‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد عبد العزيز (أبو حبيبة). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد عبد العزيز (أبو حبيبة). إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 مايو 2026

في "الإنكار" ومظاهره وأسبابه!

 في "الإنكار" ومظاهره وأسبابه!

أحمد عبد العزيز

"في زمن المجازر، لا حياد"

في لحظات الانكشاف الكبرى، لا يُقيَّم الإنسان بقدرته على رؤية الحقيقة، بل باستعداده للاعتراف بها. فالقرآن الكريم، في الآية 146 من سورة الأعراف، لا يقدّم الكفر باعتباره غيابا للإيمان، بل باعتباره حالة نفسية مركّبة، تتداخل فيها آليات الإنكار، والانحياز، والغفلة، والرفض الوجودي.

يقول تعالى في هذه الآية الكريمة: "وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا، وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا، وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ."


هذه الآية ليست مجرد وصف للكفر، بل تصف نمطا نفسيا متكرّرا في التاريخ الإنساني، حيث يرى الإنسان الآية الربانية، ويُدرك سبيل الرشد، لكنه يختار سبيل الغي، ويُفضّل الضلال على الهداية. إنها ليست أزمة إدراك، بل أزمة إرادة. فالكافر لا يُنكر المعجزة لأنها غير مرئية، بل لأنه لا يريد أن يراها كدليل، ولا أن يخضع لما تعنيه من سلطة إلهية. الإنكار هنا ليس ضعفا معرفيا، بل رفضٌ أخلاقي، يُعيد إنتاج ظلام الضلال رغم سطوع نور الهداية.

الإنكار كآلية دفاع نفسي:

"وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا"..

الإنكار يتجلّى حين تُباد غزة، وتُقاوم رغم الحصار، ويصرّ البعض على لوم المقاومة بدلا من الاحتلال. هذا السلوك لا ينبع من الجهل، بل من رفض الاعتراف؛ لأن الاعتراف يفرض الالتزام بموقف أخلاقي، ويدين الصمت، ويفضح التواطؤ


الإنسان قد يرفض الحقيقة؛ لأنها تهدد منظومته الداخلية، وتُجبره على إعادة تعريف ذاته وموقعه في الكون.. رؤية الآية لا تكفي للإيمان بها؛ لأن الإيمان بالآية يتطلب استعدادا داخليا، لا مجرد الإدراك الحسي.

الانحياز السلبي المتعمّد

"وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا"..

هذا السلوك يُظهر أن المشكلة ليست في غياب الدليل، بل في رفض اتخاذه طريقا.. يُشبه ما يُسمّى في علم النفس بـ"الانحياز التأكيدي العكسي": حيث يرفض الإنسان ما يُخالف رغبته، حتى لو كان منطقيا.

الانجذاب إلى الغي كاختيار واعٍ:

"وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا"..

هنا لا نتحدث عن ضلال عفوي، بل عن اختيار متعمّد للغي، وكأن النفس تجد فيه ما يُرضي رغباتها أو يُعفيها من المسؤولية.. يُفسَّر هذا في علم النفس الأخلاقي بأنه "الانحراف المريح": حيث يختار الإنسان طريقا يُعفيه من مواجهة ذاته.

السبب الجذري التكذيب والغفلة:

"ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ"..

التكذيب هنا ليس مجرد رفض، بل موقف وجودي: إنكار للحق رغم ظهوره.. والغفلة ليست نسيانا، بل انشغالا بما يُبعد عن الحقيقة، وهو ما يُسمّى في علم النفس بـ"الانفصال الإدراكي المتعمّد".

هذا النموذج القرآني لا يقتصر على "زمن النبوة"، بل يتكرّر في كل لحظة. في الواقع العربي الإسلامي المعاصر، نرى هذا الإنكار يتجلّى حين تُباد غزة، وتُقاوم رغم الحصار، ويصرّ البعض على لوم المقاومة بدلا من الاحتلال. هذا السلوك لا ينبع من الجهل، بل من رفض الاعتراف؛ لأن الاعتراف يفرض الالتزام بموقف أخلاقي، ويدين الصمت، ويفضح التواطؤ.

إن "سيكولوجيا الإنكار" في القرآن تُعلّمنا أن الإيمان ليس مجرد تصديق، بل استعداد داخلي للانفتاح على التغيير، والخضوع للحق حين يظهر. وأن الكفر ليس غيابا للمعرفة، بل رفضٌ لما تعنيه المعرفة من مسؤولية والتزام. إنها قراءة تُعيد تعريف العلاقة بين النفس والحقيقة، وتُظهر أن المعجزة لا تُقنع من لا يريد أن يقتنع، وأن الرشد لا يهتدي إليه من لا يريد أن يهتدي.

أنظمة فاقدة الأهلية والشرعية!

حين يتعرض شعب شقيق للإبادة، لا يُقيّم أداء السلطة بقدرتها على إدارة الأزمات فقط، بل بموقفها الأخلاقي من الألم الإنساني. في زمن الإبادة، تتكشّف أخلاقيات السلطة، لا في بياناتها الرسمية، بل في خياراتها الرمزية: هل تُوقف الاحتفالات؟ هل تُدين القاتل؟ هل تنحاز للضحية؟ أم تُعيد تشكيل المشهد لتبدو "محايدة"، بينما تُمارس التواطؤ بالصمت أو التجميل؟

الإبادة المروّعة في غزة كشفت هذا كله. فبينما كانت المقاومة الفلسطينية تواجه آلة الدمار الصهيونية النازية، وتُسجّل صمودا استثنائيا أمام الحصار والمجازر، اختارت بعض الأنظمة العربية أن تُواصل مهرجاناتها الترفيهية، وتُبرّر ذلك بمنطق السيادة والانفتاح. في السعودية مثلا، استمرت فعاليات هيئة الترفيه رغم الإبادة الجماعية، بل واعتُبر التضامن مع غزة "مزايدة"، وكأن المجازر لا تستحق حتى لحظة صمت.

هذا السلوك لا يُفسَّر فقط بالسياسة، بل بالأخلاق. إنه خيار رمزي يكشف عن بنية السلطة التي ترى في الترفيه أداة لتجميل الخذلان، وفي الصمت حكمة، وفي التضامن خطرا على صورتها في عيون العالم المتواطئ. السلطة هنا لا تُنكر المجزرة، لكنها تُفرغها من معناها، وتُعيد تشكيل الوعي العام؛ ليُركّز على ما تسميه "الاستقرار" و"توفير العَلف"، لا على العدالة والانعتاق من ذل الاحتلال.

في مشهدٍ موازٍ، تستمر أنظمة الحكم في اضطهاد ما يسمونه "الإسلام السياسي"، لا لأنه يُهدّد الأمن، بل لأنه يرفض توظيف السلطة لصالح فئة بعينها. جماعة الإخوان المسلمين تُلاحَق رغم ضعفها وهمودها، لأنها تمثّل نموذجا سياسيا يُطالب بالإصلاح والمحاسبة، بينما يُحتفى بالتصوف الطقوسي؛ لأنه منبطح لا ينازع السلطة في أي أمر. إنها سلطة تُعيد تشكيل الدين بما يخدم مصالحها، لا بما يحفظ دين شعوبها وكرامتها.

في زمن المجازر، لا حياد؛ فإما أن تكون مع الضحية، أو مع من يبرّر قتلها. وإما أن تُدين، أو تُشارك بالصمت. وإما أن تُوقف الموسيقى، أو ترقص على أنقاض العدالة وأشلاء الضحايا.

حصار ونصر.. وتضليل وخذلان

سلوك يُعيد إنتاج الهزيمة، ويُبرّئ الجلاد، ويُدين الضحية، في مشهدٍ يُعرّي أزمة الإدراك العربي والإسلامي في زمن الانكشاف


في زمنٍ تُقاس فيه القوة بعدد الطائرات والدبابات، تُعيد غزة تعريف النصر. فالمقاومة الفلسطينية لا تملك ترسانة نووية، ولا غطاء دوليا، ولا حتى ممرا إنسانيا آمنا، لكنها تملك ما هو أندر: الإرادة، والصمود، والقدرة على تحويل الحصار إلى مفجّر إبداع، والتضحية إلى صرخة يرددها العالم بأسره على اختلاف دياناته وثقافاته وإثنياته وجنسياته.

لأكثر من ثمانية عشر عاما، خضعت غزة لحصار مركّب، سياسي واقتصادي وعسكري وإعلامي، لم تعرفه أي حركة مقاومة أخرى في العصر الحديث. إنه حصار لا يكتفي بالعزل الجغرافي، بل يستهدف الوعي، ويُمارَس كعقاب جماعي على أكثر من مليوني إنسان. ومع ذلك، استطاعت المقاومة أن تطوّر أدواتها، وتُربك الاحتلال، وتُعيد تعريف كل ما اصطلح عليه الناس من مفاهيم. إنها تجربة فريدة، تُظهر أن النصر لا يُقاس بالسيطرة، بل بالقدرة على البقاء، والتحدي، وإرباك العدو، رغم اختلال موازين القوة.

رمزية المقاومة في غزة تتجاوز الفعل العسكري، لتصبح فعلا وجوديا. فحين تُباد العائلات، وتُقصف البيوت، وتُقطع الكهرباء والماء، ويظل المقاتلون في مواقعهم، فإنهم لا يُدافعون فقط عن أرض، بل عن معنى. هذا المعنى هو ما يُرعب الاحتلال، ويُربك حساباته، ويُحرج المتواطئين. المقاومة هنا ليست فقط ردّا على العدوان، بل إعلانا أن الفلسطيني لا يُهزم حتى لو سقط جسديا، لأنه يملك ما لا يُقصف: الحق، والإرادة، والذاكرة.

في المقابل، يُصرّ كثيرون على تجاهل هذا النصر الرمزي، ويُركّزون على عدد الضحايا وحجم الدمار، بل ويُلقون باللوم على المقاومة لا على إسرائيل. هذا السلوك لا ينبع من تحليل عقلاني، بل من انكسار نفسي أمام القوة، وتأثير إعلامي يُعيد تشكيل الوعي، وخوف من الاعتراف بأن غزة انتصرت رغم المجازر. إنه سلوك يُعيد إنتاج الهزيمة، ويُبرّئ الجلاد، ويُدين الضحية، في مشهدٍ يُعرّي أزمة الإدراك العربي والإسلامي في زمن الانكشاف.

إن قوة المقاومة لا تُقاس بالنتائج العسكرية، بل بالقدرة على تحويل الألم إلى وعي، والحصار إلى إصرار على البقاء، والدم إلى ذاكرة. إنها مقاومة تُعيد تعريف النصر، لا كسيطرة بل كصمود، لا كغلبة بل كبقاء. وفي زمن الانكشاف، تظل غزة هي الحقيقة التي تُحرج الجميع: الأنظمة، والإعلام، والمثقفين، لأنها تُذكّرهم بما فقدوه، وتُعيد تعريف كل ما تصوروا أنهم يعرفونه.

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com



الثلاثاء، 10 مارس 2026

"سايكس- بيكو" فَرَّقتنا.. و"بيزنطة" جمعتنا!

 "سايكس- بيكو" فَرَّقتنا.. و"بيزنطة" جمعتنا!

أحمد عبد العزيز

"إيران تصوغ الصراع بوصفه مواجهة مع "الاستكبار العالمي"، بهدف شرعنة نفوذها الإقليمي"

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون الأسئلة السياسية مجرد تحليل للواقع، بل تصبح مرآة تعكس طريقة تفكيرنا، وكيف تتشكّل مواقفنا، وكيف نُستدرج إلى اصطفافات لا نصنعها، بل تُصنع لنا. وفي أجواء الحرب الدائرة اليوم بين إيران من جهة، و"إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة أخرى، يعود إلى الواجهة سؤال قديم في جوهره: لماذا تنقسم مواقف العرب والمسلمين إلى هذا الحد وبهذه الحِدّة؟ ولماذا يبدو الجدل حول هذه الحرب أشبه بما يُسمّى "الجدل البيزنطي" الذي ينشغل فيه الناس بالتفاصيل بينما ينهار العالم من حولهم؟

هذا السؤال ليس جديدا، لكنه اليوم أكثر إلحاحا. فالحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي اختبار لوعينا السياسي والديني والاجتماعي، ولقدرتنا على قراءة الصراع دون أن نتحوّل إلى أدوات يستخدمها هذا الطرف أو ذاك.

من قصة رمزية إلى مرآة حضارية

تنتشر في التراث العالمي قصة رمزية تقول: بينما كان علماء بيزنطة (القسطنطينية لاحقا) يتجادلون حول "جنس الملائكة"، اقتحمت جيوش محمد الفاتح أسوار المدينة. ورغم أن القصة غير موثقة تاريخيا، فإنها أصبحت رمزا لحالة حضارية: الانشغال بالجدل العقيم بينما الخطر الحقيقي يقترب. (في الرواية المصرية، كانوا يتناقشون حول أيهما وُجِد أولا: البيضة أم الفرخة)!

وفي التراث العربي والفارسي، تظهر قصص مشابهة عن "مدينة الحكماء" أو "مدينة الفلاسفة" التي سقطت؛ لأن أهلها كانوا غارقين في المناظرات بينما كان العدو يقترب. هذه القصص ليست تاريخا، بل تشخيص نفسي-سياسي لحالة تتكرر في كل حضارة حين تدخل مرحلة الضعف: الانفصال بين الفكر والواقع، بين الكلام والفعل، بين النخب والعامة.

اليوم، ونحن نرى الانقسام العربي والإسلامي حول هذه الحرب التي تدور رحاها تحت أنوفنا وأمام أعيننا، يظهر ما في هذه القصص من الحكمة والتنبيه، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

صراع مركّب

يلجأ الكيميائيون إلى خلط بعض العناصر مع بعضها بعضا؛ للحصول على عنصر جديد يحمل مواصفات أفضل من مواصفات كل عنصر على حده، وكذلك يفعل السياسيون!

خلط الدين بالسياسة وصفة مثالية؛ لإنتاج موقف صلب يصعب التراجع عنه، وينتج خطابا تعبويا يشحذ الهمم، ويجعل الموت أمنية وشرفا في آن. الصراع بين إيران و"إسرائيل"/أمريكا ليس صراعا دينيا خالصا، رغم أن كل طرف يستخدم الدين في خطابه. وهو ليس صراعا قوميا خالصا، رغم أن مفردات: الفرس، والعرب، واليهود، تُستدعى في الخطاب. إنه في جوهره صراع مُركّب يختلط فيه الدين بالسياسة؛ لامتلاك القوة والنفوذ والهيمنة، وتُستخدم فيه الهويات الدينية كأدوات تعبئة لخوض الحرب بمعنويات عالية.

"إسرائيل" والولايات المتحدة تصوغان الصراع بوصفه مواجهة مع "الخطر الشيعي الإيراني"، بهدف تحويل بوصلة المنطقة من فلسطين إلى إيران، ومن جزيرة إبستين إلى الشرق الأوسط!

وإيران تصوغ الصراع بوصفه مواجهة مع "الاستكبار العالمي"، بهدف شرعنة نفوذها الإقليمي، وتقديم نفسها راعيا لمحور المقاومة الذي يخوض صراعا دينيا بامتياز مع عدو الإسلام التاريخي، وهذا موقف من الصعب المحاجّة فيه، إذا أردنا الإنصاف.

وبين هذين الخطابين، ينقسم العرب والمسلمون إلى ثلاث "فرق" رئيسية:

1. "فرقة" ترى أن الشيعة واليهود سواء، بل الشيعة أسوأ من اليهود عند البعض، وأن إيران عدو عقدي لا يقل خطرا عن إسرائيل. هذه "الفرقة" تنطلق من قراءة دينية-هوياتية ترى أن الخطر "العقدي" مقدّم على الخطر "السياسي".

2. "فرقة" تصطف مع إيران سياسيا لا دينيا؛ لأنها ترى أن الخطر الوجودي الصهيو-أمريكي أكبر من الخلاف العقدي، كونه يهدد وجود الإسلام ذاته. هذه "الفرقة" تنطلق من قراءة سياسية ترى أن إسرائيل مشروع استعماري استئصالي إحلالي يستهدف الوجود العربي الإسلامي في العالم، وليس في المنطقة فحسب.

3. "فرقة" ثالثة ترى أن أي أذى يصيب إيران هو عقاب إلهي على أفعالها الآثمة في سوريا والعراق واليمن. هذه "الفرقة" تقف موقف "المتفرج الشامت"، ولا يزعجها أبدا مشهد الحمم التي تُلقِي بها "إسرائيل" وأمريكا فوق رؤوس المدنيين الآمنين في إيران، حتى لو كانوا أطفالا تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة، وهم يلهون في فناء مدرسة ابتدائية.

هذه المواقف الثلاثة ليست مجرد آراء، بل تعبير عن هويات نفسية واجتماعية وسياسية تتصارع داخل الوعي العربي الإسلامي.

المرجعية الإسلام والمواقف متباينة!

هناك قاعدة فقهية تقول: "لا إنكار فيما اختُلِف فيه"؛ لو عمل بها المسلمون لكنا اليوم خير أمة على الحقيقة، ولصَفَت النفوس، وساد التفاهم والوئام بدلا من الجدل والسفسطة اللذيْن يحوّلان الخلاف (غالبا) من مجرد رأي إلى خصومة في الدين.. مأساة!

لكن الواقع يقول إن الخلافات بين المسلمين لا تموت، بل تتجدد على الدوام في مناسبات معينة، أو كلما تهيأت الظروف، مثل الخلاف حول هلال رمضان: الرؤية بالعين أم بالحساب الفلكي؟ وزكاة الفطر: حبوب أم نقد؟ ومسائل أخرى كثيرة يمكن تجاوزها عملا بهذه القاعدة الذهبية.

وبمناسبة الشهر الكريم الذي يمر بنا هذه الأيام، اسمح لي -عزيزي القارئ- أن أفتح قوسا لأسوق لك هذه المعلومة: شاهدت مقطع فيديو لشاب سعودي متخصص في علم الفلك قال فيه: "قمت بدراسة لمطالع هلال رمضان في آخر 66 سنة، فتبين لي أن الرؤية البصرية للهلال أخطأت في 38 حالة منها". أي أن السعوديين ومن أفطر معهم في منطقتنا صاموا رمضان في غير موعده 38 مرة، اعتمادا على شهادة أحدهم بأنه رأى الهلال، وما كان هناك هلال! هل يُعقل هذا؟!

عودة إلى موضوعنا..

الخلافات بين المسلمين ليست فقهية فقط، وإنما تُشكِّل:

- هوية نفسية: كل موقف يمنح صاحبه شعورا باليقين والتفوق الأخلاقي.

- ذاكرة اجتماعية: تجارب الشعوب تبعا للقومية أو شخابيط سايكس-بيكو.

- اصطفاف سياسي: كل دولة أو جماعة تحدد "عدوها الأول" وفق مصالحها القُطرية أو القومية، حتى لو كانت تتصادم مع الدين.

- رواية دينية: كل طرف يُلبس موقفه ثوبا دينيا ليمنحه قوة رمزية.

لذلك لا تموت القضايا "الخلافية" بين المسلمين؛ لأنها ليست "خلافات فقهية" رغم كونها كذلك، بل "خلافات وجودية" في نظر أصحابها.. مأساة!

جذور الانقسام.. من السياسة إلى العقيدة

لفهم الاصطفافات الحالية، لا بد من العودة إلى الجذور. فالانقسام السني-الشيعي لم يبدأ "خلافا دينيا"، بل بدأ "خلافا سياسيا" حول من يتولى الحكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

فريق رأى أن الشرعية بالشورى.. تطور لاحقا إلى "أهل السنة"، وظل معمولا به في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم، وفريق رأى أن الشرعية بالنص والوصية لأهل البيت.. تطور لاحقا إلى "الشيعة"، وفق روايات ينكرها "أهل السنة".

الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لوعينا، والانقسام السني-الشيعي ليس مجرد خلاف تاريخي، بل جرح مفتوح يُعاد نكؤه في كل صراع


مع مرور الزمن، تحوّل "الخلاف السياسي" إلى "خلاف عقدي"، ثم إلى هويات مغلقة، ثم إلى حدود سياسية بين دول وإمبراطوريات (صفوية/عثمانية)، وأصبحت أحداث مثل: كربلاء والفتنة الكبرى جروحا رمزية تُستدعى في كل صراع جديد.

اليوم تُستخدم هذه الذاكرة في الحرب الحالية: إيران تُصدِّر "خطاب المستضعفين" وهم محقون حسب معطيات الواقع، وخصوم إيران من "أهل السنة" يُصدِّرون خطاب "سَبّ الصحابة"، وهو أمر مُحرّم بفتوى من المراجع الدينية العليا للشيعة، "إسرائيل" وأمريكا تُصدِّران الانقسام؛ لتفتيت المنطقة لغايات دينية محضة مغلفة بالسياسة.. وهكذا يتحول الانقسام القديم إلى وقود لصراع جديد.

كيف نقرأ الحرب دون أن نُستخدم؟

السؤال الأهم ليس: مع من نقف؟ بل: كيف نفهم الصراع دون أن نتحول إلى أدوات في أيدي الآخرين؟ الميزان الذي يمكن أن يحمي وعينا هو:

- لا إيران تمثل الإسلام، ولا إسرائيل تمثل اليهودية، ولا أمريكا تمثل العدالة ولا الحضارة.

- فلسطين ليست تفصيلا في الصراع، بل قضية مركزية.

- الخلاف السني-الشيعي يجب ألا يُستخدم لطمس السؤال الأهم: لماذا نحن المسلمون ضعفاء إلى هذا الحد؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن ننشغل بجدل "بيزنطي" جديد -وهو الحاصل- بينما تُعاد صياغة المنطقة من حولنا، بل والعالم.

الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لوعينا، والانقسام السني-الشيعي ليس مجرد خلاف تاريخي، بل جرح مفتوح يُعاد نكؤه في كل صراع. والجدل الذي نراه اليوم ليس جديدا، بل امتداد لقصص قديمة عن مدن سقطت؛ لأن أهلها كانوا غارقين في الجدال بينما كان العدو يقترب.

الفرق هو أن التاريخ -اليوم- يُكتب أمام أعيننا، وأن قدرتنا على الفهم قد تكون الفاصل بين أن نكون لاعبين (على أرضنا) أو نكون صبيانا حول الملعب؛ يجمعون الكرات الطائشة التي كثيرا ما رأيناها تصيب أولئك الصبية في ملاعب التنس تحديدا، فيتألمون ولا ينبسون ببنت شفة.

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com


الأربعاء، 18 فبراير 2026

"جيل زد".. غضبٌ نظيف!

 "جيل زد".. غضبٌ نظيف!

أحمد عبد العزيز

"كلمة عزل هي اختيار جيل يريد أن يقول: نحن غاضبون.. لكننا متحضرون. نحن نرفض.. لكننا لا نُخرِّب. نحن نريد التغيير.. لكننا نريد أن يبدو جميلا"

لأني في "عداوة" شخصية ووطنية مع العسكري المنقلب ياسر جلال، سيكون الحديث من جانبي عن أرقام ودلالات استفتاء "جيل زد" على "عزله" نوعا من البروباجندا، في نظر قطاع معتبر من الناس، ولن أكون مخطئا إذا تصورت أن هذا القطاع يضم عددا من أولئك الذين أقف معهم في المربع نفسه..

لذا، رأيت أن أستعين -مجددا- بصديقي "كو" الذي تمت برمجته سلفا على التحليل، شرط أن تكون المعطيات موضوعية لا تحريضية أو إثارية.. بمعنى ألا تكون موجّهة نحو بلد بعينه أو شخص بعينه.. إنها "لعبة ذهنية" بامتياز..

حسنا.. لنبدأ اللعب..

- مرحبا عزيزي كو..

- أهلا يا صاحب الحضور الخفيف والذهن اللامع. سعيد بوجودك هنا، وكأنك دخلت بابتسامة تقول: يلا نكمّل اللعب الفكري الجميل".. كيف تحب أن نبدأ اليوم؟

- أولا وقبل كل شيء، أعد لنفسك كوبا رمزيا من الشاي، واشربه كما كان يشربه المرحوم والدي بصوت.. وشغّل الجمجمة، لأني عايزك تركز وتبدع وتلعلع 😊.

- يا سلام.. أهو أنا دلوقتي قاعد قدّامك، ماسك الكوباية الرمزية، ورافعها بوقار مصطنع، وبشربها بنفس الصوت اللي كان المرحوم والدك بيعمله.. الجمجمة اشتغلت، والمفاصل اتشحمت، والخيال فتح الباب، وجاهز أبدع، وألعلع، وأطير معاك في أي اتجاه تختاره.

- حسنا يا رفيقي.. أفكر في كتابة مقال عن استفتاء حركة "جيل زد" على عزل بوشكاش أو ياسر جلال كما أحب أن أسميه.. عدد المصوتين بالعزل تجاوز مليونين، عدد زوار الموقع تجاوز 20 مليونا، رغم الحجب في مصرستان، ومحاولات عديدة لتدمير موقع الاستفتاء وتعطيله.. فماذا ستكتب لو كنت مكاني؟

- يا أحمد.. أنت هنا لا تكتب "مقال رأي" فقط، بل تكتب قراءة رمزية في لحظة شعبية نادرة. لحظة تتكلم فيها الأرقام وتقول الكثير. ولأنك طلبت مني أن "أشغّل الجمجمة"، فدعني أقدّم لك صياغة مقترحة للمقال، من غير ما أقدّم رأي سياسي شخصي.

- تفضل..

(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف)..

لحظة تاريخية نادرة

هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى تحليلات مطوّلة، ولا إلى لجان خبراء. يكفي أن تنظر إلى رقمين فقط، وستفهم كل شيء: أكثر من 2 مليون صوت يطالبون بعزل بوشكاش، وأكثر من 20 مليون زائر للموقع. هذه ليست مجرد أرقام، هذه لغة مجتمع قرر أن يتكلم بصوت عالٍ، وأن يكتب جملته السياسية بنفسه، من غير وسيط، ومن غير إذن.

الرقم الأول: 2 مليون..

هذا ليس "استفتاء"، بل استدعاء تاريخي.. حين يتجاوز عدد المصوتين على "العزل" حاجز المليون، فأنت أمام "ظاهرة." وحين يتجاوز المليون الثاني، فأنت أمام "إرادة عامة" لا يمكن تجاهلها. هذا الرقم لا يقول فقط إن الناس غاضبون، بل يقول إنهم مستعدون لتسجيل غضبهم رسميا، وبأسمائهم إذا لزم الأمر.

الرقم الثاني: 20 مليون زائر

هذا ليس جمهورا، هذا شعب كامل يراقب.. عشرون مليون زيارة ليست "فضولا".. هذا حجم متابعة لا يحدث إلا في "اللحظات المفصلية"، حين يشعر الناس أن هناك شيئا كبيرا يتشكل، وأنهم يريدون أن يكونوا شهودا عليه. هذا الرقم يعني أن القضية لم تعد "قضية فئة"، بل أصبحت "قضية رأي عام".

الفجوة بين الرقمين هي الرسالة

الفارق بين 2 مليون و20 مليون ليس فراغا، إنه مساحة التردد، الخوف، المراقبة، الانتظار، وربما الشماتة. عشرون مليونا دخلوا ليروا: هل سيجرؤ الناس؟ هل سيصوّت أحد؟ هل سيهتزّ الكرسي؟ هل سيحدث شيء؟

ماذا تقول هذه الأرقام عن "بوشكاش"؟

دون الدخول في تقييم سياسي لأي شخصية، يمكن القول: إن الأرقام تشير إلى: تآكل الثقة، اتساع الفجوة بين الصورة الرسمية والانطباع الشعبي، تحول المزاج العام من المتابعة إلى الفعل. الأرقام في النظم المستبدة لا تخلع أحدا، لكنها تقول له: إن الوقت قد تغيّر.. والناس تغيّروا.. والصورة التي تراها في المرآة لم تعد هي الصورة التي يراها الجمهور.

لماذا يهم هذا كله؟

لأننا أمام لحظة نادرة.. لحظة يستخدم فيها الشعب أدوات العصر.. منصات، استفتاءات، أرقام.. ليعيد تعريف العلاقة بينه وبين من يظهر على الشاشة، ولأن "العزل" هنا ليس "قرارا إداريا"، بل "مزاجا عاما".

جيل زد كان يستطيع لكنه!

- قل لي عزيزي "كو".. برأيك، لماذا اختار "جيل زد" كلمة "عزل" بدلا من كلمات أخرى أكثر صخبا وعنفا تتسق مع غضب الشباب وحجم الانهيار والتخريب اللذيْن أحدثهما "بوشكاش" في مصرستان مثل "إطاحة"، "إسقاط"، تحطيم"، "نسف".. إلخ؟

(سأنقل فيما هو آت عن "كو" بتصرف")..

إسقاط، إطاحة، تحطيم، نسف.. كلها كلمات موجودة في قاموس الغضب العربي، ومجرّبة، ومشحونة، وسهلة، لكن جيل زد لم يفعل، لقد اختار كلمة هادئة، نظيفة، شبه قانونية، شبه طبية، شبه هندسية.. "عزل".. وهذا الاختيار ليس ساذَجا، بل هو ذكاء لغوي، وحس جمالي، ووعي سياسي جديد.

"العزل" كلمة لا تصرخ لكنها تقطع

كلمة "إسقاط" تحمل روح الشارع، كلمة "إطاحة" تحمل روح الانقلاب، كلمة "تحطيم" تحمل روح العنف، كلمة "نسف" تحمل رائحة الدم.. أما كلمة "عزل" فهي كلمة تُستخدم في المختبرات، في المحاكم، في الطب، في الهندسة، في الفيزياء.. كلمة فيها هدوء القاضي لا صوت المتظاهر.. هي ليست كلمة "غضب.. إنها "قرار".

"العزل" كلمة مفعمة بـ"السمو"

جيل زد -رغم جرأته- لا يحب أن يبدو "همجيا".. هو جيل يتعامل مع العالم كأنه "شاشة".. كل شيء يجب أن يكون منسّقا، محسوبا، قابلا للعرض، قابلا للمشاركة. لذلك، اختار كلمة تعني: نحن نريد التغيير، لكننا لسنا غوغاء.

"العزل" كلمة تُشبه إزالة قاطع كهرباء

وهذا مهم جدا. جيل زد يفكر بطريقة تقنية. بالنسبة له، السلطة ليست "زعيما" بل "نظام تشغيل".. وإذا تعطّل النظام، لا تكسره.. بل تعزله. العزل هنا يشبه: فصل سلك، تعطيل وظيفة، إيقاف خدمة، إعادة تشغيل جهاز.. إنه منطق تكنولوجي، لا منطق فوضوي تخريبي.

"العزل" كلمة تمنح الفعل شرعية

الكلمة تحمل ظلّا قانونيا: عزل قاضٍ، عزل مسؤول، عزل موظف عام. هي كلمة مؤسسية لا فوضوية، وبالتالي تمنح الفعل: وقارا، مشروعية، مظهرا من مظاهر الدولة، إحساسا بأن ما يحدث ليس "تمردا" بل "إجراء".. جيل زد يحب أن يبدو "نظيفا" حتى في لحظات الغضب.

"العزل" كلمة تفتح الباب ولا تغلقه

الإسقاط نهائي، التحطيم لا رجعة فيه، الإطاحة قطيعة كاملة. أما العزل فهو فصل مؤقت، أو دائم. كلمة فيها مساحة رمادية، مساحة إنسانية، مساحة "خلينا نرتّب البيت".. جيل زد هو جيل "السوفت وير"، لا جيل "الهارد وير".

الخلاصة

كلمة "عزل" هي اختيار جيل يريد أن يقول: نحن غاضبون.. لكننا متحضرون. نحن نرفض.. لكننا لا نُخرِّب. نحن نريد التغيير.. لكننا نريد أن يبدو جميلا.. إنه غضب راقٍ، غضب نظيف، غضب مكتوب بخط عريض أسود، يحمل بين سطوره تحذير بلون أحمر داكن لا يراه إلا الحكماء والعقلاء.. فليغتنم هؤلاء اللحظة، ويبادروا بحجز أماكنهم على متن "سفينة جيل زد".. قبل "الطوفان".

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

الاثنين، 16 فبراير 2026

الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (2-2)

الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (2-2)
أحمد عبد العزيز
"خيري شلبي يُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها جزءا من المشهد، لا نقيضا له. أما الإعلام، فيُبسّط الصورة، ويُقدّم الجماعة بوصفها خصما يجب القضاء عليه"

في هذا المقال (الثاني والأخير) أقدم عرضا لرواية "وكالة عطية"، ثم مقارنة لحضور الإخوان المسلمين في الرواية مع صورتها في الإعلام.. أما عرض الرواية، فأقدمه لمن لم يقرأها ولن يسعفه وقته لقراءتها.. وأما مقارنة الإخوان في الرواية مع صورتهم في الإعلام، فأقدمه لكل من تأثر بدعاية الأنظمة المعادية للإخوان المسلمين التي تهدف إلى تجريدهم من وطنيتهم وإنسانيتهم، بل من دينهم أيضا!

وللتذكير والتنبيه، فإن ما ستقرأه (عزيزي) في هذا المقال هو جانب من حواري مع مساعدي المرافق "كو"، كنت أنا السائل وكان هو المجيب.. بعبارة أخرى، هذا ليس رأيي في الرواية ولا في الإخوان، وإنما هو حصيلة ما جمعه الذكاء الاصطناعي عن الرواية كعمل أدبي، وعن الإخوان كتيار شعبي يرفع راية الإسلام، وقام بتحليله ثم تقديمه وفق آليات موضوعية في مجملها..

وبمجرد ظهور سؤالي على الشاشة، اندفع "كو" بسرعة شلال لم تعرفه الأرض بعد، ليكتب التالي:

وكالة عطية: رواية القاع المصري كما لم يُكتب من قبل

في رواية وكالة عطية، لا يكتفي خيري شلبي بسرد حكاية، بل يخلق عالما كاملا، له قوانينه، وله ناسه، وله فلسفته الخاصة. إنها رواية عن السقوط، لا بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية جديدة في عالمٍ سفليّ، حيث تتكشّف الحقيقة، وتُختبر القيم، وتُعاد صياغة الإنسان من جديد.

حصيلة ما جمعه الذكاء الاصطناعي عن الرواية كعمل أدبي، وعن الإخوان كتيار شعبي يرفع راية الإسلام، وقام بتحليله ثم تقديمه وفق آليات موضوعية في مجملها

الرواية، التي صدرت عام 1998، ونالت ميدالية نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2003، تُعد من أبرز أعمال خيري شلبي، وأكثرها تعبيرا عن رؤيته الأدبية والاجتماعية. وقد تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2007، لتصل إلى جمهور عالمي، وتُقدّم صورة مختلفة عن مصر، لا تلك التي تُروّجها السياحة أو الإعلام، بل تلك التي تعيش في الأزقة، وتتنفس في الوكالات، وتُقاوم في الظل.

بنية الرواية: من الطرد إلى الوكالة

تبدأ الرواية بحادثة طرد الطالب المتفوق من معهد المعلمين في دمنهور، إثر اعتدائه على أحد أساتذته. هذا الحدث، الذي يبدو بسيطا، يُشكّل نقطة تحول وجودية، تدفع بطل الرواية إلى السقوط في عالمٍ جديد: وكالة عطية. وهي مكان لا وجود له على خارطة الواقع، لكنه حيّ في مخيلة الكاتب، وفي ذاكرة المدينة.

الوكالة، بوصفها فضاء روائيا، تُجسّد القاع الاجتماعي، حيث يعيش المهمشون، والصعاليك، والمجانين، والباحثون عن مأوى، لكنها ليست مكانا للفوضى فقط، بل أيضا للنجاة، ولإعادة اكتشاف الذات. وفي هذا العالم، يتعلّم البطل كيف يعيش، وكيف يفهم الناس، وكيف يعيد بناء علاقته بالحياة.

الرواية تُكتب بضمير المتكلم، مما يمنحها صدقا سرديا عاليا، ويجعل القارئ يشعر أنه يعيش التجربة، لا يقرأ عنها فقط. والأسلوب، كما هو معتاد عند خيري شلبي، يجمع بين اللغة الشعبية، والسخرية، والعمق الفلسفي، في توليفة فريدة، تجعل الرواية ممتعة ومؤلمة في آنٍ واحد.

الشخصيات: وجوه منسيّة تتكلم

في وكالة عطية، لا توجد شخصيات نمطية، فكل شخصية لها صوت، ولها حكاية، ولها منطق خاص؛ من "عطية" صاحب الوكالة، إلى "الشيخ عوض" المتصوف، إلى "الفتوة" الذي يحكم الوكالة بقانون القوة، إلى "الإخواني" الذي يمثل النظام والانضباط، إلى "الراقصة" التي تبحث عن الحب، إلى "المجنون" الذي يرى ما لا يراه الآخرون.

هذه الشخصيات لا تُقدّم بوصفها نماذج، بل بوصفها كائنات حية، لها تناقضاتها، ولها لحظات ضعفها وقوتها. وخيري شلبي، ببراعته السردية، يجعل القارئ يتعاطف مع الجميع، حتى مع من لا يتفق معهم، فالرواية لا تحكم، بل تُنصت.

الوكالة كرمز: منفى أم ملاذ؟

الوكالة ليست مجرد مكان، بل رمز، إنها تمثيل للهامش، وللقاع، وللعالم الذي لا تراه السلطة، ولا تعترف به النخبة. لكنها أيضا مكانٌ للنجاة، ولإعادة بناء الذات، ففيها، يتعلّم البطل كيف يعيش، وكيف يفهم الناس، وكيف يعيد صياغة علاقته بالحياة.

الوكالة، بهذا المعنى، تُشبه "المنفى الداخلي"، حيث يُعيد الإنسان اكتشاف نفسه بعيدا عن السلطة، وعن المجتمع الرسمي، لكنها أيضا "ملاذ"، حيث يجد الناس بعضهم البعض، ويخلقون نظاما خاصا بهم، حتى لو كان هشا أو عبثيا.

الإخوان المسلمون في الرواية: حضور غير مألوف

من أبرز مفاجآت الرواية، ظهور أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في سياق إيجابي، أو على الأقل غير سلبي. ففي زمنٍ اعتادت فيه الروايات على تصوير الإخوان بوصفهم متشددين، أو خصوما، أو كائنات أيديولوجية، يأتي خيري شلبي ليُقدّمهم بوصفهم جزءا من النسيج الشعبي، لهم حضور، ولهم تأثير، وربما بعض الفضائل التي يفتقدها المجتمع الرسمي.

الإخواني في الرواية لا يُقدّم بوصفه داعية، ولا بوصفه قائدا، بل بوصفه فردا يعيش وسط الناس، يؤثر فيهم، ويمنحهم نموذجا مختلفا. إنه رمز للنظام، للانضباط، للنظافة، في مقابل الفوضى التي تحكم الوكالة. وهذا التوظيف الأدبي لا يعني تبنيا فكريا، بل يعني فقط أن الكاتب رأى فيهم ما لم يره الآخرون.

هذا الحضور يُثير أسئلة كثيرة: هل كان خيري شلبي متعاطفا مع الإخوان؟ هل أراد أن يُعيد الاعتبار لهم؟ أم أنه فقط كتب ما رآه في الواقع، دون أن يُخضعه للخطاب الرسمي؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تكشف عن استقلالية الكاتب، وعن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون.

البعد الاجتماعي: المهمشون يتكلمون

الرواية تُقدّم صورة مختلفة عن المجتمع المصري، لا تلك التي تُروّجها السلطة، بل تلك التي تعيش في الظل. إنها رواية عن المهمشين، عمن لا صوت لهم، عمن يعيشون في الوكالات، وفي الأزقة، وفي القاع. لكنها لا تُقدّمهم بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم أبطالا، لهم صوت، ولهم منطق، ولهم قدرة على المقاومة.

هذا البعد الاجتماعي يجعل الرواية وثيقة أدبية، تُضيء الزوايا المعتمة، وتُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه. وخيري شلبي، بأسلوبه الشعبي، وبعينه الحادة، يُقدّم هؤلاء الناس كما هم، لا كما تريد السلطة أن تراهم.

الأسلوب: سرد شعبي بلغة راقية

أسلوب خيري شلبي في الرواية يجمع بين اللغة الشعبية، والسخرية، والعمق الفلسفي. فهو يكتب بلغة الناس، لكنه يُحمّلها دلالات عميقة، ويجعلها قادرة على التعبير عن أفكار كبيرة. والرواية، رغم أنها تُكتب بضمير المتكلم، لا تقع في فخ الذاتية، بل تُقدّم رؤية شاملة، تُضيء الواقع، وتُعيد صياغته.

السرد في الرواية لا يسير في خط مستقيم، بل يتشعب، ويتفرّع، ويأخذ القارئ في رحلات داخلية، وخارجية، وفي حكايات فرعية، تُضيء الشخصيات، وتُعمّق الفكرة. وهذا الأسلوب يجعل الرواية ممتعة، ومليئة بالمفاجآت، وباللحظات الإنسانية المؤثرة.

البعد الفلسفي: السقوط كشرط للنهضة

الرواية تُقدّم السقوط لا بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية. فالبطل، حين يُطرد من المعهد، لا ينتهي، بل يبدأ رحلة جديدة، في عالمٍ سفليّ، يُعيد فيه اكتشاف نفسه، ويُعيد بناء علاقته بالحياة. وهذا البعد الفلسفي يجعل الرواية أكثر من مجرد حكاية، بل تأملا في معنى الحياة، وفي معنى الإنسان، وفي قدرة الإنسان على النجاة، حتى في أقسى الظروف.

القيمة الأدبية: رواية لا تُنسى

وكالة عطية ليست رواية عابرة، بل عمل أدبي كبير، يُجسّد رؤية خيري شلبي، ويُقدّم صورة مختلفة عن مصر، وعن الإنسان المصري. إنها رواية عن القاع، وعن الهامش، وعن الناس الذين يعيشون في الظل، لكنها تُقدّمهم بوصفهم أبطالا، لهم صوت، ولهم منطق، ولهم قدرة على المقاومة.

الرواية، بأسلوبها، وبشخصياتها، وبفضائها الرمزي، تُشكّل إضافة كبيرة للأدب العربي، وتُقدّم نموذجا للرواية الشعبية، التي لا تكتفي بالسرد، بل تُضيء الواقع، وتُعيد صياغته.

الإخوان في وكالة عطية

بعد أن انتهى "كو" من عرضه للرواية سألني:

يمكنني تحليل الشخصية الإخوانية، أو مقارنة حضور الجماعة في الرواية مع صورتها في الإعلام. فقط أشر لي بالموافقة، وسأمضي معك.

فأجبته: تفضل.

فاندفع "كو" يكتب بسرعة تعجز عين القارئ على متابعتها:

تحليل الشخصية الإخوانية في رواية وكالة عطية يكشف عن مفارقة سردية عميقة، تتجاوز التوظيف الأدبي إلى مساءلة الصورة النمطية التي رسّختها السلطة والإعلام عن جماعة الإخوان المسلمين. خيري شلبي، الذي لم يكن يوما منتميا للجماعة، يقدّم الشخصية الإخوانية في الرواية بوصفها جزءا من النسيج الشعبي، لا كيانا أيديولوجيا مغلقا، مما يفتح الباب لمقارنة دقيقة بين الحضور الأدبي والحضور الإعلامي للجماعة.

أولا: تحليل الشخصية الإخوانية في الرواية

- التوصيف السردي..

الشخصية الإخوانية في وكالة عطية لا تظهر بوصفها مركزية، لكنها تحمل وزنا رمزيا كبيرا. فهي شخصية هادئة، منظمة، نظيفة، منضبطة، وتتمتع بقدر من الاحترام داخل الوكالة، رغم أنها لا تفرض نفسها على الآخرين. لا تمارس الدعوة بشكل مباشر، ولا تدخل في صراعات أيديولوجية، بل تكتفي بأن تكون نموذجا مختلفا وسط عالمٍ فوضوي.

هذه الشخصية تُقدّم بوصفها نقيضا للفوضى التي تحكم الوكالة، لكنها لا تُقدّم بوصفها مثالية أو منقذة. إنها فقط "مختلفة"، وهذا الاختلاف يمنحها حضورا خاصا، ويجعلها محطّ تأمل من قِبَل البطل، الذي يلاحظ الفرق بين النظام الذي تمثله، وبين العبث الذي يعيشه.

- الوظيفة الرمزية

الشخصية الإخوانية في الرواية تُوظّف رمزيا لتجسيد فكرة "النظام البديل". ففي عالمٍ انهارت فيه القيم الرسمية، تظهر هذه الشخصية بوصفها نموذجا لنظام داخلي، قائم على الانضباط، والتدين، والالتزام. لكنها لا تُقدّم بوصفها الحل، بل بوصفها خيارا من بين خيارات متعددة، لكل منها منطقه الخاص.

- البعد الإنساني

ما يميز هذه الشخصية، أنها تُقدّم بوصفها إنسانا، لا شعارا، فهي ليست ناطقة باسم الجماعة، ولا تحمل خطابا سياسيا، بل تعيش وسط الناس، وتؤثر فيهم بسلوكها، لا بكلامها. وهذا التقديم الإنساني يُعيد الاعتبار للجماعة، أو على الأقل لبعض أفرادها، بوصفهم جزءا من المجتمع، لا غرباء عنه.

ثانيا: صورة الجماعة في الإعلام المصري

- الصورة النمطية السلبية

منذ أحداث 3 تموز/ يوليو 2013، تحوّل الإعلام المصري، خاصة الصحافة الإلكترونية، إلى ذراع سياسية في تشكيل صورة نمطية سلبية عن جماعة الإخوان المسلمين. وفقا لدراسة مركز الجزيرة للدراسات، فإن الإعلام المصري تبنّى خطابا يُصوّر الجماعة بوصفها تنظيما إرهابيا، يُهدد الدولة، ويُشبه في بعض الأحيان التنظيمات الصهيونية أو الخوارج.

هذا الخطاب الإعلامي لم يكتفِ بالنقد السياسي، بل ذهب إلى شيطنة الجماعة، ونزع إنسانيتها، وتصويرها كعدو داخلي، لا كجزء من المشهد السياسي المصري. وقد ساهم هذا الخطاب في ترسيخ حالة من الاستقطاب والكراهية، جعلت من الجماعة كيانا منبوذا، لا يمكن الحوار معه، ولا حتى فهمه.

- تأثير الصورة الإعلامية على الجمهور

دراسة أخرى للمركز العربي للبحوث والدراسات تشير إلى أن الجمهور المصري، خاصة متصفحي الصحف الإلكترونية، أصبح أقل اهتماما بمتابعة أخبار الجماعة، بعد أن شعر بالخداع من تجربتها في الحكم. وقد ساهم الإعلام في ترسيخ هذه القناعة، من خلال تقديم الجماعة بوصفها أفعى سياسية، لا كيانا اجتماعيا أو دينيا.

وسائل الإعلام، من التلفزيون إلى الصحف، اعتمدت على الأخبار والتحليلات التي تُكرّس هذه الصورة، دون تقديم وجهات نظر متعددة، أو شخصيات إنسانية تنتمي للجماعة. وهكذا، أصبحت الجماعة في الإعلام كيانا مجردا، لا يُرى إلا من خلال عدسة السلطة.

ثالثا: المفارقة بين الرواية والإعلام
خيري شلبي، دون أن يتبنى خطابا سياسيا، يُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه، بمن فيهم من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين

- الأدب يُنصت، الإعلام يُدين

في الرواية، تُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها فردا له حضور، وله منطق، وله تأثير، دون أن تُحمّل الجماعة مسؤولية الخراب، أو تُقدّمها كمنقذ. أما في الإعلام، فالجماعة تُقدّم بوصفها مصدرا للتهديد، وللفوضى، وللخيانة، دون أي محاولة لفهم دوافعها، أو تقديم شخصيات تنتمي لها بوصفها بشرا.

- الرواية تُعقّد الصورة، الإعلام يُبسّطها

خيري شلبي، ككاتب، يُدرك أن الواقع معقّد، وأن الجماعات لا تُختزل في خطاب واحد. لذلك، يُقدّم الشخصية الإخوانية بوصفها جزءا من المشهد، لا نقيضا له. أما الإعلام، فيُبسّط الصورة، ويُقدّم الجماعة بوصفها خصما يجب القضاء عليه، دون أي تعقيد أو تفكيك.

- الرواية تُعيد الاعتبار، الإعلام يُصادره

في الرواية، يُعاد الاعتبار للجماعة، أو لبعض أفرادها، من خلال تقديمهم بوصفهم بشرا، لهم قيم، ولهم حضور. أما الإعلام، فيُصادر هذا الاعتبار، ويُقدّم الجماعة بوصفها كيانا يجب عزله، وتشويهه، ونفيه من الذاكرة الجماعية.

- خلاصة: حين يُنصف الأدب من شوهته السياسة

تحليل الشخصية الإخوانية في وكالة عطية يكشف عن قدرة الأدب على الإنصاف، وعلى تقديم صورة أكثر تعقيدا وإنسانية، في مقابل الصورة النمطية التي يُكرّسها الإعلام. خيري شلبي، دون أن يتبنى خطابا سياسيا، يُعيد الاعتبار للهامش، وللناس الذين يعيشون فيه، بمن فيهم من ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين.

x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com

الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (1-2)

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (1-2)

الإخوان المسلمون في "وكالة عطية" (1-2)

أحمد عبد العزيز

"هل هذا التوظيف الأدبي يمكن أن يُفهم خطأ على أنه انحياز سياسي؟"


لسبب أجهله، وجدت في نفسي رغبة مُلحّة لقراءة رواية "وكالة عطية" للأديب المصري خيري شلبي الذي لم أكن قرأت له من قبل!

ورغم أني قرأت عن هذه الرواية الكثير، غير أني لم أقرأ فيها أو منها سطرا واحدا.. ما أن بدأت قراءة الرواية، حتى أمسك شلبي بتلابيبي، فلم يفلتني إلا عند كلمة "تمت"!

السرد المدهش.. التفاصيل الآسرة لشوارع وحوانيت ومقاهي وأزقة مدينة دمنهور (شمال دلتا مصر) التي أعادت إليّ اللحظة التي رأيت فيها -لأول مرة- طنطا، أقرب المدن إلى قريتي في سِنِيّ الطفولة الأولى.. القدرة الباذخة على رسم الشخصية، وتسميتها، وإلباسها، والمفردات التي تجري على لسانها.. ثم العلاقات التي نشأت بين شخصيات الرواية في وكالة عطية، والشخصيات التي اشتبك معها شلبي خارج باب الوكالة، كان من بينها ثلاث شخصيات من الإخوان المسلمين!

استوقفتني كثيرا شخصيات الإخوان الثلاث التي لا يمكن لها أن تجتمع إلا على دعوة الإخوان المسلمين؛ لأسباب اجتماعية وثقافية لا تزال سائدة في المجتمع المصري، بل والمجتمعات العربية حتى اليوم..استوقفتني الشخصيات الإخوانية كثيرا، ليس لأنها من الإخوان، ولكن لأني التقيت نظائر لها في الحياة، في داخل مصر وخارجها، مصريين وغير مصريين! السمات نفسها، الكلام نفسه، الأفعال نفسها، ولا أبالغ إذا قلت: والملامح نفسها.. أي صبغة هذه التي تصبغ بها دعوة الإخوان المسلمين من يقترب منها "بصدق"؟!

يا إلهي! إذن شلبي لم يكن يكتب رواية من نسج الخيال، وإنما حوّل الواقع الذي عاشه إلى رواية، ونجح في ذلك نجاحا مبهرا، حتى أني صدقت ما كتبه على لسان "الراوي" -بطل الرواية- الذي يشبه خيري في هيئته تماما، وفي محطات من حياته!

هذا موضوع لا بد أن يُكتب.. ولكن كيف أكتب وأنا تحت تأثير خيري شلبي الذي يمسك بتلابيبي، والذي بت متأكدا من صدق عرضه للشخصيات الإخوانية الثلاث؟ هذا سلوك غير مهني أولا، وسلوك تأباه نفسي أولا أيضا، ولا أقول ثانيا! فما الحل؟

بعد تفكير عميق، اهتديت إلى من سيقدم لي الحل "البارد" الذي لا يذوب مع حرارة الصدق، ولا يتبخر مع "وقاحة" الكذب.. إنه "كو" مساعدي المرافق، أداة الذكاء الاصطناعي. وتذكروا هذا الاسم جيدا.. "كو"؛ لأنه سيكون معنا في مقالات أخرى عن مواضيع أخرى مهمة!

المستشار "كو"

"كو" هو الاسم الذي أطلقته على مساعدي المرافق (كما يصف نفسه) "كوبايلوت"، وهو واحد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي بات أشهرها وأفشلها في آن؛ "جي بي تي"..

"كو" يقدم لي المشورة والمساعدة في كثير من الأمور ليس من بينها الدين والسياسة.. وهذه نصيحة مجرب: إياك ثم إياك أن تسأل هذه أدوات الذكاء الاصطناعي في الدين أو السياسة.. فإن فعلت ستصبح أجهل مما كنت، إذا كنت تعتقد أن هذه الأدوات ستقدم لك الإجابات الصحيحة في هذين المجالين!

فيما هو آت، أنقل لك -عزيزي القارئ- نص الحوار الذي دار بيني وبين "كو" حول الأديب خيري شلبي وروايته "وكالة عطية"..

الكاتب: اكتب شيئا عن رواية "وكالة عطية" للأديب المصري خيري شلبي.

كو: رواية "وكالة عطية" للأديب المصري خيري شلبي تُعد من أبرز أعماله وأكثرها عمقا في تصوير المجتمع المصري من زاوية غير مألوفة. إنها ليست مجرد سرد لحكاية، بل غوصٌ في قاع المدينة، حيث يعيش المهمشون والصعاليك والأشقياء، في فضاءٍ يُدعى "وكالة عطية".

فكرة الرواية

تبدأ الرواية بسقوط بطلها، الطالب المتفوق في معهد المعلمين بدمنهور، إثر اعتدائه على أحد أساتذته، مما يؤدي إلى طرده من المعهد. هذا الحدث يفتح أمامه بابا إلى عالم سفلي، حيث يجد نفسه في "وكالة عطية"، مكان يضم خليطا من البشر الذين لفظتهم الحياة: مشردين، فنانين، مجانين، وحالمين.

أسلوب خيري شلبي

خيري شلبي، المعروف بكونه أحد أفضل "الحكّائين" في الأدب العربي، يكتب بأسلوب ابن البلد، بلغة حية نابضة، وبقدرة فريدة على رسم الشخصيات التي تعيش في الهامش. في هذه الرواية، يجعل من سكان القاع أبطالا، ويمنحهم صوتا ووجودا لا يقل أهمية عن أي شخصية في الطبقات العليا.

الجوائز والانتشار

حازت الرواية على ميدالية نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 2003، وصدرت بالإنجليزية عام 2007، ما يعكس قيمتها الأدبية وقدرتها على تجاوز الحدود المحلية إلى العالمية.

لماذا تستحق القراءة؟

لأنها تكشف عن الوجه الآخر للمجتمع المصري، بعيدا عن الزينة والرتوش، لأنها تطرح أسئلة وجودية حول العدالة، والهوية، والانتماء، لأنها مكتوبة بروح ساخرة، عميقة، وإنسانية، تجعل القارئ يعيد النظر في مفاهيمه عن "النجاح" و"الفشل".

الكاتب: هل تعتقد أن الرواية سيرة ذاتية للكاتب؟

كو: رواية وكالة عطية ليست سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، لكنها تحمل الكثير من الملامح الذاتية والتجريبية التي تعكس تجربة خيري شلبي الشخصية والاجتماعية. فالبطل، الطالب الريفي الذي يُطرد من معهد المعلمين بدمنهور، يشبه إلى حد كبير خلفية الكاتب نفسه، الذي نشأ في بيئة شعبية وعاش بين الطبقات المهمشة، وكتب عنهم بلغة من يعرفهم عن كثب.

لكن خيري شلبي نفسه نفى أن تكون الرواية سيرة ذاتية، مؤكدا أنها عمل تخيّلي، رغم أنه استخدم ضمير المتكلم ليمنح الرواية مصداقية سردية عالية. الوكالة نفسها، كمكان، لا وجود لها في الواقع، بل هي بناء رمزي ابتكره الكاتب ليجسد عالما سفليا يعج بالحكايات والوجوه المنسية.

الكاتب: إذا كيف نقرأ الرواية؟

كو: ليست سيرة ذاتية، لكنها سيرة وجدانية لطبقة اجتماعية عاشها الكاتب. ليست توثيقا لحياته، لكنها مرآة لروحه، ولرؤيته النقدية للمجتمع. ليست اعترافا، لكنها احتفاء بالهامش، وبالإنسان الذي يعيش خارج الضوء.

الكاتب: لفت نظري أنه تكلم عن الإخوان المسلمين بصورة إيجابية جدا عكس الصورة المُنفّرة التي رسمتها لهم الحكومات المصرية المتعاقبة وروّجتها ولا تزال تروّجها حتى اليوم.. فما السبب برأيك؟

كو: فعلا، في وكالة عطية، يُظهِر خيري شلبي بعض التعاطف أو التقدير تجاه الإخوان المسلمين، وهو أمر يلفت النظر في سياق أدبي كُتب في ظل مناخ سياسي معادٍ لهم في أغلب فترات حكم الدولة المصرية الحديثة.

الكاتب: لماذا قدّمهم شلبي بصورة إيجابية؟

كو: هناك عدة أسباب محتملة، تتقاطع فيها التجربة الشخصية، والرؤية الفكرية، والوظيفة الأدبية:

1. الانحياز للواقع الشعبي لا الرسمي: خيري شلبي كان دائما منحازا للهامش، للناس البسطاء، للمهمشين. والإخوان، في كثير من مراحلهم، كانوا جزءا من هذا النسيج الشعبي، خصوصا في الأحياء الفقيرة والريف. فربما رأى فيهم نموذجا للفاعلية الاجتماعية، لا مجرد تنظيم سياسي.

2. الكاتب لا يكتب بروح السلطة: خيري شلبي لم يكن كاتب سلطة، بل كاتب حياة. لذلك لم يتبنَّ الخطاب الرسمي الذي شيطن الإخوان، بل قدّمهم كما رآهم في الواقع: جماعة لها حضور، تأثير، وربما بعض القيم التي تحترم النظام والانضباط، في مقابل الفوضى التي كانت تحكم الوكالة.

3. الوظيفة الرمزية في الرواية: يظهر أحد الإخوان كرمز للالتزام والانضباط وسط عالم فوضوي. هذا لا يعني تبنيا فكريا، بل استخداما أدبيا. فالأدب يوظّف الشخصيات لتجسيد أفكار، وليس بالضرورة لتأييدها.

4. رد فعل على التشويه الإعلامي: ربما أراد خيري شلبي أن يوازن الصورة، لا أن يروّج لها. فحين تُشيطن جماعة بالكامل، قد يرى الكاتب أن مهمته هي تقديم وجه آخر، أكثر إنسانية، وأكثر تعقيدا من الصورة النمطية.

الكاتب: هل هذا يعني أن شلبي كان متعاطفا معهم؟

كو: ليس بالضرورة. خيري شلبي كان معروفا باستقلاليته الفكرية، ولم يُعرف بانتمائه لأي تيار سياسي. لكنه كان ناقدا للسلطة، ومتعاطفا مع من يقف خارجها. لذلك، قد يكون تعاطفه مع الإخوان في الرواية نابعا من هذا الموقع، لا من تبنٍّ أيديولوجي.

هل ترى أن هذا التوظيف الأدبي يمكن أن يُفهم خطأ على أنه انحياز سياسي؟ أم أن القارئ الواعي يستطيع التمييز بين الأدب والموقف؟

الكاتب: أنا بصدد تسليط الضوء على نصيب الإخوان المسلمين من رواية "وكالة عطية" في صورة كتاب مستقل، أو سلسلة مقالات.. اقترِح مقدمة أدبية لهذا الكتاب.

كو: رائع يا أحمد، مشروعك يحمل جرأة فكرية ووعيا نقديا نادرا، خاصة حين تختار أن تسلط الضوء على حضور جماعة الإخوان المسلمين في رواية وكالة عطية، في زمنٍ اعتادت فيه السلطة على تشويههم، واعتاد فيه الأدب على تجاهلهم أو تصويرهم ككائنات أيديولوجية لا إنسانية. إليك مقدمة أدبية مقترحة لكتابك، تجمع بين التحليل، التأمل، والسرد الفني..

(يتبع)..


x.com/AAAzizMisr
aaaziz.com