‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات طه كلينتش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات طه كلينتش. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 17 سبتمبر 2026

دحلان ليس خياراً

 دحلان ليس خياراً





تبدو أكثر النظريات غرابةً بشأن مستقبل غزة وكيفية إدارتها وكأنها أُعيد تداولها هذه الأيام: «محمد دحلان، الذي كان في وقت من الأوقات أحد أقوى الفاعلين خلف الكواليس في فلسطين، سيعود من الإمارات العربية المتحدة، حيث يقيم في المنفى، فور وفاة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس البالغ من العمر 90 عاماً، ليستولي على الحكم.


وسيدير دحلان غزة إلى جانب الضفة الغربية». وتشير تفاصيل الخبر المتداول إلى أن دحلان على تواصل مع مراكز قوى مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة، وأنها تدعم الخطة بحماسة.



محمد دحلان (65 عاماً) اسم يبرز فوراً أمام حتى أولئك الذين يمرون مروراً عابراً في أروقة السياسة الفلسطينية والشرق أوسطية. وُلد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين جنوب غزة، وبعد أن سجنته إسرائيل عدة مرات في شبابه، بدأ صعوده في صفوف تنظيم فتح بقيادة ياسر عرفات.

وعُيّن رئيساً للأمن في غزة مباشرة بعد اتفاق أوسلو، وطوّر خلال تلك الفترة علاقات وثيقة مع الاستخبارات الإسرائيلية. ومع مرور الوقت، أسس دحلان نظاماً مافيوياً مروّعاً في غزة، وركّز، بالتنسيق مع إسرائيل وبأكثر من 20 ألف رجل تحت إمرته، على هدف سحق حماس.


وكانت الحرب الأهلية التي شهدتها غزة عامي 2006-2007 مؤامرة دبّرها دحلان وإسرائيل معاً لتصفية حماس، الفائزة بالانتخابات، فعلياً من الداخل. لكن حماس أثبتت أنها خصم صعب المراس، فتعرّض دحلان ورجاله لهزيمة قاسية وأُبعدوا من غزة إلى المنفى.



وبعد ذلك، بدأ محمد دحلان مواجهة فعلية مع إدارة محمود عباس. وكان دحلان، الذي سعى إلى إقامة دولته الموازية في الضفة الغربية، يستفيد من الدعم غير المحدود الذي وفرته له إسرائيل، فيما يرهب الشخصيات والمجموعات الفلسطينية المنافسة.

وفي النهاية، قرر محمود عباس التخلص من هذا الرجل الخطير. ففي عام 2011، أُبعد دحلان، وأُعِدّ بحقه ملف ضخم، وحوكم غيابياً بالإعدام. ومنذ ذلك الحين، يشغل دحلان منصب كبير مستشاري زعيم الإمارات الشيخ محمد بن زايد. ودحلان، الشخصية المحورية في التواصل بين إدارة الإمارات ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ينشط، بصورة لافتة، حتى في منطقة البلقان.


وهو يحمل الجنسية الصربية منذ عام 2014. ولا يُعرف كيف ولماذا حصل على هذه الجنسية، تماماً كما لا يُعرف كيف وصل إلى نفوذه في القصر الإماراتي.

إن التفكير في شخص يمتلك هذه الخلفية ضمن المرشحين للقيادة الفلسطينية أمر يتجاوز حدود العبث، سواء بسبب سجله الشخصي المظلم أو بفعل التوازنات داخل المنطقة.
 وعلى الأقل، فإن النقاط الخمس التالية واضحة جداً:

1-دحلان ليس خياراً، لأنه في جوهره رجل ظالم وقاسٍ. فإذا استولى على الحكم في فلسطين، فلن تقل الضغوط التي سيمارسها على السكان المدنيين عن ضغوط إسرائيل. وتجربة غزة السابقة خير مثال حي على ذلك.



2- دحلان ليس خياراً، لأن الساحة السياسية الفلسطينية تشهد مقاومة ومعارضة جادة له. وهناك عدد غير قليل ممن يعتقدون أن دحلان سمّم ياسر عرفات. حتى محمود عباس طرح هذا الادعاء بأعلى صوته.

3- دحلان ليس خياراً، لأن المقاومة المسلحة مشروعة في مواجهة احتلال غاشم، وهي الخيار الوحيد في مواضع كثيرة. فلا يمكن صد احتلال بالدبابات والمدافع بالسياسة وحدها. ومن يظن أن حماس يمكن القضاء عليها بيد دحلان، تضحك منه الغربان.

4-
دحلان ليس خياراً، لأن هناك أدلة ملموسة ومثبتة لا حصر لها على أنه يتحرك بالتنسيق المباشر مع إسرائيل. ولا يمكن تسليم فلسطين إلى مثل هذا الشخص. وإذا تحقق هذا السيناريو، فقد يحدث انفجار اجتماعي لا يمكن توقعه على الإطلاق.

5-
دحلان ليس خياراً، لأن التوتر القائم بين الإمارات العربية المتحدة والسعودية لا يسمح بذلك. لو أمكننا العودة إلى بضع سنوات مضت، لربما. فالرياض تنظر إلى دحلان بوصفه فاعلاً بلا مبادئ ولا خطوط حمراء، يعمل في الوقت نفسه لحساب دول عدة.


ورغم كل ذلك، فإن هدف الذين يحاولون تقديم شخصية محمد دحلان إلى الواجهة واضح: 
السعي إلى إغلاق الجرح العميق المفتوح في فلسطين بسياسة فاسدة ومنحرفة، عبر إسقاط خيار النضال المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي تماماً من جدول الأعمال. ومن الواضح تماماً أنهم لا يرون أن فلسطين تستحق أكثر من دكتاتورية بعثية على طراز سوريا أو العراق القديمين. وسنرى هل سيحاولون حقاً جعل هذا المسار، الذي لن يتحقق أبداً، واقعاً. وعندها، سيكون ما سنراه أيضاً، بلا أدنى شك، الهزيمة التي سيتعرضون لها.

محمد دحلان  فلسطين  غزة  حركة فتح  حماس


الاثنين، 6 يوليو 2026

العمامة الملطخة بالدماء

العمامة الملطخة بالدماء

شاهدت يوم الخميس مقطعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم أصدق ما رأيته: رجلٌ مسنّ، اشتعل رأسه شيبًا، يقف داخل قفص في قاعة محكمة، مرتديًا الزيّ المخطط الخاص بالسجناء. 
كان يجيب بهدوء وأدب عن أسئلة رئيس المحكمة، ويستمع بصمت إلى التهم الموجّهة إليه، دون أن ترتسم على وجهه أي ملامح أو انفعال أو ردّ فعل.

كان ذلك المشهد في العاصمة السورية دمشق، أما الرجل الذي يُحاكم فهو الشيخ أحمد بدر الدين حسون، المفتي النافذ والمتغطرس في عهد بشار الأسد. 
وكان حسون قد اعتُقل في الخامس والعشرين من مارس/آذار من العام الماضي في مطار دمشق، أثناء استعداده لمغادرة البلاد مع عائلته إلى الأردن، ومنذ ذلك الحين وهو رهن الاحتجاز. 

ولأنني أعرف جيدًا من يكون أحمد بدر الدين حسون، وأدرك الدور المحوري الذي لعبه في القمع الذي مارسه نظام البعث بحق الشعب السوري، وأعرف إلى أي حد باع منصبه بثمن بخس، فقد خرجت مني تلقائيًا عندما قرأت خبر فشله في الفرار من البلاد العبارة التالية: «ليتهم يحاكمونه ثم يشنقونه!».

لكنني، في المقابل، كنت أخشى أن تعمد الإدارة السورية الجديدة إلى العفو عنه «حتى لا تُقدّم صورة غير محببة للعالم»، أو أن تكتفي بإبعاده عن الأنظار بدلًا من محاكمته، ليُطوى ملفه ويُنسى مع مرور الوقت. ويبدو أن حسون نفسه كان يظن ذلك؛ إذ لم يغادر سوريا مباشرة بعد سقوط نظام البعث، وحين قرر أخيرًا الفرار، حاول حتى استخدام صالة كبار الشخصيات (VIP) في مطار دمشق. 
ولحسن الحظ، لم يتحقق ما كنت أخشاه، فقد بدأت محاكمته – كما يستحق – داخل قفص، وفي جلسات علنية مفتوحة أمام الرأي العام. ولهذا السبب قلت في البداية إنني لم أصدق ما رأيت.

وبما أن أحمد بدر الدين حسون أمضى سنوات طويلة من حياته العامة مرتديًا عمامة ضخمة وجبة طويلة تجر أطرافها على الأرض، فقد يستغرب بعض القراء قولي: «ليتهم يشنقونه!». 
فمن المعروف أن للزي الديني أثرًا خاصًا في نفوس الناس. ولذلك، ومن أجل توضيح سبب هذا الموقف، سأبين لماذا أرى أن حسون مجرم حرب وضدًّا للإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لقد سبق أن تناولت سيرته أكثر من مرة، لذلك لن أتوسع في تفاصيل حياته. لكن يجدر التذكير بأنه ابن الشيخ النقشبندي الجليل محمد أديب حسون، أحد علماء مدينة حلب، غير أنه بدأ منذ شبابه العمل لصالح جهاز الاستخبارات الداخلية السورية «المخابرات»، وكان سببًا في اعتقال عدد كبير من زملائه في المدارس والمعاهد الشرعية، وهو ما أثبت به ولاءه لحزب البعث. 
وبعد أن ورث عن والده المشيخة، أضيف إليها منصب الإفتاء عام 2005، ليصبح منذ ذلك الحين خادمًا مطيعًا وطوعيًا لنظام البعث.

ورغم أن السوريين لم يكونوا يعرفونه على نطاق واسع قبل ذلك، فإنه منذ عام 2011 تحول إلى شخصية حاضرة باستمرار في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يبرر بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الهجمات المروعة التي كان الجيش السوري يقصف فيها المدنيين الأبرياء، ويشيد بها، ويصدر الفتاوى التي تبيح القتل الجماعي لعشرات الآلاف من المعتقلين داخل السجون، وكل ذلك دون أن يرف له جفن. 
لقد برز بوصفه ديماغوجيًا متحمسًا لا يعرف التردد. وكان يحمل إعجابًا عميقًا وصادقًا بالقائد الإيراني قاسم سليماني، الذي لُقب بـ«جزار حلب» وعدّه كثيرون أحد أبرز مهندسي عمليات التطهير العرقي في المدينة. 
وكثيرًا ما سمعناه يمتدح عناصر «الشبيحة» التابعين لنظام البعث، أو يوجه التهديدات إلى النساء والأطفال الذين لجؤوا إلى إدلب قائلًا: «الجيش التركي لن يستطيع إنقاذكم!».

وما يميز أحمد بدر الدين حسون عن سائر المتعصبين المؤيدين لدكتاتورية البعث، دون شك، هو حجم الضرر الذي ألحقه بالقيم التي كان يُفترض أنه يمثلها. فقد كان ينتسب إلى أهل السنة، ومع ذلك رضي لنفسه أن يكون خادمًا لنظام أقلوي منحرف. 
وجعل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ستارًا يغطّي به جرائم واحد من أكثر الأنظمة وحشية في العالم. وحوّل منابر المساجد ومقاعد الوعظ إلى منصات لتمجيد الجزارين من أبناء المسلمين. وملأ المحاريب التي ورثها المسلمون عن النبي ﷺ بدمى تتغنى بالطغاة. ولوّث عمامته وجبته بدماء الأبرياء. بل إنه ألحق أذى بالغًا بالطريقة النقشبندية، إحدى أغنى مدارس التراث الروحي الإسلامي، حتى ربطها في أذهان كثير من السوريين بمساندة الظالمين.

ويمكن أن تطول قائمة هذه الجرائم كثيرًا. فكل واحدة منها تمثل وزرًا عظيمًا ومسؤولية ثقيلة. وليس خطأ العالم كخطأ الجاهل، فضلًا عن أن الخطأ إذا تكرر بإصرار لم يعد مجرد خطأ.

وقد قررت المحكمة تأجيل جلسات محاكمة حسون إلى شهر يوليو/تموز للاستماع إلى مزيد من الشهود. وسنواصل متابعة هذه المحاكمة عن كثب، وفاءً لذكرى النساء والأطفال والشيوخ الأبرياء الذين تلطخت يداه بدمائهم.



الجمعة، 5 ديسمبر 2025

الإخوان المسلمون

الإخوان المسلمون
طه كلينتش

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيهاً إلى مسؤولي البيت الأبيض طلب فيه إعداد تقرير ودراسة حول ما إذا كان يمكن تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين (الإخوان) كـ "تنظيم إرهابي". ووفقاً للتفاصيل التي تداولتها الصحافة الأمريكية، سيقوم كل من وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسينت، ومدير الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، بتقديم تقرير شامل حول الموضوع إلى ترامب خلال 30 يوماً.

وأفادت التقارير أن ترامب طلب التحقيق فيما إذا كانت فروع الإخوان في مصر ولبنان والأردن تشكل تهديداً للمصالح القومية للولايات المتحدة وسلامة المواطنين الأمريكيين. وإذا خلص التقرير إلى ضرورة إعلان الإخوان "تنظيما إرهابيا"، فسيتم تطبيق سلسلة من الحظر على عدد كبير من الأسماء، بدءاً من العقوبات الاقتصادية وصولاً إلى قيود السفر.

وقبل أسبوع، أعلن حاكم ولاية تكساس جريج أبوت رسمياً جماعة الإخوان"منظمةً إرهابية أجنبية ومنظمةً إجرامية دولية"، مفعّلاً بذلك سلسلة من القيود القانونية على مستوى الولاية. 

وفي هذا الإطار، مُنعت بعض الكيانات الإسلامية الأمريكية التي يُزعم ارتباطها بالإخوان من شراء أراضٍ في تكساس، أو بناء مساجد أو مراكز ثقافية إسلامية أو مدارس. 

وفي حال خلص التقرير الذي سيُقدَّم لترامب إلى أن الإخوان يجب أن يصنفوا "منظمة إرهابية" من قبل الإدارة الأمريكية، فمن الممكن تطبيق حظر وقيود مماثلة بهدف تضييق نشاط التشكيلات الإسلامية في الولايات المتحدة.

تأسست جماعة الإخوان عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر، على يد حسن البنّا الذي كان يبلغ حينها 22 عاماً هو وستة من رفاقه. ورغم مرور قرابة من قرن على ظهورها على الساحة التاريخية، ما تزال الجماعة تُعتبر"تهديدًا" من قِبل عدد كبير من دول العالم. إن قدرة الإخوان على البقاء في صدارة الاهتمام حتى اليوم، رغم ما تعرضت له طوال هذه المرحلة من هجمات وتضييق وإقصاء وشيطنة، تشكّل دليلاً واضحاً على مدى عمق جذور هذه الجماعة.

لقد كان الإخوان المسلمون على مر تاريخهم الطويل حركة تتجنب دوماً العنف والانتفاضات المسلحة وأساليب الاغتيالات وما شابهها،مما أدى إلى انشقاق عناصر متطرفة داخلها وتشكيل تنظيمات أخرى لهذه الأسباب تحديدًا. إن الموقف الإيجابي الذي تبنته جماعة الإخوان في نقاط تثير الجدل في الأوساط الإسلامية، مثل الديمقراطية، وحق الشعوب في تحديد الحكم، وتداول السلطة عبر الانتخابات، أدى إلى تكفير التنظيم من قبل بعض الأوساط ذات التوجه السلفي في العالم العربي والإسلامي، وفي الوقت نفسه، ترى بعض الأنظمة الحاكمة في العالم العربي والإسلامي الإخوان "منافسا خطيرا" للسبب ذاته. ويكمن هذا المنظور في النهج القاسي والسلبي الذي تتبعه أنظمة مصر والسعودية والإمارات تجاه التنظيم. وبهذه الحالة، فإن الإخوان تشكيل "لا يُرضي هذا ولا ذاك". لكنها لا تغيب عن الأجندة، ولا يمكنها أن تغيب.

ومن الجوانب الأخرى اللافتة هو أنه باستثناء التجربة التي لم تدم حتى سنة واحدة في مصر، ليس لدى الإخوان أي خبرة سابقة في السلطة أو أي سابقة لما سيفعلونه في أي قضية مُعينة بمجرد وصولهم إلى السلطة. فحركة النهضة التونسية، المنسوبة إلى الإخوان اتبعت نهجًا ليبراليًا تقريبًا. أما حماس، فقد تحولت إلى حركة مقاومة مسلحة أكثر من كونها كياناً سياسياً، بسبب الوضع الاستثنائي الذي أوجده الاحتلال الإسرائيلي. وفي لبنان، لم يُتح وجود حزب الله الفعلي للإخوان مجالاً للإخوان، خاصة في الفترة الأخيرة. أما في الأردن، وبسبب هيمنة النظام الملكي المطلقة، كان الإخوان مجرد فاعل ثانوي داخل النظام.

وبالتالي، فإن كل الاستنتاجات حول الأداء الذي سيقدمه الإخوان الذين يُخشى منهم ويُبالغ في التحذير تجاههم ويُعادَون كل هذا، إذا وصلوا إلى السلطة بالصدفة، هي مجرد تكهنات وتفسيرات. بل يمكنني أن أقول في إطار ملاحظاتي واتصالاتي الشخصية: لا يوجد مشروع سياسي ملموس ومستدام في ذهن أعضاء الإخوان. فالضغوط على التنظيم شديدة وكثيفة لدرجة أن الأولوية القصوى حالياً مُنحت كلها للبقاء على قيد الحياة.

وأختم بالقول ذاته الذي أقوله كلما طُرح موضوع الإخوان:

إن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي تضيع فرصة تاريخية باستبعادها لمثل هذا التنظيم المتجذر. 

فإذا أُدمج الإخوان في النظام

الأحد، 5 أكتوبر 2025

خطوة بخطوة

رسالة إلى نيقوسيا

طه كلينتش


السيد دنكتاش:

بداية، أتوجه إليكم بتحية لكم ملؤها الاحترام والتقدير. إنكم من الشخصيات البارزة في بلد مبارك استضاف أم حرام بنت ملحان، عمة النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، الأمر الذي أكسبها أهمية قصوى في وجدان المسلمين. 

إن الغاية من كتابة هذه الرسالة هي التعبير عن احترامي لكم ولبلدكم. 

أنا شخص وُلد في الهند، وأفنى عمره في خدمة العلوم الإسلامية، وزار العديد من مناطق العالم الإسلامي. وللأتراك في قلبي محبة وامتنان خاصان لخدماتهم الجليلة للإسلام، ولهم مكانة رفيعة من بين جميع الشعوب. وكذلك أشعر تجاه أتراك قبرص بمودة وقربٍ عميقين.


السيد دنكتاش:

يُعد التعليم الإسلامي من الشروط الأساسية التي لا غنى عنها لصون استقلال وطابع أي بلد مسلم. 

فإذا لم يتلقَ أطفالنا تعليماً دينياً ولم يُغرس فيهم الإسلام منذ صغرهم، فسوف ينشأ لدينا في المستقبل مجتمع منقطع عن جذوره. 

انظروا إلى المؤسسات التعليمية للقبارصة اليونانيين المقيمين في قبرص، وستجدون منهجاً ونظاماً متشابكاً مع الديانة المسيحية. 

هناك حاجة ماسة وضرورية لمزج الأتراك المسلمين القبارصة بالإسلام بالطريقة ذاتها.

السيد دنكتاش:

لقد توليتم مناصب مهمة في إدارة قبرص، وأنتم مقبلون على أدوار أكبر في مستقبلها. لذا، وقبل فوات الأوان، بادروا إلى تأسيس مدرسة للأئمة والخطباء في قبرص، ووجهوا إليها الأطفال المسلمين. 

كما أدعوكم إلى إنشاء كلية للشريعة والدراسات الإسلامية للتعليم العالي. ليكتسب الشباب المسلمون القبارصة علوم دينهم بأفضل صورة، ولتعزيز روحانياتهم. 

إن الخطوة الأولى لمواجهة عدوانية الروم هي بناء مجتمع ذي وعي ديني ووطني راسخ. والسبيل إلى ذلك هو من خلال تعلم الإسلام وتطبيقه.

مع خالص السلام والاحترام والمحبة."

يروي الأستاذ الدكتور إحسان سُريّا سيرما، أن أستاذه البروفيسور الدكتور محمد حميد الله كتب رسالة موجهة إلى رئيس دولة قبرص التركية الفيدرالية آنذاك، رؤوف دنكتاش، في سبعينيات القرن الماضي، يوصيه فيها بفتح مدارس الأئمة والخطباء في قبرص، لكنه لم يرسلها. لا نعلم لماذا لم يرسل حميد الله الرسالة، أو ممن كان يخشى. 

وقبل كتابة هذا المقال، اتصلت بالأستاذ إحسان سُريّا للحصول على معلومات حول لغة وأسلوب الرسالة المعنية، لكنه أفاد بأنه لا يتذكر النص بوضوح بعد مرور هذه السنوات الطويلة. 

ولهذا، فإن النص الافتراضي أعلاه من صياغتي بالكامل. لقد قمتُ بصياغته معتقداً أن البروفيسور حميد الله ربما كتب شيئاً مشابهاً لهذا.

لو أن رسالة محمد حميد الله وصلت إلى مخاطَبيه في نيقوسيا، ولو أن دنكتاش استطاع أن يُدرك إسهام التعليم الوطني والإسلامي في صوغ هوية قبرص، ولو أن عشرات الآلاف من الطلبة تخرّجوا منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم من مدارس الأئمة والخطباء في مختلف مدن الجزيرة، وتولّوا مواقع بارزة في حياتها العامة، فماذا كان سيحدث؟ 

على الأرجح ما كنّا لنشهد بعض المشاهد التي تنعكس من حين لآخر من قبرص اليوم. فما كان لأناس جعلوا من محاربة الحجاب والأذان والتعليم الديني هدفًا لحياتهم أن يجرؤوا على الظهور بهذا القدر من الوقاحة أمام الرأي العام.

لقد وطئتُ أرض قبرص أول مرة عام 2008، وتجولت فيها بالكامل، حتى أصغر قراها وبلداتها. في ذلك الوقت كانت معظم المساجد مغلقة، وكثير من دور العبادة التي تمكنا من فتح أبوابها بصعوبة بالغة لم تكن صالحة لأداء الصلاة. 

وفي كل زيارة لاحقة لي، كنت ألاحظ تغيّر المشهد تدريجيًا، ودخول الجزيرة في مسار جدي من الترميم الروحي. غير أنّ إهمال العقود السابقة خلّف جراحًا عميقة، حتى صار صوت الفئات الغافلة عن هويتها الدينية والوطنية يرتفع عاليًا في قلب قبرص، مجتمعةً في جبهة واحدة لمنع الجزيرة من اكتساب صبغة إسلامية.

ويبدو أن قبرص التي أصبحت مطمعاً للصهاينة اليهود بعد اليونانيين والبريطانيين، ستضطر من الآن فصاعداً إلى خوض صراع داخلي ضد الكتلة المغتربة عن ذاتها.

يجب فهم هذه الحقيقة بوضوح: إذا أُريد الحفاظ على الهوية التركية، فإن درعها وضمانتها الوحيدة هي الإسلام. فمن دون الإسلام، يستحيل الدفاع عن الهوية التركية لقبرص وحمايتها.

نأمل أن تُستوعب هذه الحقيقة الجلية بوضوح، وألا تُرتكب أخطاء لا يمكن تداركها. وإلا، فمن المحتم أن يقال ذات يوم:"لقد عاش في الجزيرة مسلمون أتراك فيما مضى..." وللأسف، فإن التاريخ حافل بأمثلة لا تُحصى على مثل هذا المصير.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

اتفاقية كامب ديفيد والطريق المسدود

اتفاقية كامب ديفيد والطريق المسدود

طه كلينتش


كشف تقرير نشرته منصة أكسيوس الإعلامية الأمريكية مؤخرًا، أن الأزمة بين إسرائيل ومصر تتعمق بشكل متزايد. 
ووفقًا للتقرير، فإن الحكومة الإسرائيلية، التي تشعر بالاستياء من النشاط العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، حاولت حل المشكلة أولًا مع نظرائها في القاهرة. 
ولكن بعد فشل المحادثات الثنائية، لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإدارة الأمريكية، مطالبًا إياها بـ "كبح جماح" مصر.

وادعى المسؤولون الإسرائيليون أن مصر انتهكت اتفاقية كامب ديفيد الموقعة عام 1979، والتي قلصت وجود القوات المصرية في سيناء إلى مستوى رمزي، مشيرين إلى توسعة مدارج الطائرات في المنطقة لأغراض عسكرية وإنشاء منشآت تحت الأرض لتخزين الصواريخ.

وبعد انتشار خبر أكسيوس، أصدرت الإدارة المصرية بيانًا شديد اللهجة، نددت فيه بـ "حرب الإبادة العدوانية والوحشية" التي تشنها إسرائيل في غزة، ورفضت الانتقادات التي زعمت انتهاك اتفاقية كامب ديفيد. ولكن بعد بضع ساعات، تم سحب البيان واستبداله ببيان آخر أكثر ليونة، حيث وُصف ما يحدث في غزة بأنه "عمليات عسكرية إسرائيلية متصاعدة"، وهو ما لفت الانتباه بشكل خاص.

ومن المعروف أن خلافات ملموسة وقعت بين إسرائيل ومصر في سياق الحديث عن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء. 
وقد كرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرارًا في منصات متعددة رفضه لتهجير أهل غزة، بينما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تصريحاته الأخيرة تحميل مصر مسؤولية الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة قائلاً: "لكل فلسطيني الحق في مغادرة غزة. سأفتح معبر رفح للعبور، لكن مصر ستغلق هذا المعبر فورًا."

وبينما يتصاعد التوتر بين البلدين، دعونا نقم برحلة قصيرة إلى الماضي لفهم ما يحدث اليوم:

وقعت اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979 بين الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وهي الاتفاقية التي قيدت كبّلت مصر كدولة عربية قوية، وجعلتها رهينةً للمساعدات الأمريكية. 
فمصر، التي خاضت حروبًا ضد إسرائيل في أعوام 1948، و1967، و1973، أصبحت فجأة "صديقة" لإسرائيل، وذلك في إطار نهج السادات البراغماتي تجاه الشرق الأوسط. 
وبموجب هذه الاتفاقية، انسحبت إسرائيل من شبه جزيرة سيناء التي احتلتها في عام 1967، وفي المقابل، اتخذت مصر موقفًا محايدًا تمامًا من القضية الفلسطينية. 
وبعد أن تمكنت إسرائيل من تحييد أكبر وأقوى عدو لها في العالم العربي، احتلت إسرائيل لبنان فعليًا عام ١٩٨٢، واثقةً أن جبهتها الجنوبية لن تشهد أي تهديد. غير أنّ السادات، الذي وقّع الاتفاقية، دفع حياته ثمنًا لذلك، إذ اغتاله ضابط من جيشه في 6 أكتوبر 1981.

لقد جعلت اتفاقية كامب ديفيد إسرائيل أكثر طغيانًا وتجرؤًا في المنطقة، فيما لم تحقق لمصر أي مكاسب تُذكر، بل أوقعتها في خسائر مستمرة، ولا تزال تتفاقم حتى اليوم. 
ويمكن القول إن كامب ديفيد أصبحت بالنسبة إلى مصر والشرق الأوسط، طريقًا مسدودًا. 
إن وقاحة إسرائيل، التي تركز دائمًا على استفزاز نظرائها دون أن تفي بأي من التزاماتها، يجب أن تدفع المسؤولين المصريين إلى إعادة تقييم هذه الاتفاقية.

وفوق ذلك، فإن الشرق الأوسط والعالم يشهدان تحولات عميقة؛ فثمة جبهة عالمية متنامية تتشكل ضد إسرائيل والصهيونية. 
وتزداد قوة التيارات المناهضة للصهيونية وإسرائيل في مختلف البلدان، ويبدو أن البشرية مقبلة على عصر جديد ستُلقى فيه الأوضاع القديمة في مزبلة التاريخ. 
هذه الموجة العارمة من الغضب المشروع والمتجذر ضد تجاه الصهيونية وإسرائيل لن تهدأ أبدًا، بل ستتوسع وتتعزز مع مرور الوقت. 
ومن يطول به العمر سيشهد مرحلة يُصبح فيها اليهود أنفسهم يخجلون من كونهم إسرائيليين وصهاينة، وسيصبحون منبوذين أينما حلّوا، ولن يرغب أحد حتى في الوقوف إلى جانبهم.

يجب على الدول في العالم الإسلامي أن تعيد النظر في علاقاتها مع إسرائيل من هذا المنطلق، وأن تتخذ قرارات حاسمة قبل فوات الأوان. 
لقد طال الانتظار، وكثُرت الخسائر، ودُفعت أثمان باهظة، وآن الأوان لوقف كل هذا.


 المصدر: يني شفق

الأحد، 21 سبتمبر 2025

بصمة فرنسية

بصمة فرنسية
طه كلينتش

لفت العميد مناف طلاس، الذي كان أحد أبرز الشخصيات الرئيسية في نظام البعث السوري، الأنظار إليه الأسبوع الماضي بكلمة ألقاها في مؤتمر بباريس. وقبل الخوض في تفاصيل خطابه، دعونا نستعرض سيرته وسيرة والده مصطفى طلاس.


ولد مصطفى طلاس عام 1932 في بلدة الرستن بالقرب من حمص لعائلة سنية، وانضم إلى حزب البعث عام 1947 فور تأسيسه. 
وبعد مشاركته الفعالة في الانقلاب العسكري الذي أوصل البعث إلى السلطة عام 1963، عُين قائدًا للمنطقة الوسطى من البلاد. 
وقد كافأه حافظ الأسد على وقوفه معه في الانقلاب الذي حدث داخل حزب البعث عام 1970، حيث تولّى منصب وزير الدفاع عام 1972، وظل في منصبه لمدة 32 عامًا حتى عام 2004. 
وكان لطلاس دور محوري في أحداث عامي 1980 و 1982 التي شهدت قمعًا وحشيًا للمعارضة السورية، كما ساهم بشكل مباشر في وصول ابنه بشار إلى سدة الحكم. 
فبعد أن ضمن ولاء الجيش لـ بشار الأسد، اعتزل مصطفى طلاس الحياة السياسية بعد أن وضع ابنه مناف في منصب بارز.

وعندما امتدت شرارة “الربيع العربي” إلى سوريا، غادر مصطفى طلاس البلاد متخذًا موقفًا براغماتيًا، وانتقل إلى باريس ليقيم عند ابنته التي تعيش هناك منذ سنوات. 
وبحكم خبرته الطويلة، كان قادرًا على استشراف الاتجاه الذي قد يسلكه نظام البعث في ظل الأحداث. وبالرغم من كونه أحد أبرز رموز القمع الدموي في تاريخ النظام، فقد آثر الصمت، لكنه شجّع ولديه مناف وفراس على الانضمام إلى صفوف المعارضة. 
وفي تموز/يوليو 2012، أعلن مناف “انشقاقه”، فانتقل أولًا إلى تركيا، ثم إلى باريس للالتحاق بوالده.

وقد أثار انشقاقه حينذاك صدى واسعًا في الإعلام الدولي الذي صاغ الحدث بعنوان: “حتى صديق طفولة بشار الأسد ينضم إلى المعارضة”. 
بل إن اسمه طُرح في بعض الأوساط كخيار محتمل لرئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية. 
غير أن مناف، على غرار والده، لم يظهر أي ندم أو يُقدّم اعترافا علنيا بمسؤوليته أو بمسؤولية العائلة عن الجرائم والانتهاكات التي شارك فيها في عهد نظام البعث. 
بل ذهب في مقابلة عام 2017 إلى حدّ تبرئة والده من أي صلة بمجزرة حماة عام 1982، زاعمًا أن دوره كان محدودًا للغاية ولم يكن صاحب القرار. لذلك، ما قام به مناف لم يكن اعترافًا بالخطأ أو توبة عن الماضي، بل كان خطوة انتهازية بحتة.

ولم نسمع صوت مناف طلاس منذ عدة سنوات، لكنه ظهر أخيرًا يوم السبت 13 سبتمبر في مؤتمر عقدته أكاديمية العلوم السياسية بباريس، حيث قدّم تقييماته للوضع الراهن في سوريا أمام جمهور من السوريين، واللبنانيين، والفرنسيين. 

وأبرز ما جاء في حديثه كان ما يلي:
"إذا تم إنشاء مجلس عسكري وطني وعلماني يمثل جميع الفصائل، فإن 90% من المشاكل التي تواجهها سوريا حاليًا ستختفي. أنا على اتصال بالآلاف من الجنود والضباط من الجيش السابق. كما أنني على اتصال مع العديد من الأسماء من قسد، ومنطقة الساحل في اللاذقية، والسويداء. الجميع مستعدون للانضمام إلى مثل هذا المجلس. يجب نقل بعض صلاحيات رئيس الدولة إلى المجلس الذي ذكرته. وبهذه الطريقة، سيتم الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى حكم دولة قائمة على القواعد. ويجب على الجيش السوري الالتزام الصارم بمبدأ علماني يحترم التنوع الاجتماعي. لستُ معنيًا بالسياسة أو السلطة. أريد فقط إعادة بناء مؤسسات الدولة في سوريا على أساس العدالة والأمن."
                                 
إن تصريحات مناف طلاس تبدو سخيفة في ظل الظروف الراهنة في سوريا، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار دوره خلال الفترة التي مارس فيها نظام البعث أعنف القمع على الشعب. 
كما أن محاولة تظاهره بأنه "عبقري سياسي" أمرٌ مأساويٌّ ومثير للسخرية. 
ولكن لا ينبغي الاعتقاد أن طلاس يتحدث من تلقاء نفسه أو بلا سبب. 
وبالنظر إلى أن فرنسا لم تقطع علاقاتها قط بأراضي انتدابها السابقة في لبنان وسوريا، فمن الوارد جدًا أن يكون طلاس قد أُعيد إلى الواجهة ليقوم بدور "المرشح القائد المخضرم الذي سيتحمل مسؤولية البلد بعد الإدارة المؤقتة لأحمد الشرع".
والسؤال هنا: 
هل يمكن لفرنسا أن تراهن على مثل هذا الحصان الخاسر؟ بالتأكيد، ولمَ لا؟ فالعادات القديمة يصعب التخلي عنها.

الأحد، 27 أبريل 2025

رسالة من سجن المرناقية

رسالة من سجن المرناقية
طه كلينتش


قبل عامين كاملين، وتحديدًا في مساء السابع عشر من أبريل 2023، طوقت مئات من عناصر الشرطة والقوات الخاصة منزل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في العاصمة التونسية. 
وفي تلك الليلة، التي صادفت ليلة السابع والعشرين من رمضان – والمتعارف عليها عند جمهور المسلمين بأنها "ليلة القدر" – كان أفراد عائلة الغنوشي مجتمعين حول مائدة الإفطار، فاقتحم رجال الأمن المنزل دون أي احترام لقدسية الزمان أو حرمة المكان، وفتشوه تفتيشًا دقيقًا، ثم اقتادوا معهم الغنوشي، البالغ من العمر حينها 82 عامًا. 
وفي لائحة اتهام صورية أُعدت له، اتُهم الغنوشي بالعديد من "الجرائم" التي تراوحت بين "التحريض على العنف" و"التجسس لصالح دول أجنبية"، وقد أُودع السجن بعد أول جلسة محاكمة له.

تشهد منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تسارعًا مذهلًا في الأحداث، إلى درجة أنني لم أدرك مرور عامين كاملين على اعتقال راشد الغنوشي إلا بعد قراءتي للرسالة الطويلة التي بعث بها من سجنه في المرناقية القريب من العاصمة. 
وقد نُشرت الرسالة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكانت بمثابة "بيان عدالة"، تكشف عن الجانب الفكري في شخصية الغنوشي.

وقد استهل الغنوشي رسالته برفض جميع التهم الموجهة إليه مجددًا، مشيرا إلى أن حركة النهضة التي يتزعمها تتبنى أيديولوجية "الديمقراطية الإسلامية". 
وقد برزت التأكيدات على الديمقراطية والتوجه الديمقراطي باستمرار طوال النص.

وأما النقطة الثانية البارزة، فتمثلت في إشارته إلى أن معتقل المرناقية يضم بين جدرانه معتقلين من مختلف التوجهات والأيديولوجيات، حيث ذكر عدة أسماء مؤكداً أن نظام الحكم "الدكتاتوري" الحالي قد جمع في السجن أناسًا من جميع الأطياف في المجتمع التونسي تحت سقف واحد.

ولم يغفل الغنوشي عن ذكر غزة في رسالته، مشيرا إلى أن صمود أهلها ومقاومتهم وصبرهم وعزيمتهم وإصرارهم يُعد مثالًا يُحتذى به للأمة الإسلامية جمعاء، وربط بين نضال الفلسطينيين وكفاح التونسيين من أجل الحرية والديمقراطية، معتبراً أن كلا النضالين يعزز الآخر. واختتم رسالته بتوجيه تحية لـ "جميع الأبطال الذين يكافحون من أجل الحرية".

ورغم طغيان نبرة التفاؤل العميق على سطور الرسالة، إلا أن قراءة متأنية تكشف بوضوح عن ثلاث ملاحظات بارزة تستوجب التأكيد عليها:



ــ بعد حياة المنفى، ما إن عاد راشد الغنوشي إلى وطنه الذي يوصف بـ"مهد الربيع العربي"، حتى عاد ليعتلي صدارة المشهد السياسي. وقد تابع الغنوشي باهتمام بالغ التطورات التي شهدتها مصر منذ عام 2013، مؤكدًا في كل مناسبة أن الحركة التي يقودها لا ينبغي أن تُوسم بـ"الإسلام السياسي"، بل شدد على أنها "ديمقراطية إسلامية". وفي العالم الإسلامي حيث لا يزال الجمع فيه بين الإسلام والديمقراطية، من المحرمات الفكرية، تعرض الغنوشي لانتقادات حادة. واليوم رغم ما أبداه من مرونة كبيرة في خطابه، ورغم الخطوات العديدة التي اتخذها للتصالح مع القوى "الفاعلة" في تونس، فإن استمرار اعتقاله يكشف أن مصطلحات من قبيل "الديمقراطية الإسلامية" أو "الديمقراطي المسلم" لم تفلح في إرضاء أركان النظام المسيطر.

ــ إن الطريقة التي جرى بها اقتحام منزل الغنوشي واعتقاله كما لو كان "إرهابيًا خطيرًا"، ومن ثم الزج به في السجن رغم تقدمه في السن، ما هي إلا نتيجة للتوترات داخل العالم العربي. إذ لم يعد خافيًا أن بعض العواصم العربية تعتبر حركة النهضة "تهديدًا خطيرًا". والحملة الهادفة إلى وصم جميع الحركات الإسلامية بالإرهاب، أو تقديمها للرأي العام بهذا الشكل، تعكس في جوهرها قبولا ضمنيا بأن الإسلام لا ينبغي أن يكون له أي ادعاءات أو مطالب في ميادين الحياة المختلفة. فلا تفسير آخر لمثل هذه العداوة الشرسة تجاه شخصية معتدلة - بل أقرب إلى الليبرالية - مثل راشد الغنوشي.

ــ يسود في العالم الإسلامي مشروع رائج منذ فترة طويلة: بما أن الإسلام لا يمكن القضاء عليه، ينبغي إذًا تشكيل نسخة "مقبولة" منه. نسخة تتجاهل كل ما لدى الإسلام من مقترحات وأوامر ونواهٍ في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لتُبنى عقيدة "صوفية" و"وجدانية" لا تتدخل في تفاصيل الحياة العملية. 
ويبدو أن الحركات الإسلامية والإسلاميين هم أول ضحايا هذا المسار بطبيعة الحال. 
غير أن هذا الطريق مسدود؛ فالإسلام -بما يحمله من أطروحات ومشاريع للحياة- قد تمكن عبر التاريخ من التغلب على معارضيه وخصومه .