‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالرحمن الشمري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالرحمن الشمري. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

موسى والبيت الأبيض

 موسى والبيت الأبيض

عبدالرحمن الشمري


قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه.


مفارقة تهز الخيال



أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها.

وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم.

سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر.

دول دُمرت

وشعوب شُردت

لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل

ببطء

بهدوء

ومن داخل النظام نفسه

كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم.

ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما).

صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا.

كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر).

تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة.

وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !!

زهران ممداني

ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر.

دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين

هل توقفت القصة هنا
؟ لا لم تتوقف

ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر

عبدالرحمن السيد

اسم عربي واضح

مسلم

من أصول مصرية

فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها.

وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين

أوباما

ممداني

عبدالرحمن السيد


ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية.

ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي.

المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس

نحو مؤسساتها

نحو جامعاتها

نحو إعلامها

نحو مجالسها المحلية

نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار

والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !!

ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟

هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول

إنهم أمريكيون

ولدوا فيها

درسوا في مدارسها

يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها

يدفعون ضرائبها

يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها

وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة

لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده

إذا خسر سيأتي غيره

وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث

فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال

قبل عقود كان السؤال

هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟

وحدث

ثم جاء السؤال

هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟

وحدث

والسؤال اليوم
هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟

نعم بات ذلك ممكنا

لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟!

هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟

اليوم قد يضحك البعض من السؤال

لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا

وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه

أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها.

وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين

قد يكتب جملة أكثر إثارة:

بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

أهلا بك في الجنة

أهلا بك في الجنة

عبدالرحمن الشمري


في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان.

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية.

ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات.

ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح.

وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء.

وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة.

أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول.

واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة.

وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً.

ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة.

كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية.

واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة.

رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء.

فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك.

وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له).

وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً.

أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.



الثلاثاء، 30 يونيو 2026

استثمارك الحقيقي

استثمارك الحقيقي
عبدالرحمن الشمري


سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ 
السؤال الأعمق والأخطر: 
هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟

كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. 
فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته.

هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟

إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده.

كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات.

فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟

ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. 
فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! 
وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! 
لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات.

لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً.

وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. 
كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. 
لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم

الأربعاء، 24 يونيو 2026

نظام الطيبات الرقمي

 نظام الطيبات الرقمي

عبدالرحمن الشمري


كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. 

وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه.

بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. 


والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: 

(اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟).


وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. 

لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. 

اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر.

وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. 

هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم.

الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. 

وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. 

أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية.

وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. 

الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ 

فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر.

والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. 

أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. 

نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: 

ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. 

فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس.

لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. 

ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.


عبدالرحمن الشمري

الأربعاء، 27 مايو 2026

يؤلمهم العيد

يؤلمهم العيد



عبدالرحمن الشمري

في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة على شكل واحد للسعادة. الشوارع مزدحمة، المحلات مضاءة، الرسائل المتكررة لا تتوقف، والناس يتبادلون الأمنيات ذاتها بوجوه أكثر إشراقاً من المعتاد. حتى مواقع التواصل تتحول إلى معرض كبير للضحكات والزيارات وصور المجالس وثياب الأطفال الجديدة.

لكن هناك جانباً آخر للعيد لا يتحدث عنه أحد كثيراً. جانب صامت، يمشي بين الناس دون أن يراه أحد.

فليس كل من ابتسم في العيد كان سعيداً فعلاً، وليس كل من نشر صورة مع عائلته كان يشعر بالدفء الذي تبدو عليه الصورة. بعض الناس يدخلون العيد بقلوب متعبة، لكنهم يتقنون إخفاء ذلك، لأن الحزن في مواسم الفرح يبدو وكأنه ممنوع ولا يسمح به.

العيد يملك قدرة غريبة على إيقاظ الغياب.

كرسي فارغ على طاولة المائدة يكفي أحياناً ليغيّر معالم اليوم كله.

صوت اعتدنا سماعه كل عيد لكنه اختفى.

رسالة كانت تصل دائماً انقطعت.

أم تنتظر ابناً لن يعود هذا العام.

أب يحاول أن يبدو قوياً أمام عائلته رغم أن شيئاً داخله منكسر.

ومغترب يضحك في مكالمة الفيديو كي لا تقلق أمه، ثم يغلق الهاتف ويجلس وحيداً في غرفة صامتة وربما بكى.

هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في الصور، لكنها الحقيقة التي يعيشها كثير من الناس كل عيد.

المشكلة أننا تعودنا أن نتعامل مع العيد وكأنه اختبار جماعي للسعادة.

يجب أن تكون سعيداً، متحمساً، مبتسماً، وإلا بدوت غريباً وسط الجميع.

لذلك يتعب كثير من الناس وهم يحاولون تمثيل الفرح فقط حتى لا يفسدوا مزاج الآخرين. يذهبون إلى الزيارات يلتقطون الصور يرددون عبارات التهنئة ذاتها ثم يعودون إلى غرفهم منهكين من كل هذا التظاهر.

ولأن الجميع مشغولون بإظهار فرحتهم لا أحد ينتبه غالباً لأولئك الذين يحاولون النجاة والهرب سريعاً من هذا اليوم.

لهذا لا يحتاج بعض الناس في العيد إلى هدية بقدر حاجتهم إلى انتباه حقيقي.

فغاية مرادهم أن يلاحظهم أحد فقط.

أن يسألهم شخص بصدق “أنت طيب ؟” دون أن تكون سؤالاً عابراً يُقال بحكم العادة.

أن يجلس أحد معهم دون استعجال.

أن يتذكرهم اتصال غير متوقع.

أن يشعروا أن وجودهم لا يزال مهماً وسط هذا الزحام الكبير.

أحياناً كلمة صادقة تفعل ما لا تفعله كل مظاهر العيد.

نحن نبالغ كثيراً في الاحتفاء بكل ما هو ظاهر في العيد وننسى المعاني الصغيرة التي تمنحه روحه الحقيقية. ليس العيد في عدد الزيارات ولا في الصور ولا حتى في الملابس الجديدة. العيد الحقيقي ربما يكون في قدرتنا على أن نكون أكثر لطفاً مع بعضنا وأكثر انتباهاً للقلوب التي تخفي تعبها خلف قناع الابتسامات.

ليس مطلوباً من الناس أن يكونوا سعداء طوال الوقت كي يستحقوا العيد.

يكفي أحياناً أن يجد الإنسان من يخفف عنه شعوره بالوحدة.

ولهذا قبل أن تنشغل هذا العيد بإرسال الرسائل المعتادة والمكررة أو ترتيب الصور أو متابعة تفاصيل اليوم الطويلة حاول أن تتذكر شخصاً قد يمر العيد عليه ثقيلاً دون أن يبوح بذلك لأحد.

اتصل به، اقترب منه، امنحه بعض الوقت الصادق في دعوة لمنزلك او لمكان تجتمع معه.

فالناس لا ينقصهم الفرح بقدر ما ينقصهم أن يشعروا بأنهم غير منسيين وأن هناك من يسأل عنهم ويفتقدهم ويهتم لحالهم.

الأربعاء، 13 مايو 2026

مبروك صرت مشهور

مبروك صرت مشهور

عبدالرحمن الشمري


ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة.

لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. 
في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى.

والترند في جوهره
لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. 
لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. 
وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه.

ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد.

والأسوأ
أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها.

هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة.

نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث.

كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة.

إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. 
وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.

الخميس، 7 مايو 2026

الحروب بين الإعلام والتعليم

الحروب بين الإعلام والتعليم
عبدالرحمن الشمري


عند تأمل التاريخ نجد أن الحروب الكبرى لم تبدأ دائمًا بحقائق واضحة، بل بروايات متعددة، لكل طرف فيها مبرراته الخاصة. 
فالحرب العالمية الأولى مثلًا لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية، بل كانت نتيجة تراكمات من التفسيرات المختلفة، فألمانيا رأت نفسها في حرب وقائية، وروسيا اعتبرت تدخلها دفاعًا عن الشعوب السلافية، والنمسا تحدثت عن رد على جريمة إرهابية، بينما أعلنت فرنسا وفاءها للحلفاء، وبريطانيا التزامها القانوني. 
هذه السرديات المتباينة حول حادثة واحدة أدت في النهاية إلى كارثة إنسانية كبرى، حيث تحولت شرارة اغتيال رجل وامرأة إلى حرب أودت بحياة عشرات الملايين، ومهدت لحرب أكثر دمارًا بعدها وفتكاً.
إن استحضار هذا المثال التاريخي ليس من باب المقارنات وملء الفراغات، بل لتوضيح كيف يمكن للروايات المختلفة أن تشكل وعي الشعوب، وتوجه قرارات الدول. 
وفي الحالة الراهنة بين إيران والكيان المحتل وأمريكا، نجد أن كل طرف يقدم نفسه ضمن إطار دفاعي أو وقائي، ويعمل على بناء سردية متماسكة تخدم مصالحه وتبرر تحركاته أمام شعبه وأمام العالم. 
فإيران ترى نفسها في موقع مقاومة للهيمنة ورفض التدخل الخارجي، بينما تعتبر الولايات المتحدة والكيان المحتل تحركاتهما جزءًا من حماية مصالحهما وأمنهما القومي ومنع التهديدات المستقبلية. 
وبين هذه الروايات المتشابكة، يصبح المشهد ضبابيًا، حيث تختلط الحقائق بالتفسيرات، وتتحول الأحداث إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة وفقًا للمصالح.

وفي ظل هذا التعقيد، يقف المتلقي حائرًا، يتلقى سيلاً من المعلومات المتناقضة من وسائل إعلام متعددة ومنصات رقمية لا تخضع دائمًا لمعايير الدقة والمصداقية. 
فكل خبر يحمل زاوية معينة، وكل تحليل يعكس خلفية فكرية أو سياسية، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة. 

ومع غياب أدوات التفكير النقدي لدى كثير من الناس، يتحول المتلقي من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك للروايات وربما مدافعٍ عنها ويتبنى ما يصل إليه دون تمحيص أو مقارنة.

السؤال الجوهري هنا ليس فقط من بدأ؟ بل أيضًا من المستفيد من استمرار هذا الصراع؟ ومن المتضرر من توقفه؟ وماذا سينتج بعده؟ 
في كثير من الأحيان، تستفيد أطراف متعددة من حالة التوتر، مثل شركات السلاح التي تزدهر في أجواء النزاعات، وبعض القوى السياسية التي توظف الأزمات لتعزيز نفوذها، إضافة إلى أطماع جغرافية ومالية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. 
وفي المقابل يدفع المدنيون الثمن الأكبر، سواء من خلال الأضرار الاقتصادية، أو التوترات الأمنية، أو الخوف المستمر من التصعيد. فالحروب، مهما كانت مبرراتها، تُدار من بعيد، لكن آثارها تقع مباشرة على حياة الجندي والمدني البسيط.

إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط الصراع ذاته، بل التشويش الذي يحيط به. 
فالإعلام، رغم دوره الحيوي، قد يتحول أحيانًا إلى أداة لنقل رواية واحدة، أو لتضخيم حدث على حساب آخر، أو حتى لطمس بعض الحقائق خوفًا من تبعاتها السياسية أو الاقتصادية. 
كما أن التعليم، إذا لم يركز على تنمية التفكير النقدي، يترك الأجيال عرضة للتأثر بأي خطاب دون تمحيص وتحليل. 
نحن أمام جيل يعيش في بحرٍ هائج من المعلومات، تتدفق إليه الأخبار من كل حدب وصوب، لكنه يفتقر أحيانًا إلى البوصلة التي تساعده على التمييز بين الواقع والسراب، وبين الحقيقة والتضليل.

لذلك، فإن بناء الوعي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يتطلب تعليم الإنسان كيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يبحث عن مصادر متعددة قبل أن يُكوّن رأيه. 
كما يتطلب تعزيز مهارات التحليل وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية للأمور. 
الفهم الصحيح للواقع لا يعني الوصول إلى الحقيقة المطلقة، بل يعني الاقتراب منها قدر الإمكان، عبر تفكيك الخطابات المختلفة، وفهم الدوافع الكامنة خلفها، واستيعاب تعقيد المشهد دون تبسيط مخل.

وأخيراً فالتاريخ يعلمنا أن سوء الفهم قد يكون أخطر من الصراع نفسه، لأن من سيفهم اليوم هو من سيصنع قرارات الغد ويؤثر في مسار الأحداث. 
وإذا لم ندرك حقيقة ما يجري اليوم بوعي ومسؤولية، فإننا قد نكون جزءًا من إعادة إنتاج مآسي الأمس، ولكن بأدوات أكثر تطورًا ونتائج أكثر قسوة. 
لذلك، فإن الوعي لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة، وهو خط الدفاع الأول في وجه الفوضى والحروب، والوسيلة الأهم لحماية المجتمعات من الانجرار وراء روايات قد تقود إلى كوارث لا يمكن تداركها.

الأربعاء، 15 أبريل 2026

حاصرونا بين التيس والكنغر

حاصرونا بين التيس والكنغر
عبدالرحمن الشمري

في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: 
هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ 
عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية.

فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا.

ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش.

وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة.

أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه.

وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات.

وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي.

بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي.

كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: 
العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا.

لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. 
فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. 
فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح:

العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة…

لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!.
وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟

إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.