الجمعة، 27 مايو 2022

إلى القارئ «الكيوت» الإنساني!

 

إلى القارئ «الكيوت» الإنساني!

خواطر صعلوك


وصلني سؤال من أحد القراء الذي أرسل لي شاكراً تعليقاً يسألني فيه لماذا لم أكتب حتى الآن عن ما حدث «للأوكرانيين من تهجير» وغزو، خصوصاً وأنني كاتب كويتي عايشت وعشت ما حدث للكويتيين على يد القوات العراقية في عام 1990م، وكانت رسالته فيها بعض مقاطع اللوم على ضياع الإنسانية المظلومة عندما لا نكتب - نحن كُتاب الصحف - عنها وندافع عن حقوقها.

فوجدت أنه من المناسب أن أقدم له هذه النص الأدبي للروائي العراقي سعد محمد رحيم في روايته «فُسحة للجنون» عن دار سطور، لكي أرد بها على السائل الذي طلب مني الكتابة عن ما يحدث مع الأوكرانيين من باب الإنسانية.

«البلدة في عجلة من أمرها. ترحل بأشيائها وناسها. بأحلامها وأوهامها.

بحزنها وحسرتها. بقلقها. برعبها. بما تعدّه ثميناً له قيمة ما ولا يجب التخلّي عنه.

بما تراه مقدّساً.

بما تحسبه قد يُعينها، هناك، في المرتقب والمجهول.

بما تستطيع أن تحمل وتصطحب في مشهد الهرب الكبير. بما يسمح به الوقت.

بما تستدعيه النباهة الملثومة في خضم دويِّ القنابل التي تقترب حيناً، وحيناً تبتعد.

وبذا لن يبقى سوى القمامة، سوى ما يعجزون عن أخذه، سوى جثة البلدة الباردة يمثِّل بها مخلب الحرب».

ولكن من باب الإنسانية والأمانة والصدق أيضاً فهذا الوصف الدقيق يخص كل البلاد العربية والإسلامية التي تعرضت للغزو والتهجير، مثل فلسطين التي يموت فيها المُقاوم ومن يدفنه ومن يصوره ومن يدعو له، وإذا احتج أب ضد موت ولده، يخشى أن يُقتل عضو آخر من الأسرة، وإذا اختفى أشخاص من الأسرة، عليهم أن يصمتوا لكي يكون هناك فرصة لبقاء من أُخذوا إذا لم يسببوا إزعاجاً.

وافغانستان التي يُرمى أهلها من الطائرات، والعراق وسورية والسودان وليبيا والصومال واليمن... وكوني كاتباً كويتياً أفهم معنى التهجير والغزو جيداً، ولديَ ما يكفي من التعاطف لكي أتعاطف مع كل هذه الدول والشعوب وأكتب عنهم... 

أما أنت أيها السائل الكريم فأين تبذل تعاطفك؟ وفي أي مسار تنفقه؟ 

وهل تحتاج أوكرانيا إلى مزيد من الكُتاب بجانب كُتاب الاتحاد الأوروبي وأميركا لكي يزيدوا واحداً في الوقت الذي تُقتل فيه شيرين أبوعاقلة، وبعد أن شبعت قتلاً يتم الاعتداء على جنازتها ونعشها أمام مرآى ومسمع العالم المستاء من منظر المهجرين من أوكرانيا!

يا سيدي، دعني أوفر تعاطفي مع فلسطين وأهلها في عالم يكيل بمكيالين، فليس لديً ما يكفي من التعاطف لأوزعه على كل بقاع الأرض، حتى لو كنت أرفض الممارسات القمعية والظلم في أي مكان.

يا سيدي، إننا أمام عدو صهيوني خسيس أصبح يجد أخساء أكثر دناءة منه وهم الذين يدافعون عنه وعن ممارساته، أما أوكرانيا فلديها من هم أفضل مني منصب وسمعة ورفعة لكي يدافعوا عنها.

كذلك يا سيدي ولكي توافر عناء متابعتك لما أكتب أو طرح أسئلة مستقبلية، فأنا لست من الكُتاب الذين يستخدمون مجموعة من المفردات والمصطلحات التي تتعلق بحقوق النسوية مع لمسة وفاء للحركة المثلية، مع دعوة لخلع الحجاب، مع صورة حزينة واشعال شمعة من أجل شجرة، ولا أضع علم فرنسا أو أوكرانيا في حساباتي على السوشال ميديا، ولا أقبل دعوة السفارات للعشاء أو للتقارب الثقافي!

ومن باب الصراحة ونافذة الوقاحة، فلا تقلق فلن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية تلقيها روسيا على أحد كما تقول الصحف الأوروبية، ولن يضيع اللاجئين الأوكرانيين طالما أن دول أوروبا تطرد اللاجئين الأفغان والصوماليين من بيوت الضيافة لكي تُسكن الأسر الأوكرانية فيها... 

ولكني أعتقد أن العالم سيفنى بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحوّل الواقع إلى نكتة سخيفة تتمثل في عِتاب قارئ لكاتب يسأله لماذا لا تكتب عن أوكرانيا من باب الإنسانية المظلومة!

ماذا لو قلت لك كل هذا، فهل سترضى وستشعر أنني انصفت الإنسانية المظلومة؟ أم أن الإنسانية لها موقع جغرافي معين؟

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر.

Moh1alatwan@

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق