‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية معاصرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية معاصرة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 24 يونيو 2026

نظام الطيبات الرقمي

 نظام الطيبات الرقمي

عبدالرحمن الشمري


كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. 

وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه.

بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. 


والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: 

(اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟).


وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. 

لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. 

اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر.

وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. 

هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم.

الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. 

وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. 

أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية.

وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. 

الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ 

فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر.

والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. 

أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. 

نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: 

ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. 

فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس.

لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. 

ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.


عبدالرحمن الشمري

الأحد، 5 أكتوبر 2025

خطوة بخطوة

رسالة إلى نيقوسيا

طه كلينتش


السيد دنكتاش:

بداية، أتوجه إليكم بتحية لكم ملؤها الاحترام والتقدير. إنكم من الشخصيات البارزة في بلد مبارك استضاف أم حرام بنت ملحان، عمة النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، الأمر الذي أكسبها أهمية قصوى في وجدان المسلمين. 

إن الغاية من كتابة هذه الرسالة هي التعبير عن احترامي لكم ولبلدكم. 

أنا شخص وُلد في الهند، وأفنى عمره في خدمة العلوم الإسلامية، وزار العديد من مناطق العالم الإسلامي. وللأتراك في قلبي محبة وامتنان خاصان لخدماتهم الجليلة للإسلام، ولهم مكانة رفيعة من بين جميع الشعوب. وكذلك أشعر تجاه أتراك قبرص بمودة وقربٍ عميقين.


السيد دنكتاش:

يُعد التعليم الإسلامي من الشروط الأساسية التي لا غنى عنها لصون استقلال وطابع أي بلد مسلم. 

فإذا لم يتلقَ أطفالنا تعليماً دينياً ولم يُغرس فيهم الإسلام منذ صغرهم، فسوف ينشأ لدينا في المستقبل مجتمع منقطع عن جذوره. 

انظروا إلى المؤسسات التعليمية للقبارصة اليونانيين المقيمين في قبرص، وستجدون منهجاً ونظاماً متشابكاً مع الديانة المسيحية. 

هناك حاجة ماسة وضرورية لمزج الأتراك المسلمين القبارصة بالإسلام بالطريقة ذاتها.

السيد دنكتاش:

لقد توليتم مناصب مهمة في إدارة قبرص، وأنتم مقبلون على أدوار أكبر في مستقبلها. لذا، وقبل فوات الأوان، بادروا إلى تأسيس مدرسة للأئمة والخطباء في قبرص، ووجهوا إليها الأطفال المسلمين. 

كما أدعوكم إلى إنشاء كلية للشريعة والدراسات الإسلامية للتعليم العالي. ليكتسب الشباب المسلمون القبارصة علوم دينهم بأفضل صورة، ولتعزيز روحانياتهم. 

إن الخطوة الأولى لمواجهة عدوانية الروم هي بناء مجتمع ذي وعي ديني ووطني راسخ. والسبيل إلى ذلك هو من خلال تعلم الإسلام وتطبيقه.

مع خالص السلام والاحترام والمحبة."

يروي الأستاذ الدكتور إحسان سُريّا سيرما، أن أستاذه البروفيسور الدكتور محمد حميد الله كتب رسالة موجهة إلى رئيس دولة قبرص التركية الفيدرالية آنذاك، رؤوف دنكتاش، في سبعينيات القرن الماضي، يوصيه فيها بفتح مدارس الأئمة والخطباء في قبرص، لكنه لم يرسلها. لا نعلم لماذا لم يرسل حميد الله الرسالة، أو ممن كان يخشى. 

وقبل كتابة هذا المقال، اتصلت بالأستاذ إحسان سُريّا للحصول على معلومات حول لغة وأسلوب الرسالة المعنية، لكنه أفاد بأنه لا يتذكر النص بوضوح بعد مرور هذه السنوات الطويلة. 

ولهذا، فإن النص الافتراضي أعلاه من صياغتي بالكامل. لقد قمتُ بصياغته معتقداً أن البروفيسور حميد الله ربما كتب شيئاً مشابهاً لهذا.

لو أن رسالة محمد حميد الله وصلت إلى مخاطَبيه في نيقوسيا، ولو أن دنكتاش استطاع أن يُدرك إسهام التعليم الوطني والإسلامي في صوغ هوية قبرص، ولو أن عشرات الآلاف من الطلبة تخرّجوا منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم من مدارس الأئمة والخطباء في مختلف مدن الجزيرة، وتولّوا مواقع بارزة في حياتها العامة، فماذا كان سيحدث؟ 

على الأرجح ما كنّا لنشهد بعض المشاهد التي تنعكس من حين لآخر من قبرص اليوم. فما كان لأناس جعلوا من محاربة الحجاب والأذان والتعليم الديني هدفًا لحياتهم أن يجرؤوا على الظهور بهذا القدر من الوقاحة أمام الرأي العام.

لقد وطئتُ أرض قبرص أول مرة عام 2008، وتجولت فيها بالكامل، حتى أصغر قراها وبلداتها. في ذلك الوقت كانت معظم المساجد مغلقة، وكثير من دور العبادة التي تمكنا من فتح أبوابها بصعوبة بالغة لم تكن صالحة لأداء الصلاة. 

وفي كل زيارة لاحقة لي، كنت ألاحظ تغيّر المشهد تدريجيًا، ودخول الجزيرة في مسار جدي من الترميم الروحي. غير أنّ إهمال العقود السابقة خلّف جراحًا عميقة، حتى صار صوت الفئات الغافلة عن هويتها الدينية والوطنية يرتفع عاليًا في قلب قبرص، مجتمعةً في جبهة واحدة لمنع الجزيرة من اكتساب صبغة إسلامية.

ويبدو أن قبرص التي أصبحت مطمعاً للصهاينة اليهود بعد اليونانيين والبريطانيين، ستضطر من الآن فصاعداً إلى خوض صراع داخلي ضد الكتلة المغتربة عن ذاتها.

يجب فهم هذه الحقيقة بوضوح: إذا أُريد الحفاظ على الهوية التركية، فإن درعها وضمانتها الوحيدة هي الإسلام. فمن دون الإسلام، يستحيل الدفاع عن الهوية التركية لقبرص وحمايتها.

نأمل أن تُستوعب هذه الحقيقة الجلية بوضوح، وألا تُرتكب أخطاء لا يمكن تداركها. وإلا، فمن المحتم أن يقال ذات يوم:"لقد عاش في الجزيرة مسلمون أتراك فيما مضى..." وللأسف، فإن التاريخ حافل بأمثلة لا تُحصى على مثل هذا المصير.

الأربعاء، 17 سبتمبر 2025

الغزالي وابن تيمية… ومشايخ القاع!!

 الغزالي وابن تيمية…

ومشايخ القاع!!

د. محمد العوضي

جوهر الحديث هنا عن سقوط “الرمز القدوة” فكلما كانت الشخصية العامة ذات سمت أخلاقي ووجاهة اجتماعية، كان سقوطها مؤلماً وجرحها غائراً في نفوس من احترموها، سواء كان ذلك معلماً، أو والداً، أو داعيةً، أو شيخ دين..

لكن أعظمهم خطراً وأشدهم فتنةً على الناس هو الداعية أو العالِم الشرعي أو طالب العلم الذي رضي أن يتحول إلى أداة في يد الظالم، يشرعن فساده، ويبرر طغيانه، ويزين باطله!!

ومن هؤلاء يخرج صنف أشد دناءة وأخطر أثراً، هم ما أسميهم “شيوخ القاع” وهم قوم استمرأوا الذل حتى صار عندهم عادة، وألِفوا الانبطاح حتى أصبح لهم عقيدة، فلا يكتفون بالتبرير للظالم، بل يلحّون عليه أن يبطش أكثر، وأن يسحل ويقمع ويحرق ويمحق، ولسان حالهم يهتف للطاغية: زد.. لا تتوقف!

وهذا كله يفرض علينا أن نقرر قاعدة جلية:
 
لا قداسة للأشخاص.. فالمفتي والشيخ والعالم والأكاديمي الشرعي في نهاية الأمر بشر، يُصيبون ويخطئون، يثبتون ويضعفون.. ومن رفعهم إلى مرتبة العصمة عرّض نفسه للفتنة الكبرى إذا باعوا دينهم أو خذلوا أمتهم.

المبادئ هي الباقية:
 
العدل والحق والكرامة، أما الأشخاص فإما أن يكونوا أوفياء لها، أو يسقطوا إلى القاع مع “شيوخ القاع”.

الاثنين، 14 يوليو 2025

معبد الإلحاد يهتز.. تفكيك الأصنام العقلية وهدم أساطير الإلحاد المعاصر (1)

 معبد الإلحاد يهتز.. تفكيك الأصنام العقلية وهدم أساطير الإلحاد المعاصر (1)

هل خلقنا الله لأنه مجبر على الخلق؟!


تستهدف هذه السلسلة الرد على شبهات الملحدين المنتشرة عبر منصات مثل «تيك توك»، و«يوتيوب»، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تُوجَّه بشكل متعمد للشباب والفتيات وصغار السن الذين قد ينقصهم العمق في المعرفة الشرعية أو مهارة الرد على بهتان ومغالطات الملحدين.

نتناول في هذه الحلقة شبهة «لماذا خلقنا الله؟» التي تدعي وجود تناقض في كمال الإرادة الإلهية، مستخدمة حججًا تبدو عقلية لكنها تعج بمغالطات كبيرة ومتهافتة.. سنثبت بطلان هذه الشبهة، مؤكدين أنَّ خلق الله عزَّ وجل قائم على الحكمة والكمال، لا الحاجة أو العبث كما يزعم الملحدون.

نص الشبهة:

«لماذا خلقنا الله؟ والجواب التقليدي لأن مِن صفاته الخلق فخلقنا.
وهنا نسأل هل صفة الخلق هي عين الذات الإلهية قديمة كقدمه ملازمة لكيانه؟ أم هي صفة حادثة اختارها في وقتٍ ما؟ إن كانت صفة الخلق قديمة، فالله يخلق لأنه لا يستطيع إلا أن يخلق، كما يبلغ الإنسان لأن البلوغ طبع فيه ليس له فيه خيار، وفي هذه الحالة، الله مجبر على الخلق بطبعه لا بإرادته، أما إن كانت صفة الخلق حادثة فقد اختارها لحكمة، والحكمة تقتضي لحاجة، فهو محتاج وبذلك نقص كماله.
وإن اختار الخلق دون حاجة، فهذا عبث، والعبث يُنافي الحكمة، ففي كل الأحوال نصل إلى نقص في مفهوم كمال الإله». ا.هـ.

تفنيد الشبهة:


1- خطأ التشبيه بين الخالق والمخلوق:

منطلق الشبهة باطل لأنه يقيس الخالق بـ«المخلوق»، الله سبحانه وتعالى لا يُقاس بخلقه، لأن القياس يفترض تشابهًا في الطبيعة والحدود، والله عزَّ وجل يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: 11)، القول بأنَّ صفة الخلق فيه تعني أنه مجبر على الخلق، كبلوغ الإنسان، فيه تجسيد وتشبيه مرفوض عقلاً ونقلاً.

الشبهة تقع في مغالطة القياس الخاطئ (False Analogy)، حيث تفترض أن القوانين التي تحكم المخلوقات المحدودة -مثل الإنسان الذي يبلغ بفعل طبيعته المادية- تنطبق على الله عزَّ وجل المتعالي عن الزمان والمكان والجسم والمثيل والشبيه والند.. هذا الافتراض غير صحيح، لأنَّ الله تعالى ليس كائنًا ماديًا يخضع للضرورات البيولوجية أو الفيزيائية؛ على سبيل المثال، إذا قال شخص: إنَّ المهندس «مجبرٌ» على بناء جسر لأنه يملك مهارة الهندسة، فهذا استدلال باطل لأن المهارة لا تُلزم صاحبها بالفعل، كذلك، صفة الخلق الإلهية لا تعني الإجبار، بل هي تعبير عن القدرة المطلقة التي تتجلى بإرادة حرة.

2- الفرق بين «الصفة» و«فعل الصفة»:

صفة الخلق قديمة أزلية، وهي من صفات القدرة، ولكن أفعالها تتعلق بالمشيئة؛ بمعنى: الله سبحانه وتعالى خالقٌ منذ الأزل بالصفة، لكنه يخلق إذا شاء ومتى شاء وبما شاء وحيثما شاء، كما أن الإنسان عنده صفة «التكلم»، لكنه لا يتكلم طوال الوقت، بل وقت الحاجة، فهل يُقال: إنه صامت مجبرًا لأنه لا يتكلم دائمًا؟! يقول ابن تيمية: «والله متصف بصفاتٍ أزلية قائمةٍ بذاته، وأفعالُهُ حادثةٌ تتعلق بمشيئته».
وهذا التمييز بين الصفة وفعلها يحل الإشكال بشكل واضح، صفة الخلق تشبه قدرة الإنسان على الكتابة؛ فالإنسان يملك هذه القدرة دائمًا، لكنه يكتب فقط عندما يريد وبما يريد، لو افترضنا أن امتلاك القدرة يعني الإجبار على استخدامها دائمًا، لكان ذلك تناقضًا مع الحرية، كذلك، الله عزَّ وجل يملك صفة الخلق أزليًا، لكنه يفعّلها بحرية مطلقة وفق مشيئته، مما يظهر كماله لا ينقصه، وهذا يدحض فكرة الإجبار، إذ إن الإجبار ينطبق على كائنات محدودة، لا على إله مطلق القدرة.

3- هل الله محتاج إلى الخلق؟!

الله جل جلاله خلق العالم لا لحاجة إليه، بل لإظهار كمال أسمائه وصفاته، كالخالق، الرازق، الرحمن، الرحيم، العدل، الغفور، الودود الوهاب.. هذه الصفات لا تظهر إلا في عالم مخلوق، فلو لم يخلق، لما تجلت هذه الأسماء، وليس هذا نقصًا، بل كمالٌ يتجلى في الفعل عدم الفعل.. وقيام الله عزَّ وجل بالخلق ليس لأن ذاته ناقصة فتكتمل بالخلق، بل لأن كماله يفيض بالخلق؛ كالشمس، فإنها تُشرق لا لحاجة، بل لأن الضياء من طبيعتها، وكذا الله عزّ وجل يفيض مِن كماله على الوجود لا لحاجة، بل لحكمة.

فالكمال المطلق يقتضي الإبداع والتجلي، ولو لم يخلق الله، لكان ذلك سكونًا يتنافى مع طبيعة الكمال؛ على سبيل المثال -ولله المثل الأعلى- الفنان الذي يرسم لوحة لا يفعل ذلك لأنه «يحتاج» إلى اللوحة، بل ليعبر عن إبداعه، كذلك، الله سبحانه وتعالى يخلق ليظهر صفاته مثل الرحمة والقدرة، وهذا ليس حاجة، وإنما تعبير عن كماله المطلق، والشبهة تفترض أنَّ الفعل يعني الحاجة، لكن هذا افتراض خاطئ، إذ يمكن للكامل أن يفعل دون أي حاجةٍ، بل لإظهار كماله، كما نرى في نظام الكون المعقد الذي يحوي تريليونات المجرات والنجوم والأقمار والشموس والكواكب والعناقيد المجرية.

4- العبثية في الفعل تُنسَب لمن لا يعلم.. أما العليم 

الحكيم فلا يَفعل إلا لحكمة:

الله سبحانه وتعالى لم يخلق عبثًا: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ {16} لَوْ

 أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ)

 (الأنبياء)، فلو كانت الأفعال بلا غاية لقلنا بالعبث،

 لكننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لغاية عظيمة وهي عبادته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

والشبهة تقع في مغالطة «رجل القش»

 (Strawman)، إذ تفترض أنّ الخلق إما ناتج عن

 حاجة أو عبث، متجاهلة الخيار الثالث؛ الحكمة،

 فالحكمة الإلهية تعني أن كل فعل له غاية، حتى لو لم

 ندركها بالكامل بسبب محدودية عقولنا؛ على سبيل

 المثال، التوازن البيئي في الطبيعة، من دورة الأنهار

 والبحار والمحيطات إلى التنوع الحيوي، ومن خلق

 الإنسان إلى خلق الطيور يعكس تصميمًا حكيمًا، ولو

 كان الخلق عبثًا، لما رأينا هذا النظام الدقيق المُحكم في

 الكون، مما يدحض فكرة العبثية ويؤكد وجود غاية

 عليا وإرادة إلهية.

ثانيًا: القرآن الكريم:

الله سبحانه وتعالى غني عن خلقه: (إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 6)، (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).

صفة الخلق من صفات الله القديمة التي تتعلق بالمشيئة: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر: 86).

والخلق قائم على الحكمة: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل: 88)، (وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ) (الزخرف: 84).

القرآن الكريم يؤكد أن الخلق ليس فعلًا عشوائيًا، بل

 نظامًا متكاملًا يعكس علم الله وحكمته، وقوله

 تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) (الملك: 3) يبرز الإتقان في

 الخلق، مما ينفي العبثية، كما أن تكرار وصف الله

 بـ«العليم» و«الحكيم» في القرآن الكريم يؤكد أن كل

 فعل إلهي مرتبط بحكمة شاملة، سواء أدركناها أم لا.


ثالثًا: أقوال العلماء والمفسرين:

يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: «الله لم

 يخلق الخلق لحاجةٍ إليهم، بل ليُظهر قدرته وعلمه،

 ويُوصل رحمته وعدله، ويُبْلِيَهم بالخير والشر ليعودوا

 إليه، ويُجازيهم بإحسانه وعدله».

ويقول ابن القيم: «صفات الكمال الإلهي تقتضي

 آثارها، كما أن صفة الرحمة تقتضي الإنعام، وصفة

 القدرة تقتضي الخلق، وصفة الحكمة تقتضي وضع

 كل شيء في موضعه».

هذه الأقوال تتماشى مع مبدأ «الاقتصاد في التفسير»

 (Occam’s Razor)، أو ما يُعرف بـ«نصل أوكام»

 الذي يُفضِّل التفسير الأبسط والأكثر تماسكًا، بدلاً من

 افتراض حاجة أو عبث في الخلق، يقدم العلماء تفسيرًا

 منطقيًا: الخلق تعبير عن الكمال الإلهي.

على سبيل المثال، نظام الجاذبية أو التوازن في النظام

 الشمسي يعكسان حكمة واضحة؛ ما يدعم أن الخلق

 ليس عشوائيًا، بل مقصودًا لغاية سامية.

الرد على الملحد

والسؤال للملحد الرعديد: هل تعتقد أن الله عزَّ وجل

 الكامل يجب ألا يخلق حتى لا يُتهم بـ«الحاجة»؟! أم

 أن الكمال هو في الخلق بالحكمة، والإفاضة بالعدل

 والرحمة، كما فعل سبحانه وتعالى؟ إنَّ وجودك ذاته

 هو دليل على الكمال الإلهي لا على النقص، لأنك لم

 تُوجد صدفة، بل خُلقت بإرادة، وعلى صورةٍ فطرية

 تدرك بها الحق من الباطل، ولذا يقول الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت: 53).

لو كان الكمال يعني عدم الخلق، لكان ذلك تناقضًا، إذ

 يعني أن القدرة الإلهية عاجزة عن الإبداع، لكن العقل

 يقضي بأن الكمال يتجلى في القدرة على خلق نظام

 معقد ومتناسق ولا نهائي كالكون، ووجود الإنسان،

 بقدرته على التفكير والتساؤل، دليل على إرادة

 حكيمة، ولنتأمل في الدماغ البشري، بتعقيده الهائل، لا

 يمكن -على الإطلاق- أن يكون نتيجة صدفة أو عبث..

 بل يشير إلى تصميم مقصود يعكس حكمة الخالق جل

 جلاله.

إنَّ الله سبحانه وتعالى خالق أزلي بصفاته، يخلق

 بمشيئته لحكمة بالغة، لا لحاجة أو عبث.. والشبهة هنا

 تنطلق من مغالطات منطقية كالقياس الخاطئ وتجاهل

 الحكمة.. وتنهار أمام الأدلة العقلية والشرعية.






الاثنين، 31 أكتوبر 2022

صهاينة في مركز القرار!

 صهاينة في مركز القرار!


قـلـم الـتحـرير

أيّ شيء صنَعه اليهود فجعل زعماء دول العالم الكبيرة يُفاخرون بأنهم صهاينة، وخدّام للصهيونية، ثمّ ماذا فعلت دولة الاحتلال حتى أصبح تقديم الخدمات لها عنوان الشرف الذي يتغنَّى به الزعماء المنصرفون أو المتنافسون...


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعدُ:

أيّ شيء صنَعه اليهود فجعل زعماء دول العالم الكبيرة يُفاخرون بأنهم صهاينة، وخدّام للصهيونية، وأضحت الهرولة إلى حائط المبكى عقيدة سياسية غربية؟! وما الذي يعود على أمريكا وبريطانيا مثلًا من تصريح الرئيس الأمريكي بصهيونيته، واعتراف رئيسة الوزراء البريطانية بأنها صهيونية؟!

ثمّ ماذا فعلت دولة الاحتلال حتى أصبح تقديم الخدمات لها عنوان الشرف الذي يتغنَّى به الزعماء المنصرفون أو المتنافسون في الانتخابات؟! ولماذا يحرص الساسة على تقديس الطقوس اليهودية وهم في الظاهر ليسوا من أتباع هذه الملَّة؟!، بل إن لهم ثأرًا بحسب زعمهم المرتبط بالصليب!

ولماذا يغدو التعهد بحماية «إسرائيل» وحفظ أمنها أحد المرتكزات الأساسية التي يُصرّح بها المتسابقون إلى الرئاسة في دول كبرى ليست بحاجة عسكرية ولا اقتصادية من الدولة الغاصبة؟! وكيف يستقيم أن تنهال المعونات على هذه الدولة من البلاد الكبرى ثمَّ يبحث هؤلاء المانحون المتبرعون عن رضى مَن نال الأموال والمساندة منهم، والعكس هو الافتراض المنطقي؟!

كما أن الموقف الإسرائيلي الرسمي تجاه هذه الدول مريب حقًّا؛ فهي لا تأبه بطلباتهم ولا تُلقي بالًا لإحراجهم، وكم من مرة ومرة فضحتهم مباشرة، أو بسكوتهم عن جرائم الاحتلال المستعلنة في الحروب، وبقمع المعترضين وإيذاء المساجين!!، ومع ذلك فالتذلل الغربي النصراني للصهيونية واليهودية في سعار متنامٍ!

ويزداد السؤال حضورًا وإلحاحًا حينما تصبح العلاقة مع «إسرائيل» وزعمائها هي بوصلة القبول بالأمر الواقع أو الوافدين الجدد، وسبب الإغضاء عن أخطاء المجاورين وتجاوزاتهم، فكلّ مَن أراد كَسْب القلوب في واشنطن دخل إليها من بوابة تل أبيب، وإذا رضي البيت الأبيض تَبِعه البيض والسود في لندن وباريس وبرلين!!!

فمن يستطيع تفسير هذه المعادلة الصعبة المكوّنة من كثيرات الحدود والمبهمات والتراكيب والأقواس والأرقام بأنواعها؟! أيمكن أن تكون الأسباب سياسية واقتصادية وأمنية فقط؟! أم يوجد دوافع حضارية وثقافية ودينية؟! أو أنه خليط من كل هذا؟!

إنه لأمر يصعب الجزم به؛ بَيْدَ أنَّ الأكيد المستيقَن منه أنهم على قلب إنسان شرير واحد تجاهنا مهما توددنا لهم وخضعنا، فهل سيكون من بني قومنا الحذر والتكاتف والاستعداد لمواجهة أيّ غدرات محتملة من فئام سمتهم الغدر الحقير، والقتل المبير؟!

وصدق الله إذ أخبر عن استنفار فئام من الخلق معهم آخر الزمان؛ {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: ٦]؛ فما من زمن على مرّ التاريخ نفَر العالم فيه مع اليهود كما نفَر معهم اليوم!