‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزوات الرسول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزوات الرسول. إظهار كافة الرسائل

السبت، 7 مارس 2026

17 رمضان: غزوةُ بدرٍ الكبرى مَوْلِدُ دولة الإسلام .. يومٌ تبدّلَ فيه ميزان التاريخ

 17 رمضان: غزوةُ بدرٍ الكبرى مَوْلِدُ دولة الإسلام .. يومٌ تبدّلَ فيه ميزان التاريخ

  

1- لم تكن بدرُ مجرّد معركةٍ بين فئتين، ولا حادثةً عابرة في سجل الحروب القديمة؛ بل كانت لحظةً فارقة انشقّ فيها التاريخ عن صفحةٍ جديدة، وأمةٍ خالدةٍ قائدة حتى يرث اللهُ الأرض ومَن عليها.

2- في ذلك الفجر الرمضاني من العام الثاني للهجرة، وقف ثلاثمائةٍ وبضعة عشر رجلًا لا يملكون من عتاد الدنيا إلا القليل، لكنهم حملوا يقينًا يملأ الصدور، وثقةً في وَعدِ الله.

3- هناك، عند بئر بدر، تلاقى الإيمان المتجرّد بقوة الطغيان المتغطرسة، فكان المشهد أشبه بامتحانٍ إلهيٍّ لإرادة أمةٍ وليدة، خرجت من مكة مُطارَدةً لتعود إلى التاريخ قائدة.

4- من بين رمال تلك البقعة الصغيرة، ارتفع صوت الحقيقة لأول مرة في ميدان الصدام المباشر: أن القوة ليست بكثرة العدد، ولا بوفرة السلاح، بل بثبات العقيدة حين تتحول إلى فعلٍ في الواقع.

5- لم تكن بدر انتصارًا عسكريًا فحسب، بل كانت إعلانًا مبكرًا بأن الرسالة التي حملها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لم تعد فكرةً تُلاحَق، بل أصبحت مشروع أمةٍ تتشكل في قلب الزمن.

6- في صبيحة يوم الجمعة 17 رمضان، 2 هـ، الموافق 13 من مارس 623م.. حدثت واقعة غـيّرَت مجرى التاريخ البشري بأسره..

7- إنها غزوة بدر الكبرى….

بين المسلمين بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجحافل وصناديد مشركي قريش، وكانت أول انتصار تحققه دولة الحق علي أنصار الشِّرك وأهل الكُفر.

8- بدأ القتال بمبارزة كان النصر فيها حليف المسلمين، وقُـتلَ 70 من المشركين، وأُسِـرَ مثلهم، وكان من بين القتلى أئمّة الكُـفر: أبو جهل، وعُـتبة وشيبة أبناء ربيعة، وأمية بن خلف، والعاص بن هشام بن المغيرة.

أما المسلمون فاستشهد منهم 14 رجلا، 6 من المهاجرين، و8 من الأنصار.

9- مكثَ النبي (صلى الله عليه وسلم) في أرض المعركة بـ بدر ثلاثة أيام، وقسّمَ الغنائم بين أصحابه بالتساوي، وأعطى بعض الذين لم يشهدوا القتال لبعض الأعذار…

وكانت بدر فاتحة خيرٍ علي المسلمين؛ فقد كانت مَـولد دولة الإسلام.

10- ومنذ ذلك الفجر الرمضاني، لم يعد (بدر) مجرد اسمٍ لبقعةٍ في صحراء الحجاز، بل أصبح رمزًا خالدًا لحقيقةٍ لا يَبلى معناها مع تقادم الزمن: أن الإيمان الصادق حين يستقر في القلوب، ويترجمه أصحابه عملاً وثباتًا، يستطيع أن يقلب موازين القوة مهما بدا الواقع مختلًّا، ومهما بدا أهل الحق قِلةً في العدد والعدة.. ولعل واقع الأمة اليوم، بما فيه من اضطرابٍ واختلال موازين، يعيد التذكير بمعنى بدر نفسه: أن لحظات الضعف ليست نهاية الطريق، وأن التاريخ كثيرًا ما تغيّر حين صدَقَت القِلّة وثبتَت، فكان النصر ثمرة الصبر واليقين.


يسري الخطيب

السبت، 6 ديسمبر 2025

غزوة مؤتة

 غزوة مؤتة

د. تيسير التميمي 



قصة بعث أسامة بن زيد التي تناولتها في مقال الأسبوع الماضي تعيد فينا ذكريات مؤلمة لغزوة مؤتة وتسمى في بعض المراجع بمعركة الأمراء، وقعت أحداثها على أرض بلدة مؤتة جنوب مدينة الكرك (اليوم تقع في الأردن)، وأما زمانها ففي شهر جُمادى الأولى من عام 8 هـ، كان جيش المسلمين يومها في مواجهة مع جيش الرومان والقبائل العربية المتنصرة وفي مقدمتهم الغساسنة، وهذه الغزوة أول حرب يخوضها المسلمون خارج حدود الجزيرة العربية.

والسبب المباشر لهذه الغزوة هو قيام والي الروم في البلقاء واسمه شرحبيل بن عمرو الغساني بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، وتفصيل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية مع قريش بدأ بمراسلة الملوك والأمراء في البلاد المجاورة يدعوهم إلى الإسلام، وكان من ضمنهم ملك بُصرى الغساني واسمه عمرو بن جبلة، وحمل كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه الحارث بن عمير، فاعترض طريقه شرحبيل بن عمرو وقتله قتلة غادرة، وهذا التصرف يعتبر بمثابة إعلان الحرب على المسلمين وانتهاكٍ شائنٍ لما تعارف عليه الملوك وزعماء القبائل من العرب والعجم أن الرسل لا تُقْتَل ولا يجوز التعرض لهم لأنهم مجرد مبعوثين يحملون رسائل من مرسليهم.

كان وقع هذه الجريمة الشنعاء شديداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فدعاهم للخروج ومقاتلة الروم وحلفاءهم من نصارى العرب، لأنهم أداة الروم في التضييق على المسلمين وفي العدوان على بعض المسافرين منهم وفي اعتراض قوافلهم التجارية والسطو عليها ونهب ما لديها من أموال وبضائع، ويهدف هذا التحرك العسكري إلى وضع حد لهذه التصرّفات الإرهابية من قبل الروم وأتباعهم، ويهدف ثانياً إلى فرض هيبة الدَّولة الإسلاميَّة في تلك المناطق بحيث لا تتكرَّر مثل هذه الجرائم مستقبلاً، ويهدف ثالثاً إلى ضمان الأمان للمبعوثين والدعاة ولقوافل المسلمين التجارية، فجهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مجاهد لتأديب هؤلاء المعتدين وأمثالهم، وبشأن قيادة هذا الجيش قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة } رواه البخاري.

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه بأن يأتوا المكان الذي قتل فيه الحارث بن عمير، وأن يدعو مَنْ هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم وقاتَلوهم، فقد { كان صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً وقال : اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تَغُلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً } رواه مسلم، وفي رواية أخرى زيادة { ولا أصحاب الصوامع } رواه أحمد، ومعنى لا تغلوا أي لا تأخذوا الغنائم قبل تقسيمها، ومعنى لا تمثلوا أي لا تشوهوا جثث القتلى

ولكن سرعان ما قام المنافقون في المدينة والعملاء الذين جندهم الأعداء للتجسس على المسلمين ؛ قام هؤلاء الخونة بنقل أخبار التجهيز العسكري للروم وحلفائهم، فجهز الروم جيشاً جراراً يضم مائة ألف جندي بقيادة إمبراطورهم هرقل الذي جاء بنفسه ونزل بمؤاب (اليوم تقع في الأردن) وانضم إليهم مائة ألف آخرين من نصارى العرب الغساسنة بقيادة شرحبيل بن عمرو قاتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لمن المستهجن أن يقاتل هؤلاء العرب إخوانهم في الدم وأبناء جلدتهم إلى جانب الرومان ولاءً لهم وحرصاً على رضاهم، لكن الأولوية عندهم كانت للمصالح السياسية والدينية، مما يؤكد أن الرابطة الفكرية بينهم مقدمة على رابطة أخوّة الدم ما دام التحالف ضد الإسلام وأهله.

تجهّز المسلمون وتحرك جيشهم شمالاً حتى نزل بمَعَان (تقع اليوم جنوب الأردن)، ونقلت إليهم استخباراتهم أنباء مفاجئة عن الإعدادات الهائلة للروم وحلفائهم، لم يكن في حسبان المسلمين أنهم سيواجهون جيشاً بهذه الضخامة، فكيف سيغامر القادة بأرواح جنودهم وبنهاية مؤكدة هي الهزيمة الساحقة ؟ احتار المسلمون بأمرهم ومكثوا في مَعَان ليلتين يتشاورون، فاقترح بعضهم [ نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ] ومعنى فنمضي له أي ننفذه، ولكن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خطب فيهم يذكرهم بالجهاد في سبيل الله فقال [ يا قوم : والله إن التي تكرهون لَلَّتِي خرجتم تطلبون : الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقُوا فإنما هي إحدى الحسنيَيْن إما ظهور وإما شهادة ]، وقوله ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة 249، فأثارت كلماته الحماسة والشوق للجهاد والشهادة فيهم، فواصلوا طريقهم.

تحرك جيش المسلمين إلى الشمال، فلقيتهم جموع هرقل في إحدى قرى البلقاء يقال لها شَارِف ثم دنا منهم، لكن المسلمين انحازوا إلى قرية مؤتة التي تبعد أحد عشر كيلومتراً جنوب الكرك اليوم.

الْتحم الفريقان في مؤتة، وبدأ القتال بينهما ضارياً شديداً، في اليوم الأول بدأ المسلمون الهجوم بقوة بعد صلاة الفجر وكان في صالح المسلمين، فالروم والغساسنة لم يتوقعوا من جيش صغير أن يبدأ بمهاجتهم، وفي اليوم الثاني بادر المسلمون بالهجوم وكان في صالحهم كذلك، وقتل كثير من جنود الروم وحلفائهم، وفي اليوم الثالث بادر الروم بالهجوم وكان أصعب وأقوى من اليومين السابقين، ففيه استشد أمراء الجيش الثلاثة، فقد قاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه بضراوة بالغة والراية في يده حتى نال الشهادة، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقاتل قتالاً منقطع النظير ومن غير هوادة حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله ولم يزل رافعها ويقاتل حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه مخافة أن تسقط، فبقيت مرفوعة حتى استشهد، وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أبدله بجناحين فلُقِّبَ بالطيار، وقال عنه { رأيتُ جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة } رواه الترمذي، ورد أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { كان إذا سلَّم على ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين } رواه البخاري، ولما ارتقى جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال له شُدَّ بهذا صُلْبَك فإنك قد لقيتَ في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه فأكل قليلاً منه، فلما سمع تدافع الناس للقتال قال لنفسه لائماً [ وأنتِ في الدنيا ؟ ] فألقى اللحم من يده وأخذ سيفه فتقدم للميدان فقاتل بضراوة وبسالة حتى ارتقى شهيداً.

استشهد القادة الثلاثة، وهنا يتجلى موقف الجرأة والشجاعة للصحابي ثابت بن أقرم رضي الله عنه، فقد تقدم ورفع الراية عن الأرض وقال [ يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا أنت، قال ما أنا بفاعل ] فاختار الناس خالداً بن الوليد رضي الله عنه، وقد نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم القادة قبل أن يأتيهم خبرهم فقال { أخذ الراية زيدٌ فأصيب ثم أخذ جعفرٌ فأصيب ثم أخذ ابنُ رواحة فأصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم } رواه البخاري، وهذا دليل على أن الله سبحانه زوى له الأرض فأصبح يرى ما يحدث لأصحابه وهم يقاتلون على مشارف الشام، وهذه من جملة المعجزات التي أيدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبتت صدق رسالته.

وعندما استلم خالد القيادة خطط لإنقاذ الجيش الإسلامي بطريقة تحفظ كيانه وكرامته وتُبْقِي هيبته، فقرر الانسحاب لكن دون تمكين الرومان من ملاحقته وإلاَّ ستكون هزيمة ماحقة له ولجيشه، وقتال الانسحاب شاق ومرهق وهو من أصعب وأعقد العمليات العسكرية، ومع ذلك صمد خالد وجيشه في ميدان القتال حتى الليل فكان هدنة مؤقتة له ليرسم التكتيك المحكم، فأولاً استغلّ الظلام ليغيّر مراكز تموضع المقاتلين وليبدل راياتهم، فحوَّل الميسرة ميمنة والميمنة ميسرة والمقدمة قلباً وهكذا، والحكمة هنا هي تغيّر الوجوه على الروم فيتوهموا وصول الإمدادات العسكرية من المدينة، فلما أصبح اليوم التالي اعتمد في الجزء الثاني من خطته على الحرب النفسية بإيهام الروم أن مدداً اتى للمسلمين من المدينة بتكتيك آخر، فقد أمر فرسان فرقة الخيالة بإثارة الغبار خلف الجيش واصطناع جلبة قوية وبأن تعلو أصواتهم بالتكبير والتهليل، فخارت عزائم الرومان وأصابهم الرعب،

والتحم الجيشان من جديد في اليوم الرابع فهاجم المسلمون الروم وقاتلوهم قتالاً مضنياً، وأحذ خالد بتنفيذ الجزء الثالث من خطته التكتيكية، فانسحب بالجيش بطريقة منظمة بحيث ينسحب ثم يرجع بعد الانسحاب لمسافة قصيرة باتجاه الميدان، ثم ينسحب مرة أخرى لمسافة أبعد ويرجع نحو الميدان لمسافة أقصر بحيث يصبح بعيداً عن ميدان القتال، وكرر ذلك عدة مرات بحيث يزيد مسافة الانسحاب والتراجع ويقلل مسافة العودة للميدان، فظن الرومان أن المسلمين يخدعونهم ويستدرجونهم لملاحقتهم وتشتيتهم في الصحراء مما يعني لهم الضياع والهلاك، والروم ليسوا من أهل الصحراء كالعرب لذلك يتجنبون التيه فيها، ونظراً لسيطرة الفزع عليهم أصلاً فقد انحازوا إلى بلادهم ولم يفكروا بمطاردة المسلمين، فظهروا وكأنهم هم الفارّون من الميدان، ونجح خالد وجيشه بالعودة سالمين إلى المدينة المنورة.

وصل خالد وجيشه المدينة المنورة فلم يستقبلْهم المسلمون بالرضا، بل حتى إن الأطفال كانوا يَحْثُونهم بالتراب ويقولون لهم غاضبين [ يا فُرَّار : فَرَرْتُمْ في سبيل الله ؟ ] فما نوع التربية التي تلقّاها هؤلاء الصغار ؟ ومن هم المربون الذين تولوا صياغة أفكارهم وبناء شخصياتهم ؟ وما هي القيم التي ترَبَّوْا عليها ؟ وما هي الغايات العليا التي يسعون لبلوغها ؟ فلْنعلمْ أن التربية مهمة شاقة ؛ لكنها يسيرة إذا أيدها الله عز وجلّ بتوفيق من يقوم بمسؤولياتها خير قيام.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له نظرة أخرى : قال ابن عمر { بَعَثَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فحاصَ الناس حَيْصَة، فأتينا المدينة فاخْتَفَيْنا بها وقلنا هلكنا، ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله نحن الفَرَّارون، قال بل أنتم العَكَّارون وأنا فئتكم } رواه أبو داود، وفي قوله أنا فئتكم إشارة إلى قول الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } الأنفال 15- 16، والعكارون أي الكرّارون الذين يعاوِدُون القتال بعد التوقف عنه فترة، ومعنى الحَيْصَة أي التجوّل والتحرك طلباً للفرار والهرب، وهذا ما كان في الزمن اللاحق : فقد عاود المسلمون محاربة الروم حتى أسقطوا إمبراطوريتهم نهائياً : رأينا ذلك في غزوة تبوك ثم في بعث أسامة رضي الله عنه ثم في معارك كثيرة منها اليرموك وأجنادين وذات الصواري وغيرها.

وعلى الرغم من أن مقتضى الحكمة العسكرية هو عدم مواجهة المسلمين للروم مع هذا الفارق العظيم في ميزان القوى ؛ إلا أن المسلمين يؤمنون بأن النصر من عند الله ويتطلب الإعداد المستطاع مع رسوخ الإيمان وصدق الدعاء ولا يشترط له الكثرة، شعارهم في ذلك قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال 65-66.

كانت هذه المعركة كبيرة الأثر على سمعة المسلمين ومكانتهم، فالدولة الرومانية كدولة الفرس أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض في زمانها، وكانت العرب تظن أن مواجهتها وقتالها انتحار وإلقاء بالنفس إلى التهلكة ولا يجرؤ أحد منهم على ذلك، لكن غزوة مؤتة كسرت هذه الظنون وحطمت تلك الأسطورة ؛ وبالأخص بعد العودة منها بأقل الخسائر بالقياس إلى خسائر الرومان، فقد استشهد من المسلمين اثنا عشر رجلاً فقط ومن بينهم أمراء الجيش الثلاثة، بينما قتل من الروم ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون رجلاً، وهذا يعد انتصاراً رفع شأن الدولة الإسلامية الناشئة.

وإنه لمن المذهل حقاً أن يصمد الجيش الإسلامي أمام الرومان في معركة غير متكافئة : فثلاثة آلاف مقاتل يواجهون مائتيْ ألف أي أكثر منهم بسبعين ضعفاً تقريباً، فأيُّ بشر هؤلاء المقاتلون وأيّ قلوب في صدورهم وأيّ نفوس تكمن بين ضلوعهم ؟ وأيّ قيادة وجَّهتهم واستثارت طاقاتهم ! إنه الإيمان الراسخ بالقضية الذي تصغر أمامه كل القوى المادية مهما عظمت، وتنهار بمواجهته كل عقائد الباطل مهما تحالف أقطابها، وهذا ما عهدناه منهم في المواقع الجهادية الكثيرة التي خاضوا غمارها عبر تاريخهم الماجد، فمن يقينهم بأن الله ناصرهم يستمدون القوة ويستلهمون الصبر والثبات ما دام إيمانهم بالله وحده وولاؤهم لله وحده.

الاثنين، 28 يوليو 2025

غزوة حنين

 غزوة حنين

 وفي ذكرى الهجرة النبوية المشرفة نستذكر سيرة

 أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،

 كانت مسيرة حياته زاخرة بأحداث ووقائع الجهاد في

 سبيل الله بكل الصور، كلها كانت كذلك من مبتدأ

دعوته وحتى وفاته، أما جهاده في سبيل الله بصورة

 القتال ضد المشركين وأعداء الدين في ميادين الحرب

 فقد تعددت غزواته وسراياه صلى الله عليه وسلم،

 ومعظمها كانت ذات نتائج فاصلة في مستقبل رسالته

 ودينه ودولته وأمته، وحديثي اليوم عن غزوة حنين:

 غَزْوَةُ حُنَيْن وقعت أحداثها في الثالث عشر من شهر

 شوال في السّنة 8 هـ بعد أن منَّ الله عليه بفتح مكة

 المكرمة بثلاثة أسابيع تقريباً حيث كان هذا الفتح في

 العشرين من شهر رمضان المبارك، كانت هذه

 المواجهة العسكرية بين المسلمين بقيادة رسول الله

 صلى الله عليه وسلم وقبيلتيْ هوازن وثقيف بقيادة

 مالك بن عوف النّصري سيد قبيلة هوازن.

 وقصتها أن الله سبحانه وتعالى نصر رسوله صلى الله

 عليه وسلم بفتح مكة ودخول الناس في دين الله

 أفواجاً، فسلَّمت معظم قبائل الجزيرة العربية بالأمر

 الواقع بظهور دين الإسلام وانتصار رسالة التوحيد،

 إلا أن هذا الفتح كان له رد فعل معاكس لدى بعض

 القبائل القريبة من مكة المكرمة كهوازن وثقيف

 وجشم وغيرها، فرأت هوازن وثقيف أنه ليس شيء

 دونهما يمنع محمداً من غزوهما كما غزا مكة، فرأوا

 البدء بقتاله وإعلان الحرب عليه قبل أن تتوطد دعائم

 نصره وتنتشر طلائع فتحه، وأجمعوا على أن يسبقوه

 بهذا القرار فسلموا قياد أمرهم إلى مالك بن عوف

 سيد هوازن.

 وكان مالك بن عوف هذا شاباً في الثلاثين من عمره

 شجاعاً مقداماً، إلا أنه كان سيء الرأي والمشورة،

 فقد خرج بقومه أجمعين رجالاً ونساء وأطفالاً وأموالاً

 ليُشعر كل جندي في جيشه أنه يقاتل دون ثروته

 وحرمته مما يدفعه للاستماتة في القتال وعدم الفرار.

 فاعترضه في موقفه هذا الفارس المحنك الحكيم

 المعمّر دريد بن الصمة الشاعر الجاهليّ المعروف

 فقال له 

[ وهل يردُّ المنهزمَ شيءٌ ؟ إن كانت الدائرة

 لك لم ينفعْك إلاَّ رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك

 فًضِحْتَ في أهلك ومالك ] 

لكن مالكاً سفَّه رأيه وأصرعلى المضي في خطته، فقال

 دريد له 

[ إذا لقيتَ محمداً وجهاً لوجه فاعلمْ أنك مهزوم. 

فقال له مالك: وما الرأي إذاً ؟ فقال دريد: أكْمُنْ لهم

 فاذهبْ إلى حنين وادْخلْ بين الاشجار وعندما يصل 

المسلمون إلى وادي حنين اخرجْ عليهم وحاصرهم ]

 سيّر القائد مالك جيشه البالغ عدده ثلاثين ألفاً، سار

 بهم حتى وصل بالقرب من مكة المكرمة في وادي

 حنين، ونفَّذ مشورة دريد فكمن رُماتُه بين الأشجار

 على جانبي الوادي، وهيَّأ جيشه ونظّمه استعداداً

للقتال حين مواجهته جيش المسلمين، فكانت أول

 صفوفه الخيالة ثم المقاتلون ثم النساء والأطفال ثم

 الأنعام من ورائهم.

 وصلت الأخبار سريعاً إلى الرسول صلى الله عليه

 وسلم وهو في مكة باستعداد هوازن وأحلافها

 للحرب، فأرسل عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي رضي

 الله عنه عيناً عليهم للتأكد، فجلس بينهم في الليل فسمع

 قائدهم مالكاً يقول

[ إذا أتينا غداً فصبّحوهم واضربوهم ضربة رجل 

واحد] فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فقرر

 ألاّ ينتظر في مكة بل فضَّل الخروج بكامل طاقته 

العسكرية بعيداً عنها إلى مكان مكشوف، فخرج باثني

 عشر الف مقاتل: العشرة الآلاف الذين شاركوا في 

الفتح والألفان من الطلقاءالذين أسلموا يوم الفتح، وهنا 

قال واحد من الطلقاءحديثي العهد بالإسلام 

[ لا يُغْلَبُ اثنا عشر ألفاً من قلة

وهذا غرور لم يعهده المؤمنون، فميزان النصر

 عندهم لم يكن يوماً بكثرة أو قوة بل بالإيمان الراسخ

 والرغبة الصادقة في رضا الله ونصر دينه والشهادة

 في سبيله بعد الإعداد المستَطاع، بل إن معظم

 المعارك الإسلامية المظفَّرة كانت قليلة العدد مقارنة

 بجيش العدو، وهذا مصداق لآيات كثيرة في كتاب الله

 عز وجل منها قوله تعالى { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم

 مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ

 وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة 249.

 لم يكتفِ صلى الله عليه وسلم بسلاح جيش الفتح الذي

 لم يكن قليلاً ولا يستهان به، وكذلك لم يكتف بسلاح

 المسلمين من الطلقاء، بل ذهب بنفسه إلى تجار

 السلاح في مكة ومنهم صفوان بن أمية الذي ما زال

 على شركه فقال له { يا أبا وهب: أتعيرنا مائةَ درع

 وسلاحَها ؟ قال غَصْباً يا محمد ؟ قال بل عارِيَّة

 مضمونة } رواه أحمد، ومعنى عارية مضمونة أي

 إذا تلفت هذه الدروع والسلاح نضمنها لك. 

ويستفادمن هذا الحديث النبوي جواز الاستعانة بالسلاح

 من غير المسلم في قتال الأعداء من المشركين

 وغيرهم من غير المسلمين.

 ولما علم بأن هوازن جاءت جميعاً 

{ تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: 

تلك غنيمة للمسلمين غداً إن شاء الله، ثم قال مَنْ

 يحرسنا الليلة ؟ قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول الله، 

قال اركبْ فركب فرساً له فقال: استقبلْ هذا الشِّعْبَ 

حتى تكون في أعلاه، فلما أصبحنا خرج رسول الله 

صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلاَّه فركع ركعتين ثم قال: 

هل حسستم فارسكم ؟ 

فقال رجلٌ يا رسول الله ما حسسنا،

 فثوَّب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

 وهو يصلي يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى الصلاة

 قال أبشروا قد جاء فارسكم، فجعلنا ننظر إلى خلال

 الشجر في الشعب فإذا هو قد جاء حتى وقف على

 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقتُ

 حتى كنتُ في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول

 الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحتُ طلعتُ الشِّعْبَيْنِ

 كليهما فلم أر أحداً… } رواه أبو داود، ومعنى فثوَّب

 بالصلاة أي أقيم لها (وكانت صلاة الفجر).

 ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج بجيشه من مكة

 المكرمة متوجهاً إلى وادي حنين الذي سبقته إليه

 هوازن، واستعمل عَتَّاباً بن أسيد رضي الله عنه أميراً

 عليها ومعاذاً بن جبل رضي الله عنه معلماً لأهلها،

 ووجه الجيش بمنع قتل النساء والذرية والعسيف من

 جيش العدو، ومعنى العسيف الأجير أو العبد

 المستهان به.

 واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم اهتماماً كبيراً

 بالحراسة الليلية لئلاّ يُباغَتَ فجأة، وكان قد عبأ جيشه

 بالسَّحَر وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس،

 ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم فكَّر باحتمال

 وجود الكمائن بين الأشجار فقد كلّف طليعته المتمثلة

 في أنس بن أبي مرثد رضي الله عنه الحارس الليلي

 للجيش بالتأكد من ذلك، وقبل أن يبزغ الفجر استقبل

 المسلمون وادي حنين وتأكد صلى الله عليه وسلم

 بعدم وجود كمائن للعدو، فبدأ يصفّ الجيش: فكانت

 أول كتيبة بقيادة خالد بن الوليد، والثانية بقيادة الزبير

 بن العوام، والثالثه بقيادة علي بن أبي طالب رضي

 الله عنهم جميعاً

 بدأت أول كتيبه بقيادة خالد بن الوليد تنزل المنحدر

 ولا يدري أفرادها بما كان قد دبر لهم بالليل، فما

 شعروا إلا والرماة من كمائنهم بين الأشجار قد

 خرجوا إليهم يحملون عليهم حملة رجل واحد،

 فانهزمت هذه الكتيبة وولت مدبرة، وكان أغلبها من

 الطلقاء، فارتبك جيش المسلمين وبدأوا بالفرار ومنهم

 من كان يجري إلى مكة لا يلتفت وراءه لضراوة

 القتال في المعركة، ولم يبق مع الرسول صلى الله

 عليه وسلم إلا قلّة قليلة ثبتت حوله، قال تعالى { لَقَدْ

 نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

 كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا

 رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } التوبة 25،

 فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ينادي { إليَّ يا

 عباد الله، أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب }، قال

 العباس رضي الله عنه { شهدتُ مع رسول الله صلى

 الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمتُ أنا وأبو سفيان بن

 الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه

 وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم

 على بغلة له بيضاء…، فلما الْتقى المسلمون والكفار

 ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله

 عليه وسلم يُرْكِضُ بغلته قِبَلِ الكفار… فقال رسول

 الله صلى الله عليه وسلم: أيْ عباس، ناد أصحاب

 السَّمُرَة، فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة ؟

 فوالله لكأن عَطْفَتَهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر

 على أولادها، فقالوا يا لبيك يا لبيك، فاقتتلوا والكفار،

 والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا

 معشر الأنصار… فنظر رسول الله صلى الله عليه

 وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم…

 ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى

 بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد،

 فذهبتُ أنظرُ فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما

 هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلتُ أرى حدهم كليلاً

 وأمرهم مدبراً } رواه مسلم. 

وأصحاب السمرة هم أصحاب البيعة، ومعنى عطفتهم

 عطفة البقر على أولادها أي كناية عن عودتهم

 السريعة إلى الميدان،تمكّن الرسول صلى الله عليه وسلم من بثّ روح

 الجهاد في نفوس المسلمين من جديد بعدما أصابهم

 الخوف والذعر وأوشكوا على الفرار الكامل وتسجيل

 الهزيمة النكراء، فاجتمع المسلمون ثانية وهجموا

 هجمة واحدة على المشركين ولجأوا إلى الله عز

 وجل، وتوجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء

 فقال{اللهم أذقتَ أوّل قريشٍ نكالاً (أي عقوبات

 وهزائم) فأذقْ آخرها نوالاً (أي عطاء وإنعاماً 

ونصراً}رواه الترمذي، وهذا ما كان بالفعل، فقد أسلم من

 تبقى من قريش فنالوا الخير والنصر، اشتد القتال بين

 الجيشين وأيد الله المؤمنين بنصره وبملائكته، قال

 تعالى { ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى

 الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا

 وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } التوبة 26، وهجم علي بن

 أبي طالب رضي الله عنه على حامل راية هوازن

 فقتله، فلحقت الهزيمة بهوازن وفر جيشها من ميدان

 المعركة تاركاً وراءه الآل والأموال فأصبحت كلها

 غنائم للمسلمين وجيء بالأسرى من جيش العدو إلى

 الرسول صلى الله عليه وسلم مكبّلين.

 لاحق المسلمون المشركين الفارّين: فهربت طائفة

 منهم إلى مدينة الطائف وطائفة إلى أرض نَخْلَة

 وطائفة إلى أرض أوْطاس وكلها قريبة من مكة،

 فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس سرية بقيادة

 أبي عامر الأشعري رضي الله عنه، فَتَنَاوَشَ الفريقان

 القتال قليلاً فانهزم المشركون واستشهد القائد أبو

 عامر الأشعري. 

وطاردت مجموعة أخرى من فرسان المسلمين فلول

 المشركين الذين هربوا إلى نخلة فأدركوا دُرَيْداً بن

 الصِّمَّة فقتله أحد فرسانها وهو ربيعة بن رُفَيْع رضي

 الله عنه، وأما الذين لجأوا إلى الطائف فتوجه إليهم

 الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه في غزوة الطائف.

 وهكذا كتب الله جل ثناؤه النصر لرسوله الحبيب

 المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتاب على من فر

 في بداية اللقاء ثم أناب إلى الله وعاد إلى ميدان القتال

 مجاهداً صابراً محتسباً، قال تعالى { ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن

 بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } التوبة

 27، وأرسل صلى الله عليه وسلم نُهيكاً بن أوس

 الأشهلي رضي الله عنه بشيراً بالنصر إلى المدينة.

 قتل من هوازن في ذلك اليوم خلق عظيم ربما

 تجاوزوا السبعين في بعض الروايات، وكان من بينهم

 الحكيم دريد بن الصمة الذي كان عمره يتجاوز 160

 عاماً في معظم الروايات، فقال صلى الله عليه وسلم 

{إلى النار وبئس المصير، إمام من أئمة الكفر إنْ لم

 يُعِنْ بيده فإنه أعان برأيه }، ووقع في الأسر منهم

 أكثر من ستة آلاف.

 اما المسلمون فقد استشهد منهم في ذلك اليوم أربعة

 هم: أيمن بن عبيد من بني هاشم، ويزيد بن زمعة بن

 الأسود من بني أسد، وسراقة بن الحارث بن عدي

 من الأنصار، وأبو عامر الأشعري من الأشعريين،

 رضي الله عنهم جميعاً.

 من أبرز الدروس التي تعلمناها في غزوة حنين

 موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وثباته مع قلة

 من الصحابة، وهذا أنصع دليل وأسطع برهان على

 عمق إيمانه بالله عز وجل وثقته بنصره وتأييده،

 وعلى يقينه بأن نتيجة المعركة ستكون إلى جانب

 الحق، فثبت ثباتاً عجيباً امتد أثره إلى نفوس الفارّين،

 فعادت إليهم رباطة الجأش وقوة العزيمة، فالنصر

 والهزيمة ونتائج المعارك لا تحسمها الكثرة والقلة أو

 العُدَّة دوماً، وإنما هو الإيمان الراسخ، 

قال تعالى 

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا

 أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ

 يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالوا رَبَّنَا

 اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا

 وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين } آل عمران 147