الأربعاء، 25 مايو 2022

جاهل ومستعفٍ!

 جاهل ومستعفٍ!

أحمد عبد العزيز

"جاهل ومستعف".. تعبير مصري ذائع، يُطلق على الشخص الجاهل الذي يتحدث بكل ثقة في كل أمر، حديث العالم المتبحِّر، غير آبه بأي تصويب صادر عن خبير، بل لا يتورع عن اتهام هذا الخبير بالجهل. 

وقد بات يُعرف هذا الصنف من البشر بـ"الهبيدة" (بفتح الهاء وتشديد الباء وكسرها)، وواحدهم "هبيد"، وما يصدر عنهم فهو "هبد". ولا علاقة لـ"الهبد" بمستوى "الهبيد" الاجتماعي أو الثقافي، فـ"الهبيدة" موجودون في كل فئات المجتمع، وأكثرهم ينتمون إلى الفئة التي تظن نفسها "مثقفة". وللأسف، فإن هذه النوعية ليست بالقليلة!

الهابد بأمره

بوجه مكفهر، وحاجبين معقودين، وعينين تقدحان شررا، ولهجة تنذر بكآبة اللحظة وسوء المآل، قال ياسر جلال، خلال افتتاحه مشروع "مستقبل المحروسة للإنتاج الزراعي" في 21 أيار/ مايو الجاري:

"هقول لكم على أمر، بس أرجو الناس متفهمنيش غلط فيه.. النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حُبِس وحُوصِر في شعاب مكة 3 سنوات.. في إيه؟؟ (بلهجة المعلم المستنطق لتلاميذه البُلداء).. في شعاب مكة 3 سنوات.. وكان سيدنا جبريل بينزل عليه.. بالوحي.. لا الصحابة ولا التابعين ساعتها.. قالوا له والنبي قول لهم يجيبوا لنا ناكل.. ولا الميه تتفجر من تحتنا.. ولااا.. دا ربنا بقى.. كن فيكون.. قعدوا 3 سنين، لدرجة إنهم وصلوا إيه؟ ياكلوا ورق الشجر.. إحنا مش كده.. إحنا أصلب من كده.. أصلب من كده بكتير".

الحقيقة (يا جلال) لم يفهمك أحد غلط.. إنت اللي مقولتش حاجة صح، سوى أن الحصار كان ثلاث سنوات، وما عدا ذلك، فهو "هبد" لم أسمع بمثله إلا الساعة!

ففضلا عن ملامحك المتجهمة التي تحدثت بها عن المستقبل، فعرف الشعب أي مستقبل ينتظره إذا بقيت جاثما على صدره، استشهدت بحادثة "حصار وتجويع" أثناء افتتاحك مشروع "أمن غذائي" يُفترض أن يساهم في توفير احتياجات أهل المحروسة من المحاصيل الزراعية؛ كي لا يصل بهم الحال إلى أكل ورق الشجر، بل وزدت فتكلمت بلهجة العالم النِّحرير، والمعلم الخبير. ولو أنك تعلم أن هذا المشروع وغيره مشاريع حقيقية، لما كان هذا حالك، ولما كانت هذه لهجتك.. لكنها دوامة "الفنكوش" التي أدخلت البلاد والعباد فيها، منذ لحظة انقلابك على رئيسك المنتخب!

فمن المعلوم لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والصحابة (رضوان الله عليهم)، كانوا محاصرين في شِعب "واحد" هو شعب أبي طالب، وليس في "شِعاب" مكة، حسب "روايتك".. فلو كانوا منتشرين في شعاب مكة، لانتفى وصف الحصار عن تلك الحالة التي كانوا عليها.


ومن المعلوم لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية، أن "التابعين" هم الجيل التالي للنبي (صلى الله عليه وسلم)، أي أنهم لم يروا الرسول الكريم رأي العين، ولم يصاحبوه بطبيعة الحال.. فكيف حُبِسوا وحوصروا معه، في "شعاب" مكة؟!


بعد هذا الذي قلتَه، بأسلوب "الجاهل المستعفي" الذي استخدمتَه، لا أستغرب أن يتنادى بعض المهووسين بك؛ لـ"يصححوا" معلوماتهم عن تلك الحادثة، وفق روايتك (المضروبة) هذه!

"وكان سيدنا جبريل بينزل عليه بالوحي.. لا الصحابة ولا التابعين ساعتها.. قالوا له والنبي قول لهم يجيبوا لنا ناكل.. ولا الميه تتفجر من تحتنا".. لو حد فهم الجملة دي يفهمني، وأكن له من الشاكرين..

"قعدوا 3 سنين، لدرجة إنهم وصلوا إيه؟ ياكلوا ورق الشجر.. إحنا مش كده.. إحنا أصلب من كده.. أصلب من كده بكتير"!

أأهل المحروسة (يا هذا) أصلب بكثير من الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة (رضوان الله عليهم)؟!
ألهذا الحد بلغت بك الجرأة (ولا أريد استخدام لفظ آخر تستحقه) أن تقارن بين أي شعب، والرسول الكريم وأصحابه، ثم تخلص إلى أنك ومَن تخاطبهم أكثر صلابة من الرسول وصحابته؟!

أهذا الذي تعنيه (يا هذا) بـ"تجديد الخطاب الديني" وتلح عليه في كل مناسبة، ومن دون مناسبة؟!

أتعلم (يا هذا) أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عاش هذه المحنة كما عاشها صحابته، فلم يتميز عنهم في شيء، ولم يخص نفسه بشيء؟ هل تعلم (يا هذا) أن النبي الكريم (صلوات ربي وسلامه عليه) كان يأكل مع صحابته ورق الشجر، ويجوع كما يجوعون؟ كان يعيش بينهم، وكانوا يعرفون بيته، فكان يصل أي منهم إليه في أي وقت شاء.. هكذا تقول الروايات "الصحيحة"، إلا إذا كان لديك "رواية باطنية" لا يعلمها المسلمون عن رسولهم!

في سياق "تجديده" الخطاب الديني (أيضا) قال ياسر جلال: "إن الخوض في أعراض المسؤولين، أو سبهم، صدقة جارية"، وطفق يفسر معنى ذلك عن "قناعة" واضحة! وبغض النظر عن هذا "الهبد" الفج، فلست أدري ما الرابط بين الخوض في الأعراض ومستقبل المحروسة للإنتاج الزراعي!

خلاصة القول.. الإخوان المسلمون أهل شر، وتجَّار دين، أما ياسر جلال فهو أهل تقوى، ومدرس دين وزراعة وري وفلسفة واقتصاد وإعلام واجتماع وتاريخ وجغرافيا!

خبير الثروة الحيوانية

في المناسبة ذاتها، خلع ياسر جلال عمامة الواعظ الهبيد، ليعتمر قبعة الخبير بتربية المواشي فقال: "البقرة المحلية بتنتج 7-8 كجم لبن في اليوم، والعجل بيزيد وزنه 700 جم في اليوم.. وبنفس الأكل والشرب، ونفس طريقة التغذية، ممكن الحيوانات المُحسَّنة المستوردة تجيب 40 كجم لبن، وكيلو ونصف زيادة وزن في العجول.. وعاوز مصر الخير والجمعيات الأهلية الأخرى تجيب البقر، وتدِّي [تعطي] بقرة أو بقرتين للفلاح، بدلا من دعمه بأكل ولحمة.. يكسب ألوف، ويصرف على نفسه بشغله. ونبقى زوّدنا إنتاج لبن ولحم في البلد".

أود الإشارة (هنا) إلى أن هذا الكلام خضع للضبط والاختصار الشديد؛ كي يبدو مفهوما.. أما الكلام في الفيديو فمتداخل وغير مفهوم، حيث خلط ياسر جلال بين أرقام إنتاج اللحم وأرقام إنتاج اللبن، وكرر ذلك كثيرا، على نحو يعكس عدم فهمه للموضوع بأي درجة!

على أية حال.. الكلام (بعد الضبط) يبدو منطقيا لشخص مثلي لا دراية له بتربية المواشي، رغم نشأتي الريفية وتعاملي مع المواشي في سِنِين الطفولة والمراهقة، بيد أنه لا يمكنني الرد.. فالرد على مثل هذا الكلام يحتاج إلى خبير "بجد"، والذي سيتضح أنه "هبد" من العيار الثقيل، بعد قليل!

أحيلك (عزيزي القارئ) إلى تعليق للدكتور محمد الشريف الذي يحمل درجة الدكتوراه في "تغذية الحيوان"، ويعمل "استشاري التغذية والأعلاف" لدى إحدى الجهات المتخصصة في هذا المجال، وهو مؤيد ومحب لياسر جلال.. أي أنه "جلالاوي" الهوى والانتماء، كما يبدو من تعريفه بنفسه على حسابه التويتري. وسأنقل التعليق بتصرف يسير، سيظهر في السياق..

يقول الدكتور الشريف الذي ضبط وأعاد صياغة "رؤية" ياسر جلال التي خلط فيها بين أرقام إنتاج اللحم وأرقام إنتاج اللبن:

"رابع أو خامس مرة أسمع [ياسر جلال] يتحدث عن حلم استبدال 2 مليون رأس ماشية محلية، عند صغار الفلاحين، بأبقار مُحَسَّنة وراثيا.. المشكلة إن مفيش ولا حد اتجرأ وقال له: لا يا [جلال].. التحسين الوراثي مينفعش يزيد إنتاج اللبن أو الوزن الحي، بنفس الأكل والشرب، وطريقة التربية بتاع البقر المحلي، وإن حلمه غير قابل للتحقيق علميا وعمليا..

البقرة المستوردة بـ50 ألف جنيه، وعجل التسمين المستورد بـ20 ألف جنيه، ولها احتياجات غذائية عالية، ورعاية صحية خاصة، وتوفير ظروف مناخية في الحظائر، ومحتاجة تتلقح صناعيا بسائل منوي مستورد وغالي، من نفس السلالة، وحساسة للأمراض، فلازم تتحصن بلقاحات مستوردة.. والبقرة بتاكل بـ140-150 جنيه، في اليوم؛ عشان تنتج 40 كجم، في ظروف تربية غير متوفرة عند الفلاح الصغير، وإن الفلاح لو أكَّلها نفس علف البقرة المحلية مش هتنتج، وكمان هتموت، ونبقى خسرنا البقر المستورد والبقر المحلي كمان.

[جلال] قال أيضا: "لما اتكلمت مع وزير الزراعة في الموضوع، الوزير قال: طيب هنودي اللبن فين؟ وعشان كده قررنا [جلال هو الذي قرر وليس الوزير] نعمل مصنع لبن مجفف؛ عشان سعر اللبن لا ينخفض".. ودي الغلطة الثانية!

أوروبا وأمريكا بيعملوا مصانع تجفيف لبن؛ عشان لما يحصل فائض إنتاج بيسبب انخفاض الأسعار، فيؤدي إلى خسارة المنتجين.. فبيجففوه للمحافظة على أرباح المنتجين، ويصدروه (غالبا) للدول النامية بدعم حكومي، أو من خلال روابط المنتجين.. لكن دولة زي مصر، إنتاج اللبن فيها متدني، تعمل مصانع تجفيف لبن ليه؟!

دا مثال واحد صغير على إن [جلال] لا يتلقى نصائح أمينة ومخلصة من الخبراء والمسؤولين.. الوزير قال لـ [جلال]: "التوجيه جيد، وإن شاء الله سنستكمل إمكانيات تنفيذه"..

مش منتظر من [ياسر جلال] إنه يعرف كل التفاصيل الفنية، لكن منتظر من الخبراء شجاعة أنهم يقولوا لأ مينفعش، لما يكون مينفعش".

طيب أوي الدكتور الشريف خبير التغذية والأعلاف! متصور إن فيه حد ممكن يقول لياسر جلال: لأ.. ربما لم يسمع مقولة جلال الشهيرة: "متسمعوش كلام حد غيري" التي قالها (يومها) بحدة وغضب، فمن يجرؤ (بعد ذلك) على الكلام، لا سيما إذا كان الكلام تصويبا وتصحيحا، ناهيك عن أن يكون رفضا أو اعتراضا!

مصيبة كبيرة أن يوجد من ذوي الحيثية في المحروسة (حتى اليوم) مَن يحسن الظن بياسر جلال، ويرى إمكانية قبوله النصيحة، واستعداده للمناقشة، بعد كل ما أحدثه في البلاد من خراب ودمار، على كل الصُّعُد، وفي مختلف المجالات، عن سابق قصد وتصميم!

الزميل الإعلامي

في المناسبة ذاتها، قال ياسر جلال: "كتير مننا يقول إحنا ليه نتدخل أحيانا في البرامج وهي بتتعمل؟ هو عنده وقت يتفرج؟.. آه طبعا.. لأن أنا عايز أعرف إحنا هنشكل فهمنا ووعينا للناس إزاي.. عايز أطمن إنه يا ترى "زمايلي" الإعلاميين اللي موجودين وحتى ضيوفهم لما بيتناولوا قضية من القضايا بيتناولوها بشكل شامل وعميق، بحيث اللي بيسمعهم يستفيد من ده، وللا محتاجين نعزز الكلام أكتر، ونلقي عليه الضوء أكتر".

لست بحاجة للتعليق على كلام "الزميل" ياسر جلال.. فما جاء في المقال كافٍ تماما لبيان عمق أفكاره، وشمول رؤيته، وقدرته على تعزيز أي كلام، وإلقاء الضوء عليه كلما دعت الحاجة إلى بيان أكثر، ومن هذا البيان قوله في هذه المناسبة أيضا:

"اوعى تحط رِجل على رِجل وانت بتتكلم.. الناس لما تلاقي الكلام مترتب هتفتكر إنه حقيقي، ويبقى إنت ظلمت نفسك وظلمت الكلام".

وهذه خلاصة مهمة، تفسر لنا ليه دايما كلام ياسر جلال مش مرتب، فالكلام "المترتب" يجعل المتلقي (في رأي جلال) يعتقد أن الكلام "حقيقي" وهو لا يريد أن يخدعنا.. فهو يقول لنا: "أنا أكذب عليكم"، ولكن هناك مَن لا يريد أن يفهم!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق