‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلجوق تورك يلماز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلجوق تورك يلماز. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

حلم عالم جديد ينبثق من رحم المقاومة الفلسطينية

 حلم عالم جديد ينبثق من رحم المقاومة الفلسطينية

سلجوق تورك يلماز

كاتب ومفكر تركي 

لم يُقدَّم حتى اليوم جواب شافٍ حول الهدف الذي دفع المنظمات الإرهابية الصهيونية لاغتيال الدبلوماسي البريطاني اللورد موين (والتر إدوارد غينيس) في القاهرة بتاريخ 6 نوفمبر 1944، والدبلوماسي السويدي الكونت فولك برنادوت في القدس عام 1948. وينطبق الأمر ذاته على حادثة سفينة "يو إس إس ليبرتي" التي وقعت عام 1967، حيث قصفت الطائرات الإسرائيلية عمداً سفينة أمريكية لأكثر من ساعة قبالة السواحل المصرية. 

يبدو أن إسرائيل استهدفت دبلوماسيين وسفينة عسكرية تابعة لثلاث دول غربية مختلفة. 

وقد دخلت الحادثتان الأوليان التاريخ كأعمال إرهابية مباشرة، لكن الحادثة الثالثة ظلت مثار جدل، بل إن هناك من ادّعى أنها كانت مجرد "حادث". 

وفي أواخر السبعينيات نُشر كتاب حول قصف السفينة الأمريكية، ولكن يُقال إنه لم يُنشر إلا لفترة قصيرة، وسرعان ما أُزيح من دائرة الضوء. لكن اغتيال اللورد موين واللورد فولك برنادوت يقع في مستوى مختلف تماماً.

كما حاولتُ أن أوضّح مرات عديدة، فإن الاعتقاد بأن اليهود أو الصهاينة اليهود قد بلغوا قوة غير محدودة في القرن العشرين، قد قادنا إلى نتائج خاطئة. 

لقد تحوّل هذا التصور حول امتلاك اليهود لقوة بلا حدود إلى اعتقاد راسخ، خصوصاً لدى الأوساط القومية المحافظة في تركيا. وحتى اليوم، ورغم وضوح الهيمنة الأنجلوسكسونية على أوروبا فإن التصريحات التي تذكرنا بـ"القوة اليهودية التي لا تُقهر" ليست سوى انعكاس لهذا الاعتقاد الراسخ من الماضي. 

لقد كان هذا الاعتقاد سائداً للغاية، ولم يُناقش لا في سياق اغتيال هذين الدبلوماسيين البارزين ولا في إطار قصف السفينة الأمريكية عام 1967، في حين أن مثل هذه التفاصيل كان ينبغي أن تثير الفضول وتستدعي طرح أسئلة جادة.


أعتقد أنه من الخطأ أن نعتقد أن الإرهابيين الصهاينة وصلوا إلى القوة التي أكسبتهم الجرأة الكافية لقتل لورد بريطاني أيرلندي قبل حتى تسليم إدارة الانتداب البريطاني لإسرائيل. ولم يكن الصهاينة منخرطين في صراع مناهض للاستعمار. 

كما أن فكرة تبادل الأدوار بين بريطانيا والولايات المتحدة لا يمكن أن تقدّم تفسيراً كافياً لهذه التباينات. 

فقد كانت بريطانيا والولايات المتحدة متفقتين تقريباً على فكرة تأسيس مستعمرة غربية أوروبية جديدة على الأراضي الفلسطينية التاريخية، ونجحتا في فرض هذه الفكرة على الدول الأوروبية. 

غير أنّ اللورد موين واللورد فولك برنادوت كانا يحملان آراءً مختلفة عن الاتجاه العام، ولهذا السبب تحديداً قُتلا على يد المنظمات الإرهابية اليهودية الصهيونية. وقد كان إسحاق شامير، أحد أبرز قادة تنظيم "إرغون" الذي نفّذ اغتيال هذين الدبلوماسيين، قد شغل لاحقاً منصب وزير ثم رئيس وزراء في إسرائيل. 

وكانت بريطانيا والولايات المتحدة هما من كافأتاه. 

إن اغتيال الدبلوماسيين كان مؤشراً على ما كانت بريطانيا والولايات المتحدة مستعدتين للمخاطرة به.


ويشير رشيد خالدي في كتابه المترجم إلى لغتنا بعنوان: "حرب المئة عام على فلسطين: قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة 1917-2017." إلى أن الفلسطينيين كانوا محاصرين في كماشة ثلاثية لا مثيل لها في تاريخ مقاومة الحركات الاستيطانية الاستعمارية. 

وفي هذا الاستنتاج بالغ الأهمية، يشير خالدي إلى أنّ أحد أضلاع هذه الكماشة هو "القوى الاستعمارية في لندن"، بينما يتمثّل الضلع الثاني في "قوة خاصة تعتمد على هذه القوة الاستعمارية، لكنّها تعمل وفق رؤية قومية مستقلة عنها، وتستقي مبرراتها من النصوص المقدسة، ولديها قاعدة دولية راسخة وشبكة تمويل قوية". أمّا الضلع الثالث فهو "بريطانيا التي مُنحت سلطة الانتداب بقرار من عصبة الأمم". ومن الواضح أنّ هذه الأطراف الثلاثة كانت تعمل في تناغم كامل، ومن خرج عن هذا النسق تعرّض للعقاب.

وظلت هذه الأركان الثلاثة، رغم ما شابها من تحولات داخلية، الدعامة التي حملت إسرائيل الصهيونية حتى يومنا هذا. وقد وصف رشيد خالدي بريطانيا - في الفترة الممتدة حتى الحرب العالمية الثانية - بأنها قوة مفوَّضة من الأمم المتحدة، وهو ما منحها قدرة هائلة على المناورة الدولية. 

وكان النظام العالمي حينها قائماً على نجاح الصهاينة. إلا أنّ هذا النظام انهار تماماً في 7 أكتوبر 2023.

 وخلال العامين الأخيرين، تتأرجح المؤسسات الدولية بين شفا الانهيار والزوال، وبين محاولات إحيائها من جديد عبر القوى الداعية إلى التغيير، مثل تركيا، في إطار حلم بناء نظام عالمي أكثر عدلاً. وأعتقد أنّ هذا التوتر الجديد هو الذي سيحدّد مصير القضية الفلسطينية.

لقد فتح الفلسطينيون خلال العامين الماضيين باباً جديداً للأمل أمام العالم عبر مقاومة استثنائية أظهرت بوضوح أن هذه الكماشة الثلاثية ليست بالقوة التي كانت تُتصور. فجزء كبير من "القوة الاستعمارية في لندن" يتركز في الولايات المتحدة اليوم، بينما أدركت القوة الثالثة — التي وصفها خالدي بأنها "قوة ذات قاعدة دولية وشبكة تمويل" — حدود قوتها أمام صمود المقاومة الفلسطينية. 

سيحدد هذا التوتر أيضًا مصير الحلم بعالم جديد أكثر عدلاً.

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

أرض الميعاد.. وعد بريطاني لا إلهي

أرض الميعاد.. وعد بريطاني لا إلهي
سلجوق تورك يلماز

لو أردت اللجوء إلى التلاعب بالألفاظ، لقلت إن إله اليهود الصهاينة هو البريطانيون. بل وقد أذهب إلى أبعد من ذلك لأدرج عائلة روتشيلد في مفهوم الألوهية. وبهذا، يمكن التأكيد على أن الصهيونية إيديولوجية غير دينية. وحتى لو لم نستخدم هذه التعابير، يمكننا القول إن إسرائيل هي من صنع بريطانيا، وهي واحدة من أعقد المشكلات التي سجلها التاريخ. فإسرائيل ليست من صنع اليهود الصهاينة، بل هي من صنع البريطانيين، حتى بعد مجيئهم إلى الأراضي الموعودة التي وعدتهم بها بريطانيا. وأود أن أؤكد مجددا أن استمرار وجود اللاهوت اليهودي لدينا كنموذج تفسيري لا يزال يفضي فعليًا إلى استعمار العقول. فالاستعمار العقلي، في جوهره، يعني التشكيل والإعداد الذهني، لا الاستغلال المادي. وعندما يقرر آخرون كيفية تفكيرنا، يكون الاستعمار التاريخي قد اكتمل. فالأحداث لم تختفِ في أعماق التاريخ، وإعلان بلفور يُعد حقيقة تاريخية لا علاقة لها بالكتب المقدسة. فبواسطته وعدت بريطانيا اليهود بموطن، والمهم هنا ليس موقع الأراضي الموعودة بقدر التركيز على الجهة المانحة لهذا الوعد.

إن لحظة إصدار هذا الوعد بالغة الأهمية. ولكي نتصور الحدث بكل عناصره، يجب علينا حتماً أن نركز على الحرب العالمية الأولى. لقد تحركت الدولة العثمانية في هذه الحرب بإيديولوجية مناهضة للاستعمار. وكان أساس فكرة "الاتحاد الإسلامي" هو معاداة بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا تسعيان لاستعمار أراضينا، ولهذا حركوا العديد من العناصر، بما في ذلك اليهود. وهذا بالضبط ما يُطلق عليه اللعبة البريطانية. لقد حددت بريطانيا بوعد بلفور هدف الإيديولوجية الصهيونية. ووعدت بجعل الأراضي الفلسطينية موطنًا لليهود لإقناعهم في مختلف دول أوروبا بالتحرك نحو فلسطين. إن توجيه اليهود المقيمين في مختلف الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى فلسطين كان حدثًا بالغ الأهمية. وبمجرد تحديد الأراضي المستهدفة، اتخذت الصهيونية شكلاً أكثر إقناعاً كإيديولوجية رومانسية. وأنشأت بريطانيا إدارة استعمارية في فلسطين. فنظام الانتداب كان نسخة مطوَّرة من النظام الاستعماري للقرن العشرين. إن “الاستعمار الجديد” لم يكن سوى إدارة الانتداب التي أنشأتها بريطانيا في فلسطين.

هناك العديد من الأسباب التي تدفعنا للتركيز على إدارة الانتداب والنظام الاستعماري الجديد. فالتعريف الصحيح للأحداث بالغ الأهمية حتى تجد الأحداث صداها في أذهاننا. وهذا هو أحد أهم الأسباب التي تجعلنا نؤكد على عبثية مفهوم "الاستعمار" عند الحديث عن إسرائيل. فكيف يمكن أن تكون إسرائيل مستعمرة بريطانية؟ إن قبول هذا المصطلح يجعل حقيقة إسرائيل غامضة، ويقودنا إلى الحديث عن القوة اليهودية، ورأس المال اليهودي، والتاريخ اليهودي، واللاهوت اليهودي، مما يطمس بدوره العامل البريطاني.

ولكن كما أوضحنا منذ البداية، أرادت بريطانيا إنشاء مستعمرة جديدة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد أتاح لها نظام الانتداب هذه الإمكانية. كان النظام المُنشأ حديثا يقتضي أن تُنقل السلطات يومًا ما. والقول بأنهم " لا يعرفون كيف يحكمون، وعليهم أن يُحكموا" لا يمكن تطبيقه على فلسطين. صحيح أن هذا حكم استشراقي، لكن فلسطين صُممت منذ البداية كبنية استعمارية استيطانية. وبذلك، صُممت مؤسسات هذا النظام الجديد في فلسطين ليتم تسليمها إلى اليهود الصهاينة، وليس إلى السكان الأصليين الفلسطينيين. ولهذا عينت بريطانيا الصهيوني المتشدد هربرت لويس صموئيل كأول مندوب سامٍ، وهو ما يعادل منصب "حاكم مستعمرة".

لقد عملت بريطانيا على بناء هذه المستعمرة الجديدة عن علم وإرادة، وكانت تتوقع نتائجها. فهي التي صممت الإبادة. وفي الفترة الممتدة من عشرينيات القرن الماضي حتى عام 1948، عمل الانتداب البريطاني على فتح فلسطين أمام المستوطنات اليهودية. ولعب اليهود الأمريكيون دوراً كبيراً في تنظيم هذه العملية الاستعمارية الاستيطانية الجديدة، حيث كانت الموارد المالية بأيديهم إلى حد كبير. وبينما كانت بريطانيا تقمع جميع محاولات الفلسطينيين للثورة بالعنف الاستعماري، كانت تُتيح للمجموعات الإرهابية اليهودية التحرك بحرية. وفي ظل الإدارة البريطانية، كان القوميون اليهود مستعدين للاستيلاء على المؤسسات الاستعمارية. ولا يمكن فهم عملية تأسيس الدولة اليهودية إلا ضمن هذا الإطار.

أما الاتهامات القائلة إن الفلسطينيين باعوا أراضيهم، فهي تعكس روحًا قاسية وتشير إلى عقلية مستعمَرة، فهذه الفئات لم تشأ، سواء في الماضي أو الحاضر، أن تتذكر دور بريطانيا في الجرائم ضد الإنسانية مثل الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتهجير، والمجاعة.

إن بريطانيا هي التي وعدت اليهود الصهاينة بفلسطين.