداث 6 يناير/ كانون الثاني، وقد أفرج عنه مؤخرًا بعفو من ترامب).


ومؤخرًا، تفاخرت "بيتار-الولايات المتحدة" لصحيفة "ذا غارديان" بأن لديها "قائمة ترحيل" تحتوي آلاف الأسماء أرسلتها لمسؤولي إدارة ترامب، بمن في ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي صادق شخصيًا على اختطاف خليل. وكان معظم الأسماء في القائمة يحملون تأشيرات دخول أميركية (وربما يفسر ذلك سبب اعتقاد عملاء وزارة الأمن الداخلي أن خليل يحمل تأشيرة طالب، بدلًا من إقامة دائمة).


نادرًا ما يرد ذكر "بيتار-الولايات المتحدة" في الإعلام التقليدي، لكن موقع "ميدل إيست آي" كشف أن هذه الجماعة تلاحق النشطاء المؤيدين لفلسطين، بمن فيهم اليهود الأميركيون، وقد أبلغ خليل عن تلقيه رسائل كراهية تهديدية منهم. كما أقدمت الجماعة على تخريب ممتلكات، و"دعت صراحة إلى أعمال انتقامية من نوع مليشيوي ضد المحتجين الطلاب".


ونشرت منصة "غلوبال نيوز هَب" (Global News Hub) فيديو للسيناتور جون فيترمان (عن ولاية بنسلفانيا) وهو يقول لزعيم المليشيا اليمينية المتطرفة روس غليك، إنه "يحب" التهديد بالقنبلة الذي أطلقوه ضد فرع "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" في جامعة بيتسبرغ.


وقد تم حظر "بيتار-الولايات المتحدة" من منصات "ميتا" بسبب هذه "النكتة". كما أصدرت تهديدات شبيهة بالإعدام للكاتب بيتر بينارت وآخرين. والمفارقة أن دعاة "بيتار" يزعمون أن الطلاب الواردين في قوائمهم "يروّعون أميركا".


لاحقًا، فقد روس غليك منصبه كرئيس لـ"بيتار-الولايات المتحدة" بعد إدانته في نيويورك بتهم تتعلق بجرائم "الانتقام الإباحي". ولم تربط معظم التقارير الصحفية بين انحرافاته الجنسية وعلاقته بالجماعة الصهيونية المتطرفة اليمينية.


وقد جادل العديد من المحللين، بحق، أن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة تمثل التهديد الأكبر لحرية التعبير وحقوق الإنسان في الولايات المتحدة. ويُظهر اختطاف خليل، والقوى المتطرفة التي تقف خلفه، مدى اختلال الإدارة الجديدة، ويكشف عن تصرفاتها غير المسبوقة في مخالفة الدستور، التي دشنت الطريق نحو الاستبداد.


وقد وصف البروفيسور البارز في التاريخ اليهودي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، ديفيد مايرز، إدارة الرئيس ترامب بأنها "تقوم بتسليح وتسييس معاداة السامية لأغراض سياسية". واعتبر مايرز قائمة "بيتار" للمرحلين "مرعبة"، ولكنها غير مفاجئة بالنظر إلى ما تمثله هذه الجماعة تاريخيًا-أي "تبني الفاشية اليهودية".


وأكد أن هذه الهجمات لا تتعلق فقط بحماية الطلاب اليهود، بل إن الرئيس الأميركي وحلفاءه "مهتمون حقًا بإخضاع الجامعة وإقصائها من الساحة السياسية الأميركية بوصفها جهة فاعلة تقدمية ليبرالية". وإن تهديدات ترامب المتكررة خارج إطار القانون واعتقال خليل تكشف عن انزلاق متسارع نحو خطاب القمع السياسي والفاشية الكاملة.