‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة التاريخ غير المروي لأوروبا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلسلة التاريخ غير المروي لأوروبا. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 سبتمبر 2025

أفريقيا تحت استعمار أوروبا: فصل الإبادة الكبرى في تاريخ البشر

أفريقيا تحت استعمار أوروبا: فصل الإبادة الكبرى في تاريخ البشر



مؤرخ ومثقف أفريقي من موزمبيق.

لقد تم بناء السرد السائد حول الاستعمار الأوروبي تاريخيا على أسطورة "المهمة الحضارية" التي تحدث عنها رئيس الوزراء الفرنسي جول فيري عام 1884، وتوسع التقدم، وعالمية الحداثة. ومع ذلك، يكشف التحليل النقدي أن الاستعمار شكل، في أبعاده المتعددة، أكبر إبادة جماعية في تاريخ البشرية.

إلى جانب الإبادة الجسدية لملايين الأرواح، أدى الاستعمار إلى تدمير أنظمة ثقافية ولغوية وإبستمولوجية (معرفية) كاملة، بالإضافة إلى فرض هياكل اقتصادية وسياسية لا تزال تعيد إنتاج التفاوتات العالمية حتى اليوم، كما بين الشاعر والمفكر المارتينيكي إيمي سيزير في كتابه الصادر 1950، والمفكر الكاميروني أشيل مبمبيه في أعماله المنشورة 2001.

ويُضاف إلى ذلك تدمير الاقتصادات المحلية، ونهب الموارد، وفرض الحدود الاصطناعية وأنظمة الاستخراج، وفي الوقت الحاضر، استمرار الاستعمار الجديد من خلال مؤسسات، مثل صندوق النقد الدولي، وفرنك السي إف إيه (CFA).

1- الاستعمار والإبادة الجماعية: قراءة قانونية-تاريخية

من هذا المنطلق، من المهم إقامة جسر بين النقد الأخلاقي والفلسفي للاستعمار، والأدوات القانونية الدولية التي تسمح لنا اليوم بتصنيفه كجريمة إبادة جماعية.

وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبتها (1948)، تُعرف الإبادة الجماعية بأنها "النية المتعمدة لتدمير، جماعة قومية، أو عرقية، أو دينية، أو إثنية تدميرا كليا، أو جزئيا".

ينطبق هذا التعريف على العديد من الحلقات الاستعمارية: إبادة الشعوب الأصلية في الأميركتين، كما عرضها المؤرخ الأميركي ديفيد ستانارد في دراسته 1992؛ والمجازر في الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني، كما تناولها المفكر الكونغولي جورج نزونغولا-نتالاجا 2002؛ وإبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا، كما وثقها المؤرخ الألماني يورغن زيمرر في كتابه المنشور 2005؛ وغيرها.

لم يقتصر الاستعمار على الهيمنة الإقليمية، بل صاحبته مشاريع لإعادة هندسة المجتمع والدين واللغة، غالبا على افتراض أن الشعوب المستعمَرة كانت أدنى منزلة أو "شبه بشرية".

2- سيزير وإدانة بربرية الاستعمار

بعيدا عن المنظور القانوني، قدمت أصوات من المستعمرات السابقة نقدا لاذعا للهمجية المقنعة بالتمدن. في هذا السياق، تبرز إدانة إيمي سيزير العميقة.


في كتابه "خطاب حول الاستعمار"، يدين سيزير، في الطبعة الصادرة عام 1950، نفاق أوروبا الاستعمارية في تصدير ما أسمته "الحضارة"، والتي اتضح عمليا أنها همجية منظمة. بالنسبة لسيزير، لا يمثل الاستعمار مأساة أخلاقية فحسب، بل هو مرض سياسي لأوروبا الحديثة. "الحضارة التي تعجز عن حل المشكلات التي تخلقها هي حضارة منحطة".

يجادل المؤلف بأن النازية لم تكن شذوذا، بل هي عودة أوروبية لممارسات كانت مطبقة مسبقا في المستعمرات. "ما لا يغفره الأوروبي لهتلر ليس الجريمة نفسها، جريمة ضد الإنسان، بل الجريمة ضد الرجل الأبيض".

بتلخيص وموافقة لسيزير (نفس المرجع)، تدين أوروبا ككل، وامتدادا لها العالم بأسره، جرائم الرايخ الثالث. ومع ذلك، فيما يخص الاستعمار، تُبرَر هذه الجرائم تماما من الناحية الأخلاقية والأيديولوجية والثقافية والتاريخية، حتى يومنا هذا.

تبرر أحزاب مثل حزب تشيغا في البرتغال الدور الحضاري والتحديثي للاستعمار: "تركنا طرقا وجسورا". هذه التصريحات التي أدلى بها أندريه فينتورا، زعيم الحزب، هي جزء من موقف سياسي أوسع لحزب تشيغا وغيره من الكيانات السياسية في أوروبا والعالم الغربي، ضد أي تعويضات محتملة للمستعمرات السابقة.

3- فانون والعنف كأساس استعماري

علاوة على ذلك، يجد نقد سيزير تعميقا وجوديا وثوريا في فرانتز فانون، الذي يحول العنف الاستعماري ليس فقط إلى تشخيص، بل إلى أرضية للمقاومة.

في كتابه "المعذبون في الأرض"، يحلل فانون، في عمله المنشور 1961، الاستعمار كنظام قائم على العنف الكلي -شكل متقن وكامل من السيطرة التامة. بالنسبة لفانون، الاستعمار هو إنكار لإنسانية المستعمَرين، الذين تُختزل حياتهم إلى الخضوع والصمت.

من هذا المنظور، يشكل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (1948-1994) كنظام سياسي واقتصادي، نسخة شرعية له. "الاستعمار لا يكتفي بفرض الاحتلال الملموس؛ بل يفرض كونا ثقافيا أجنبيا، مبنيا على الاحتقار".

العنف الاستعماري، إذن، ملموس ومعنوي -يفكك الهويات والثقافات والذاتيات. وقد تجسد هذا العنف الذي وصفه فانون بشكل ملموس عبر جغرافيات استعمارية متعددة. تم تجسيد منطق التجريد من الإنسانية، من الأميركتين إلى آسيا، إلى سياسات منهجية للإبادة والاستغلال.

4- استمرار الاستعمار: مبمبيه وكويخانو ونقد الاستعمار الجديد

لا تشكل تلك الأحداث التاريخية مجرد وقائع نادرة من الماضي. كما يوضح مبمبيه وكويخانو، أعادت هياكل الهيمنة الاستعمارية تنظيم نفسها تحت أشكال جديدة، محافظة على نفس التسلسلات الهرمية العرقية والاقتصادية.

يجادل أشيل مبمبيه (2001)، في عمله "حول المستعمرة الجديدة"، بأن نهاية الاستعمار الرسمي لم تعنِ نهاية الهيمنة. ما يستمر هو "استعمارية السلطة"، وهو مفهوم صاغه أنيبال كويخانو (2000)، ويشير إلى استمرار التسلسلات العرقية والإبستمولوجية (المعرفية) والاقتصادية المؤسسة في الاستعمار، والتي تعيد إنتاجها اليوم مؤسسات مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وقوى مثل فرنسا، التي لا تزال تحافظ على علاقات التبعية مع مستعمراتها السابقة من خلال سياسات "تعاون" غير متماثلة، كما يشرح هينينغ ميلبرر في كتابه المنشور عام 2016.

"لم يختفِ الاستعمار مع الاستقلال. لقد أعاد تنظيم نفسه تحت أشكال جديدة من القيادة المالية والثقافية"، كما كتب كويخانو. فرضيات صندوق النقد الدولي للسياسات التقشفية، وفرض السياسات النيوليبرالية، وشروط الديون العامة تفرض نفسها اليوم كشكل جديد من الهيمنة الاقتصادية -"إعادة استعمار" حقيقية تحت ستار العولمة.

على سبيل المثال، يذكر الاقتصادي البريطاني جاسون هيكل أن "أفريقيا فقدت منذ 1980 أكثر من تريليون دولار في تدفقات مالية غير مشروعة- 33 مرة أكثر مما تلقت كمساعدات".

يشكل هذا البناء الاقتصادي والأيديولوجي والسياسي نموذجا هيكليا يحافظ على نموذج ما بعد الاستعمار الذي يمارسه المركز على كامل محيطه السابق، متغلغلا في مزيج قسري من الديمقراطية.


وبالتالي، تؤدي نماذج الدولة بعد الحرب الباردة إلى نسخة منحرفة نسبيا من الديمقراطية الغربية وإنكار مرضي وغير متأمل للنماذج ما بعد الاستعمار. وهنا، يعاني قطاع الأكاديمية بشكل خاص من الضغط للحفاظ على هذا النموذج، غالبا ليُجبر على التفكير ضمن النموذج الاستعماري أو استمراريته بدلا من إيجاد بدائل للخروج من هذا النمط الفكري.

5- منظور المركز وقمم "بلس أفريقيا"

بالإضافة إلى ذلك، تعيد المنتديات والآليات للتنسيق الجيوسياسي بين المركز والمحيط، مثل قمم "بلس أفريقيا"، إنتاجا رمزيا لعدم التماثل الذي ورثته فترة الاستعمار.

تعمل قمم مثل الاتحاد الأوروبي-أفريقيا، فرنسا-أفريقيا، أو الصين-أفريقيا على تعزيز فكرة أن أفريقيا يجب أن "تُدمج" ضمن قيم السوق والأمن والتنمية -وهي مصطلحات محددة من "المركز". وغالبا ما تفترض هذه المنتديات منطقا أبويا ونفعيا يستمر في تبعية الأجندات الأفريقية، كما أوضح المفكر البرتغالي بوالنتيمو دي سوسا سانتوس في دراسته المنشورة 2007.

ويكاد الخطاب السائد في هذه المساحات يتجاهل المسؤولية التاريخية للاستعمار ويرفض مناقشة مواضيع مثل التعويضات، إعادة التراث المنهوب، أو استعادة السيادة الإبستمولوجية (المعرفية) للدول الأفريقية بجدية.

6- مؤلفون مؤيدون للاستعمار: كيبلينغ وفيري و"المنطق الحضاري"

من المهم أيضا تسليط الضوء على أن المنطق الإمبريالي لم يتوطد فقط من خلال الوسائل العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضا عبر الإنتاج الخطابي، الذي منحه المفكرون الأوروبيون وقادة الدول في ذلك الوقت المشروعية.

غالبا ما برر المثقفون والدبلوماسيون الأوروبيون الاستعمار. قصيدة روديارد كيبلينغ "عبء الرجل الأبيض" (1899) تعرض الهيمنة الاستعمارية على أنها "مهمة تضحية" من البيض تجاه "الهمج". وفي خطاب له أمام الجمعية الفرنسية عام 1884، قال رئيس الوزراء الفرنسي جول فيري: "للأجناس المتفوقة الحق لأن لديها واجبا في تمدين الأجناس الأدنى".

كانت هذه المفاهيم، المستندة إلى الداروينية الاجتماعية والعنصرية العلمية والعالمية الإمبريالية، مركزية لتبرير سياسات التوسع الاستعماري.

7- البيانات التاريخية حول الإبادة الجماعية الاستعمارية

الخطابات التي تبرر هذه الممارسات تجد انعكاسها في ممارسات الإبادة التي يمكن قياس حجمها بملايين الأرواح المفقودة. فيما يلي جدول ملخص لأهم مظاهر الإبادة الجماعية الاستعمارية:

المصدر: كما أورد المؤرخ ديفيد ستانارد في دراسته عام 1992، 
وجورج نزونغولا-نتالاجا في مؤلفه الصادر عام 2002، 
ويورغن زيمرر في عمله المنشور عام 2005، 
وكذلك المؤرخ الأميركي آدم هوششايلد في كتابه الصادر عام 1998.

تكشف هذه البيانات بُعدا واحدا فقط من أبعاد الإبادة الجماعية الاستعمارية. لفهم حجمها الحقيقي، من المهم إدراك أن الاستعمار يجب تحليله ليس فقط من خلال سياقاته الجغرافية الأكثر وضوحا (أفريقيا، أميركا، آسيا)، بل من خلال أصله الهيكلي والأيديولوجي: أوروبا. هذا البناء الجيوسياسي الفريد الذي يزعم الجغرافيا ليتميّز عن الآخرين.

في هذا السياق، تمتد شرور الاستعمار إلى الكون بأسره، كما يمكن فهمه من شعار الكومنولث الإمبريالي "حيث لا تغرب الشمس أبدا". على سبيل المثال، يمكننا النظر في العمليات الاقتصادية والديمغرافية التالية:

7.1 التجارة المثلثية

على الرغم من أن القارة الأفريقية تركز بشكل واضح على آثار الاستعمار، فمن الضروري توسيع النظر إلى سياقات أخرى تجلى فيها العنف الاستعماري بنفس الوحشية. أمثلة نموذجية تشمل تجارة العبيد عبر الأطلسي، إبادة الشعوب الأصلية في الأميركتين، والعنف المفروض في المستعمرات الآسيوية.

تُقدر أعداد الأفارقة الذين تم شحنهم بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر بأكثر من 12.5 مليونا؛ توفي نحو 1.8 مليون، منهم أثناء عبور "الممر الأوسط" (Middle Passage). كانت الوجهات الرئيسية لهذه الهجرة القسرية:


  •  البرازيل: 4.9 ملايين.
  •  الكاريبي: 4.5 ملايين.
  •  أميركا الشمالية: 388 ألفا.

7.2 إبادة الشعوب الأصلية في الأميركتين

يُقدر أن السكان الأصليين في الأميركتين (شمال، وسط وجنوب) انخفض عددهم من نحو 70-100 مليون عام 1492، إلى نحو 5-10 ملايين في القرن الـ19 نتيجة: المجازر، الأمراض، الجوع القسري، والتهجير الإجباري من الأراضي. على سبيل المثال:

درب الدموع (ثلاثينيات القرن الـ19): تم نقل أكثر من 60 ألفا من السكان الأصليين قسرا. في مذبحة ونديد ني بولاية ساوث داكوتا في الولايات المتحدة (1890): قُتل 300 شخص من المدنيين الأصليين العزل.

7.3 الاستعمار البرتغالي

تسببت الحملات الاستعمارية البرتغالية (الحروب بين 1961-1974) في نحو 50 ألف وفاة بين العسكريين وعدد لا يُحصى من المدنيين، خصوصا في أنغولا وموزمبيق.

وأدى العمل القسري في أنغولا إلى معدل وفيات يقارب 40% في بعض المناطق، بحسب تقارير صحفية نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" في خمسينيات القرن الـ20، وتسبب في مجاعات في مزارع ساو تومي (القرنين 19-20) التي كانت تديرها شركات الكاكاو.

7.4 شبه القارة الآسيوية

لم تسلم شبه القارة الآسيوية من المنطق الاستعماري الأوروبي المفترس والعنصري. حدثان يبرزان هذا المسار بشكل دراماتيكي:

  • مذبحة أمريتسار (1919): في أمريتسار بالهند، قتل البريطانيون أكثر من ألف شخص وأصابوا 1200 آخرين من المدنيين العزل.
  • المجاعة المتعمدة في البنغال (1943): أدت الإجراءات الاستعمارية البريطانية إلى مجاعة متعمدة أودت بحياة 3-4 ملايين شخص. لم تحدث المجاعة بسبب فشل المحاصيل، بل نتيجة قرارات سياسية وعسكرية متعمدة من الحكومة البريطانية تحت قيادة ونستون تشرشل، مثل:
    • الأسلوب الاستخراجي الاستعماري: أضعفت النماذج الاقتصادية الاستعمارية الزراعة المحلية، واعتمدت بشكل كبير على المحاصيل الأحادية (مثل الأرز)، دون استثمار في التخزين أو الري أو توزيع الغذاء داخليا.
    • مصادرة الأرز ونقله للحرب: خلال الحرب العالمية الثانية، اعتبرت الإمبراطورية البريطانية الهند قاعدة إستراتيجية في الصراع ضد اليابان، وتم تحويل كميات كبيرة من الأرز للجنود والمناطق ذات الأولوية.
    • سياسة المنع: نفذها البريطانيون لمنع اليابانيين (الذين غزوا بورما) من الوصول إلى الموارد إذا تقدموا إلى الهند. أسفرت هذه السياسة عن تدمير متعمد للقوارب وحقول الأرز واحتياطيات الطعام في البنغال -معطلة حركة الغذاء في المناطق الريفية.
    • استمرار تصدير الغذاء: حتى أثناء المجاعة، استمرت الهند في تصدير الحبوب إلى المملكة المتحدة، ما كشف أولوية المستعمِرة (المستهلك) واحتقار المستعمَرة (المنتج). بين 1942 و1944، تم تصدير أكثر من 70 ألف طن من الأرز من المناطق الهندية لتزويد الجيوش البريطانية والمستعمِرة.
    • التقاعس واللامبالاة: رفض ونستون تشرشل إرسال الطعام أو السماح بتحويل الشحنات للبنغاليين. وعندما ضُغط عليه، قال: "الهنود يتكاثرون كالأرانب". وكانت الاستجابة الرسمية الوحيدة للندن إرسال 600 طن من الحليب المكثف -وهو فعل سخرت منه حتى الإدارة الاستعمارية الهندية نفسها.

تمثل مجاعة البنغال مثالا صارخا على كيفية تضحية المنطق الإمبريالي البريطاني بحياة المستعمرين باسم أمن ومكانة المستعمِرة. مثل الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني، تمثل البنغال عام 1943 استخداما منهجيا للمعاناة الإنسانية كأداة للسلطة. في هذا السياق، تكشف الحداثة الغربية جانبها المظلم -ليس حضاريا، بل أداة عنصرية وإبادية.

يجادل عدة مؤرخين ومؤلفين، بما في ذلك الباحثة الهندية مادهوشري موكيرجي في كتابها "الحرب السرية لتشرشل" (2010)، بأن مجاعة البنغال لم تكن مأساة طبيعية، بل مجاعة متعمدة وقابلة للتجنب، ناجمة عن العنصرية وتجريد الإنسان من إنسانيته والإهمال الجنائي.

يشير بعضهم، مثل الاقتصادي الهندي أمارتيا سين في كتابه المنشور عام 1981، إلى هذا الحدث كمثال على العلاقة بين غياب الديمقراطية والكوارث الإنسانية: "لا توجد ديمقراطية فعالة سمحت بحدوث مجاعة واسعة النطاق".

الخاتمة

بهذا الشكل، يظهر الاستعمار ليس كعملية متجانسة، بل كنظام عالمي للهيمنة يعبر عن نفسه بعدة مظاهر إبادة جماعية. تحتم هذه الأمثلة استنتاجا سياسيا واضحا ومؤسسا على الوقائع التاريخية.

لا ينبغي تفسير الاستعمار على أنه انحراف أخلاقي عن التاريخ، بل كأساس عنيف وإبادي للحداثة الغربية. يظهر إرثه اليوم بأشكال الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإبستمولوجية.

واعتبار الاستعمار أعظم إبادة جماعية في تاريخ البشرية ليس مبالغة سياسية، بل هو اعتراف ضروري لبناء العدالة التاريخية والفكر ما بعد الاستعماري الحقيقي.

الأربعاء، 20 سبتمبر 2023

السويد.. موظف سوسيال سابق يكشف وقائع خطيرة

السويد.. موظف سوسيال سابق يكشف وقائع خطيرة



لأول مرة يتحدث موظف في إدارة الشؤون الاجتماعية بالسويد والمعروفة بـ “السوسيال” عن كوارث فساد تحدُث تحت عين المسؤولين، لسحب أبناء المهاجرين من آبائهم وإعطائهم لأسر حاضنة دون رقابة.. الأمر ليس إلا وسيلة السويد..لهدم العائلة

الأحد، 17 سبتمبر 2023

"نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت".. ذكري إعدام "أسد الصحراء"

"نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت".. ذكري إعدام "أسد الصحراء"
صورة من الأرشيف الإيطالي للمجاهد عمر المختار بعد اعتقاله- 


في مثل هذا اليوم من كل عام يحي الليبيون ذكرى استشهاد "شيخ الشهداء"، عمر المختار على يد القوات الإيطالية "المحتلة" وقتها، متذكرين جهاد الآباء المؤسسون ووحدة ليبيا في وجه "الطليان".

وتسمي ليبيا هذا اليوم بيوم الشهيد وهو عطلة رسمية في البلاد، احتفاء منهم بتاريخ وجهاد عمر المختار الذي لقب بـ"أسد الصحراء"، وشيخ المجاهدين".

مولده ونشأته

ولد عمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي في 20 آب/أغسطس عام 1858، فى منطقة "جنزور"، بالقرب من مدينة "طبرق" في شرق ليبيا، وتلقى تعليمه الأول في زاوية "جنزور" ثم سافر إلى واحة "الجغبوب"، للدراسة وتحصيل العلم الشرعي على يد العلماء، وكان أغلبهم يتبعون الطريقة السنوسية".

وطاف "المختار" عدة مدن ليبية، للعلم وللجهاد معا، وسرعان ما انضم إلى صفوف المجاهدين ضد الغزو الإيطالي للبلاد، ليقود بعدها الجهاد كله ضد "الطليان" حتى لحظة القبض عليه.

بدأ "شيخ المجاهدين"، نضاله ضد إيطاليا وهو ابن 57 عاما، لذا أطلقوا عليه شيخ المجاهدين، واستمر جهاده أكثر من عشرين عامًا يقود فيها المعارك، إلى أن تم القُبض عليه من قِبل جنود الاستعمار الإيطالي.

"سيدي عمر"

تأثر عمر المختار بالحركة السنوسية في ليبيا وكان ذو ثقة عند شيوخها وقادتها، حتى عينه الشيخ محمد المهدي السنوسي، ثاني زعماء السنوسية، شيخاً لزاوية "عين كلك" في السودان من أجل مقاومة الاستعمار الفرنسي هناك، واختاروه قائدا للمقاومة ضد الفرنسيين أيضا في تشاد.

وأدَّت علاقة "المختار" الوثيقة بالحركة السنوسية إلى اكتسابه لقب "سيدي عمر"، والذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ السنوسية وقادتها المعروفين، ويردد كثير من الليبيين هذا اللقب حتى الآن.

جهاده ضد "الطليان"


ورغم أن عمر المختار كان معلما للقرآن الكريم وبعض العلوم الشرعية إلا أنه سرعان ما تحول إلى مجاهد وقائدا للمقاومة ضد الاحتلال الإيطالي بعدما أعلنت روما في عام 1911 الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت إنزال قوَّاتها بمدينة بنغازي الساحلية شمال برقة في 19 أكتوبر من العام نفسه.

وعندما علم المجاهد الليبي بهذا الغزو سارع في تأسيس معسكرا للتدريب والمقاومة في منطقة "الخروبة"، ثم انتقل منها إلى منطقة "الرجمة" (شرق البلاد) حيث التحق هو والمقاتلين معه بالجيش العثماني.

كبّد الشيخ المقاتل معسكرات وجنود الاحتلال الإيطالي خسائر فادحة عبر ضربات خاطفة ومعارك صحراوية كان خبيرا بها، ما جعل كل ثكنات روما في ليبيا معرضة لضربات المقاتلين، وانتشر صيته عند قادة الاستعمار الإيطالي وقتها، وأصبح "المختار" المطلوب الأول لإيطاليا.

وفي شهر أكتوبر سنة 1930 اندلعت معركة كبيرة بين جنود الإستعمار وقوات المجاهدين الليبين بقيادة عمر المختار، وفور انتهاء المعركة عثر الجنود الطليان على نظارة عمر المختار وكانت معروفة لديهم، ما أكد لهم أن "الشيخ" لازال على قيد الحياة بعدما فشلوا في رصد تحركاته.

وهنا فرح قادة الاستعمار بهذه الخطوة، بل قال قائدهم:"اليوم عثرنا على نظارته وغدا نأتي برأسه"، لكن الغد هذا استمر أكثر من عام من المعارك والكر والفر والقتال، ولم يتم القبض على شيخ المجاهدين إلا بعد 11 شهرا من هذه الواقعة.

اعتقاله

في 11 سبتمبر من عام 1931، رصدت وحدة استطلاع إيطالية تحركات لمجموعة من المقاتلين الليبيين في طريقها لمدينة البيضاء، ما دفع قادة الاحتلال الإيطالي إلى تجهيز قوات كبيرة جدا ومدعومة بكافة الأسلحة لحصار هذه المجموعة، وهو ما حدث بالفعل، واشتبك الفريقان في معركة مفاجئة، وكانت المفاجئة الكبرى أن عمر المختار موجود بهذه المجموعة بعدما تعرف على حصانه أحد الجنود الليبيين "المرتزقة".

وتم بالفعل القبض على عمر المختار في عملية تطويق بوادي "بوطاقة" جنوب مدينة البيضاء (شرق ليبيا)، وتمَّ استدعاء أحد القادة الطليان الذي فاوضوا والتقوا عمر المختار من قبل ليؤكد لهم هويته، وهو ما أكده الضابط الإيطالي.

تم نقل "أسد الصحراء" إلى مبنى بلدية سوسة، ومن هناك على ظهر "طرَّاد" بحري إلى سجن بنغازي مُكبّلا بالسلاسل، ولم يستطيعوا نقله برا خوفا من رد فعل المقاتلين.

إعدامه


وفي 15 سبتمبر 1931 جرت محاكمة صورية لـ"شيخ المجاهدين"، ليصدر حكم الإعدام شنقا ضده، على أن يتم تنفيذه صباح اليوم التالي، وهو ما حدث في مشهد مروع، وتعمد الطليان إحضار 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.

وفي لحظة لاينساها العالم، نظر "شيخ الشهداء" كما يلقبه الليبيون إلى الجموع الغفيرة ولم ينطق إلا بالشهادتين، ليقوم المستعمر بتنفيذ حكم الإعدام في رجل بلغ حينها 73 عامًا، أمام أعين الليبيين الذين يتذكر أجدادهم هذا المشهد حتى الآن، ليظل "أسد الصحراء" رمزا كبيرا في ذاكرة الليبيين توحدهم وتذكرهم بنضالهم ضد المستعمر الأجنبي.

الجمعة، 1 سبتمبر 2023

دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم


دمياط والحملات الصليبية.. قرن من الملاحم

فريق العمل

تقع مدينة دمياط في شمال مصر، قرب ملتقى البحر الأبيض المتوسط بأحد فرعيْ نهر النيل الشهيريْن، والذي يحمل اسمها. ودمياط من المدن القليلة التي لم تسرق القرون وجودها، وتدفعها حركة الأيام إلى زاوية مظلمةٍ في كتاب الواقع والتاريخ، فهي ما تزال إحدى أهم الموانئ المصرية، وموئل صناعة الأثاث الهامة.

لكن في العصور الوسطى، لاسيَّما في قرنيْ الصراع الإسلامي – الصليبي في الشرق، كان لدمياط حضور أكثر بروزًا من الناحية العسكرية، فقد كانت أهم الثغور الساحلية المصرية على البحر الأبيض المتوسط، وكانت هدفًا أساسيًا في خطط الصليبيين المتكررة للاستيلاء على مصر، فقد كان الانقضاض على ثغر دمياط بأسطول كبير يحمل جيشًا جرارًا، ومن ثم النفاذ منها إلى قلب مصر عبر النيل، مُغريًا دائمًا للصليبيين.

في هذه الجولة التاريخية سنسلط الأضواء على أبرز تلك الغزوات الصليبية التي استهدفت مصر عبر بوابة دمياط، وكيف سرقت تلك المدينة الصاخبة بالسيوف قبل البضائع أضواء التاريخ في فترة حاسمة من تاريخ العصور الوسطي، والصراع الطويل بين الشرق الإسلامي والغرب الصليبي.
صلاح الدين.. الوزير الشاب ومعركة الدفاع عن دمياط

وألح الفرنج على أهل دمياط وضايقوهم، والناس فيها صابرون في محاربتهم. وبعث صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده، فجهز إليه نور الدين العساكر شيئًا بعد شيء، وخرج بنفسه إلى بلاد الفرنج بالساحل وأغار عليها واستباحها *المقريزي.. أحداث عام 565 هـ، كتاب «اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا».

في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي (الموافق السادس الهجري) كانت مصر على موعدٍ مع انقلابٍ تاريخي كبير، إذ آلت الخلافة الفاطمية الشيعية، التي هيمنت على مصر واتخذتها خاصرتها الكبرى لأكثر من قرنين، إلى الزوال، وعادت مصر اسميًا تحت حكم الخلافة العباسية السنية، ممثلة في القائد الطموح صلاح الدين الأيوبي، بعد حلقاتٍ مثيرة من الصراع.

على مدار سنواتٍ خمس شهدت أرض مصر ثلاث مواجهاتٍ بين قوات مملكة بيت المقدس الصليبية يقودها الملك الطموح أمالريك، وقوات الملك العادل نور الدين محمود تحت قيادة أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الشاب صلاح الدين الأيوبي. انتهت المواجهتيْن الأولييْن بما يشبه التعادل، أما الثالثة فرغم اقتراب الصليبيين في بدايتها من انتزاع الهيمنة على مصر، إلا أنها انتهت بانتصار شيركوه وابن أخيه عام 564 – 1169م، وتوحُّد مصر والشام للمرة الأولى منذ عقود، رغم وجود بعض التعقيدات السياسية في المشهد.

عيَّن الخليفة الفاطمي العاضد شيركوه وزيرًا لمصر بصلاحياتٍ واسعة، وكحلٍّ وسط، أصبح الخطباء يوم الجمعة يدعون لكلٍ من الخليفة العاضد، وللملك العادل. في ذلك الزمن كانت هذه علامة الولاء السياسي الأهم. لكن ما لبث شيركوه أن تُوُفِّي بعد أسابيع قليلة، فعيَّن العاضد ابن أخيه صلاح الدين في موقع الوزارة خلفًا له.


كانت التحديات الداخلية تحيط بوزارة الشاب صلاح الدين، فقد اعتبره معظم الأمراء الفاطميون دخيلًا على مصر، يهدد بانتزاع كل ما تحت أيديهم من سيادةٍ ونفوذ وأموال لا تحصى، فأشعلوا العديد من الثورات والقلاقل ضد صلاح الدين. بالتوازي، لم ينسَ الصليبيون هزيمتهم المذلة في مصر، ورأوا في عودتها لأول مرة منذ عقود لمعادلة الصراع الإسلامي – الصليبي خطرًا وجوديًا، فقرروا التحرك سريعًا لانتزاع مصر من قبضة صلاح الدين قبل أن يستقر وضعه على رأس هرم السلطة فيها.


عام 565هـ – 1170م، وبينما لم يمر عام واحد على وزارة صلاح الدين الأيوبي، اكتمل تنفيذ خطةٍ خطيرةٍ للاستيلاء على مصر عبر الاستيلاء على دمياط. شهد ذلك المخطط لأول مرة تحالفًا عسكريًا بين الصليبيين في الشام، وصقلية، وإسبانيا وغيرها، والدولة البيزنطية، وهو ما تجاوز – ولو إلى حين – الخلافات المذهبية العميقة، وتضارب المصالح السياسية بين الجانبين. فقد اتفقَ الجانبان على عدم السماح لبروز قوةٍ إسلامية صاعدة في مصر والشام، تقلب الموازين القائمة في منطقة شرقي البحر المتوسط.

وصلت القوات الصليبية إلى دمياط على متن أكثر من ألف سفينة وقارب، وفرضت حصارًا بريًّا وبحريًا على المدينة. أرسل صلاح الدين الأيوبي من القاهرة مددًا كبيرًا لتعزيز صمود المدينة المحاصرة، بقيادة ابن أخيه الأمير تقي الدين عمر، وخاله شهاب الدين الحارمي، وأنفق من الخزانة ما يقارب ألف ألف دينار لدعم الجهود الحربية، واستمرَّ وصول الإمدادات إلى المدينة عبر النيل. لكن لم يستطِع صلاح الدين أن يتوجه بنفسه إلى دمياط لقيادة جهود الدفاع، خوفًا من اضطراب الأحوال في القاهرة في غيابه، واستغلال خصومه الفرصة للانقلاب.

ما إن وصلت أنباء حصار دمياط إلى الملك العادل نور الدين في الشام، حتى بادر بتعبئة جيوشه، وشن هجماتٍ عديدة ضد الصليبيين في الشام، وذلك لتخفيف الضغط عن قوات صلاح الدين في مصر، وتشتيت انتباه الصليبيين، وإجبارهم على الحرب في جبهتيْن في آن.

استمرَّ القتال أكثر من 50 يومًا، عجز خلالها الصليبيون عن اختراق أسوار المدينة الحصينة، رغم استخدامهم آلات الحصار والمجانيق، فبدأت الخلافات تدب بين قادتهم لاسيّما مع وصول الأنباء عن غارات قوات الملك العادل نور الدين على المناطق الصليبية في الشام، وعجزها عن الدفاع الفعَّال لوجود معظم قواتها في معركة دمياط. كذلك بدأت الأمراض تفعل فعلها في معسكرات الصليبيين، كما تسبَّبت الظروف الجوية في غرق الكثير من السفن والمراكب؛ مما صعّب وصول الإمدادات إلى قواتهم.

رفع الصليبيون حصارَهم عن دمياط، وانسحبوا عبر البحر مخلِّفينَ وراءهم الكثير من الأثقال والمجانيق التي عجزوا عن حملها لنقص السفن والمراكب. أقيمت الاحتفالات بالنصر أيامًا في القاهرة وفي الشام، وتعزَّز موقف صلاح الدين الأيوبي في مصر كثيرًا.
الكامل الأيوبي والحملة الصليبية الخامسة.. القدس ودمياط على الميزان

هُوَ الْكَامِل الْمولى الَّذِي إِن ذكرته ـــــــ فيا طرب الدُّنْيَا وَيَا فَرح الْعَصْرِ

بِهِ ارتجعت دمياطُ قهرًا من العِدى ـــــــ وطهر بِالسَّيْفِ وَالْملَّة الطُّهْرِ

لَك الله من ملك إِذا جاد أوسطا ــ فناهيكَ من عُرفٍ وناهيك من نُكْرِ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الكامل الأيوبي بعد انتصاره على الصليبيين واستعادة دمياط عام 1221م.

عام 614 هـ – 1217م اجتمعتْ قواتُ الصليبيين في مدينة عكا، التي كانت تمثّل عاصمة الوجود الصليبي في الشرق استعدادًا لغزو مصر. وصلت أنباء الحملة الصليبية إلى الملك العادل الأيوبي – أخي صلاح الدين الأيوبي – فخرج بقواته إلى فلسطين لقطع الطريق أمام الصليبيين قبل أن يهددوا بيت المقدس، أو يتوغَّلوا في البلاد. استغلَّ الصليبيون الزيادة العددية لصالح جيوشهم، فهاجموا الكثير من مناطق فلسطين والشام ونهبوها دون أن ينتزعوا السيطرة على أي هدفٍ كبير، بينما تحصَّن العادل بقواته قرب دمشق انتظارًا لوصول الأمداد من مختلف مناطق الدولة، ثمَّ ما لبث الوضع في الشام أن استقرَّ؛ لأن تلك المعركة كانت عَرَضية، فالهدف الرئيس للصليبيين كان مصر، عبر بوابة دمياط.

في العام التالي رست المئات من سفن الصليبيين على ساحل دمياط، وأنزلت الآلاف من الجنود والفرسان من الألمان والفرنسيين وسواهم، تحت قيادة حنا دي برين، ملك بيت المقدس الذي كان يقيم في عكا، العاصمة الفعلية بعد استعادة المسلمين للقدس.

كان يفصل قوات الصليبيين عن المدينة نهر النيل الذي يصب في البحر المتوسط في تلك البقعة، والذي كان يحول دون إبحارهم عبرَه إلى القاهرة مباشرة، وجود سلاسل من الحديد تغلق مدخل النيل من البحر، ويحرسها حصنٌ منيع، يسمى حصن السلسلة.

شرع الصليبيون في تحصين مواقع تمركزهم، وبناء آلات الحصار والمجانيق لاستهداف حصن السلسلة الذي يحمي مدخل النيل، وتحول دفاعاته دون قيامهم بقص السلاسل الحديدية لاختراق النيل. وصل الأمير الكامل بن العادل إلى ظاهر دمياط بقواته، وكان واليًا لأبيه على مصر، لينظم الدفاع عن الميناء الهام، وصمد الحصن لأكثر من أربعة أشهر، رغم القصف الصليبي المتواصل، ووصلت إلى الصليبيين في دمياط إمدادات جديدة أرسلها بابا روما بقيادة الكاردينال بلاجيو شديد التعصب والحماسة.

نجح الصليبيون آخر المطاف في السيطرة على حصن السلسلة، ومن ثمَّ قطعوا السلاسل الحديدية، واخترقوا حاجزًا أقامته قوات الكامل على النيل على مسافةٍ قليلة من السلاسل، فما كان من قوات الكامل، إلا أن قامت بإغراق عدة سفن كبيرة في مجرى النيل لتعطيل الملاحة عبره جنوبًا صوب معسكر الكامل.

حتى ذلك الحين، لم تكن مدينة دمياط نفسها واقعة تحت الحصار العسكري المباشر، إذ كان النيل يفصل بينها وبين قوات الصليبيين، وكانت قوافل الإمداد تصل إليها برًا من حين لآخر، كما كان أهلها يشعرون بالاطمئنان لوجود قوات الكامل التي تحول دون عبور الصليبيين النيلَ إلى المدينة، رغم الغلاء الشديد الذي بدأ يعصف في المدينة مع تطاول الحرب، وتناقص الإمدادات داخلها.

الحملة الصليبية الخامسة


في ذلك العام 615 هـ – 1218م حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تُوُفّي سلطان مصر والشام الملك العادل الأيوبي، وذكرت بعض المصادر أن سبب وفاته هو اغتمامه لأنباء سقوط حصن السلسلة في دمياط. اضطربت الأحوال في الدولة، ووصلت الأنباء المفزعة إلى الأمير الكامل المنشغل بمعركة دمياط بأن أحد الأمراء في القاهرة – اسمه ابن المشطوب – حاول استغلال الفرصة مع بعض حلفائه للقيام بانقلاب عسكري في القاهرة، وانتزاع ملك مصر من الكامل، ومنحه إلى أخٍ للكامل يلقَّب بالفائز، لكي يحكموا فعليًا من ورائه.

ترك الكامل معسكره جنوبي دمياط على عجل، وعاد إلى القاهرة لضبط الأوضاع، فاضطربت الأحوال في دمياط، وفرَّ الكثير من أهلها وحاميتها، فاستغلَّ الصليبيون الفرصة السانحة، وعبروا النيل دون مقاومةٍ، واستولوْا على المدينة، وأعملوا القتل والسلب والنهب فيمن لم ينجح من أهل دمياط في الفرار، وهكذا سقطت دمياط بعد 16 شهرًا من بدء حصارها بهذا السيناريو الغريب، بعد صمودٍ عسكري طويل.

نجح الكامل في ضبط الأوضاع في القاهرة لصالحه، لاسيَّما مع وصول مددٍ كبيرٍ من الشام له بقيادة أخيه الملك المعظَّم عيسى، ونُفيَ ابن المشطوب إلى الشام. لكن ما لبث عيسى أن عاد إلى الشام، وخرَّب أسوار بيت المقدس، لكي لا يتمكن الصليبيون من الدفاع عنها في حال استيلائهم عليها. وشدَّد الكامل قبضته على مصر، وعلى القاهرة خصيصًا، ومنع خروج الناس منها، بعد أن خشى من أي يتسبَّب الهلع من تقدم الصليبيين في فرار الكثيرين إلى مناطق داخلية بعيدة، وإضعاف الموقف الدفاعي.

عسكر الصليبيون في دمياط، ورممّوا أسوارها وتحصيناتها، ليجعلوا منها معقلًا حصينًا، ومنطلقًا لاستكمال هجومهم على مصر، وبدأوا في شن الغارات على المناطق القريبة من دمياط، للاستيلاء على كل ما تطاله أيديهم، لكن لم تحدث مواجهة كبرى فاصلة بينهم وبين الكامل، فأصبح المشهد العسكري أشبه بحالة التعادل «stalemate» في لعبة الشطرنج. واستمرَّت الإمدادات بالرجال والأسلحة تصل إلى الصليبيين من جهة البحر.

خشى الكامل من استمرار سيطرة الصليبيين على دمياط، وتحولِّها إلى كعبةٍ للفرسان الصليبيين القادمين من أوروبا؛ مما يُنذر بنجاحهم في الاستيلاء على مصر عاجلًا أو آجلًا، فعرض على الصليبيين عرضًا سخيًّا مقابل الجلاء عن دمياط، يتضمن تسليمهم بيت المقدس، وعسقلان، واللاذقية، ومعظم ما فتحه صلاح الدين الأيوبي، ما عدا قلعة الكرك الحصينة بالأردن. أراد حنا دي برين الموافقة على عرض الكامل بعد مساومته للحصول على الكرك، و300 ألف دينار، لكن المتعصبين – وعلى رأسهم بلاجيو – رفضوا وأصروا على مواصلة القتال حتى احتلال القاهرة، والقضاء على دولة الأيوبيين. فتعثَّرت المفاوضات.

حرَّض بلاجيو الصليبيين عام 618هـ – 1221م على شن هجوم كاسح للوصول إلى القاهرة، واضطر حنا دي برين إلى الموافقة لعجزه عن كبح جماح بلاجيو، فعسكر الجيش الصليبي إلى الجنوب من دمياط على مقربةٍ من معسكر الكامل في المنصورة.

ارتكب الصليبيون خطأ فادحًا لجهلهم بطبيعة البلاد وظروفها المناخية؛ إذ كان معسكرهم يقع في منطقةٍ منخفضة، فاستغلَّ الملك الكامل تلك الفرصة السانحة التي تزامنت مع موسم فيضان النيل، فأمر بفتح السدود القريبة، فاندفعت مياه الفيضان لتكتسح الأراضي المنخفضة ومنها معسكر الصليبيين الذي تعرض لخسائر جسيمة في الأفراد والمعدات، وأحاطت المياه بالصليبيين من كل جانب، وعجزوا عن الانسحاب شمالًا إلى دمياط؛ إذ وجدوا قوات الكامل قد أغلقت في وجوههم الطريق الوحيد الذي لم تغمره المياه.

في تلك الأثناء استولى الأسطول المصري على قافلة بحرية كبيرة كانت تجلب الإمدادات إلى الصليبيين، فسرى اليأس في نفوسهم مع هذا الانقلاب المفاجيء في الأحوال. حاول الصليبيون مواصلة المفاوضات مع الكامل على قاعدة العرض السخي الذي قدمه لهم قبل أشهر، لكن لم يحظَ هذا المسعى بأي نجاح، فقد وجد الكامل نفسه قد أصبح في موضع قوة، لاسيَّما وقد وصلت إلى مصر إمدادات جديدة من الأفراد والأسلحة من طرف أخويه الأميرين: المعظم عيسى، والأشرف موسى.

لم يجد الصليبيون مفرًّا من مفاوضة الكامل على تسليم دمياط دون شرطٍ سوى ضمان سلامتهم الشخصية، فوافق الكامل على ذلك، وأخذ بعض قادة الصليبيين رهائن، لضمان تسليم حامية دمياط الصليبية المدينة إلى قوات المسلمين.

من المفارقات أن المسلمين تسلموا دمياط وقد غدت أشد تحصينًا، بعد ما أنفقه الصليبيون من جهدٍ ومال في تعزيزها دفاعيًا لتكون معقلًا دائمًا لهم في مصر. كذلك كان قد وصل مدد كبيرٍ عبر البحر إلى الصليبيين بعد أيامٍ قليلة من تسليمها للمسلمين، ولو وصل هذا المدد قبل أيام لتغير مسار معركة دمياط كثيرًا.

دمياط وحملة القديس لويس

أحدثت هزيمة الصليبيين الساحقة على يد قوات سلطان مصر الصالح نجم الدين أيوب في موقعة غزَّة عام 642هـ – 1244م صدمةً هائلة في أوروبا الكاثوليكية، لاسيَّما أنها ثبَّتت استعادة السيطرة الإسلامية على بيت المقدس، الهدف الرئيس للحملات الصليبية على المشرق.

أيَّد بابا روما إينوسنت الرابع ما أعلنه لويس التاسع ملك فرنسا من عزمه قيادة بحملة صليبية كبرى – عُرِفَت بالحملة الصليبية السابعة – لاستعادة ما فقده الصليبيون في الشرق، لكن استغرق إعداد تلك الحملة شهورًا طويلة، لاسيّما مع انشغال الأوروبيين بالخطر المغولي الذي كان يستهدف شرقي أوروبا في تلك الفترة، وببعض الصراعات الداخلية بين ملوك أوروبا، كالصراع بين فرنسا وإنجلترا.

عام 647هـ – 1249م وصلت قوات الحملة الصليبية إلى جزيرة قبرص، استعدادًا للانقضاض منها على مصر، عبر دمياط أيضًا. لما ترامت الأنباء إلى سلطان مصر آنذاك الصالح أيوب بن الكامل، عزَّز حامية دمياط بالمقاتلين والإمدادات الكافية لتحارب الصليبيين أشهرًا، ووضعها تحت قيادة الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، وعسكر بقواته في المنصورة إلى الجنوب من دمياط، لقطع الطريق أمام الصليبيين لغزو القاهرة إذا نجحوا في احتلال دمياط. وأقام في قصرٍ أقامه أبوه الكامل إبان الغزوة الصليبية السابقة على مصر قبل أكثر من 30 عامًا.


الصالحُ الملكُ الذي لِزمانِه … حُسنٌ يتيهُ به الزمانُ ورَوْنقُ

مَلِكٌ تحدّثَ عن أبيهِ وجَدّه … نسبٌ لَعَمري فى العلا لا يُلحَقُ

*بهاء الدين زهير مادحًا الملك الصالح نجم الدين أيوب.


وقعت بعض المواجهات بين قوات الصليبيين، وحامية دمياط التي خرجت لتواجهَهم خارج الأسوار، لكن لم تسفر تلك المواجهات عن نتيجة حاسمة. لكن وقعت الهزيمة، عندما ارتكب الأمير فخر الدين وقادته خطأً كبيرًا في المناورة بالقوات؛ فتسبَّب بظنِّ أهل دمياط أن الجيش على وشك الانسحاب من المدينة كما حدث في الغزوة السابقة زمن الكامل، فاضطربت أحوال المدينة، وانسحب منها معظم سكانها وحاميتها، واستولى الصليبيون على المدينة الحصينة دون مقاومةٍ تُذكر، وعثروا بداخلها على ما لا يُعَدُّ ولا يحصى من الأسلحة والذخائر والأقوات.

«أما بعد فَإِنَّهُ وصل كتابك، وَأَنت تُهددُ فِيهِ بِكَثْرَة          جيوشك وَعدد أبطالك. فَنحْن أَرْبَابُ السيوف، مَا قُتِل منا قِرنٌ إِلَّا جددناه، وَلَا بغى علينا بَاغ إِلَّا دمرناه. فَلَو رَأَتْ عَيْنَاك – أَيهَا الْمَغْرُور – حد سُيُوفنَا، وَعظم حروبنا،    وفتحنا مِنْكُم الْحُصُون والسواحل، وأخربنا مِنْكُم ديار    الْأَوَاخِر والأوائل، لَكَانَ لَك أَن تعض على أناملك بالندم، ولابد أَن تزل بك الْقدَم، فِي يَوْم أَوله لنا وَآخره عَلَيْك»
، كان هذا رد الصالح أيوب بقلم بهاء الدين زهير، على رسالة لويس التاسع ملك فرنسا مهددا باجتياح مصر.

جُنَّ جنون الملك الصالح، وأمر بإعدام العشرات من قادة حامية دمياط، ووبَّخ الأمير فخر الدين بشدة، وشرع في تعزيز الدفاعات في منطقة المنصورة، لتعطيل تقدم الصليبيين من دمياط إلى القاهرة. وفي المنصورة وعلى مدار أسابيع لم تنقطع الاشتباكات بين الجانبين، وتصاعدت هجمات المتطوعين المصريين والقبائل العربية بأسلوب حرب العصابات ضد مواقع الصليبيين وخطوط إمداداتهم، ووقع العشرات من الصليبيين بين أسير وقتيل كل يوم.

لكن في تلك الأثناء أخذت صحة الصالح أيوب في التدهور رغم العناية الطبية الفائقة التي بُذِلت له، ومات. فأخفت زوجته المملوكة شجر الدر خبر وفاته؛ حتى لا تضطرب نفوسُ المقاتلين في تلك الأوقات العصيبة، بينما أعلمت دائرة ضيقة من كبار القادة ومماليك الملك الصالح بما حدث، وأرسل على وجه السرعة إلى توران شاه بن الصالح، وكان في حصن كيفا جنوبي تركيا الحالية، ليعود على وجه السرعة ليتسلَّم زمام السلطنة، وأخذت تصدر المراسم السلطانية، وتوقعها، ويكأنَّها صادرة من السلطان شخصيًا، ونظَّمت البيعة من الأمراء والمقَدَّمين إلى توران شاه، وأصبح الأمير فخر الدين هو المتصرف في إدارة الدولة والمعركة بجانب شجر الدر.

أما الصليبيون فقد وصلتهم أنباء مرض الصالح الشديد، فأرادوا استغلال الفرصة لحسم المعركة، فتقدموا بالقوة الضاربة لجيشهم جنوبًا حتى لم يفصِل بينهم وبين معسكر المسلمين سوى فرع من النيل يسمى بحر أشموم. تبادل الجيشان القصف بالمجانيق، واشتدَّت أعمال المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، وابتكر المصريون طرائق فريدة للإيقاع بالصليبيين، فكان بعضهم يجعل من قشر البطيخ خوذة، ويسبح على تلك الحال إلى مقربة من معسكر الصليبيين، فإذا نزل أحدهم إلى الماء للحصول على ثمرة البطيخ أمسك به وعاد به أسيرًا إلى البر الآخر.

استمرَّت تلك الحال أسابيع، حتى دلَّ بعض العملاء من المعسكر الإسلامي الصليبيينَ على مخاضٍ في بحر أشموم يمكن أن يعبروه بخيولهم، فقام 1400 فارس صليبي يقودهم الكونت دارتوا شقيق الملك لويس التاسع، بمباغتة معسكر المسلمين عبر ذلك المخاض، فتمكنوا من قتل الأمير فخر الدين، والعديد من فرسان المسلمين ومقاتليهم الذين لم يفيقوا من الصدمة بعد، ووصل بعض فرسان الصليبيين إلى بوابة قصر السلطان.

دارت في شوارع المنصورة وأزقتها حرب شوارع حامية الوطيس، واستعاد المسلمون التوازن مع ما أظهره مماليك الصالح من بسالة وشراسة في القتال، لاسيَّما ركن الدين بيبرس البندقداري – السلطان المملوكي الشهير فيما بعد – والذين نجحوا في قتل المئات من فرسان الصليبيين وفي مقدمتهم الكونت دارتوا نفسه. وكانت معركة المنصورة تلك بداية هزيمة الحملة الصليبية على مصر.

وصل توران شاه إلى مصر، فأعلنت وفاة أبيه الصالح، وتقدَّم لقيادة الجيش في المعركة الدائرة. وقام الأسطول المصري بهجوم جريء، إذ فُككت بعض السفن، وحملت على الجمال، ونُصبت في النيل بين دمياط والمنصورة، فباغتت قافلة بحرية كبيرة لإمداد الصليبيين كان قوامها 52 سفينة، وقتل أكثر من ألف صليبي، وانقطع المدد عن القوات الصليبيية في المنصورة، فساءت أحوالها، وتجرأ المقاتلون والمتطوعون المسلمين أكثر في هجماتهم ضد الصليبيين.

حاول لويس التاسع أن يحقق ما عجز عنه عسكريًا عبر المفاوضات، فراسل توران شاه باستعداده لتسليم دمياط مقابل القدس وبعد مناطق الساحل الشامي، فقوبل طلبه برفضٍ قاطع.

مع مطلع العام التالي 648هـ حاولت قوات لويس التاسع الانسحاب شمالًا إلى دمياط، فتتبعهم فرسان المماليك والمتطوعون، وأثخنوا فيهم، ثم دارت موقعة كبيرة في فارسكور جنوب دمياط، قاد فيها توران شاه بنفسه قوات المسلمين، وألحق هزيمة ساحقة بقوات لويس التاسع، قتل فيها أكثر من 10 آلاف من الصليبيين، وأسر الآلاف؛ فأمر توران شاه بقتلهم. أما لويس التاسع فقد وقع في الأسر، واعتقل في دار القاضي فخر الدين بن لقمان في المنصورة.

وبينما تجري المفاوضات بين الصليبيين والمسلمين من أجل تقرير مصير لويس التاسع الأسير، ومدينة دمياط، دبَّ الخلاف بين السلطان توران شاه، ومماليك أبيه الصالح أيوب، لاسيَّما فارس الدين أقطاي، وعز الدين أيبك، وركن الدين بيبرس، وقد حنق المماليك منه لإساءته لزوج أبيه شجر الدر، وتنكره لما فعلته بعد وفاة أبيه من أجل حفظ الدولة انتظارًا لعودته، كما غضبوا لتقديم توران شاه رجاله الذين جاءوا معه من حصن كيفا في المناصب. تطورت الأمور سلبًا إلى حد قيام المماليك بقتل توران شاه قبل أن تمر ثلاثة أشهر على سلطنته، وأقاموا مكانه شجر الدر سلطانةً على مصر، وتلقبت بأم خليل المستعصمية.

أتمت شجر الدر المفاوضات مع لويس التاسع، والتي قضت بتسليم دمياط دون قيدٍ أو شرط، وإطلاق سراح لويس ومن بقي من أسرى جيشه – وكانوا 12 ألفًا – مقابل 400 ألف دينار. وذاعت أبيات للشاعر المصري جمال الدين بن مطروح يخلد فيها الانتصار على جيش لويس التاسع على هيئة حوار يسخر فيه من الملك لويس.


أتيت مصرًا تبتغي مٌُلكهَا … تحسب أَن الزمر يَا طبل ريحْ

وكل أَصْحَابك أودعتَهم … بِحسن تدبيرك بطن الصَّرِيحْ

سَبْعُونَ ألفا لَا يرى مِنْهُمُ … إِلَّا قَتِيل أَو أَسِيرٌ جريح

وَقل لَهُم إِن أزمعوا عودةً … لأخذ ثأر أَو لفعل قَبِيح

دَار ابْن لُقْمَان على حَالهَا … والقيد بَاقٍ والطواشي صبيحْ

والطواشي صبيح هو الشخص الذي كان مكلفًا بحراسة لويس التاسع إبان أسره في دار ابن لقمان. ورغم الهزيمة الساحقة في مصر، فإن الكنيسة الكاثوليكية كانت تقدر لويس التاسع لإيمانه المسيحي الشديد، وجهده الصليبي اللافت، فاعتبرته قديسًا، وحصل على لقب سانت لويس.

جدير بالذكر أن لويس التاسع نظَّم حملة صليبية كبيرة على نمط حملة دمياط، لكن كان هدفها تونس، بعد أكثر من 20 عامًا، لكنه مرض ومات أثناء الحملة، ففشلت في تحقيق هدفها، وأهدى إليه أحد شعراء تونس قصيدة على نهج قصيدة ابن مطروح، فقال:


يَا فرنسيس هَذِه أُخْت مصر … فتأهب لما إِلَيْهِ تصيرْ

لَك فِيهَا دَار ابْن لُقْمَان قبرًا … وطواشيك مُنكرٌ وَنَكِيرْ


السبت، 27 أغسطس 2022

4 قصص من التاريخ المظلم.. كيف ازدهر «الاسترقاق» في عصر نهضة أوروبا؟

 4 قصص من التاريخ المظلم.. 

كيف ازدهر «الاسترقاق» في عصر نهضة أوروبا؟


فريق العمل

نشرت مجلة «هيستوري إكسترا»، التابعة لإذاعة «بي بي سي» البريطانية مقالً لهانا سكودا، أستاذة تاريخ العصور الوسطى في كلية سانت جون بجامعة أكسفورد، سلَّطت فيه الضوء على ازدهار الاسترقاق في عصر النهضة في أوروبا، وتروي من خلاله قصصًا عن أناس كانوا مكبلين بقيود العبودية في حقبة لم تكن تُطبَّق فيها المُثُل العليا للحرية، ونُبل الطبيعة البشرية على الجميع.


في بداية مقالها، تقتبس الكاتبة نصًّا لعقد استرقاق أحد الأشخاص، وكان ذلك في مدينة دوبروفنيك الكرواتية عام 1281: يقول فيها العبد «وهبتُ نفسي وبِعتها، بمحض إرادتي، لأكون عبدًا لإلياس بن بلاسيوس راستوس، مقابل أربع عملات ذهبية ونصف، وهذا العقد صالح حتى وفاتي، لكي يتمكن سيدي إلياس من أن يفعل بي ما يشاء».


وتذكرنا هذه الوثيقة بأن استرقاق البشر كان ظاهرة شائعة عبر البحر الأبيض المتوسط، ​​وجنوب أوروبا، في أواخر حقبة العصور الوسطى، كما أنها تجسد بوضوح بالغ فظائع العبودية في هذه الحقبة.


الاسترقاق.. الجانب المظلم من عصر نهضة أوروبا

تقول الكاتبة: إننا نحتفي حقًّا بإنجازات عصر النهضة في أوروبا، إلا أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تحوَّلت، في أواخر العصور الوسطى، ​​إلى وجهة لاسترقاق البشر؛ حيث كان العبيد يُنقَلون عبر جميع سواحلها ويُباعون في مدنها، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. وجرت العادة ألا يُشار إلى هؤلاء العبيد، الذي كانوا خدَمًا لعددٍ من الشخصيات المرموقة، في الروايات المؤرِّخة لعصر النهضة في أوروبا.


وسوف أسرد في مقالي هذا بعض قصص العبيد الذين بِيعوا في جنوب أوروبا، إذ تعج المحفوظات بعقود توثيقية عن مبيعات الرقيق، وذلك بداية من دوبروفنيك الكرواتية حول ساحل إيطاليا، ومرورًا بجنوب فرنسا وساحل إسبانيا، وانتهاءً ببيعهم في بورتو بالبرتغال.

الاسترقاق لوحة لسيد يعذب عبده 

وفي عام 1367، بيعت سيدة تُدعى كريستين في مرسيليا، يقول مشتريها إنه يمكنه «امتلاكها واحتجازها ومنحها وبيعها واستبدالها وفعل ما يحلو له معها». واضطلعت مدينة جنوة الإيطالية بدور رئيس في قصة العبودية في هذه الحقبة. وسيطر تجار جنوة على ميناء كافا الواقع على البحر الأسود (فيودوسيا حاليًّا والقرم الشرقية) في أواخر القرن الثالث عشر، واستخدموه مركزًا لبيع العبيد وشرائهم. وسرعان ما انضم إليهم تجار من عدة مدن أخرى.

وتوضح الكاتبة أن هؤلاء الرقيق، الذين ينحدرون من أصول مختلفة، مثل الروس والتتار والبلغار والأتراك واليونانيين والألبان، كانوا يُباعون عبر موانئ البحر الأسود، ومن ثم ينقلون إلى جنوب أوروبا. ومنذ عام 1415، جلبت الحملات البرتغالية إلى الساحل الغربي لأفريقيا مزيدًا من العبيد الأفارقة للتجارة فيهم. وفي هذه الفترة، كان 20% من العائلات في برشلونة لديهم عبيد. وفي جنوة، يُعتقد أن النساء العبيد ربما كُنَّ يُشكِّلن نحو 10% من فئتهن العمرية، أي إن هذه الظاهرة لم تكن بسيطة.

الإنسانية والاتجار بالبشر

تُنوه الكاتبة إلى أن هذه الحقبة شهدت مناقشة إنسانية عصر النهضة لأفكار الحرية ونُبل الطبيعة البشرية وأهمية المصلحة العامة. إلا أن هذه المجتمعات كانت تعتمد أيضًا على الاتجار بالبشر واسترقاقهم. وعلى الرغم من تجلي النفاق في أبهى صوره، لم ينجُ من هذه الظاهرة أحد من المعاصرين لهذه الحقبة.

وحظرت دوبروفنيك تجارة الرقيق في عام 1416 بوصفها «تجارة مشينة وملعونة وبغيضة وجريمة بحق البشرية بأسرها». ومع ذلك، لم تحظر ملكية الرقيق وتمكن التجار من العثور على ثغرات. وأصدر ألفونسو العاشر، ملك قشتالة في الفترة من عام 1252 حتى عام 1284، مجموعة قانونية تُعرف باسم «Siete Partidas أو القانون ذو الأجزاء السبعة»، والذي أكدَّ ازدراء ممارسة تجارة الرقيق. وعلى الرغم من ذلك، ظلَّت هذه المنطقة تمارس تجارة الرق، وكانت جزءًا لا يتجزأ من الهياكل الاجتماعية.

لكن الأهم من ذلك، هو تسليط الضوء على ما عاشه العبيد أنفسهم، ولدينا في هذا السياق آلاف من عقود بيع الرقيق، ناهيك عن وثائق التقاضي، سواء عندما يتشاجر المالكون والتجار، أو عندما يحاول العبيد الاعتراض على ظروفهم. وتعامل هؤلاء العبيد مع أوضاعهم بشجاعة وبراعة، ولا شك أن الاستماع إلى قصصهم سيبرز جانبًا مهمًّا في هذه الحقبة. وسنسرد لكم أربعًا من قصصهم.

القصة الأولى: دابراكا دي بوسنا.. العبدة التي باعت شقيقتها

تبدأ الكاتبة بقصة عبدة من دوبروفنيك، عُرفت باسم راجوزا، وكانت المدينة، في ذلك الوقت تعج بالعبيد، ومن ثم باع التجار بعضهم إلى الخارج، لا سيما عبر البندقية، إذ كانت دوبروفنيك جزءًا من الإمبراطورية البحرية بمدينة البندقية، وكان بعض هؤلاء العبيد يخدمون في عائلات راجوسان.

وفي محفوظات عام 1982، وجدنا عبدة تُدعى، دابراكا دي بوسنا، ويمكن التخمين بأنها أُسِرت في غارة على المناطق النائية حول دوبروفنيك، لأن اسمها يعطي فكرة عن أصولها. وفي عام 1282 استطاعت دابراكا شراء حريتها، وهذا الإجراء لم يكن غريبًا. إذ أصبح عديد من العبيد أحرارًا من خلال عملية تُعرف باسم العِتق، على الرغم من أن السجلات التاريخية نادرًا ما تخبرنا بما حدث لهم لاحقًا.

وكان أمام الرقيق مساران للحصول على حريتهم، الأول أن يُحرر السيد أو العشيقة العبد أو العبدة؛ وهذا ما فعله بعض السادة بقصد العمل الخيري. كما حرَّر بعض السادة عبيدهم بمحض إرادتهم، في محاولة منهم لكسب الضمان الروحي.

أما الطريق الثاني فكان من خلال أن يدخر العبيد بعضًا من عائداتهم الهزيلة ويشترون بها حريتهم. وعلى الرغم من أن العبيد كان ينظر إليهم في القانون نفسه على أنهم من أملاك سيدهم، فإن مبدأ القانون الروماني المعروف باسم «بيكوليوم» سمح لهم بدفع أجر زهيد يمكن توفيره من أموالهم الخاصة، واستخدم كثيرٌ من العبيد هذه الأموال لشراء حريتهم.

تؤكد الكاتبة أن هذا الأمر يوضح كيف حاول العبيد التعامل مع أوضاعهم الخاصة. ومع ذلك، لم تدخر دابراكا ما يكفي لشراء حريتها، لذلك، لجأت إلى بيع شقيقتها. وعندئذ، حُررت لها وثيقة العتق التي أصبحت بموجبها دابراكا حرة يمكنها «التجول أينما شاءت وباتت حرة إلى الأبد».

وسُلِّمت شقيقتها، في المقابل، لسيدها لكي «تخدمه بكل الوسائل ووفقًا لرغباته». لكن كانت هناك خدعة: إذ بِيعت الأخت لمدة أربع سنوات فحسب، وبعد ذلك أصبحت حرة. وقد نندهش من علاقة الشقيقتين: فهل كانت هذه خيانة؟ أم رابطة عاطفية قوية تدفع هاتين الشقيقتين لدعم بعضهما بعضًا حتى في ظل هذه الظروف الرهيبة؟ وفي كلتا الحالتين، تغلبت دابراكا على أزمتها بطريقة مذهلة.

القصة الثانية: ثيودورا وماريا.. أُمَّان شابتان قاومتا الرق

تبرز الكاتبة أن الروابط الأسرية تتجلى بوضوح في عديد من قصص العبيد، فعلى الرغم من اختطاف العبيد بوحشية من منازلهم وفصلهم عن مجتمعاتهم المحلية، فإنهم، مع ذلك، كانوا مستمرين في التماس السُّبل التي تحافظ على الإحساس العائلي.

وفي أحيانٍ كثيرة، كان استرقاق النساء يتضمن بُعدًا جنسيًّا، وأصبح عديد من النساء المستعبدات حوامل من أسيادهن. وكان من المفترض، بموجب القانون الروماني في العصور الوسطى والقانون الكنسي وغيرها من القوانين المدنية، أن يصبح نسل العبيد رقيقًا مثل أمهاتهم. ومن ثم، استطاع باسكال دي جالديس، أحد نبلاء مدينة مرسيليا الفرنسية، شراء جارية حامل وابنها البالغ من العمر أربع سنوات، في عام 1465، وبعد ثلاث سنوات بيع الطفل.







لوحة لسوق بيع العبيد 

وقد وجدت بعض النساء المستعبدات سبيلهن للاعتراض على هذه الوحشية، وكانت ثيودورا إحداهن، والتي عاشت على جزيرة كريت وأنجبت ولدين، ديميتريوس وأندرونيكوس، من سيدها بيترو بوركو. وفي عام 1345، قرر بوركو بيع الولدين، مدعيًا أن هذا كان حقه القانوني، لأنهم ورثوا وضع العبودية لأمهم. ومع ذلك، منع قضاة جزيرة كريت، التي كانت مستعمرة للبندقية، عملية البيع، موضحين أن «الولدين أحرار وسيظلون هكذا إلى الأبد».

وتضيف الكاتبة أن هناك سيدة أخرى كانت تعيش على جزيرة كريت وتعمل في الدعارة، تُدعى ماريا، قيل لها إنها ستضطر إلى التخلي عن طفلها لأن الأب كان عبدًا، لكن ماريا لجأت إلى هذا القانون لاستخدامه لصالحها، ورفعت القضية إلى المحكمة لتؤكد أن الطفل يجب أن يرث وضعها الحر، وفازت بالقضية. وهذه القصص من شأنها التخفيف من وطأة وحشية قصص أخرى تُدمي القلب عن الأطفال الذين انفصلوا عن أمهاتهم في سنٍّ مبكرة.

القصة الثالثة: جراليكا وستوجانا وتفردسلافا.. «الهراطقة» اللاتي حصلن على حريتهن

تلفت الكاتبة إلى أن هذه قصة ثلاث مستعبدات من النساء عَرفن كيف يستخدمن القانون. وتمكنت الفتيات الثلاثة، بصورة غير عادية، من رفع دعوى قضائية، وعمل تعقيد المواقف القانونية والثقافية أحيانًا لصالحهن. وأحيانًا، تمكنت المستعبدات الثلاثة من استغلال النفاق في قلب المجتمع المسيحي.

إنها قصة جراليكا وستوجانا وتفردسلافا، اللائي استُعبِدن في البوسنة عام 1393. ووفق ما قاله تاجر رقيق، كانت الشابات الثلاثة تنتمين إلى طائفة هرطقة في البوسنة. وكان هذا تمييزًا مهمًّا، لأن القانون الكنسي للكنيسة الكاثوليكية يتعامل بصرامة وحزم مع استعباد المسيحيين الآخرين.

وخلال أواخر العصور الوسطى، اعتنق عديد من العبيد الديانة المسيحية، مما تسبب في مشكلة لسلطات الكنيسة، إذ لم يكن لديهم رغبة في أن يصبح المستعبَدون أحرارًا بتحولهم إلى المسيحية، لأنهم كانوا قلقين من أن يُؤدي ذلك إلى أن يُثني السادة عبيدهم عن التحول إلى المسيحية.

إلا أن الكنيسة تقرر أيضًا أن استعباد المسيحيين غير جائز. لذلك، توصلت قوانين الكنسية إلى تسوية وحل وسط، إذ قررت أن لحظة التحول إلى المسيحية فاصلة، فإذا كان العبد قد تحول قبل أن يُستعبد، فإن استعباده باطل. أما إذا كان العبد قد تحول بعد استعباده، فلا توجد مشكلة على ما يبدو.

لذلك، كيف ينطبق كل هذا على جراليكا وستوجانا وتفردسلافا؟ تجيب الكاتبة بأن الفتيات أعلنَّ أنهن تحولن إلى المسيحية قبل أن يُستعبدن. واستطاعت الفتيات الثلاثة، على نحو غير مسبوق، كسب قضيتهن، واضطُّر التاجر إلى إطلاق سراحهِن مما أثار غضبه كثيرًا.

القصة الرابعة: أنطوان سيمون.. العبد الذي هرب لينتصر على سيده

تؤكد الكاتبة أن بعضًا من قصص العبيد ترفع المعنويات، ظاهريًّا، إذ عمل المستعبَدون بجد للاعتراض على أوضاعهم وتغييرها لأن الاسترقاق كان مروعًا حقًّا، وهذا ما يتجلى بقوة في قصص عبيد كثُر حاولوا الهرب، إلا أن بعضهم كان يُقبض عليه ويُعاقب.

وكان لهذه العملية الفضل في توثيق الأحداث. وخير مثال على ذلك، أنطوان سيمون، العبد الأسود الذي عمل في برشلونة في أربعينيات القرن الرابع عشر، والذي عبر، في محاولة للهرب من سيده بونس فيرير، سلسلة جبال البرانس، والتي كانت رحلة مرعبة حتمًا. وعُرف، بطريقة ما، أن سيمون كان يستهدف مدينة بامير الواقعة في جنوب فرنسا؛ لأن الاسترقاق كان محرمًا فيها ومخالفًا للقانون، ووجد سيمون عملًا عند شخص يدعى بير توك.

بيد أن فيرير كان يستشيط غضبًا، ولاحق سيمون إلى بامير، ورفع دعوى قضائية ضد كل من سيمون وتوك، متهمًا الأول بالسرقة لأنه كان ملكية لفيرير. واستدعت المحكمة الرجلين، لكن سيمون جادل أمامها أن حريته أمر مقدس وفقًا لقانون موطنه الجديد، وهذا ما ردده توك أيضًا، وأكَّد حقه في توظيف سيمون بصفته إنسانًا حرًّا. إلا أن عامل الحسم في هذه القضية كان إصرار مسؤولي المدينة على تأكيد استقلالهم: والذي كان جزءًا من هويتهم المدنية للدفاع عن حرية سكان بامير، فعاش سيمون بقية حياته حرًّا.

تختم الكاتبة مقالها بتأكيدها أن قصة أنطوان سيمون كانت دليلًا على إصرار مدينة بامير على حماية حرية سكانها، وحذت حذوها عدة مراكز حضرية من خلال تبني سياسات مماثلة: واستقبلت مدينة تولوز عددًا من الهاربين من الرق، وأعربت بعض المدن الأخرى، التي ظل الاسترقاق شائعًا فيها، عن قلقها إزاء أخلاقيات هذه الممارسة.

ومع ذلك، وُضِع في هذه الفترة حجر الأساس لتطوير تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي في القرون اللاحقة، من خلال عدة تبريرات، من بينها الدينية، كما سُلِّط الضوء على المزايا الاقتصادية والأُطر القانونية لتحويل البشر إلى ممتلكات.

المصدر